[ص 1]

رسالة في الرد علي من رد علي الشيخ (اع) في مسئلتي المعاد و العلم

( اسم المورد الملا جعفر )

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

الحاج السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين الطيبين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انّي قد وقفت علي كلمات لبعض الاصحاب وفقه الله في كل باب و هداه سبيل السداد و الصواب كتبها علي بعض عبارات شيخنا و مولانا و استادنا فخر العلماء المحققين و خاتم المجتهدين عماد الاسلام و المسلمين شيخنا الشيخ احمد بن زين‌الدين اعزه الله و ابقاه و جعلني في كل مكروه فداه في مسئلة المعاد و عود الارواح الي الاجساد و رأيته قد تكلّم علي خلاف مراده و تنطّق عن غير اعتقاده من جهة عدم الانس باصطلاحاته و عدم التّتبع التام في مطاوي كلماته فانّ له مطالب و اصطلاحات خاصة لايهتدي اليها الا بالسماع منه سلمه الله تعالي كما هو شأن اهل كل فنّ بالنسبة الي فنّه و علمه فان اهل الهندسة مثلا لهم اصطلاح خاص لو ان البالغ في النحو الكامل فيه اراد ان يعرف كلماتهم و يفكّ رموزهم و اشاراتهم بمجرد قراءة النحو و عدم السماع منهم لم‌يتمكّن من ذلك بالضرورة فكيف اذا اراد الجرح و التعديل و التخطئة و التصويب ، فاحببت ان اشرح تلك الكلمات و اميّز غثّها من سمينها مع كمال اختلال البال و اضطراب الاحوال و حدوث الواردات و النائبات المانعة عن استقامة الحال و احببت ان اطّلع عليها قبل هذه الاوقات لأعطي حقّها من التحقيق و ارشد المتحير الي سواء الطريق و في [ص 3] التسويف خفت عروض العوايق و الموانع فبادرت مختصرا في المقال و مقتصرا علي الاجمال و مشيرا الي نوع الاستدلال و بالله المستعان و عليه التكلان في المبدء و المآل .

اعلم ان الذي تحقق بالضرورة من الدين و ثبت من مذهب سيد المرسلين عليه و آله صلوات الله ابد الآبدين هو القول بالمعاد الجسماني و الروحاني يعني عود الارواح الي الاجساد بعد موتها و هلاكها و فنائها فمن انكر هذه الجملة فقد كابر الضروري و زاحم البديهي و انكر ما جاء به النبي صلي الله عليه و آله فخرج عن الاسلام الا ان المسلمين مختلفون في تحقيق الروح و البدن و الجسم اختلافا كثيرا لايكاد ينضبط و قد ذكر العلامة المجلسي (ره) في البحار من الاقوال في الروح ازيد من عشرين قولا و ذكر عن بعضهم انه قال في الروح اربعون قولا ه‍ ، و ربما يزيد عن ذلك و احد الاقوال قول الفلاسفة ان الروح مجردة لا جسم و لا جسمانية و لم‌يتفردوا بهذا القول بل قد قال به جمع من المسلمين من العامة كجمع من قدماء المعتزلة و الغزالي و راغب الاصفهاني و من الخاصة شيخنا المفيد (ره) علي ما ذكر المجلسي و قال و ان قال بعضهم انه في آخر عمره رجع عن هذا الاعتقاد و نقل عن البهائي (ره) و جمع من المتأخرين انهم ذكروا ان في الاخبار ما يستفاد منه ذلك ه‍ ، اقول القائلون بذلك جمع كثير و جم غفير من علماء الخاصة و العامة و قد ذكر المجلسي ما ( من خ ) ذكر من باب المثال لا استقصاء الاقوال و باقي الاقوال كلها تدور علي جسمية الروح و عرضيّته و ما يجري [ص 4] مجراهما و ليس الآن قصدنا استقصاء الاقوال و تحقيق الحق منها بل مجرد ذكر خلاف اهل الاسلام . فاذا عرفت ذلك علمت ان كل صاحب قول يحمل عود الروح الي الجسد علي ما يذهب اليه و يختاره و الآخر بخلافه فلايقدح هذا الاختلاف في اسلامه و لا في ايمانه لأنه قال بما اتفق عليه المسلمون من عود الروح الي الجسد و اما حقيقة الروح و انها اي شيء و كيف يعود فلم‌يقم عليها اجماع و لا نص من كتاب مجمع علي تأويله و لا سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها و لا دليل عقل طابقت عليه العقول حتي اذا خالفها يخرج عن الدين فلم‌يبق له الا ما يؤدي اليه نظره و يوصل اليه فكره اذا اخذ من الجهة التي قرر الله تعالي له اياها و هو قول مولينا الكاظم عليه السلام في مكاتبته للرشيد علي ما رواه المفيد في الاختصاص و الصفار في بصاير الدرجات امور الاديان امران امر لا اختلاف فيه و امر فيه اختلاف فما ثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق لمستوضح تلك الحجة الرد اليه و التسليم له و ما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الأمة و عامها الشك فيه و الانكار له فما ظهر لك برهانه اصطفيته و ما خفي عليك بيانه نفيته ، هذا معني الحديث فظهر لك ان المختلفين في الروح مع اتفاق الكل بعودها بعد موتها الي الجسد باقون علي اسلامهم و ايمانهم ان [ص 5] لم‌يخرجوا عنهما بوجه آخر .

و الجسم ايضا قد اختلف العلماء فيه و في حقيقته فمنهم من يري انه مركب من الهيولي و الصورة و هو مذهب اكثر الحكماء و بعض المتكلمين و منهم من انكر الهيولي و قال ان الجسم هو الصورة الجسمية خاصة الموجودة حال الاتصال و الانفصال و هما عرضان طاريان علي تلك الصورة و نسب العلامة المجلسي (ره) هذا القول الي المحقق الطوسي (ره) و بعض الحكماء و قال ان هذا القول متين قوي جدا و منهم من انكر الجميع و قال ان الجسم مؤلف من اجزاء لايتجزّي و هو قول عامة المتكلمين من العامة و الخاصة و منهم من قال ان الجسم مركّب من اجزاء صغار صلبة و هو قول ذٖيمقراطٖيس الحكيم و غير ذلك من الاقوال في هذا المقام فاذا تحقق الخلاف و الاختلاف بين المسلمين القائلين بالمعاد الجسماني في الجسم و انه ايّ شيء فاذا حمله كل علي مذهبه و معتقده فلايحكم بكفره و لا بضلالته و لا بفسقه بعين ما ذكرنا في الروح و هذه المسئلة اجماعية لا خلاف فيها فان مناط الكفر انكار ما علم من الدين ضرورة و اما الذي فيه اختلاف مابلغ حد الضرورة فانكاره اذا ادّي اليه الدليل المعتبر هو الايمان الخالص .

