و منها علم التطبيق و التوفيق بين العوالم و الاناسي الثلثة الانسان الكبير و الوسيط و الصغير و اغلب العلماء لم‌يعثروا علي دقائق هذا العلم و حقايقه و الذي عثر علي بعض مقدماته مااستوفي الكلام في تنقيحه و تهذيبه و اصله ما في كلام اميرالمؤمنين [ص 26] عليه السلام :

و تزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر

و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر

و قال ايضا (ع) الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ الحديث ، رواه الديلمي في الدرر و الغرر فقلت بعض معناه و قال الله عز و جل ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال ايضا و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قال ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و غيرها من الآيات و الروايات المؤيدة بالبراهين القطعية و المعتضدة بالادلة العقلية كما هو معلوم عند اولي الفطنة الزكية و البصيرة القوية و في هذا العلم يظهر كيفية انطباق العالم بما فيه من المجردات و الماديات و العلويات و السفليات و الافلاك و العناصر و المواليد و الحركات و الكاينات و الجواهر القارة و غير القارة و الاعراض و الصور و الهيئات و اللوازم و المتممات و المكملات و الشرايط و تمكين القابليات و ظهور المقبولات و العرش و الكرسي و السموات و البحار و الاشجار و البراري و الفلوات و الانبياء و الرسل و الشرور و الخيرات و الفروع و الاصول و الانوار و الظلمات ( الظلمات و ما استجن في غيب الكاينات خ‌ل ) و ما استسر من دقايق الخفيات و الزمانيات و الدهريات و السرمديات و احكام الحركات و الاوضاع و الاستدارات ( و اوضاع الاستدارات خ‌ل ) و عجائب ما استودع في الامكان من غرائب النسمات و ما خلق [ص 27] في الامكان و العين خالق البريات كل ذلك و جميع التفاصيل و الاحوال مع كل ذلك يعرف انطباقها مع الحقيقة الانسانية في الوسيط و الصغير و بذلك يظهر اجساد الدنيوية و الزمانية و العنصرية و الهورقلوية و البرزخية و الاخروية و ان هذه الاجساد ليس كما توهمه الناس بل هي اعراض كل عالم جعلها ( كل ما جعله خ‌ل ) الله سبحانه و تعالي في الانسان لتتميم الجامعية و اظهار الكاملية و يظهر لك بالتوضيح معني الالقاء و الاخذ كما ذكره اعلي الله مقامه بما لاينافي ظاهر ما عليه عامة الناس بقدر الشعرة و لهذا العلم مسائل كثيرة و فروع غير عديدة يعثر عليها العارف المتتبع ( المتبع خ‌ل ) و يغفل عنها الجاهل المتكاسل و لمولانا اعلي الله رتبته و رفع في فسيح الجنان منزلته في هذا العلم استخراجات ( استخراج خ‌ل ) كنوز اسرار لم‌يعثر عليها دقايق الافهام و استنباطات حقايق علوم انوار تعجز عنها العقول و الاحلام و هذه العبارات الشريفة لايفتح مغلاقها الا بذلك المفتاح التام ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و الافهام .

