[ص 1] رسالة في جواب الشيخ محمد بن الشيخ عبدعلي القطيفي

[ص 2] رسالة في جواب الشيخ محمد بن الشيخ عبدعلي القطيفي

[ص 3]

رسالة في جواب الشيخ محمد بن الشيخ عبدعلي القطيفي

في اثبات حصول اليقين بدليل تقرير الامام عليه السلام

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 4] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه ( اما بعد فهذه خ‌ل ) كلمات ذات تبيين كشفت بها النقاب عن وجه الحق المبين و اوضحت مناره لطالب القطع و اليقين امتثالا لامر من تجب علي طاعته و الزمت ( التزمت خ‌ل ) علي نفسي اجابته نسئل الله ان يسددنا للصواب فانه الموفق للمبدء و المآب .

فنقول اعلم ان الله سبحانه كامل من جميع الجهات بكل الحيثيات و الاعتبارات و التعبيرات و الشئونات الفعلية و الجهات الاختراعية لتعالي الحقيقة الازلية عن الجهات الاعتبارية فكماله المطلق يقتضي ان يجري فعله سبحانه علي احسن استقامة و اكمل ما تستحسنه العقول المستقيمة المستنيرة بنور المعرفة و البصيرة فلايفعل المرجوح و لايترك الراجح في افعاله و مفعولاته ابدا و لايعدل من الاحسن الي الحسن و لايصح ان يقال في امضاء فعله تعالي ان لو كان كذا لكان احسن كيف و هو سبحانه عاتب الانبياء و عاقبهم بترك الاولي و هو يفعله مع انه ( يفعله و هو خ‌ل ) سبحانه القائل ( القائل عز من قائل خ‌ل ) اتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم حاشا و كلا ( كلا تعالي خ‌ل ) ربي عن ذلك علوا كبيرا .