ثم لا شك و لا ريب ان الاجسام تعتريها اعراض خارجية و اوساخ غريبة لا دخل لها في ذاتيتها و ليست مناطا لشيء من حقيقتها و اجزائها و صفاتها الذاتية و الفعلية و انما هي اشياء اعترته لقرانات بعض الكثافات فوجودها كعدمها بل عدمها احسن من وجودها و ذلك مثل الاوساخ التي تعتري البدن و تفسده فتحتاج الي الحمام و الدلك [ص 6] لازالتها فهل يجوز لأحد من العقلاء يتفوّه و يقول ان من انكر عود هذه الاوساخ و الاعراض و الغرايب هو المنكر للمعاد الجسماني و هل يُتصوّر ان يقال للرجل الذي تزال عنه اوساخ كثيرة و اخلاط فاسدة ان هذا ليس بذلك الرجل و ان جسمه ليس ذلك الجسم فتسقط عنه جميع الحقوق المتعلقة بالجسم الاول من الحد و القصاص و الدين و الدية و امثال ذلك مثلا اليد اذا توسّخت بقاذورة هل ينبغي ان لاتغسل اليد عنها و الا لتغيرت عن حقيقتها او يجب عليك ان تَغْسلها لتبعد عنها ما ينافي ذاتها و حقيقتها و الا لتغيّرت عن حقيقتها فاذا مات قبل الغسل وجب ان يبعثه الله معها اعتبر بحال الجنين حين تولده و خروجه الي هذه الدنيا لا شك انه مختلط بكثافات من الرحم و دم الحيض مغطّي بالمشيمة و لا شك انها اعراض و غرائب فهل تصفّي عنه تلك الكثافات و تُغسّل ام يُبقي علي حالته الاولية الكثيفة فبعد ما صفّي هل لعاقل ان يقول ان الجنين تغيّر عما هو عليه و ليس هذا بالذي كان في بطن الأم و الله سبحانه يقول و الله اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا و هذا انشاء الله تعالي واضح فاذن فابدان المكلفين في هذه الدنيا تتوسخ باوساخ مثل توسخ الجنين و توسّخ اليد و امثالهما فيكون لها شيئان شيء ذاتي حقيقيّ جوهريّ لايزول و لايتغير بل يرجع علي ما هو عليه و شيء وسخ عرض كثافة و هو الغطاء في قوله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فسُمّي بالاصطلاح البدن الحقيقي الاصلي بالجسد الثاني و الفلكي و الهورقليوي لكمال الثبات و الاصالة و [ص 7] الوسخي العرضي بالجسد الاول العنصري تشبيها بالعناصر التي هي عالم الكون و الفساد لا ان الجسم و البدن يخلو من عناصر هذا العالم الذاتية نعم العرضيّة مثل اوساخ اليد الظاهرية فيجب ذلك و الا ماانكشف الغطاء و اذا اردت الكلام بالمجادلة بالتي هي احسن فنقول ان الاجماع من المسلمين قد انعقد علي عود الاجسام الدنياوية اما انها تعود بجميع عوارضها الخارجة عن ذاتها كالعمي و العرج و المرض و امثالها فلانسلم شمول الاجماع عليها و لا نص من الكتاب و السنة علي ذلك و انما هما علي خلافه كما سيظهر لك و كذلك العلماء قائلون بخلافه و العقل يدل علي خلافه كما سيأتي انشاء الله في محله بل ربما يقال ان الاجماع المذكور ايضا يدل علي خلافه لأن الاجماع قائم علي عود بدن كل شخص لا عوده مع غيره فان الاوساخ غير البدن الذي للشخص و كذلك الكثافات و العرضيات فلايجعل الحكيم ما ليس للشيء له و الا لم‌يكن حكيما فان نسبة هذه الاعراض و الكثافات الي الانسان مثل الحجر الموضوع بجنب الانسان فاذا اريد رد كل شيء الي اصله يجعل الحجر في محله و الانسان في محله فمراد شيخنا اطال الله بقاه من الجسد العنصري هذه الاوساخ او الصورة الدنياوية التي تجذب هذه الاوساخ فلا بد من كسرها و صوغها علي هيئة و صورة محكمة مثلها لكنها بحيث لاتجذب الاوساخ و لاتعرضه الغطاء كما نوضح لك فيما بعد انشاء الله تعالي . فاذا اصطلح احد هكذا ايّ اجماع خالفه و اي ضرورة انكرها هل عود الاوساخ و الاعراض و الغرايب مثل العمي و العرج و الجذام و ساير [ص 8] الدماميل الحاصلة من الاخلاط الفاسدة او البلادة و الحماقة و قلة الفهم و الادراك الحاصلة من هيجان البلغم و الرطوبات الغريبة الفضليّة او الاعوجاج و عدم استقامة السليقة و الجربزة و التهور الحاصلة من هيجان خلط الصفراء و امثال ذلك هل انكار عود هذه الاخلاط الفاسدة و اشباهها مما يورث انهدام البنية و تحلّل الاعضاء و تخلل الآلات المورثة للموت و الفناء مع حفظ البنية الجسمانية و المادة العنصرية الجوهرية هو انكار الضرورة و ايّ ضرورة قامت علي هذا بل العلماء من اهل الاسلام رضوان الله علي الصالحين منهم قد صرّحوا بعدم عود تلك الاعراض و الغرايب و مارأيت و لاوقفت علي قائل من العلماء الذين عليهم العمل قال بعودها و لا ممن لم‌يعتمد عليه الا ما اسمع من بعض الجهال اشباه الناس فان الاحاديث المستفيضة المتواردة بل المتواترة ناصة علي ذلك كما سنتلو عليك انشاء الله شطرا منها ان وجدت للنفس اقبالا الي ذلك .

فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان جناب الماتن سلمه الله و ابقاه و سدده بهداه و تقواه قد نقل عن جناب شيخنا جعلني الله فداه كلمات كثيرة كلها تدور علي هذا المعني الذي ذكرت لك و هو مراده منها لأني اخذت منه مشافهة و سمعت منه معاينة ان افتريته فعلَيَّ اجرامي و انا بريء مما تجرمون و نحن لانطوّل الكلام بذكر تلك الكلمات الشريفة المباركة لأن المقصود اداء المعني لا غير لا حلّ العبارات و ذكر وجوه المناسبات و كان اطال الله بقاه قد ذكر في آخر الكلام ان الجسد العنصري علي المعني الذي ذكرتُ لك اعراض و غرايب يجب ان يصفّي الجسم عنها و انت قد عرفت [ص 9] انه يجبُ ذلك و الا لم‌يكن فرق بين الدنيا و الآخرة .