و منها علم الموازين اي ميزان المطالب بالمشاعر و ميزان المشاعر بالادلة و ميزان الادلة بالميزان القويم و القسطاس المستقيم و من جهة الجهل بهذه الموازين ظهر الخلل العظيم في الافهام و الادراكات اذ ما كل مطلب ( طلب خ‌ل ) يدرك بكل مشعر و لا كل مشعر يدرك كل مطلب الاتري انك بالبصر لاتدرك الاصوات و بالسمع لاتدرك الالوان و باللمس لاتدرك الطعوم و بالذوق لاتدرك الروايح و كذلك الحواس الباطنية فان المتخيلات لاتدرك بالقوة الفكرية و البرزخيات لاتدرك بالقوة المتخيلة و المتوهمات [ص 28] لاتدرك بالقوة المتصرفة و المتصرفات لاتدرك بالقوة العاقلة و كذلك مطالب و مقاصد لاتدرك بهذه القوي الدماغية و انما هو بالنفس الناطقة القدسية و كذلك مطالب ايضا لاتدرك بها فانها تدرك بالقلب و اركانه و كل ركن مخصوص بادراك مطالب لايشمل الركن الآخر و اركان القلب اربعة الركن الايمن الاعلي و هو ينبوع النور الابيض الذي منه البياض و منه ضوء النهار و الركن الايمن الاسفل و هو ينبوع النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و الركن الايسر الاعلي و فيه ينبوع النور الاخضر التي منه اخضرت الخضرة و الركن الايسر الاسفل الذي فيه ينبوع النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة و كل واحد من هذه الاركان مخزن علوم و مطالب لاتدرك و لاتعرف بالركن الآخر و لاينال احد شيئا منها الا في كل منها فمن طلبها في غير موضعها لم‌يعثر عليها كمن طلب ادراك الاصوات بالبصر و ادراك الالوان بالسمع و هكذا ساير المشاعر و هنا ايضا مطالب و مقاصد اخر لايدركها القلب باركانها و انما يدركها الفؤاد بمراتبه و مقاماته منها ما يدركه في مقام الكلمة التامة و الرحمة العامة و الكلمة العليا الذي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و منها ما يدركه في مرتبة الحروف العاليات و الصور المكنونات و المخزونات و السحاب المزجي المثار من شجرة البحر بانحاء التطورات و هو المعني من قوله تعالي خلقكم اطوارا و منها ما تدركه في مقام الالف اللينية و اللطيفة الحقيقية و السريرة الالهية و النفس اللاهوتية و منها ما تدركه في مقام النقطة البسيطة من السر [ص 29] المعمي و الرمز المفخم ( المتمم خ‌ل ) معدن علوم الهية و مخزن اسرار ربوبية و ينبوع متممات و صفات الحقيقية المجردة عن الحد و الكيفية المنزهة عن الرسم و الكمية لاتنالها البصائر و العقول و لايصل اليها اهل المعقول و المنقول و قد وقعت الاشارة بصريح العبارة الي هذه المراتب بقول مولينا الصادق عليه صلوات الملك الخالق علي ما رواه في مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة الذي اعتمد عليه جماعة من العلماء الاعلام و طايفة من الفقهاء الكرام منهم السيد الاجل السيد بن طاوس (ره) كان من شدة الاعتناء به و الوثوق عليه يجعله حرزا و يشده في عضده قال عليه السلام اذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا خاف هرب و من هرب نجي و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل فاذا تمكن من رؤية الفضل رجا و من ( اذا خ‌ل ) رجا طلب و من طلب وجد و اذا انجلي نور ( ضياء خ‌ل ) المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و استأنس في ظلال المحبوب و آثر محبوبه علي من سواه ، نقلت بعض الحديث بالمعني و الحاصل ان الفرق بين المشاعر و القوي المدركة من اصعب ما يرد علي العلماء الفحول بل لاتقف عند ادراكها و ضبط حدودها و اوضاعها العقول و كان لمولانا و استادنا في هذه المباحث نتايج افكار دقيقة و قواعد رموز رشيقة لايهتدي اليها الكاملون الماهرون في هذه الفنون فما ظنك بغيرهم ممن لم‌يتتبعوا في اطوار هذه الدقايق و لم‌يستضئ ابصار قلوبهم بانوار هذه الحقايق اذ لم‌يسمعوها و لم‌يعوها فهم عنها غافلون و جل مطالبه في مباحثه و رسائله مبنية علي الفرق بين هذه المشاعر و اختصاص كل مشعر بمطلب خاص لايصلح الاخر له كما ان [ص 30] البصر لايصلح لادراك الاصوات و السمع لايصلح لادراك الالوان و كذلك باقي المشاعر و صريح قول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها خصوصا مسئلة المعراج فانها لاتنال و لاتدرك الا بالفؤاد فمن طلبها بغيره لم‌ينل المقصود و لم‌يحصل المراد و ساير المشاعر عنها بعيدة بمسافة عديدة و لايخفي علي كل ذي لب سليم و عقل مستقيم ان مشاعر الانسان بمراتبها ليست كلها صحيحة معتدلة تامة التأثير و الادراك بل منها ما هي سقيمة عليلة ضعيفة الادراك و منها ما هي محجوبة بحجب تمنعها عن الشعور و منها ما هي عارية عن النور كما نشاهد في الحواس الظاهرة فان من الناس من هو فاقد البصر و منهم من هو فاقد السمع و هكذا قياس ساير المشاعر الظاهرة اذ لايلزم ان يكون كل واحدة صحيحة في كل شخص و كذا الحواس الباطنة كما اشار اليه مولانا الرضا (ع) في حديث عمران الصابي قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، و من هذه الجهة شرط مولينا اعلي الله مقامه في فهم كلامه الفرق بين ادراك القلب و الفؤاد كما قال في جواب بعض المسائل في العلم ما لفظه الشريف : اوصيك ايها الناظر ( الناظر في كلامي خ‌ل ) ان لاتقف علي الالفاظ و العبارات فان كنت تعرف الفرق بين القلب و الفؤاد و الفرق بين نظريهما و استعملت في كلامي نظر الفؤاد فزت ببلوغ المراد و الا فاقطع الخطاب و لاتطلب الري من السراب فان كنت عطشانا لهذا المورد فقد ضرب دونه الف حجاب و الله سبحانه الموفق للصواب ه‍ . فاذا كان الامر كذلك فقبل الفرق بين نظر القلب و [ص 31] الفؤاد و التميز بين مدركاتهما و استعمال نظر الفؤاد كيف يرجي بلوغ المراد في فهم كلام من كلامه مقصور علي نظر الفؤاد و هذا لايعلم قط و لايعرف الا بتنقيح مسائل علم الحواس و تحقيقها علي جهة البصيرة و الايقان علي ما هو المعروف عند الحكماء الراشدين و المؤمنين الممتحنين المستخرجين لاولي الاسرار و العلوم من اصداف احاديث الائمة الطاهرين عليهم سلام الله اجمعين و لقد كتبنا في ذلك رسالة منفردة و ذكرنا فيها بعض مسائل هذا العلم باوضح بيان و اكمل تبيين ان في ذلك لآيات للمتوسمين . و اما ميزان المشاعر و المدارك ( المدارك و المشاعر خ‌ل ) فهو الادلة و هي ثلثة كما قال تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و المعروف بين العلماء في علم المنطق و غيره ضبط آخر الادلة و ادناها و هو دليل المجادلة بالتي هي احسن و تحقيقه و شرائطه و آدابه و لمن يعرف سياق الكلام ليس هو الدليل المقصود من الله الملك العلام بدليل تغير سوق العبارة لمن يفهم الاشارة في مقام التلويح بصريح العبارة و الدليل الاصلي المقصود لذاته هو الاولان المندرجان في سوق واحد و المنتظمان بنظم غير متعدد اولهما اعلاهما و ابهاهما و اسناهما و اشرفهما و الطفهما و هو دليل الحكمة الموصل الي سر حقيقة المعرفة في جميع الموجودات التكوينية و التشريعية و المعنوية و الصورية و التكوينية و التدوينية و الحقيقية و المجازية علي نهج اليقين بما لايختلجه الشك و التخمين و بها تدرك الاشياء كما هي كما قال رسول الله [ص 32] صلي الله عليه و آله اللهم ارني الاشياء كما هي و قال جل من قائل اثباتا لعظيم منزلته و اظهارا لجليل خطره و مرتبته و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و هو الدليل اللمي و السر الغيبي و هو لافادة الاسرار كما قال (ع) سر لايفيده الا سر و هو لاخص الخواص البالغين مقام الاختصاص و عليه تنبئ المعارف الالهية و الحقائق اللاهوتية و ثانيها دليل الموعظة الحسنة و هو دليل اولي الالباب و اصحاب اليقين و مخلصي شيعة مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام من اهل التحقيق و التمكين الذين تكلموا عن الحقيقة بلسان المجاز و عبروا عن المجاز بصرف الحقيقة و هذان الدليلان اللذان هما الاصل و العمدة لفهم المطالب ماتعرض لهما المشهور بل تصدي العلماء العارفون و الفقهاء الربانيون لتحقيقهما و ذكر شرايطهما و مستنداتهما و متمماتهما و مكملاتهما و لوازمهما و مقتضياتهما الي ان صدر علما مستقلا ذا مسائل عجيبة و مطالب غريبة لاتدركه العقول و البصائر من اهل الرسوم و الظاهر و اغلب مطالب مولانا و استادنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه مبنية ( مبتنية خ‌ل ) علي دليل الحكمة و اصل مأخذه و منشائه و شرايط تحققه و اللوازم المترتبة عليه و النتايج المتحصلة منه و نظروا الي كلام مولينا و وجدوا انه لاينطبق علي القاعدة المقررة في المنطق قالوا انه قول بلا دليل و لكنهم اخطأوا الصواب و نطقوا بغير علم و لا هدي و لا كتاب و لم‌يعلموا ( لايعلمون خ‌ل ) ان الدليل هو الذي عنده و السبيل الحق هو الذي سلكه و ان الائمة عليهم السلام ماتمدحوا الا بذلك و لااثني عليهم الا بما هنالك الاتري [ص 33] تخاطبهم في الزيارات و في ساير المخاطبات و دعوتم الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة و لاتقول بالمجادلة بالتي هي احسن و لو كان فيها كمالا لامتدحوا بها و لاثنوا عليهم بها و لايقال انهما داخلان في المنطق فدليل الحكمة هو البرهان المنطقي و الموعظة الحسنة هي الخطابة و دليل المجادلة هي الجدال علي ما هو المعروف عندهم كما قال ملا صدرا لانا نقول هذا باطل قطعا لان مولينا الصادق (ع) صرح بان البرهان من الجدال بالتي هي احسن علي ما رواه الطبرسي في الاحتجاج و المجلسي في البحار و لدلائل اخر من البراهين العقلية التي ذكرناها في محلها و لسنا نقول دليل المجادلة باطل و انما نقول انه ادني المقامات و دليل الحكمة اعلي منه فالمتمكن منه لايعتني بدليل المجادلة لانه عدول عن الكمال و لايرضي به اصحاب الكمال و لانه لايوصل الي حقيقة المراد فلايلتفت اليها البالغون مرتبة الفؤاد و عن ( من خ‌ل ) هذه الجهة اجري مولانا نمط استدلاله و استنباطه علي دليل الحكمة و الموعظة الحسنة فمن لم‌يعرفهما و لم‌يعرف كيفية الاستدلال بهما فلايعقل منه فهم كلام من يستدل بهما و مفاهيم كلماته مستنبطة عنهما و هل هذا الا طمع الاستماع بالبصر و الرؤية بالسمع و الذوق بالمنخرين و ما هذا يفعل انسان و اما ميزان الادلة فهو مذكور في محله و مشروح عند اهله و يتكفل ببيانها آيتان من القرءان و هما قوله تعالي فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدون في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و شرح هذه الآية و بيانها و جواب ما عسي ان يرد عليها و توضيح [ص 34] مجملها و تبيين معضلها في الآية الاخري و هي قوله تعالي اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و شرح هذه المسئلة و بيانها موكول في ذلك العلم علي ما عند اصحاب الحقيقة و قد ذكرت في شرح الخطبة الطتنجية شطرا وافيا منه و علي من يفهم الكلام السلام .