فاذا عرفت هذه المقالة ( المقدمة خ‌ل ) الشريفة التي هي من الابواب التي ينفتح ( يفتح خ‌ل ) منها الف باب فاعلم ان الثبات و الاستقرار و الاطمينان و الوقوف علي حد اكمل من الاضطراب و التزلزل و عدم الاستقرار بل لايقال انه اكمل لعدم الحد الجامع فاذا وجب علي الحق الحكيم ان يوقف الخلق عليه لا علي الاضطراب و التزلزل لنقصانهما و زوالهما و اضمحلالهما و هذه [ص 5] النسبة جارية في كل شيء بكل وضع و بكل رسم و لا شك ان الثبات و الاطمينان و عدم التزلزل انما يكون في العلم و القطع و اليقين دون الوهم و الشك و الظن و التخمين ( و التخمين و الظن خ‌ل ) فوجب ان لايختار الله سبحانه لعبده علي القطع و اليقين شيئا من مقابلاتهما لأنه نقصان في الحكمة و هو سبحانه و تعالي اجل من ان يطرء النقص في فعله ( ان يطرء في فعله خ‌ل ) فلما كان كلما جاز علي الله من الخير و النور في فعله وجب لعدم القوة و الانتظار في متعلقات افعاله علي وجه الحقيقة وجب ان يجري فعله علي ما اختار كما اختار بما اختار و قلنا ان ذلك هو العلم فكان مدار الكاينات في جميع احوالها من التكوينية و التشريعية و الذاتية و الوصفية ( التوصيفية خ‌ل ) علي العلم و القطع فعليه جرت الشريعة و اياه طلبت اصحاب الحقيقة فكان هو الامر اللازم و الحكم المبرم سبق به القضاء و جري به عليه ( جري عليه خ‌ل ) الامضاء و ثبت في الالواح و مضي ( مضت خ‌ل ) علي حكمة الحقايق و الاشباح فتبين لك انه لايصح علي الله في الحكمة ان يتعبد الخلق في الاحكام الشرعية التكليفية و غيرها الا علي القطع و اليقين دون الظن و التخمين و هذا الاصل مسلم عند الكافة من الخاصة و العامة لايشك فيه مسلم موحد الا ان بعضهم جعله اصلا اوليا و قالوا قد طرئه اصل آخر اخفي حكمه و غير اسمه و رسمه لاختلاف المقتضيات و هو التعبد بالظن عند سد باب العلم و قالوا ان باب العلم منسد لوجوه اختلالات ( لوجود اختلافات خ‌ل ) الادلة من الكتاب و السنة من الوجوه الكثيرة التي ذكروها و فصلوها في المطولات و المفصلات و الاجماع اما لم‌يحصل اصلا في هذا الزمان كما هو رأي جماعة او قليل لو [ص 6] جوزنا حصوله و وقوعه كما هو رأي آخرين و التكليف ثابت فوجب العمل بالظن الا ما اخرجه الدليل القاطع من الظن الحاصل بالقياس و الرأي ( الحاصل و الرأي خ‌ل ) و الاستحسان و الرمل و الجفر و امثال ذلك و ما لم‌يدل عليه دليل قاطع فيدخل تحت الاصل الثانوي الذي هو وجوب العمل بالظن و لولا القول بوجوب العمل بالظن لزم التكليف بالمحال و هو التكليف بما لايطاق و الله سبحانه منزه عن ( من خ‌ل ) ذلك و قد قال عز من قائل لايكلف الله نفسا الا وسعها و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و غيرها من الآيات و الروايات الواردة في هذا الباب فاثبتوا بذلك علي زعمهم حجية مطلق الظنون و انه اصل مستقل طار علي الاصل الاول و ان باب العلم مسدود و الطريق الي العلم مفقود فوجب العمل بكل ظن راجح عنده و ترك ( يترك خ‌ل ) المرجوح لئلايرجح المرجوح المتفق علي بطلانه الا ما قام الدليل القاطع و البرهان الساطع علي عدم جواز العمل به مثل ما مر و اشباهه و هذا القول عند اهل التحقيق العارفين بالله سبحانه علي جهة التصديق فاسد باطل و مجتث زايل لعدم الموجب لانتفاء الاصل الاول و اجراء حكمة الله علي سابق مشيته و ماضي ارادته و نافذ كلمته فانه تعالي لم‌يعجز عن ايصال الخلق الي اليقين حتي يكلفه بالظن و التخمين و الاسباب الموصلة الي العلم و القطع حيث ان الله تعالي اجري الاشياء باسبابها لم‌تنقطع و مادة العلم لم‌تنعدم و لم‌تضمحل ليضطر المكلفون علي ( الي خ‌ل ) العمل بالظن نعم ( نعم علي خ‌ل ) القول بخلو الارض من الامام عليه السلام ( من الحجة خ‌ل ) و الاكتفاء بالآثار النبوية و عدم القول بلزوم وجوب حجة ( بلزوم حجة خ‌ل ) [ص 7] من الله سبحانه حي حاضر اما ظاهر مشهور او خائف مستور يتمشي هذا القول و هو عند الشيعة بمعزل عن ( من خ‌ل ) القبول فاذا كان الامام عليه السلام حيا حاضرا بين ظهران ( ظهراني خ‌ل ) الخلق و المكلفين عالما باحوالهم محيطا باسرارهم و امثالهم و شهودهم و غيبهم ( غيبتهم خ‌ل ) و هم بمرأي منه و مسمع فما الذي يمنعه عن ( من خ‌ل ) هدايتهم و ارائتهم السبيل و هم محتاجون حتما ( محتاجون جهال خ‌ل ) لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا فاذا غاب شخصه روحي له الفداء ( عليه السلام خ‌ل ) عنهم لم‌يغيبوا عنه و ليس شرط التدبير و التصرف رؤية المدبر و المتصرف فيه الاتري الملئكة المدبرات امرا فانهم يدبرون الخلق و لايرونهم و الجان يتصرفون في بني آدم و لايرونهم و الله سبحانه من ورائهم محيط و هو المتصرف المدبر في الاشياء ( للاشياء خ‌ل ) كيف يشاء لا اله الا هو له الحكم و اليه ترجعون و الامام عليه السلام وجه الله الذي اليه تتوجه الاولياء و الملئكة خدامهم و الجان تحت حيطتهم و تصرفهم في الحكمين علي مقتضي المشيتين الحتمية و العزمية كل ذلك بنص الروايات المتواترة و العقول المستنيرة فاذا لا مانع من الهداية و لا مخل من الارائة فان كان المانع عدم علمه و اطلاعه علي احوال المكلفين فالكتاب و السنة و اجماع الفرقة المحقة علي اثبات علمه و احاطته قال تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و هم الائمة عليهم السلام اجماعا و ان اعمال العباد تعرض علي الامام مما شاع و ذاع عند جميع الشيعة كافة و الروايات في ذلك كادت تبلغ حد التواتر و في زيارته عليه السلام السلام علي صاحب المرأي و المسمع ، و ان كان من جهة عدم تمكنه و اقتداره للهداية و الارشاد مع غيبته و نأيه عليه السلام فانه [ص 8] باطل لأن هدايته للخلق و ايصاله الي القطع و اليقين لايحتاج الي المشافهة و المشاهدة ( المشاهدة و المشافهة خ‌ل ) قطعا كما في غيره من المبادي العالية و السافلة بل له ان يوصل المستحقين الي حقوقهم باطوار مختلفة و انحاء متشتتة من جهات التعريف بالقاء الاصول و القواعد و ( او خ‌ل ) جزئيات الاحكام بانحاء الدلالات علي حسب ما يري من المصلحة ( يري المصلحة خ‌ل ) فمنها بالتصريح و منها بالتلويح ( بالتلويح و منها بلحن المقال خ‌ل ) و منها بلحن الخطاب و منها بدليل التنبيه و الاشارة و منها بدليل الخطاب و منها بفحوي الخطاب و منها بالبيان و منها بالمثال ( و منها بالمثال و منها بالبيان خ‌ل ) و منها بالسؤال و منها بالجواب و منها بالسكوت و منها بالاعراض و الاهمال و منها من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و منها بالجمع و منها بالتفريق و منها بالاعلان و منها بالاخفاء و منها بالناسخ و منها بالمنسوخ ( بالناسخ و المنسوخ خ‌ل ) و منها بالاجمال و منها بالتفصيل و منها بالكتابة و منها بالتشبيه و منها بقذف في القلوب و منها بواسطة اوعية السوء و منها بروايات ضعيفة لها قراين و منها باخبار صحيحة و منها باجماع الطايفة و منها بالشهرة المقبولة و منها بدلالة عقل موزون و منها بتنبيه هو بالتسديد مقرون يجريها بعموم او بخصوص ( خصوص خ‌ل ) او اطلاق او تقييد او جمع او وحدة كل ذلك بالادلة الثلثة المحكمة دليل الحكمة و دليل الموعظة الحسنة و دليل المجادلة بالتي هي احسن و غيرها من اطوار التأييد و انحاء التسديد و جهات التعريف و هو عليه السلام لايعجزه تدبير رعيته و لا اصلاح غنمه و لا حفظ الشريعة التي هو شارحها ( شارعها خ‌ل ) و مبينها و لايصح ان يغفل عن جميع رعيته فان الله تعالي اجل من ان يجعل حجة علي الخلق ثم يخفي علمهم [ص 9] عنه فلم‌تكن الحجة حينئذ بالغة و كان ذلك نقصا في الحكمة و عيبا في الخليقة ( الخلقة خ‌ل ) و ضعفا في انفاذ المشية تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و ان كان المانع تقيته عليه السلام فلايصح ايضا لأنه ان كانت التقية عن ( علي خ‌ل ) نفسه فلا معني لذلك بعد اخفاء شخصه و غيبته لعدم فرض الاستيلاء عليه عليه السلام حينئذ و ان كانت من ( عن خ‌ل ) رعيته فذلك ايضا حكم ثانوي من احكام الله تعالي تجب الديانة ( يجب الديانة به خ‌ل ) الي ان يتغير الموضوع فيرتفع حكم التقية حينئذ و اما الاختلافات الواقعة بين العلماء الفرقة المحقة فليست ( بين علماء الفرقة فليست خ‌ل ) لأجل اختلاف انظارهم و خطاء ظنونهم و افكارهم لعدم تمكن وصولهم الي الامام عليه السلام فلو تمكنوا من الوصول به و السؤال مشافهة لمااختلفوا بل لأن الاختلاف هو المطلوب عنده عليه السلام في زمانه كما كان مطلوبا في زمان ( زمن خ‌ل ) آبائه عليهم السلام اماسمعت قولهم عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و قولكم ( و هو قولهم عليهم السلام خ‌ل ) راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعرف ( اعلم خ‌ل ) بمصالح غنمه ان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم ، و الحكمة الالهية المستودعة عندهم عليهم السلام اقتضت الاختلاف عند مزج الحق بالباطل و اهل الصلاح مع اهل الفساد و سنة الاختلاف باقية الي ان تزيلوا و لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا الآية ، و ذلك التزييل سبب ظهوره عجل الله فرجه كما ان المزج سبب خفائه فالاختلاف هو المطلوب الآن و قبله الاتري المشافهين لهم عليهم السلام في مسئلة واحدة يختلفون حسب اختلاف بياناتهم عليهم السلام لهم و لذا قالوا ان هذا الاختلاف اسلم لنا و لكم و لو اجتمعتم لاخذ برقابكم و اما شيوع الفساد و انكباب الخلق علي المعاصي فلاينافي تسديد الامام عليه السلام لأن تسديده عليه السلام للتعريف و التبيين [ص 10] لا للاجبار ( لا للعمل خ‌ل ) و الالجاء علي الفعل و قد قال تعالي لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فالبيان شأن الحجة لا الالجاء و الاكراه كما قال تعالي ما علي الرسول الا البلاغ مثلا علي الحجة ان يبين ان الزنا حرام و معصية فاذا حصل مانع لهذا الفهم و البيان عليه ان يزيله لأن البيان من الله سبحانه و علي الله قصد السبيل ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه فالاهمال في البيان التام نقص في الحكمة و الايجاد و اما اذا عصي و زني فليس علي الله ان يمنعه و الا لكان ظالما تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا فشيوع الفساد ان كان عن جهل بالفساد فذلك لايجوز بل لايقال له فساد ايضا لأن الناس في سعة مما ( ما خ ) لم‌يعلموا كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نهي فقبل وصول النهي الي المكلف هو في سعة من الفعل فلايقال له حينئذ مفسد و ان كان بعد العلم فبما كسبت ايديهم و ليس علي الله تعالي ردعهم ( تعالي رد عليه خ‌ل ) بعد اقامة الحجة و ايضاح الدليل ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و اما تعطيل الحدود فذلك لشريعة التقية فان اقامتها لاتكون ( لايكون خ‌ل ) الا بظهوره عليه السلام و ظهوره روحي له الفداء مما يأبي الله ما دام الخلط و المزج فلاتقام ( فلايقام خ‌ل ) الحدود ما دام الامام عليه السلام غائبا لشيوع الفساد و ظهوره في البر و البحر و عدم تحمل الناس للوقوف علي الحدود الشرعية الالهية و عدم بسط يد ولي الامر ليوقفهم علي الحد الالهية الحقيقي فلاتزداد ( الحد الحقيقي فلاتزد خ‌ل ) اقامة الحدود الا فسادا و فتنة و ايقاعا ( ايقاعها خ‌ل ) لهذه الفرقة الي موارد الهلكة فمنع اقامة الحدود في وقت الغيبة و شدة المحنة من اقامة الحدود فافهم راشدا .