قال جناب الآخوند سلمه الله تعالي : اقول الظاهر ان ما ذكره من الاعراض و الكثافات فينبغي ان يصفّي عنه الاعتقادات .

اقول هذا الكلام ليس له عندنا جواب فان الطعن و التشنيع ليس من دأبنا و لا من عادتنا ،

فلولا الشعر للعلماء يزري لكنت اليوم اشعر من لبيد

قال سلمه الله تعالي : اما اولا فلأن اعتقاد اهل الاسلام المأخوذ من الشارع و نوّابه عليهم السلام ان اجزاء الجسم من عناصر هذا العالم سيما الارض و لو بواسطة كما في بني آدم فانهم خلقوا من ماء حاصل من الاجزاء الارضية كيف و قد قال الله تعالي منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري و قال تعالي ان مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون و قال تعالي و لقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون و الجان خلقناه من قبل من نار السموم و قال تعالي اني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون و قال تعالي و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين و قال تعالي اني خالق بشرا من طين و عن النبي صلي الله عليه و آله كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين الي غير ذلك من الآيات و الاخبار الدالة علي ان اجزاء جسد الانسان من هذا العالم .

اقول قوله فلأن اعتقاد اهل الاسلام الي قوله من عناصر هذا العالم ، ان اراد بالمشار اليه بهذا العالم عالم الاجسام مطلقا فمسلّم و لا محيص عنه [ص 10] فان الجسم لايخلق من الروح اي من عناصرها فقد دل عليه العقل و النقل و الاجماع و جميع الادلة الشرعية و جناب الشيخ جعلني الله فداه لاينكر هذا المعني كيف و هو الذي اسس القول بأن كل شيء له حد معلوم و مقام معيّن لايتعداه لقوله تعالي و ما منّا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون فلايكون الجماد نباتا و لا النبات حيوانا و لا الحيوان انسانا خلافا للصوفية القائلين بذلك اذن فلايكون الجسم روحا و لا العكس فاجزاء الجسم جسم و اجزاء الروح روح و اجزاء العقل عقل ● و هكذا و ان اراد بالمشار اليه عالم الكون و الفساد و هي العناصر التي تحت فلك القمر و الله سبحانه خلق الخلق منها فان اريد ان الله سبحانه لما خلق الانسان في احسن تقويم و فضله علي السموات و الارض و الجبال و سخرها له و جعله جامعا مملّكا فخلق جسمه من اصفي الاجسام و الطفها و اشرفها لأنه اكمل في ابلاغ الحجة و اكمال النعمة فان الخلق من الادني مع التمكن من الاعلي فيما هو شرّفه و كرّمه و جعله بحيث يبلغ في السعادة اعلي الدرجات و اسناها و في الشقاوة اسفل الدركات و ادناها لايصح في الحكمة و لما كان اشرف الاجسام و الطفها جسم الافلاك و كان الانسان اشرف من الافلاك فوجب ان يكون جسمه الطف و اصفي من جسم الافلاك و لما كان خلقة الانسان انما كان في وسط العالم كالقلب بالنسبة الي البدن كانت العناصر المخلوقة منه نازلة من الافلاك بواسطة اشعة الكواكب و الشمس و القمر تلقتها الملائكة و القتها الي العناصر فالعناصر التي في هذا الكون و الفساد ظاهرها محل اعراض و غرائب و [ص 11] بها يتحقق الفساد و باطنها صفوة الافلاك و بها الدوام و الثبات فان صعب عليك تصوير هذه العبارات نقول ان الله سبحانه ركّب هذه العناصر و عدّلها و نفي عنها الغرائب حتي صارت شبيهة بالاجسام الفلكية حتي تعلّق بها الروح الحيوانية الحساسة الفلكية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الروح الحيوانية ان اصلها الافلاك و مادتها من لطائف الاغذية فتلك اللطائف اذا تألفت و اجتمعت بتدبير الله تعالي و تقديره حتي شابهت لطافة الافلاك و ناسب اجسامها فتتعلق بها روحها فان الروح لاتتعلق الا بمحل مناسب مثاله انك اذا قابلت النار خشبة رطبة و لاتوصلها بها فالنار بالمقابلة و الاحراق لاتزال تلطّفها و تجفّفها و تكلّسها الي ان تحيلها الي الدخانية فتتعلّق به النار و تشتعل الخشبة من غير ان تنقص النار و تخرج عن مكانها فالافلاك بمنزلة النار و العناصر كالخشبة فطبّق المثال بالممثّل تجد الامر واضحا فاذا قلنا ان الانسان المكلف مخلوق من عناصر الافلاك او اعلي منها نريد به هذا التدبير في هذه العناصر لا العناصر من غير التدبير و هذا هو العرك و التخمير المذكور في الاحاديث و نسبنا هذه العناصر الي تلك العناصر لأن هذه من سنخ ذيك قد احاطت عليها بعض الكثافات التي هي الغشاوات التي يجب كشفها و ازالتها فان اراد هذا المعني فأهل الاسلام اما ضعفاؤهم و عوامهم فلايعرفون هذه الاشياء و لا هم بصددها و لا هم مكلّفون بها ففهمهم و عدم فهمهم لايعتبر بشيء لأنهم يرون الاشياء مخلوقة مرزوقة مدبّرة و لايدرون علي ايّ نحو و ايّ طور و [ص 12] ايّ كيفية هو فالاستشهاد بفهمهم في دقايق الاشياء و خفاياها من اغرب الامور و اما العارفون الكاملون المتعاطون لهذه