و منها علم الكتاب التكويني و هو علم عجيب غريب علم الانبياء و المرسلين و الملئكة المقربين و الاولياء و الصديقين و الخواص من المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث و الكيف و الكم و عرفوا مفصولهم و موصولهم و ما يؤل اليه امورهم و هم القليلون اقل من الكبريت الاحمر كما اشار اليهم الآيات و الروايات و هذا الكتاب قد جمع الله فيه جميع العلوم و المعارف و جميع المقاصد و المطالب و جميع ما يريد من خلقه كلها ببيان حالي و شرح تكويني وجودي بضرب الامثال و بيان الاحوال و تفصيل الاجمال بحيث لايخفي لمن نظر فيه و عرف كيفية قرائته جواب و لا سؤال و لم‌يطلع عليه الا الاقلون و غفل عنه الاكثرون و لكن اكثر الناس لايعلمون و الله سبحانه نص عليه في كتابه الحميد بقوله عز من قائل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال عز و جل و كذلك نري ابرهيم ملكوت السموات و الارض ليكون من الموقنين ( الموقنين و قال ايضا قل انظروا ماذا في السموات و الارض خ‌ل ) و امثالها من الآيات الكثيرة و في هذا العلم يتبين حقيقة ( العلم الشريف تبيين لحقيقة خ‌ل ) معني قوله اعلي الله مقامه انه صلي الله عليه و آله عرج بجسده في الليل في الزمان و [ص 35] بجسمه في الدهر قبل خلق السموات و الارض بالفي عام او باربعة آلاف عام و بروحه في السرمد اضعاف مقدار بقاء العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض و قد حدد قليلا منه اميرالمؤمنين عليه السلام للسائل لما سئله عن ذلك فقال (ع) لو صب خردل حتي ملأ الفضاء و سد ما بين الارض و السماء و انت لو عمرت و كلفت مع ضعفك ان تنقل حبة حبة من المشرق الي المغرب حتي ينفد لكان ذلك اقل ( باقل خ‌ل ) من جزء من مأة الف جزء من رأس الشعير مما بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض و استغفر الله من التحديد بالقليل ه‍ ، كل ذلك بعروج واحد و هذا من المعضلات التي لايفتح مغلاقها الا بهذا العلم الشريف و هناك يتبين حقيقة المدة و انها اي شيء و اختلاف المدد لماذا و ما منشأ هذا الاختلاف و اي نسبة بين هذه المدد و كيف يكون عروج جسده في الليل بعد البعثة بسنتين و عروج جسمه في النهار قبل خلق السموات و الارض بعروج واحد و ما معني هذا الاتحاد مع هذا الاختلاف و كذلك ( هكذا خ‌ل ) ساير مباحث المعراج و ان جسمه صلي الله عليه و آله الطف من العرش من محدبه بسبعين الف مرة مع انه يري بالابصار دون العرش و يحس بالحواس و يدرك بلمس اللامس و تجري عليه التغييرات ( التغيرات خ‌ل ) و تعتور عليه الحالات مع انه هو الثابت القار البات و لايوصف العرش و لا الكرسي و لا السموات بتلك الصفات و السمات ما الوجه في ذلك و ما حقيقة الامر فيما هنالك ، هذه المباحث كلها مشروحة في هذا العلم الانور و النور الازهر الذي اظهره للناس سادات المحشر و اصحاب الحوض [ص 36] الكوثر عليهم الصلوة و السلام من الله الخالق الاكبر و جعلوا هذا العلم مكتوما عند اهله مخزونا في محله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و اني للاجانب ادراكه و للاباعد فهمه الا ان مولينا اعلي الله مقامه قد كشف سره و فتح مقفله و اذن للطالبين بالدخول امتثالا لقوله تعالي ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها فمن عرف غنم و سلم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