و بالجملة بعد ( فبعد خ‌ل ) ما انعم الله سبحانه علينا بوجود امام حق [ص 11] عادل رؤف عطوف عالم مطلع علينا في غيبنا و شهودنا و ظاهرنا و باطننا قد اكمل الله ( تعالي خ‌ل ) بذلك النعمة كما قال عز من قائل اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فلا معني لسد باب العلم بالاحكام علينا لأن هادينا و مرشدنا و ولينا معنا اينما كنا فلاتمنعه غيبته عليه السلام عن رعايتنا و حمايتنا لرأفته بنا و رحمته علينا و لاتصغ الي قول من قال فيه عليه السلام وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا فان الجمع بين اللطفين اكمل و ارجح بالضرورة و قد سبق منا ان الله تبارك و تعالي لايترك الارجح و الاولي و ان ائمتنا سلام الله عليهم لايتركون الاولي بخلاف سائر الانبياء فانهم قد يتركون الراجح و الاولي و اما نبينا و ائمتنا عليهم السلام فمنزهون و مبرؤون عن جميع ذلك فان قلت ان التصرف ليستلزم المفسدة قلت مطلقا ممنوع اشد المنع فليقتصر علي ما يوجب المصلحة من اجراء رعيته علي ما يقتضيه ( تقتضيه خ‌ل ) كينونتهم و اصلاح ذات بينهم علي اي جهة كانت من الاتفاق و الاختلاف و التقية و احكامها و اما جعل الرعية مهمل الناصية مخلي السرب يختارون لانفسهم ما يشاؤن و يتركونهم و يتركون ( ما يشاؤن و يتركون خ‌ل ) ما يشاؤن بين آيات و روايات مايعرفون حقايقها و لا مبانيها و لا معانيها و لا تصاريفها و لا وجوهها و لا دقايقها يكلهم علي آرائهم ليعتمدوا علي اهوائهم و يرجحون بينها من انفسهم فلايكون ذلك ابدا و يأبي عن ذلك عدل ( يأبي عدل خ‌ل ) الله سبحانه و حكمته و قيوميته و قوله تعالي لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و لعمري في ذلك ابطال الدين ( لعمري ان في هذا ابطال للدين خ‌ل ) رأسا اذ لو جاز هذه التخلية في وقت [ص 12] جاز في كل الاوقات و قوله و عدمه منا ان اراد به المكذبين فما تقصير المصدقين الذين يطلبون دينه و شرعه و يتبرؤون من اعدائه ، نعم من جهة الخلط مع المخالفين حصل لهم الضعف عن ادراكه و ملاقاته مثل الارمد بالنسبة ( بالنظر خ‌ل ) الي نور الشمس و اما الشمس فلاتقصر عن الاشراق و الاضائة و التدبير و التجفيف و التسخين و غيرها و مثل الطبيب بالنسبة الي الارمد فانه اذا عجز عن مشاهدة الطبيب و الاصم اذا عجز عن استماع كلام الطبيب فلايقصر الطبيب عن معالجته و مداواته لاصلاحه و تدبيره كيف و الامام هو يد الله الباسطة و اذنه الواعية و رحمته الواسعة فلاتقل يد الله مغلولة لئلايشملك تأويل قوله تعالي .