الدقايق علي وجه البصيرة و المعرفة فما ذكرنا عندهم من اوضح الامور انظر الي كتب اهل الطبيعة الموضوعة لصفة توليد المولود الفلسفي الذي قال فيه اميرالمؤمنين عليه السلام انه اخت النبوة و عصمة المروّة و قد اُخِذَ علمه عن الانبياء عليهم السلام خصوصا ادريس النبي علي محمد و آله و عليه السلام تجد ما ذكرت لك مشروحا في تلك الكتب و لايحضرني الآن منها شيء لأبيّن لك ما قالوا و اما اهل النحو و الصرف و اللغة و المنطق و الكلام فليسوا ممن عندهم اسرار الطبايع و خواصها و مبدءها و منشأها و مرجعها و معادها فكلامهم لايعوّل عليه في امثال هذه المقامات و ما هذا الّا كجعل الحائك حَكَما لدقايق صنعة الصياغة و الصايغ لدقايق العلوم الفقهية و الاسرار النقلية و اما الآيات المستشهد بها فما فيها الا ذكر ان الانسان خلق من تراب و من طين و التراب اعم من ان يكون هو التراب الصافي من سنخ الافلاك و ان يكون من الكثافات و العوارض و ليس فيها نفي لما ذكره الشيخ جعلني الله فداه من عناصر هورقليا التي هي اصفي من الافلاك اي من تربة هي في الصفاء و اللطافة مثلُها و من سنخها و يطلق عليها التراب حقيقة لأنه هذه التراب « اي اذا اخذ التراب مع باقي العناصر و تدبّر الي ان شابهت الافلاك في الدنيا فتعلق بها روحها » ● اذا بلغ في غاية الصفا و اللطافة فيظهر باطنه الذي هو سرّ ذلك العالم ففي الآيات الشريفة اجمال يسقط به الاستدلال و لكن لما كان المراد بالتراب المذكور فيها ما ذكرنا و بيّنا و لم‌يكن يبلغ اليه فهم عامّة الناس و لا خاصّتهم فمن اجل ذلك بيّن اهل [ص 13] العصمة عليهم السلام المراد من التراب فيها و انه ليس كما تزعمه العوام فقالوا عليهم السلام كما في الكافي بالاسناد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل لما اراد ان يخلق آدم عليه السلام بعث جبرئيل عليه السلام في اول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة من السماء السابعة الي السماء الدنيا و اخذ من كل سماء تربة و قبض قبضة اخري من الارض السابعة العليا الي الارض السابعة القصوي فامر الله كلمته فأمسك القبضة الاولي بيمينه و القبضة الاخري بشماله ففلق الطين فلقتين فذرا من الارض ذروا و من السموات ذروا الحديث ، انظر في صراحة هذا الحديث الشريف في المطلوب و ان المراد بالتراب ليس خاصّاً بالارض المعروفة و ان اخذ من الارض المعروفة فجاء هذا الحديث مبيّنا لاجمالات الآيات و الاخبار الواردة في هذا الباب فان اهل البيت عليهم السلام هم الذين يفسّرون القرآن و يوضحون مجملاته و متشابهاته و محكماته و يؤيّد هذا الحديث ما روي ان جسد الانبياء و الاوصياء و الشهداء و المؤمنين و السلطان العادل لايبقي في القبر بعد موتهم ازيد من ثلثة ايام او اربعين يوما مع ما تواترت به الاخبار من اهل التواريخ و اهل العصمة عليهم السلام ان نوحا اخرج عظام آدم من مكة و دفنها في النجف الاشرف و بينهما من السنين ما يقرب من الالفين او يزيد و ماارتفع الي السماء و كذلك موسي عليه السلام اخرج عظام يوسف الصديق عليه السلام من شاطي النيل و دفنها في البيت المقدس و امثال ذلك من قصة ذلك اليهودي و غيرها اجمع بين هذه الاخبار [ص 14] تجد الامر كما نقول واضحا كالشمس في رابعة النهار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و انا يعلم الله اني لم‌اتمكّن في مثل هذه الاوقات لتصادم الاعراض و الامراض من بسط المقال و شرح حقيقة الحال علي ما في البال الا ان ما ذكرت اشارة الي نوع الاستدلال و كفاية لمن اعرض عن الجدال و القيل و القال فظهر لك ان ما ذكره سلمه الله مادل الا علي ان اعتقاد اهل الاسلام المأخوذ من الشارع و نوابه عليهم السلام ان اجزاء جَسَد المكلف مأخوذ من عالم الاجسام فحسب و نحن نقول بموجبه و اما خصوصية جسم دون جسم فمادل دليله علي شيء لا اجماعه المدعي و لا الآيات و لا الروايات و اما هورقليا فله فيه اصطلاحان مرة يطلقه و يريد به عالم المثال و هو عالم البرزخ الذي تأوي اليه الارواح بعد الموت و مرة يطلقه و يريد به صفو عالم الاجسام الثابت الباقي الغير المتغيّر تغير ساير الاعراض و الاوساخ فاذا قال انه فوق عالم محدد الجهات يريد بالفوقية في الرتبة لا المكان كما قالت العلماء ان الصورة التي في المرآة هي من عالم المثال و هي فوق محدّب محدّد الجهات و فلك الاطلس مع انها كما تري في هذا العالم و كذلك قبور الائمة عليهم السلام فوق العرش مع انها هنا و علي هذا فاحمل كلما تسمعه من هذا القبيل و لاتسارعوا الي الرد و الانكار فان ذلك غير محمود من اهل الحال ادرؤا الحدود بالشبهات .

قال سلمه الله تعالي بل لم‌يتصور احد كون عالم آخر محل العناصر حتي يتصور التنزل و الانتقال بل لو نقل لقيل ماسمعنا بهذا في آبائنا الاولين علي خلاف كلمات الكافرين .