و منها علم الكون الشرعي و الشرع الوجودي و هما متلازمان متساوقان متحاويان لاينفك احدهما عن صاحبه و هو علم ذو عجايب و غرايب و مقاصد و مطالب لم‌يسمعه الاكثرون و لم‌يعثر علي حقيقته الا الاقلون و قد بسط مولينا و شرح في بعض رسائله و بين فافصح في اغلب مباحثاته بعض مسائل هذا العلم و بعد الاحاطة بحقيقتها يظهر معني قوله اعلي الله مقامه انه صلي بالملئكة في النهار و اسبغ وضوئه من بحر الصاد و تمضمض و استنشق من ماء الاتحاد و صلي صلوة الظهر في مقام او ادني حين كون الشمس قائمة علي قمة الرأس و الظل منعدما و الكواكب محترقة و البروج متطابقة متواصلة يظهر من الكل خاصية الكل و هنالك صلي صلوة الظهر و هو اول صلوة صليها و اول فريضة اداها قبل المصلين و قبل المؤدين بقبلة ( بقبلية خ‌ل ) غير محدودة و معني صلوة الرب و قوله جل شأنه في صلوته انا رب الملئكة و الروح و ما معني الصلوة و كيف كانت هذه الصلوة و ما وجه اختصاصها دون غيرها و هكذا امثالها من المسائل المعضلة التي تكل دونها الابصار و تحير دون البلوغ الي ادني مراتبها الافكار و هي كلها مشروحة مفصلة مبينة متحققة ( محققة خ‌ل ) في [ص 37] هذا العلم الشريف و النور المنيف و لايمكن الاطلاع عليها الا بعد الاحاطة بحقائق هذا العلم و دقائقه و شروطه و متمماته و كلياته و جزئياته و مقتضياته و اسبابه .