فاذا نظر الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوي المستأهل ( للشرائط المستأهل خ‌ل ) للاستيضاح و ان يطرق الباب ليرد عليه الجواب في حكم المسئلة و تأمل في دليلها من كتاب او رواية او شهرة او اجماع فان وقف علي اجماع محقق حصل له القطع بدخول الحجة عليه السلام في المجتمعين ( المجمعين خ‌ل ) قولا او رضاء ( رضي خ‌ل ) او تصحيحا او غير ذلك فذلك هو ( ذلك هو خ‌ل ) العلم عند الكل بالاتفاق الا ان نزاعهم في الحصول و عدمه و الا فبعد حصول العلم لا نزاع في انه العلم القاطع و هو الحجة المقطوع بها و ان وقف علي شهرة تكون اجماعا فكالاجماع و ان وقف علي ما ليس له معارض و عليه قراين تفيد القطع فكما مر آنفا و ان وقف علي ما ليس له ( ما له خ‌ل ) معارض مانع عن افادة القطع فليطلب المرجحات المنصوصة في الكتاب و السنة ثم ان الامام عليه السلام ناظر الي نظره في تلك المسئلة و ناظر الي حاله و كينونته من حيث نفسه و من حيث قراناته بالامور الداخلة و الخارجة من احكام التقية و غيرها و ناظر الي كل [ص 13] من يقلده فيها و احوالهم و ما تقتضيه اطوارهم و اوطارهم مسبب له اسباب المرجحات علي مقتضي تلك ( ذلك خ‌ل ) الاسباب حتي يرجح ( ترجح خ‌ل ) عنده ما هو اللايق بحاله و حال مقلديه و يضعف الجانب الآخر فلايلتفت اليه فتكون صلوة الجمعة بالنسبة الي بعض علي حسب المصالح واجبة و علي آخر محرمة و علي آخر مستحبة و هكذا علي ما يقتضيه ( تقتضي خ‌ل ) كينوناتهم هؤلاء ( فهؤلاء خ‌ل ) المختلفون لو شافهوا الامام عليه السلام ( عليه السلام بالسؤال خ‌ل ) في هذا الوقت مازاد لهم عما يسر لهم الطريق اليه حرفا بحرف .

و اما طريق القطع و سبيله فانك اذا وقفت علي دليل مسئلة من آية او رواية فيجب ان تحملها علي ما هو الظاهر من المعاني الحقيقية اللغوية ( او اللغوية خ‌ل ) او الشرعية او العرفية و لاتصرفها علي المجاز لأن الحكيم هو الذي يضع الاشياء في مواضعها و مواقعها فاذا وضع اللفظ لمعني معين فمقتضي الحكمة استعماله فيه الا ان يكون مانع عن ارادة المعني الحقيقي فيجب علي الحكيم حينئذ البيان و نصب القراين و شهادة العيان او الوجدان فاذا لم‌نجد شيئا من هذه الموانع و كان الكلام كلام الحكيم علمنا يقينا انه مااراد الا ما وضع اللفظ بازائه و سبيل القطع بالوضع اطباق اهل اللغة او عدم المعارض و اما اذا اختلفوا فلا بد من التماس دليل منهم عليهم السلام في تعيين احد القولين او الاقوال فاذا وجدت آية او رواية فاحملها علي المتعارف عند اهل اللسان فانه هو المراد قطعا و الا لم‌يكن حكيما و كان مغريا بالباطل فاذا ( فان خ‌ل ) كان ذلك المعروف هو الحكم الذي يريد الله سبحانه و تعالي من ذلك الناظر سكت عنه و لم‌يردعه و خلاه و الا ردعه و نصب له القراين بخلاف المدلول [ص 14] المعروف بين اهل اللسان فحيث سكت و لم‌يردع علمنا ان ذلك هو حكم الله تعالي يقينا بحكم التقرير فانهم قد اجمعوا ان التقرير يورث العلم اذا عمل عملا او ذكر قولا او حديثا في محضر المعصوم عليه السلام و لم‌يردعه و سكت عنه و لم‌يكن محل التقية فذلك هو الحكم الحقيقي الذي يجب العمل به و ليس شرط التقرير مشاهدة المقرر المقرر له ( مشاهدة المقرر له خ‌ل ) او العكس او الجميع بل علم المقرر و تمكنه من الردع كاف ( كان خ‌ل ) قطعا و هذا المقدار في هذا الزمان حاصل يقينا فان العالم كله للامام عليه السلام بمنزلة بيت واحد لشخص واحد و الخلق كلهم بمنزلة العيال الواجبي النفقة و الكل بمرأي منه و مسمع فانت اذا طلبت دينه و حكمه و شرعه و عثرت علي دليله من كتاب و سنة و تتلوه بمرأي منه و هو يري ان ذلك مخالف لطريقته و سنته ( مخالف لسنته و شريعته و طريقته خ‌ل ) ثم يسكت عنك و لم‌يدلك علي الصواب و لايوصلك الي فصل الخطاب فأين اذا محل التقرير و موقعه فان كان استنادك الي الروايات الدالة الناهية عن القول بغير العلم و عن قبول خبر الفاسق و امثالها فهي ( فهو خ‌ل ) موجودة في مقام التقرير علي المعني الذي تزعمون من حضور مجلس المعصوم عليه السلام و مشاهدته له فالجواب ( مشاهدته فالجواب خ‌ل ) الجواب ، فاذا حصل التقرير حصل العلم القطعي بأن هذا هو التكليف فاين الظن اذا .