[ص 15] اقول قال الله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و النكرة في سياق النفي تفيد العموم و الله سبحانه افرد الشيء و جمع الخزائن للدلالة علي ان كل شيء شيء علي الانفراد له خزاين عديدة هو فيها مخزون ثم اراد سبحانه ان يبيّن ان تلك الخزائن مترتّبة بالعلو و السفل فقال و ماننزّله الا بقدر معلوم و النزول لايكون الا من الاعلي الي الاسفل و الا فلايتصور النزول اذا كانت في مرتبة واحدة فاذن وجب ان يكون كلما نجد في العالم الاسفل نعلم يقينا بأنه قد تنزّل من الخزاين العلوية الي ان وصل هنا و قد قال مولينا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايكون الا بما هيهنا رواه في العيون في حديث عمران الصابي (ره) و لا شك في وجوب المطابقة بين عالم الغيب و الشهادة حتي يكون الثاني دليلا و وصفا للاول و اما دلالة المخلوق علي الخالق فانما هي في الصفات الفعلية و اما الذاتية فانهم عاجزون عن ذلك نعم يدل الخلق علي ان الخالق موجود يعني ليس بمعدوم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فان قيل موجود فعلي تأويل نفي العدم ه‍ ، لا ان صفاته ترجع الي السلوب سبحانه و تعالي عما يقولون بل لأن الخلق يقصر عن الادراك الا هذا المقدار و ليس هنا موضع تحقيق هذه المسئلة و بالجملة فالاستدلال اذا لم‌تكن فيه مناسبة و مشابهة لم‌يصح و لذا اوجبوا تكرّر الاوسط في الادلّة و الأقٖيسة و البراهٖين مع انه ليس استدلالا بالمقال و انما هو استدلال بالحال و قال مولينا الرضا [ص 16] عليه السلام علي ما في العيون و البحار و غيرهما في حكاية ضيافة سلمن لأبي‌ذر و اتيانه له بقرصتي خبز يابس و تقلّب ابي‌ذر لهما قال سلمن ما لي اراك تقلبهما يا اباذر اتدري من اين اتياك والله لقد عمل فيهما الماء الذي كان العرش عليه قبل خلق السموات و الارض حتي القاهما الي السموات و عمل فيهما السموات حتي القتهما علي الملئكة و عمل فيهما الملئكة حتي القتهما الي السحاب و عمل فيهما السحاب حتي القاهما الي المطر الحديث ، نقلته بالمعني و هذا صريح في ان الاشياء السفلية تنتقل من عالم الي عالم حتي تصل الينا في هذا العالم الا ان العوالم تختلف في اللطافة و الكثافة و البساطة الاضافية و التركيب و اما فيما تشتمل و تتضمن فالكل واحد و لذا قال عليه السلام ان كل ما في الفيل في البق و زيادة و هذا حكم عام في كل شيء فان الله تعالي يقول ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور و اما خصوص العناصر فالمراد بالنار الحرارة و اليبوسة او الحار اليابس و الهواء الحرارة و الرطوبة او الحار الرطب و الماء البرودة و الرطوبة او البارد الرطب و التراب البرودة و اليبوسة او البارد اليابس و اهل العلم صرحوا ان علة الكون بالله تعالي الحرارة و علة المكوّن البرودة و قالوا ان اول ما خلق الله الحرارة من حركة الفعل و خلق البرودة من سكون المكوّن المفعول فنكحت الحرارة البرودة فتولدت منهما الرطوبة و نكحت البرودة الحرارة و تولدت منهما اليبوسة و فرّعوا عليها تفريعات و قد اجمعوا علي ذلك اهل الجفر و الحروف و اهل [ص 17] العلم المكتوم و هي الصناعة الفلسفية و الاطباء ايضا تبعوهم في ذلك و ذكروها في كتبهم كما رأيت في كتاب السنبري (ظ) و هو من اعاظم الاطباء و قوله مقبول عندهم و ادويته اغلبها صحيحة و لقد جربناها كثيرا .