و منها علم المناظر و المرايا و معرفة هذا العلم علي ما هو عند اهل العلم عليهم السلام لا علي ما هو المعروف المشهور عندهم من خيالات اليونانيين و اوهام المتفلسفين بل علي ما هو الحق عند اهل الحق من معرفة المرآة و الصورة و الانطباع و المقابلة و كيفية تحقق الصورة و حقيقة المرآة و ان المرآة هي الصورة او الزجاجة و حقيقة النسبة بينهما و ان الصورة هي الشبح المتصل او الشبح المنفصل او المنفصل من المنفصل من المتصل و ما النسبة بين هذه الاشباح و اين تحققها و ما السبب في وجودها و ما العلة في اختلافاتها و كيف ينطبع الصورة في المرآة من الشاخص المقابل بلا اتصال و لا انفصال و لا ممازجة و لا مفارقة و لا مداخلة و لا مباينة و انه انطباع فهواني بلا كيف و لا حد و كيف يستدل منها الي المقابل هل بملاحظتها و ملاحظة الشاخص فيكون لحاظان في آن واحد و يأباه قوله تعالي ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه اذا كان الادراك بالتفاتة واحدة من غير لحاظ تعدد النظر ام يلتفت الي المقابل من غير التفاته الي الصورة و يأباه امتناع التوجه الي المدلول من غير ملاحظة ( توجه خ‌ل ) او يلتفت الي المقابل حين التفاته الي الصورة مع التفاته اليها من غير التفاته اليها بل قبل التفاته اليها كما هو الحق و هو سر ملاحظة السافل العالي من غير السافل بل بالعالي و كيف يعقل هذا الامر الدقيق و كيف يعرف هذا [ص 38] المعني الرشيق و كذلك القول في الابصار هل هو بخروج الشعاع او بالانطباع كالصورة في المرآة او بالانعكاس او بغير ذلك من الاقوال الاربعة المشهورة و ما كيفية الادراك و الابصار و ما معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها كيف يدرك البصر نفسه او السمع نفسه مع ما ورد من الانكار الصريح في هذا المعني في كلام مولانا الرضا (ع) في حديث عمران الصابي فكيف التوفيق بين الروايتين و ما حقيقة الامر في البين و ما نسبة الالفاظ الي المعاني هل هي نسبة المتباينين كما هو المشهور عند علماء الاصول او نسبة الاجساد الي الارواح كما هو عند علماء الحقايق و الاسرار و يدل عليه صريح قول اميرالمؤمنين عليه السلام المعني في اللفظ كالروح في الجسد و هل المراد بالروح و الجسد الروح الحيوانية المأخوذة من صفو ارواح الافلاك كما في كلام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام او الروح الناطقة القدسية التي اصلها العقل منه وعت و اليه دلت و اشارت و شابهته ( شابهت خ‌ل ) اذا كملت او الروح الامري و السر الغيبي المعني في قوله عز و جل قل الروح من امر ربي و قوله عز و جل و نفخت فيه من روحي و علي القول الاخير كما هو الحق المنصور المؤيد بالادلة القطعية المذكورة في محلها فتكون نسبة الالفاظ الي المعاني نسبة المرايا الي الصورة و الاشباح المنفصل و ادراك المعني من اللفظ كادراك المقابل للشاخص من الصورة التي في المرآة فتكون الشروط المعتبرة فيه هي الشروط المعتبرة فيها الكلام الكلام الجواب الجواب الاحتمالات الاحتمالات [ص 39] الاختلافات الاختلافات و لذا قال مولينا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في وصيته لمن يروم معرفة كلامه ايها الناظر في كلامي ان قدرت ان تعرف المعني من اللفظ بغير اللفظ فانظر في كلامي و الا فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح و هذه العبارة شرط لمعرفة كلامه و حقيقة هذا الشرط لاتعرف و لاتدرك الا بعد الاحاطة بعلم المناظر و المرايا ( المرايا و المناظر خ‌ل ) و تحقيق المطالب التي اوردنا شطرا منها و هذه لاتعرف الا بعد العثور علي حقايق ذلك العلم او ( و خ‌ل ) دقائقه مما يستفاد من دليل الحكمة لا ما كتبه الهندسيون و اليونانيون في هذا ( بهذا خ‌ل ) الشأن لانه ( فانه خ‌ل ) لايسمن و لايغني من جوع فمن لم‌يعرف هذه الدقائق كما ذكرناه و لم‌يطلع علي هذه الحقائق كما سطرناه فاياه ثم اياه ان يروم معرفة كلامه اعلي الله مقامه و ان يحوم حول عباراته و كلماته فانها بحر تضل فيه السابحون و لجة تغرق دونه الجاهلون رحم الله امرء عرف قدره و لم‌يتعد طوره .