فان قلت ان التقرير انما يكون عند عدم احتمال التقية و الخوف فاذا احتملت ( احتملنا خ‌ل ) التقية فلا قطع بأن هذا هو الحكم و التكليف ( بان هذا الحكم التكليفي خ‌ل ) قلت و هذه التقية لايجري عند ( لاتجري في خ‌ل ) الغيبة ابدا لأن التقية ان كانت في القول ( القول خاصة خ‌ل ) ربما يتمشي هذا القول و ان كانت بغيره ( لغيره خ‌ل ) كما هو المفروض فيكون ذلك هو حكمنا الآن لأن [ص 15] التقية ايضا عندنا من احد الاحكام كما ورد في حديث علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام في الخبر المشهور من تعليم الوضوء علي طريقة المخالفين ثم نهاه ( نهيه خ‌ل ) عنه و ردعه الي طريقنا المعروف فان كان سكوته من جهة التقية علي الرعية فلا شك انه لايريد الا العمل بذلك اذ ليس هذا حكم مقالي ظاهري حتي يتقي من استماع احد من المخالفين بل انما هو تقية بالفعل فوجب فعله الي ان يتغير الموضوع فيرفع الحكم بنصب قرينة فحكم التقرير في الزمانين و الحالين واحد بلا اختلاف و في الدعاء ماضرني غيبتي و لانفعهم حضورهم ، و في التوقيع الخارج عن الناحية المقدسة حرسها الله تعالي الي المفيد (ره) ما معناه انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء و عن الصادق عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذن سامعة ، و الروايات الواردة علي مضمونها اكثر من ان تحصي .

فاذا صح التقرير و وجب ( فوجب خ‌ل ) ردع الامام عليه السلام و اكمل الله لنا الدين و اتم علينا النعمة بنصب الامام عليه السلام و استحفاظه لامر الانام الي يوم القيام فأي ( فاين خ‌ل ) طريق الي الظن حينئذ الا ان يكون الله سبحانه قد قصر في ابلاغ الحجة البالغة او الرسول (ص) قصر في نصب وصي حافظ بصير مطلع ناظر الي مصالح الرعية كافة او الامام (ع) قصر في الاداء و التبليغ و الحفظ و الرياسة فمااعطي كل ذي حق حقه و ترك المصدقين المخلصين من الخلق في جهل و ظن و شك ( من الخلق في ظن و شك و وهم و جهل خ‌ل ) مع قدرته علي ايصالهم الي طريق العلم و تمكنه منه فان لم‌يتمكن كان عاجزا و ان تمكن و لم‌يفعل اما ان يكون آثما او تاركا للاولي و كل هذه [ص 16] الوجوه علي مذهب الامامية في البطلان بمكان فلم‌يبق الا النظر و السياسة علي مقتضي مصالح الرعية و قد قال عليه السلام ان الله لايخلو ( لايخلي خ‌ل ) الارض من حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا اتمه لهم ، و المؤمنون جمع محلي باللام يفيد العموم الاستغراقي الشامل لكل فرد فرد كما اذا قيل اكرم العلماء فان المراد به كل فرد فرد لا ( كل فرد لا خ‌ل ) المجموع من حيث المجموع و ذلك ( فذلك خ‌ل ) معلوم واضح فاذن ما يحصل للفقيه بعد كمال الاستيضاح و استفراغ الوسع هو الحكم الالهي الواقعي الحقيقي الذي لو شافه الامام عليه السلام و هو علي تلك الحالة مازاده عليه قطعا الا ان هذا الحكم لايلزم ان يكون اوليا بل قد يكون ثانويا و لأجل التقية و غيرها .

و بالجملة ( بالجملة خ‌ل ) حكم هذا اليوم و حكم المشاهدة و المشافهة واحد و حكم القريب و البعيد سواء و حكم الحاضر في مجلسه و الغائب عن مجلسه في الغيبة و الحضور واحد في بلوغ كل احد حكمه الذي يحتاج اليه فقد يكون حكمه الاحتياط و قد يكون حكمه التنجيز ( التخيير خ‌ل ) و قد يكون حكمه التخيير و الاخير قد يقتضي ( التنجيز و الآخر قد تقتضي خ‌ل ) المصلحة في استمراره و دوامه علي ذلك الفقيه و قد تقتضي المصلحة عدم الاستمرار و عدم الدوام فان كان الاول اي الاستمرار ففي الغالب يلقي الحكم اليه بالاجماعات المحققة اما عامة او خاصة او الادلة المفيدة للقطع اولا و بالذات لا بانضمام مقدمة التقرير و قاعدة حصوله في هذا الزمان فلولا هذه القاعدة كان الحكم ظنيا و لكن اذا انضمت اليه هذه المقدمة المباركة كان الحكم قطعيا و ان كان الثاني اي المطلوب عدم الاستمرار ففي الغالب يلقي الحكم اليه بالقسم الثاني من الادلة الراجحة التي لولا ملاحظة مقدمة [ص 17] التقرير كان الحكم ظنيا كما مر آنفا و ذلك بسهولة النقل و الانتقال بخلاف الاجماعات و غيرها فان الانتقال الذي يسمونه تجدد ( فان الانتقالات التي يسمونها بتجدد خ‌ل ) الرأي قد يتفق هناك الا انه قليل و ان كان ( كانت خ‌ل ) المصلحة التخيير فتعارض ( تتعارض خ‌ل ) الادلة في نظره حتي لايسعه الترجيح و لايمكنه الارجاء و التأخير و لايمكنه طرح الجميع و لا البعض لمكان التكافؤ و لايسع التساقط عند التعارض لثبوت احد الحكمين قطعا و التميز قد خفي فبأيهما اخذ من باب التسليم وسعه و ان كانت المصلحة الاحتياط يجعل له طريقا اليه و الفقيه عند النظر في المسئلة لايخلو عن الحالات الثلثة المذكورة و كلها بنظر الامام الحجة عجل الله فرجه روحي له الفداء فحينئذ فاين الظن الذي يدعون و به يقولون و عليه يعتمدون ( الذي يدعون و به يصولون و عليه يعولون خ‌ل ) ان هو الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جائه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب .

فان قلت اذا كان الامر كما ذكرت من نظر الامام (ع) فوجب ان لايختلفوا لأن الاختلاف ليس من الله تعالي لقوله تعالي و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و دل مفهوم الشرط علي ان ما عند الله ليس فيه اختلافا كثيرا ( ليس فيه اختلاف خ‌ل ) و مفهوم الشرط حجة كما هو مذهب المحققين و قال تعالي و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و قال تعالي ايضا فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فاذا كان الناظر و المسدد هو الامام عليه السلام فلايجوز ان يختلفوا لانه ليس حكم الله تعالي قلت نعم الاختلاف ليس هو الحكم الاولي و لكنه من الاحكام الثانوية كالتقية و [ص 18] امثالها فيجب اذا اقتضت المصلحة ذلك كما تقدم و لذا قالوا عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم ( لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم خ‌ل ) و غيرهما من الروايات الدالة علي وقوع الاختلافات و ( علي وقوع الاختلاف الكثيرة لاتحصي ثم انا نقول ليس كل اختلاف مذموما فليس من عند الله بل خ‌ل ) الاختلاف المذموم هو الذي اخبره سبحانه في كتابه العزيز بقوله تعالي فمااختلفوا الا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم و ليس اختلاف الفقهاء و احاديث اهل البيت عليهم السلام من هذا القبيل كما هو المعلوم .

فان قلت لو كان الامر يجري بتسديد الامام عليه السلام يجب ان لايجوز التقليد لأن ( اذ خ‌ل ) المدار ليس علي فهمه بل علي ما يجري اليه الامام عليه السلام حسب ( علي حسب خ‌ل ) ما يري ( يري من خ‌ل ) المصلحة من التأييد و التسديد و هذا الحكم يساوي فيه المجتهد و المقلد ( يسوي فيه المقلد و المجتهد خ‌ل ) قلت ليس كل احد قابلا لنظر الامام عليه السلام و اهلا لتحمل عنايته و الا لماصحت بعثة الانبياء و اختيار الاوصياء عليهم السلام لأن نسبته تعالي الي جميع المخلوقين سواء و تسديده الي الكل واحد و لكنه سبحانه حيث يجري ( سبحانه يجري خ‌ل ) الاشياء باسبابها يجريها اذا تحققت شرايط القبول فوجب بعثة الانبياء عليهم السلام و كذلك الامام عليه السلام بالنسبة الي رعيته فانه عليه السلام يوجه عنايته الي المقابل ( القابل خ‌ل ) المتحمل لها دون غيره و القابل المتحمل هو العارف باحكامهم المأنوس بطريقتهم و اطوارهم في جهات مخاطباتهم و كلماتهم و القائهم و تلقياتهم المكلفين منهم و انحاء الاصول الملقاة اليهم حتي يصح عليهم ( اليهم خ‌ل ) قوله تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و المجتهد هو العارف بطريق المجاهدة للاهتداء لتلقي الاحكام الالهية الشرعية الفرعية [ص 19] فيهديه الله سبحانه بتسديد الامام عليه السلام و تأييده و سبل فيه نكتة لفظية لطيفة و هي ان عدده اللفظي يطابق عدد محمد صلي الله عليه و آله فافهم الاشارة و الهداية ( فالهداية خ‌ل ) متوقفة علي المجاهدة و اهل المجاهدة هم المجتهدون مثلا الشمس لها اشراق علي كل من في الارض و لايحكيها و لايحكي مثالها و صورتها و حرارتها الا الزجاجة و البلور فافهم ضرب المثل فان نور الشمس تسديد الامام (ع) و تأييده و رعايته و حمايته و قلوب الشيعة ارض حاملة له فالمجتهد كالزجاجة و البلور و سائر الرعية كساير الاجسام الغاسقة و الله سبحانه يقول يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون .

فان قلت فعلي ما ذكرنا ( ذكرت خ‌ل ) يلزم ان يبطل مذهب التخطئة و يصح مذهب التصويب فان هذه الاحكام انما تجري بنظر الامام عليه السلام فلايكون ( فلاتكون خ‌ل ) الا صوابا فاين الخطاء حينئذ مع ان الامامية مجتمعة علي بطلان مذهب التصويب و صحة مذهب المخطئة قلت ان المصوبة يزعمون انه ليس لله في الواقع حكم و انما الاحكام تابعة لرأي المجتهد فما ادي اليه ظنه فذلك حكم الله الواقعي و ليس له سبحانه حكم غير ذلك و لا شك ان هذا باطل فاسد فان حكم الله امر واقعي ( واقعي حقيقي خ‌ل ) و لايصح ان يكون تابعا او متجددا بتجدد الآراء الناقصة و الافهام الغاسقة الباطلة و انما الاحكام الالهية تجري علي حسب المصالح الواقعية الحقيقية التي عليها الكينونة الاولي العليا التي خلقها الله سبحانه يوم كان طالع الدنيا السرطان و الكواكب كانت في اشرافها ثم لما تحركت الافلاك و اختلطت ( اختلط خ‌ل ) الطبايع و مزجت العليا بالسفلي و السفلي بالعليا تغيرت الموضوعات [ص 20] فاستدعت احكاما اخر و هي ثانوية الالهية ( الهية خ‌ل ) و قد تسمي ظاهرية و نفس الامرية و غيرها من الاسامي فالخطاء اذا حصل فانما هو في الاولي و لم‌يحصل في الثانية قطعا مثاله المريض له غذاء في حال الصحة من الاطعمة اللذيذة و الاغذية الطيبة و اما في حال المرض فلايصلح له تلك الاغذية و الاطعمة فانها تفسده و لاتصلحه بل المناسب له العقاقير و الادوية المصلحة للمرض فالاولي هي الاحكام الواقعية الاولية و الثانية هي الاحكام الواقعية الثانوية و كل هذه الاحكام عند الله سبحانه ثابتة في اللوح المحفوظ الا ان الاولي في الورقة العليا الاولي ( الاولي العليا خ‌ل ) و الثانية في الورقة السفلي الثانية ( الورقة الثانية خ‌ل ) و الكل عند الله ثابت محفوظ ( عند الله محفوظ خ‌ل ) في خزائنه و اعظم الخزائن و اشرفها ( اشرفها و اعلاها خ‌ل ) قلب الامام عليه السلام و هو العبد المؤمن الذي وسع قلبه الاحكام الالهية باسرارها ( باسرها خ‌ل ) و قد ضاقت عنها السموات السبع و الارضين ( الارضون خ‌ل ) السبع كما في الحديث القدسي فالذي يقول ان الحكم الثانوي الذي ادي اليه نظر الفقيه المسمي عندهم بالحكم الظاهري قد يكون محض الخطاء و خلاف الواقع بحيث لو شافه الامام عليه السلام كان الحكم غير هذا و انما ساغ له العمل بذلك من قبيل اكل الميتة و الجيفة فقد اخطأ الصواب و تعدي في الجواب بل الله سبحانه اجل من ان يكل الخلق الي آرائهم حتي يقولوا في الاحكام العملية التي عليها مدار الفروج و الدماء و النسل و ترقيات الدنيا و الآخرة علي مظنوناتهم ثم يجيز الله تعالي بهم تلك الظنون الكاذبة و الآراء الفاسدة و الاوهام الكاسدة فمن نسب الي الله ذلك فقد اخرج الله عن سلطانه و عزله عن حكمته و ازاله عن قيوميته تعالي الله عما يقولون ( تعالي الله عن ذلك خ‌ل ) علوا كبيرا .

[ص 21] فان قلت ان الخطاء و الوهم في الموضوعات قد يتفق يقينا فان المكلف ربما يباشر النجاسة و يتصرف في الحرام و المغصوب و غير ذلك و لم‌يعلمه بها و قد اجاز الله تعالي له ذلك و صحح عمله و لم‌يكلفه بما هو الواقع فليكن تلك الاحكام المظنونة التي تقع فيها الخطاء من هذا القبيل فان الضرورات تبيح المحظورات قلت هذا قياس سيما مع الفارق فان امر الموضوعات و معرفتها راجعة الي المكلفين و هم الذين ( الذين يجب خ‌ل ) عليهم معرفتها و تميزها ( تمييزها خ‌ل ) و تشخيصها و المداقة فيها حتي يميزها كما هو الواقع اي يتجنب ( الواقع ليجتنب خ‌ل ) من النجس و الحرام و المغصوب و غير ذلك و لكن الله سبحانه لما كان يريد لهم ( بهم خ‌ل ) اليسر و لايريد بهم العسر سهل عليهم ذلك و قال كل شيء نظيف حتي تعلم انه قذر و كل شيء لك حلال حتي تعلم انه الحرام ( تعلم الحرام خ‌ل ) بعينه فتدعه و ذلك من اوسع الاحكام و اما نفس الاحكام فبيانها راجع الي الله سبحانه لا الي المكلفين و هو سبحانه و تعالي يقول و علي الله قصد السبيل و قال سبحانه و تعالي لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه فاذا كان بيان الاحكام راجعا الي الله سبحانه و هو لايعجزه شيء فكيف يكل فهمها الي الخلق انفسهم فهل انزل الله دينا ناقصا فاستعان به علي آرائهم ام قصر الرسول و اوصيائه عليهم السلام في التبليغ و الاداء ام هم شركاء لله فلهم ان يقولوا و عليه ان يقبل فما هو من الله سبحانه قد اوضح طريقه و ابان سبيله الا ان الخلق متعاونون ( متفاوتون خ‌ل ) في معرفة تلك الجهات و انحاء التلقيات فمنهم من يتلقون من حيث يشعرون و منهم من حيث لايشعرون ( فمنهم من يتلقون من حيث لايشعرون و منهم من يتلقون من حيث يشعرون خ‌ل ) [ص 22] و الا فامرهم سلام الله عليهم في هدايتهم و ارائتهم و ايصالهم كل احد الي ما تقتضيه ذاته و كينونته و عمله من اوضح ( عمله اوضح خ‌ل ) الاشياء بل اظهر من الشمس و ابين من الامس كما في حديث المفضل و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما في نهج‌البلاغة اين يتاه بكم و فيكم عترة نبيكم ام اين تذهبون و رايات الحق منصوبة و اعلام الهداية ظاهرة الحديث ، و تخصيص هذه الاعلام و الرايات بالاصول دون الفروع قول بغير علم و لا هدي و لا كتاب مبين ( منير خ‌ل ) و في الزيارة عن علي بن الحسين زين‌العابدين عليهما السلام اللهم ان قلوب المخبتين اليك والهة و سبل الراغبين اليك شارعة و اعلام القاصدين اليك واضحة الزيارة ، و الجمع المحلي باللام يفيد العموم فيعم القاصدين اليه في الاصول و الفروع و في الزيارة الجامعة الكبيرة عن الهادي عليه السلام حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته ، و الجمع المضاف يفيد العموم عند المحققين فيكون قد بينوا عليهم السلام جميع الفرايض و اقاموا جميع الحدود و نشروا جميع شرايع الاحكام و هذا ينافي قولهم مابينوا ما وصل اليهم حتي احتاجوا الي استنباط الاحكام الالهية بالظنون الضعيفة و الاوهام الباطلة و الاحلام الفاسدة الا ان ذلك البيان و النشر و اقامة الحدود ليس علي ما يعرفون بل انما هو علي ما فسرت لك من جريان الاحكام ( احكام خ‌ل ) الاقتضاءات علي نهج المقتضيات من النور و الظلمة و الخير و الشر و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و الامام عليه السلام هو حامل ذلك العطاء بما حمله الله [ص 23] كما اشار اليه بقوله تعالي هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و في ما ذكرنا يجري تأويل قوله تعالي و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال فافهم راشدا و اشرب عذبا صافيا .