و قوله سلمه الله تعالي بل لم‌يتصور احد كون عالم آخر محل العناصر ، مع تصريح هؤلاء بأن كل عالم خلقه الله تعالي ماخلقه الا بهذه الطبايع و العناصر الا ان في كل عالم بحسبه فعناصر عالم العقول عقلية و عناصر عالم الارواح روحية و عناصر عالم الاجسام جسمية ، غريب جدا و ليس المرجع في ذلك الي قول النحاة و الصرفيين و اللغويين و اهل الاصول و الفقهاء فان لهم فنّا آخر مايبحثون عن هذه الاشياء و الامور فاذا لم‌يتصوّروا شيئا لايتعلق به بحثهم لايدل علي بطلانه تنبه و الاحاديث المروية في هذا المعني كثيرة جدا منها ما رواه المفضل في حديث طويل عن ابي‌عبدالله عليه السلام الي ان قال عليه السلام كنا نسبحه و نقدسه و نمجده في ستة اكوان و كل كون منها ما شاء الله من المدا قال المفضل يا سيدي فمتي هذه الاكوان قال يا مفضل اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و اما الكون الثالث فهوائي لا غير و اما الكون الرابع فمائي لا غير و اما الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فأظلّة و ذرّ لا سماء مبنية و لا ارض مدحية الحديث ، فقد اثبت عليه السلام هذه العناصر قبل خلق السموات و الارض و العناصر المعروفة تحت فلك القمر و منها ما في الكافي عن محمد بن عطية قال جاء رجل الي ابي‌جعفر عليه السلام من اهل الشام من علمائهم فسئله عن مسائل و اجابه عليه السلام الي ان قال و لكنّ [ص 18] الله كان اذ لا شيء غيره و خلق الشيء الذي جميع الاشياء منه و هو الماء الذي خلق الاشياء منه و خلق الريح من الماء ثم سلّط الريح علي الماء فشقّت الريح متن الماء حتي ثار من الماء زبد علي قدر ما شاء ان يثور فخلق من ذلك الزبد ارضا بيضاء نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشقت النار متن الماء حتي ثار من الماء دخان علي قدر ما شاء الله ان يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و ذلك قوله تعالي و السماء بناها رفع سمكها فسوّيها و اغطش ليلها و اخرج ضحيها الحديث ، اقول هذه العناصر هي التي تكوّن منها الجسم الاصلي و هي المعبر عنها بعناصر هورقليا في الاصطلاح الثاني و منها تكوّنت السموات و الكواكب و هذه الارض التي فيها صدع هي تلك الارض النقية البيضاء تكثّفت كما تكثف الحجر الاسود بلمس ارباب المعاصي و السيئات و قد كان في اول ما نزل من السماء درة بيضاء صافية متلألأة فعند القيمة يطهّر الحجر عما ليس منه و كذلك الارض تطهّر عما ليس منها و هو قوله تعالي يوم تبدّل الارض غير الارض و السموات و لا شك انها ليست ارضا جديدة بل هي الارض الدنياوية و لذا تشهد علي اهل الطاعة و المعصية بهما و الا لكانت شهادتها شهادة زور و الله سبحانه هو العدل الحكيم و هذه العناصر ايضا هي تلك كالحجر الاسود حرفا بحرف و في حديث ابن‌سلام عن النبي صلي الله عليه و آله في صفة الارضين الي ان قال ابن‌سلام و ما تحته قال (ص) [ص 19] الارض قال و ما اسمها قال فسيحة قال فصف لي هذه الارض قال صلي الله عليه و آله هي ارض بيضاء كالشمس و ريحها كالمسك و ضوءها كالقمر و نباتها كالزعفران و يحشر عليه المتقون يوم القيمة قال صدقت يا محمد (ص) فاخبرني اين تكون هذه الارض التي نحن عليها اليوم قال صلي الله عليه و آله تبدل هذه الارض غيرها ، اقول و هذا الغير كما في قوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فان الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام صرّح في جواب ابن ابي‌العوجاء لما قال فما ذنب الغير قال عليه السلام هي هي و هي غيرها كاللبنة تكسرها و تَصُوغُها الحديث كما يأتي و كذلك الارض المبدّلة هي هذه الارض و هي غيرها و منها روايات اول ما خلق الله ففي بعضها اول ما خلق الله الماء و في بعضها اول ما خلق الله الهواء و في بعضها علي ما قيل اول ما خلق الله النار و غير ذلك و كل ذلك قبل خلق هذا العالم الجسماني الدنياوي و منها ما في الكافي عن الصادق عليه السلام قال عليه السلام ان الله خلق نجما في الفلك السابع فخلقه من ماء بارد و سائر النجوم الستة الجاريات من ماء حار و هو نجم الانبياء و الاوصياء و هو نجم اميرالمؤمنين عليه السلام يأمر بالخروج عن الدنيا و الزهد فيها و يأمر بافتراش التراب و توسّد اللبن و لباس الخشن و اكل الجشب و ماخلق الله نجما اقرب الي الله تعالي منه ه‍ ، و لا شك ان هذا الماء هو عنصر الكواكب و الكواكب اشرف من الافلاك كما برهنا عليه في رسالتنا في الهيئة بالعقل و النقل و منها ما في تفسير [ص 20] القمي عن الباقر عليه السلام قيل له لأيّ شيء صارت الشمس اشد حرارة من القمر فقال عليه السلام ان الله خلق الشمس من نور النار و صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتي اذا كانت سبعة اطباق البسها لباسا من النار ثم صارت اشد حرارة من القمر قيل و القمر فقال ان الله تعالي ذكره خلق القمر من ضوء نور النار و صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتي اذا كانت به سبعة اطباق البسها لباسا من ماء فمن ثم صار القمر ابرد من الشمس ه‍ ، و الاخبار بهذا المعني لاتكاد تحصي بل لو تتبعت الاخبار و نظرت اليها بعين الاعتبار وجدت انهم عليهم السلام مايحصرون العناصر في هذه التي تحت فلك القمر بل عندهم عليهم السلام مايوجد موجود الا بالعناصر انظر في احاديث عالم الذر و احاديث الطينة في خلق الارواح و تكليف النفوس فانهم سلام الله عليهم صرّحوا بأن تلك الارواح خلقوا من ماء و تراب و نار و غيرها و لا شك ان وجود العناصر في غير هذا العالم علي حسبه ممكن مقدور بل انسب في النظام و اولي بمدارك الافهام و لاتأباه العقول و قد دلت الاخبار علي وجودها و حملها علي تأويلات بعيدة من غير داع من نص مقطوع به علي العدم او كتاب او اجماع خروج عن الانصاف و دخول في الجور و الاعتساف كيف و قد اتفقت كلمات العلماء الاعلام علي ان كل شيء مسبّع اي مثلث الكيان و مربع الكيفية و لذا كانت السبعة هو العدد الكامل لاشتمالها علي اكمل الاطوار ففرّعوا عليها علة مسبعية السموات و الارضين و كون المعصومين اربعة‌عشر و غير ذلك من الامور و قد كتبت في ساير [ص 21] الرسائل و اجوبة المسائل براهين قطعية علي ان عند تعلق فعل الفاعل بالمفعول تتحقق الطبايع الاربع في ايّ مفعول كان عقلانيا او روحانيا او نفسانيا او طبيعيا او ماديا او مقداريا شبحيا و لايسعني الآن ذكرها هنا لأن مرادنا من هذه الكلمات دفع الايراد و رفع الاستبعاد لا تحقيق الحقايق الالهية بحقيقة المراد لما اجد في قلوب الناس من التحاسد و التضاد فقد دل الكتاب و السنة و اطباق اهل الفن علي ان الاشياء في جميع العوالم لاتوجد الا بعناصر اربعة و هذه المعروفة تنزل تلك العناصر و العقل ايضا لايمنع ذلك لو لم‌نقل يحققه و يثبته و يتقنه مع انه كذلك فلاتكذّب بما لم‌تحط به علما و لاتكن كما قال تعالي و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم .

و من اغرب الامور قوله بل لم‌يتصور احد كون عالم آخر الخ ، ليته نفي التصور عن نفسه و عن الذين انظارهم مقصورة في النحو و الصرف و اللغة و ساير العلوم الادبية و الاحاديث المتعلقة بالمسائل الفقهية و كتب المتكلمين الناظرين الي مفاهيم الالفاظ المقتصرين عليها .

و قوله سلمه الله تعالي و لو نقل لقيل ماسمعنا بهذا في آبائنا الاولين اقول بعد ما دل عليه الكتاب و السنة و كلمات اهل العلم و العقل و لا اقل من عدم ابائه و انكاره لا مجال لهذا القول فان الآباء انما يطاعون اذا لم‌يخالفوا الله و رسوله صلي الله عليه و آله و عند المخالفة يجب ترك قولهم و قبول الحق قال تعالي لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آبائهم او ابنائهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه الآية ، [ص 22] و قولي في العقل و لا اقل من عدم ابائه ليس ترديدا مني في دلالة العقل و ايم الله ان العقل قاطع بذلك الا اني و ان اشرت اليه مجملا هنا و لكني لما لم‌افصّل مااحببت ان انصّ حتي يقولوا ان هذا دعوي بلا دليل و الا فدليله مذكور في رسائلي سيما في اجوبة المسائل التي فيها اثبات النبوة الخاصة بالعقل .

قال سلمه الله تعالي و اما ثانيا فلأن قوله ان مرادي من الجسد الذي لايعود هو الصورة الاولي كما في الخاتم و اللبنة مع قوله ان علة الموت و الزوال انما هي ممازجة تلك الاعراض و الكثافات و نحو ذلك يوهم التدليس و الطفرة بل بينهما تباين لأن الصورة الثانية التي هي مثل الصورة الاولي غير مقتضية للفناء و الزوال بلا اشكال فلا بد علي هذا القول الاخير من كون الكثافات المقتضية للزوال اجزاء مادية لاحقة للعنصر اللطيف كما هو ظاهر قوله بل من عناصر باقية جوهرية نورية و هو من عناصر هورقليا .