و منها علم التأويل و الباطن و تأويل التأويل و باطن الباطن و تأويل الباطن و باطن التأويل و ظاهر الظاهر حتي ترتقي المراتب الي السبعة او الي السبعين و هذا علم قد سد دونه الابواب و ضرب دونه الف حجاب لانه من مكنونات علم الائمة الاطياب عليهم سلام الله في المبدء و المآب و لما انهم سلام الله عليهم قالوا نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و قال الله عز و جل خطابا لهم بالاصالة و لغيرهم بالتبع ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و قال ايضا و لاتؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما و ارزقوهم فيها و اكسوهم و قولوا لهم قولا معروفا كانوا عليهم السلام [ص 40] يعلمون المنقطعين من شيعتهم المتادبين ( المؤدبين خ‌ل ) بآدابهم و الناهجين منهجهم فعلموهم من الاسرار ما يقصر عن ادراكه افهام اولي الابصار و الانظار و حجبوها عن الاغيار علي تفاوت مراتبهم و درجاتهم و مقاماتهم فكان العلماء من الشيعة المخلصين اصحاب الحكمة و اولي الافئدة يتوارثون هذا العلم خلفا عن سلف و يحمونه عن التضييع و التلف و يكتمونه عن الاغيار و يبعدونه عن تناول الاشرار و لما كان مولينا ممن ورد ذلك المورد و شرب من ذلك المشرب و ادرك العل و النهل كان يجري كلماته لاهل الاشارات و اصحاب اللطايف و التلويحات ذلك المجري لئلايكون مخالفا لما امر الله من سلوك سبيل الحق و اعطاء كل ذي حق حقه و عدم منع الحكمة لاهلها فصار يتكلم لهم بذلك اللسان و يظهر لهم ذلك الشأن و يرشدهم الي سبيل الله بذلك التبيان و يعلمهم حقيقة البيان في قوله الملك المنان الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان و يفهمه من كان من سنخ الانسان فاذا ما معني التأويل و الباطن و ما معني ( معني الباطن خ‌ل ) و باطن الباطن و ما معني الظاهر و ظاهر الظاهر و التأويل و باطن التأويل و ما الفرق بين هذه المراتب و ما النسبة بينها من النسب الاربع ( الاربعة خ‌ل ) و ما ( لما خ‌ل ) اختلفت و تعددت و لم تكثرت و انبسطت مع انه يقول اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثرها الجاهلون و هل هذا تكثير او بسط و تكسير و لم كانت سبعة و ارتقت الي سبعين و ما النسبة بين هذه المراتب هل هي نسبة العلية و المعلولية و الاثرية و المؤثرية و الشعاعية و المنيرية علي المعني الخاص بالوجه العام او القشر و اللب و التساوق و التضايف او التساوي و التحاذي و ما النسبة بين مدلولاتها و دوالها مما ذكرنا و ما النسبة بين اطلاقاتها [ص 41] و مفهوماتها من الحقيقة و المجاز و النقل و الاشتراك و التواطئ و التشكيك او الحقيقة بعد الحقيقة او الحقيقة بعد المجاز او غير ذلك من الاطلاقات و الامور التي لم‌يسمعها الاكثرون و كتمها الاقلون و بينها المستسرون و حفظها الغيبيون اولئك كما قال الشاعر :

لله تحت قباب الارض طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا

و كلام مولينا و استادنا اعلي الله مقامه و رفع في فسيح الجنان منزلته اغلبه يجري هذا المجري لانه العارف باسرار التأويل و العالم باحكام التنزيل ببركة انقطاعه الي ساداته و مواليه اهل بيت التكبير و التهليل و التحريم و التحليل خصوصا مسئلة المعراج و ما ذكره طيب الله نفسه و عطر رمسه في هذه العبارات في بيان الجسد و الجسم و الكثافة و اللطافة و النورانية و الافاعيل الالهية و صعود الجسم بثيابه و الجسد بلباسه و نعله من غير لزوم خرق و لا التيام و تلقيه الوحي من جبرائيل مع ان عليا هو المعلم لجبرائيل بالاخبار المتكاثرة و الروايات المستفيضة بل المتواترة مع ان علم علي (ع) موجة من بحره و قطرة من سحاب هاطله و رؤيته الانبياء في السموات مع انهم في الجنان متكئون علي الارائك في الغرفات و معني صلوة الظهر و وضوئه من بحر صاد و وقوفه علي باب المراد و بلوغه الي مقام الحب و الوداد و كل هذه امور يعرف بيانه و يشيد اركانه بعد معرفة هذا العلم الشريف و النور المنيف و اني للقاصرين و ادراكه و اني للمنقطعين و الوصول الي ساحة معرفته و اين الثريا من يد المتناول .