فظهر لك مما بينا ( مما ذكرنا خ‌ل ) ان الاحكام علي قسمين احكام اولية و هي لاتتغير و لاتتبدل ( لايتغير و لايتبدل خ‌ل ) و لاتزيد و لاتنقص و لاتختلف و لايجري عليها النسخ و الاختلاف و احكام ثانوية و هي التي علي مقتضي الكينونة الثانية و هي تختلف و تتغير و تزيد و تنقص و الناس في زمان الغيبة و خفاء الحجة ( الحجة بل عند مزج الطينتين مطلقا خ‌ل ) مكلفون بالعمل بالثانوية ( بالثانية خ‌ل ) و قد يصادفون الاولي و قد يخطأونها و لايصادفونها فيكون فرضهم العمل بالثانية لا الاولي فمن قال غير هذا المعني فقد اخطأ الحق و اتي بالجور و الباطل اذ لايصح ان يجعل الله سبحانه ما هو راجع اليه موكولا الي غيره و غير ابوابه و خزان امره و نهيه حتي يقول الناس بظنونهم و آرائهم ما يشاؤن ان هو الا كذب ( كذاب خ‌ل ) مفتري و الله سبحانه و تعالي اجل من ذلك و اعلي تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا .

فان قلت ان جل العلماء ( علماء خ‌ل ) الشيعة و اساطين الشريعة بعد دقتهم و بذل جهدهم ( مجهودهم خ‌ل ) و استفراغ وسعهم و سعيهم و طول فكرهم و نظرهم ( وسعهم و طول نظرهم و فكرهم خ‌ل ) و مجاهدتهم قد اعترفوا بعدم حصول العلم في كلما يحتاج اليه المكلف فبنوا امرهم علي العمل بالظن و الا يلزمهم الخروج من ( عن خ‌ل ) الدين فعملوا بالراجح و تركوا المرجوح لما رأوا من كثرة الامور المانعة من العلم علي ما فصلوها في كتبهم المفصلة و زبرهم المدونة في الاجتهاد و التقليد و غير ذلك فلو كان الامام عليه السلام مسددا مؤيدا [ص 24] هاديا موصلا الي العلم فلم لم‌يوصلهم و خلاهم فان كان هؤلاء الاساطين و الاكابر الاعاظم لم‌يستأهلوا لنظر الامام و عنايته و توجهه فعدم استيهال غيرهم بالطريق الاولي اذ ليس لغيرهم مزية عليهم في العلم و العمل و الآداب و الاخلاق ( و الاخلاق و الآداب خ‌ل ) فاذن يكون وجود المجتهد كوجود العنقاء و في ذلك تضييع للشريعة و تعطيل لاحكام الملة السهلة و ذلك في البطلان بمكان قلت ان هؤلاء الاساطين لم‌ينكروا استفادة العلم من الاجماع و الاخبار المحفوفة بالقراين القطعي ( بقرائن القطع خ‌ل ) و في غيرها اتوا بغاية ما عندهم بعد استفراغ وسعهم و بذل مجهودهم و سعيهم فذلك الذي تقول ( نقول خ‌ل ) انه هو حكم الامام عليه السلام اذ لو لم‌يكن ( اذ لم‌يكن خ‌ل ) ذلك حكمه لناقض دليله و ردعه منه ( عنه خ‌ل ) و لم‌يتركه علي حاله و الا لكان مغريا بالباطل و مقصرا في اداء حق الله تعالي و لماكان كما قال ( كما قال الامام خ‌ل ) عليه السلام ان الله لايخلو ( لايخلي خ‌ل ) الارض من حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا اتمه لهم ، فاذا انحصر لهم الدليل بما وجدوا اذا كانوا سالكين سبيل الحق و لم‌يخرجوا ( لم‌يمزجوا خ‌ل ) الي الاستحسانات العقلية و الاستنباطات الظنية الغير المأخوذة عن اهل البيت عليهم السلام كان ذلك تقريرا من المعصوم عليه السلام علي الحكم المراد منه و قد سبق منا سابقا انه لايشترط في التقرير مشاهدة المقرر له للمقرر فاذا حصل التقرير حصل العلم فهؤلاء العلماء عملهم ( علمهم خ‌ل ) علي الحق و فعلهم علي الصواب و ان لم‌يستشعروا بحقيقة الامر و حكموا بأن ما ادركوا هو الظن و رتبوا مقدمة لصحة العمل عليه و قالوا هذا ما ادي اليه ظني و كل ما ادي اليه ظني فهو حكم الله في حقي و في حق من قلدني ( في حقي و حق مقلدي خ‌ل ) و لم‌يعلموا ان ذلك هو حكم الله الثانوي [ص 25] الواقعي الذي سبيل حصوله و تحصيله سبيل حصول الاجماع المحصل و الخبر المحفوف بالقرائن القطعي ( بالقرائن المفيدة للقطع خ‌ل ) نعم يحتاج ذلك الي العلم بحصول التقرير في هذا الزمان فاذا ثبت ذلك فقد تم الامر و اتضح الحق و حصل العلم القطعي بالحكم الثانوي و علي الله قصد السبيل و منها جائر .