اقول اما اطلاق الجسد علي الصورة فمعروف و معلوم في الاخبار و اطلاقات العلماء كما روي عنهم عليهم السلام في تفسير الاشباح انها ابدان نورانية و ما اشتهر عندهم من القول بالجسم التعليمي مع انه محض الصورة العرضية اللاحقة للجسم الطبيعي و الصورة علي قسمين صورة تألّفت علي هيئة و ترتيب معتدلة محكمة متقنة لاتتخلّلها الاعراض و الغرايب و صورة صالحة لذلك فالثانية لاتصلح للبقاء و الدوام لعدم الترتّب التام الاعتدالي بين حدودها و اوضاعها و الاولي لاتصلح للفناء بحسب الاسباب و ان كان الله يفعل ما يشاء للاعتدال التام المانع عن خلط [ص 23] الاعراض و مزج الغرائب المورثة للفناء و الدثور و ان كانت الصورتان متماثلتين متشابهتين و لما كانت الدنيا دار تكليف و محنة و اختبار و امتحان و دار سفر و زوال مااقتضت الحكمة الالهية ان يصور المكلفين فيها علي الصورة المؤلفة من حدود متناسبة اعتدالية لعدم الفائدة و لعدم حصول الاختبار و الامتحان الذين هما العلتان في التكليف ليميز الخبيث من الطيب لأن الصورة الاولي لاتقتضي الا الجهة الواحدة من النور او الظلمة في غالب مقتضاها كأهل الجنة لاتقتضي هياكلهم الا زيادة النور و الخير و الثواب بعكس اهل النار و في الجنة و النار و يوم القيمة مايتصور المعصية لقوة تلك الصور المقتضية لمعاينة الاشياء كما هي لا لأن تلك الامور الموجودة لاتوجد الا يوم القيمة او الجنة و النار بل هي موجودة الآن بضرورة المذهب و لكن العيون مغطّي عليها فعند اعتدال الصورة ينكشف الغطاء الذي هو الصورة الدنياوية فاذا كانت الصورة الاولي في الدنيا لاتمكن معها المخالفة و ذلك يستلزم الالجاء في التكليف فخلق الله سبحانه الخلق علي الصورة الثانية الصالحة للخلط و المزج بغرايب و امور خارجة و لذا تري المؤمن يعصي و الكافر المنكر يطيع و يفعل الخير في بعض الاحوال ● [ص 24] و ذلك لأن الصورتين الطيبة و الخبيثة اللازمتين للاقرار و الانكار ليستا بحيث لايشوب احديهما بالاخري بل يحصل الخلط بينهما بشيء من مقتضيات كل منهما فيكون ذاتيّ احديهما عرضيّ الاخري فان الطاعة عند الكافر من سنخ اقتضاء صورة الايمان و هي عند الكافر عرضية و المعصية عند المؤمن بالعكس و قد دلت عليه الآيات الكثيرة علي ما ذكر مولينا الباقر عليه السلام نحوا من ثلثين آية و كذلك الروايات و لسنا الآن بصدد بيان تحقيق هذا و بالجملة فالصورة صورتان صورة متناسبة حدودها و اوضاعها و قراناتها و نِسَبُها و انضمام بعض حدودها ببعض و صورة ليست كذلك و ان تشابهتا في الهيئة مثل خط الكلمة الواحدة التي يكتبهما كاتبان احدهما يكتبها بخط رديٍّ مثلا و الثاني يكتبها بخط حسن جيد لها صورة حسنة طيبة يزيد ثمنها مع انه يقال لها كلمة واحدة لها معني واحد و مصداق واحد و ان تفاوتت في الحسن و عدمه و لايلزم من كون الكلمة مكتوبةً بخط ردي ان يكون الكاتب ردي الخط بل ربما يكون عن كاتب واحد الا ان المصلحة اقتضت كتبها كذلك اما لفساد في القرطاس او في المداد او لمن يكتبها له او غير ذلك من الامور التي تقتضي تغيير الخط بحسب الاوقات و الامكنة و الحدود و الاوضاع و كذلك نسبة الخلق في الدنيا و الآخرة و لا شك ان اهل الآخرة و ان كانت هيئاتهم و صورهم مثل الدنيا و اهلها و لكن اي نسبة بينهما [ص 25] في الجَوْدة و حسن التركيب و تناسب الحدود فلو ظهرت صورة احد من اهل الجنة لأهل الدنيا لماتوا كلهم من شدة حسنها و جمالها و ان كان يقال كلاهما علي الصورة الانسانية و هذا التفاوت انما هو من نفس الصورة لا من جهة المادة فاذن لك ان تقول ان الصورة الدنياوية هي ليست ذاتية للمكلف و الا لمافنيت و مااضمحلّت و ماانكسرت و هي علة الموت و الفناء لكونها صٖيغت علي غير الاحكام لاقتضاء مصلحة في النظام فهي الاعراض و الكثافات و الغِشاوات التي يجب كشفها و ازالتها و اتيان تلك الصورة المحكمة المتقنة التي هي مثلها و علي هيئتها و هو قوله تعالي اوليس الذي خلق السموات و الارض بقادر علي ان يخلق مثلهم بلي و هو الخلاق العليم و المراد بالمثل هو المثل في الهيئة لا المادة فانها تعود لا محالة اجماعا من المسلمين كاللبنة اذا كسرتها و صغتها و هذا مراد الشيخ جعلني الله فداه في كون الجسد الفاني هو الصورة و عرفت ان هذه الصورة هي علة الموت لعدم صوغها علي كمال ما ينبغي لكونها من المعدّات و الاسباب لكمال حصول ما ينبغي كصورة النطفة و العلقة و المضغة بالنسبة الي الصورة الدنياوية فان المادة في المني و النطفة و العلقة و المضغة باقية و ان فنيت الصورة و تغيّرت لكونها لم‌تكن اصلية و كذلك حكم الصورة الدنياوية لأن الدنيا لما كانت فانية جعلت الصور المقترنة بالمواد غير ثابتة و لا تامة و لا كاملة و ان كانت في صورة التمام و الكمال فهي اذن اعراض لأنها ليست بذاتية و الا لماتغيّرت و مافنيت ضرورة ان ذاتي الشيء لايتخلّف و هي [ص 26] كثافة لأنها حاجبة و مانعة عن مشاهدة الاشياء كما هي في الاغلب و لذا قال عليه السلام كلما في الدنيا سماعها اعظم من عيانها و كلما في الآخرة عيانها اعظم من سماعها و لأنها محل الامراض و الاعراض و الاخلاط الفاسدة المورثة لانهدام البنية و غير ذلك من الامور في الجميع فعلي هذا لا منافاة بين قول شيخنا اطال الله بقاه من ان الجَسَدَ الذي لايعود هو الصورة الدنياوية و بين قوله ادام الله حراسته ان علة الموت و الزوال انما هي ممازجة تلك الاعراض لأن المراد بالاعراض هي الصورة و هي تمتزج مع المادة الجسمية الحقيقية و تقترن بها فيوجد الله المكلفين في هذه الدنيا و اذا قلنا ان الشيء مركب من المادة و الصورة فلا محيص عن القول بالامتزاج لأن اجزاء المركب اذا ما امتزج بعضها ببعض بحيث يصير بينهما اتحاد لم‌ينتج منها الامر الآخر الواحد و قبل الامتزاج لم‌يتحقق التركيب و المراد من المزج نسبة كل واحد منها الي الآخر نسبة يحصل منها الأمر الواحد الآخر و لا شك ان الصورة و المادة بينهما هذه النسبة حتي يتولد منهما الشيء الواحد المركب منهما و هذا هو المراد بالامتزاج فاذن علة الفناء هذه الصورة الدنياوية التي هي الاعراض و الكثافات و قد امتزجت بالمادة و حصل منهما المكلف الدنياوي فتبطل هذه الصورة الغير المحكمة و يعود الجسم علي احسن صورة و احكم صيغة و اتقن بنية و ان كانت تلك الصورة مثل الصورة الدنياوية لكنّها اشرف و احسن منها في الطرفين في الحسن و القبح اماطرقت اسماعكم احاديث هيئات اهل الجنة و النار .