[ص 42] و منها علم الاصول و معرفة ان ( ان في خ‌ل ) كلام العرب حقايق و مجازات و كناية و استعارات و محكمات و متشابهات و عمومات و اطلاقات و تفاصيل و مجملات و بيانات و معضلات و واضحات و مبهمات و امثال و اشارات و دلائل و عبارات و ساير تصاريف انحاء الكلمات من فحوي الخطاب و لحن الخطاب و دليل الخطاب و دليل التنبيه و الاشارة و قصد بصريح العبارة و القول من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و ان في الكلام ( ذلك خ‌ل ) نصا و ظاهرا و ان الالفاظ من حيث انفسها لاتفيد الا الظن و ان استفادة معني من كلام لايكون الا بنفي عشرة اشياء كلها تفيد الظن كاصل عدم التخصيص و عدم التقدير و عدم الاضمار و عدم الاشتراك و عدم النقل و عدم التجوز و عدم الاجمال و امثالها مما هو مذكور في الكتب الاصولية المطولة و ان الظاهر لايعارض النص و ان اعظم ما يستفاد به النص تنصيص المتكلم بمراده و تفسيره لما في قلبه و خاطره و ان الكلام يحمل علي مراده الذي يدعيه لا علي ما يظهر من ظاهر اللغة بعد فتح ابواب التجوزات و المحكمات و المتشابهات الا ان يكون خارجا عن ( من خ‌ل ) قانون اللغة و مباينا لطريقة اهل العرف و اللسان من وجوه العربية و قد قال (ع) علي ما رواه المفيد في الاختصاص اني لاتكلم بكلمة و اريد منها احد و سبعون وجها لي لكل منها المخرج فاذا صحت هذه الاحتمالات فيعرض كلام القائل في الاصول و العقايد علي ما صح له من المذهب الا ان يكون القائل يصرح بخلافه و ( او خ‌ل ) ان يكون في كلامه قرائن قطعية يفيد القطع لمن لم‌يكن مسبوقا بالشبهة بمراده او ان يكون كلامه كله علي نهج واحد يحصل القطع بالمراد و اما اذا كان الكلام يجري علي [ص 43] اوضاع عديدة و احوال مختلفة متشتتة مرة ينفي شيئا و اخري يثبته و مرة يجمل امرا و اخري ( مرة خ‌ل ) يشرحه و مرة يبهم حكما و اخري يفصله و مرة يتكلم بلسان و اصطلاح و اخري بآخر ففي هذه الصورة لمن عرف ان القائل داخل في مذهب او دين فلينسب ( فينسب خ‌ل ) الي ذلك المذهب و الدين و يجعل من كلماته كلما يوافق او يطابق معتقدات اهل المذهب اصلا محكما فيؤل ما سوي ذلك اي ( الي خ‌ل ) ما لم‌يظهر فيه وجه المطابقة و الموافقة الي ذلك الاصل المحكم و ان لم‌يظهر من كلامه وجه الموافقة اصلا و لا هو صريح في المخالفة بحيث يحصل القطع بالخلاف بمعونة القراين الخارجة و الداخلة و الحالية و المقالية و عرف انتساب القائل الي مذهب معلوم فلينسب ( فينسب خ‌ل ) الي مذهبه و يجعل تلك ( تلك الكلمات من خ‌ل ) المتشابهات فان قدر تاويلها ( تأويله خ‌ل ) الي مذهبه و معتقده الذي عرف بالانتساب اليه فهو المطلوب و الا فليرد علمه الي قائله فان قائله اولي به لقوله (ع) في المتفق عليه ادرؤا الحدود بالشبهات و لايتسارع الي الانكار و الرد ليشمله قوله عز و جل بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و قوله عز و جل و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم ، و قوله (ع) ان علمتم فقولوا و الا فها و قوله تعالي و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و امثال ذلك من الآيات و الروايات و اما اذا لم‌يعرف مذهب القائل و لم‌يعلم انتسابه الي مذهب و دين و كلماته غير صريحة في الامر و لاتفيد القطع في الحكم فيجب التثبت و التوقف لقوله عليه السلام الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ، و بالجملة هذه الاحكام مشروحة و مفصلة في علم الاصول و [ص 44] مبرهن عليها فيه ( فيه عليها خ‌ل ) . فاذا عرفت هذه الاحكام و امثالها و اتقنتها عرفت نوع معرفة عبارات مولينا فاجعل ما تلونا عليك في اول المسئلة من تصريحه بالعروج الجسماني و الجسداني مع البشرية الظاهرة مع الثياب و اللباس اصلا محكما و رد علم ما قرأنا عليك بعد ذلك من دقيق العبارة بلطيف ( و لطيف خ‌ل ) الاشارة الي ذلك المحكم المتقن الاصل الاصيل تجده صحوا بلا غبار و صفوا بلا اكدار و انسا بلا اغيار ان في ذلك لذكري ( لعبرة خ‌ل ) لاولي الابصار .