[ص 27] و قوله سلمه الله تعالي يوهم التدليس و الطفرة ، ماادري ما اقول في جوابه الا اني اقول رحمك الله .

و قوله لأن الصورة الثانية التي هي مثل الصورة الاولي غير مقتضية للفناء و الزوال بلا اشكال اقول الصورة الثانية كذلك اما مماثلة الاولي للثانية فوجب ان تحمل المماثلة علي العرفيّة اجماعا من المسلمين القائلين بالجنة و النار فان هيئات اهل الجنة و صورهم و شمايلهم و جَوْدة تركيبهم و حسنهم و جمالهم لايقاس بالدنيا و هيئاتها و الوانها و صورها و اوضاعها و هذا معلوم بالضرورة من الدين و ثابت من قول سيد المرسلين عليه و آله سلام الله ابد الآبدين اماسمعت قول النبي صلي الله عليه و آله ان الهرم و الشايب لايدخل الجنة و الاعمي و الاعرج لايدخلان الجنة اتظن ان ابابصير ليث المرادي البختري الذي هو ممن اجمعت العصابة علي تصحيح ما يصح عنه و اقرّوا له بالفقه و هو من الاربعة و من الاوتاد و من السفن الجارية في اللجج الغامرة و هو كان اعمي اذا ادخله الله الجنة يدخله اعمي و لقمن الحكيم كان عبدا اسود و لا شك انه من اهل الجنة فاذا ادخل الجنة يدخلها و هو اسود اذن اين عموم افضلية الحسنين عليهما السلام من قول النبي صلي الله عليه و آله الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فيتّجه حينئذ قول العامة ان ابابكر و عمر سيدا كهول اهل الجنة و في دعاء النصف من شعبان رب لاتغير جسمي و لاتبدل اسمي و لاتشوّه خلقي بالنار و غير ذلك من الادعية و الاخبار المتواترة الحاصل وقوع التفاوت و حصوله بين [ص 28] الصورة الدنيوية و الاخروية مما انعقدت عليه ضرورة اهل الاسلام بل جميع الملّيين القائلين بالمعاد فاذن وجب ان تحمل المماثلة بالعرفية فاذا كان كذلك فلايقتضي عدم زوال الصورة الثانية الاخروية التي هي مثل الصورة الدنياوية عدم زوال الصورة الدنيوية لما ذكرنا لك ان هذه صٖيغت علي خلاف الاحكام و الاتقان لاقتضاء النظام مثل ان الكاتب يكتب قام زيد بخط رديّ ثم يمحيه و يجمع مداده و يكتبه مرة اخري علي احسن الخطوط و اجودها و اشرفها و لا شك ان الثانية مثل الاولي بل هي الاولي لاتحاد المادة و الصورة الا ان هذه الصورة و هيئة الكتابة احسن و اعلي من الصورة الاولي فصحّت المماثلة و اتحد الحكم و صحّ الكمال و الشرف و هذا هو المعروف من الدين و الثابت من مذهب خاتم النبيين عليه و آله صلوات الله ابد الآبدين و منكره منكر الضروري .

و قوله فلا بد علي هذا القول الاخير من كون الكثافات اجزاء مادية لاحقة للعنصر اللطيف اقول بل لا بد علي هذا القول الاخير كون الكثافات اعراض الصور و عدم اعتدال الهيئات علي المعني الذي ذكرت لك و هذه الاعراض تعرض تلك العناصر الباقية الجوهرية و هي من عناصر هورقليا فعند الموت تبطل هذه الصورة و تصفّي هذه الاعراض و تعود المادة الجسمانية علي الهيئة التي في الدنيا بحيث اذا رأيتها تقول هي التي كانت في الدنيا لا غير مثل المريض الذي اذا طاب و حسنت صورته و اعتدلت هيئة تركيبه مثلا فان الصحيح هو المريض بلا اشكال انما كرّرت العبارة و ردّدتها حتي لايشتبه المراد كما اشتبه مراد شيخنا جعلني الله [ص 29] فداه و لو قلنا ايضا ان المراد من الاعراض اجزاء مادية فلا تنافي ايضا لأن الجسد مرة يطلق علي الصورة خاصة و مرة يطلق علي الاجزاء الخارجية التي ليست منه كالاخلاط الفاسدة المورثة للعمي و العرج و المرض و السقم و ساير الكثافات التي يجب ازالتها بضرورة الاسلام و يأتي تمام الكلام انشاء الله .

قال سلمه الله تعالي : و ذلك يقتضي كون المعاد بأخذ اللطيف و طرح الكثيف كما يشهد عليه مثاله بالذهب المخلوط بالحديد لا بالتلطيف كما في تلطيف النحاس بالاكسير و ذلك خلاف ظاهر قوله تعالي قل يحييها الذي انشأها اول مرة لرجوع الضمير الي العظام الرميم و علي هذا المذهب لا بد من تقدير مضاف بأن يقدّر قل يحيي لطيفها و نحو ذلك من الآيات و الاخبار بل ذلك خلاف اعتقاد المؤمنين و من يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّي و نصله جهنم .