و هذه العلوم المذكورة هي التي لا بد منها و لا محيص عنها في معرفة عباراته المذكورة فاذا عرفتها و اتقنتها و احكمت ما فيها من الدقائق و الاشارات و الحقايق و التلويحات ربما تحظي ببعض مطالبه و لطايف اشاراته المودعة في طي عباراته لا جميع ما يريد منها كما يريد بما يريد فان ذلك صعب المنال عزيز الوصال لايهتدي اليها الا من انار الله قلبه و كشف عن بصيرته و سره و عرفه الحيث و الكيف و الكم و احاط بعلم الكيفوفة و سر القيومة و استنار بنور الكينونة و خرج عن ( من خ‌ل ) عالم البينونة و ذلك اوحدي العصر و واحد الدهر و انا في قديم الايام بعد ان قرأت عليه اعلي الله مقامه في علوم متعددة و سمعت منه عجائب و غرايب من احكام متشتتة خطر بخاطري الفاتر و جاء ببالي القاصر و فكري الباتر ان اشرح الشرح الزيارة الجامعة و ابين عجائب مطلبه ( مطالبه خ‌ل ) و غرايب مقاصده و اكشف حجابه و ارفع عن وجه المقصود نقابه فابتدأت لشرحه و كتبت ( فكتبت خ‌ل ) نحوا من خمسة‌عشر كراسا علي حجم الربع و وصلت الي فقرة من فقرات اول الشرح فكتبت عليها نحو سبعة كراريس [ص 45] في شرحها و بيانها و استخراج المعاني المبتكرة منها و بعد ذلك تفطنت باني ادور حول المطلب و مادخلت بابه و ماوصلت الي حقيقة سره و لبه ( لبه كما اراد خ‌ل ) بل مابلغت الي شيء مما اراد كما اراد فتنبهت علي خطائي في ارتكاب هذا الامر العظيم و الخطب الجسيم فعلمت اني لست من السفن التي يسار بها في هذا البحر المتعاظم و الطمطام المتلاطم و لا من غواص هذه اللجة فكتبت تحت ذلك الكلام بما لفظه :

و لله در الشارح حيث جمع في هذا الكلام الوجيز ( الموجز خ‌ل ) المختصر جميع ما في الوجود و اسراره و كلما يجب للموجودات في الشريعة و الطريقة و الحقيقة و ما يستحب في هذه الثلثة و ما يكره و يحرم فيها و العجب انه في كل من كلماته جميع ما كان في الكل بل في البعض ما كان في الكل بل في كل جزء من اجزاء كلامه ما كان في الكل و ان لاحظت الكل في البعض فالبعض اجمال و بيان و ان لاحظت الكل في الكل فالكل كلام تام بحيث ليس بينهما ارتباط و لا التيام و ان لاحظت الاول مع الآخر يتم المقصود و ان لاحظت المتوسطين في الاول يظهر لك كل موجود و ان لاحظتهما في الثاني ينكشف لك كل مقصود و ان لاحظتهما بالافتراق يدل علي الاجتماع و ان نظرت اليهما بالاجتماع يدل علي الافتراق و لعمري ان هذا الكلام مطابق للكتاب التدويني المطابق للكتاب التكويني الذي اجتمع في جزئه كلما كان في الكل المصحح لقول الشاعر :

كل شيء فيه معني كل شيء فتفطن و اصرف الذهن الي

كثرة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي [ص 46] 

ثم قلت و لا عجب فان المرء مخبوء تحت لسانه و الكلام علي مقدار عقل المتكلم و سعة معرفته و احاطة دايرته و هو اعلي الله مقامه و متعنا بفيوضاته و رفع اعلامه قد شرب من شراب المعرفة و تجرع من كأسات المحبة كأسا فسكر فلايري الصحو ابدا و رأي من سكره صحوا فلايري السكر ابدا كما قال اعلي الله مقامه في قصيدته اللامية في مدح الائمة عليهم السلام يشير الي ما شرب من ريق مولينا الحسن عليه السلام و من ريق رسول الله صلي الله عليه و آله في الرؤيا الصادقة و المنامات الصحيحة التي جزء من سبعين جزء من النبوة كما روي عنهم عليهم السلام في الخبر المشهور فاشار الي هذا بقوله :

فمذ سكرت باللما اسمعني ورق الحمي و نحلها ينتحل

القصيدة ، اني هذه الكلمات من مقامه و اين هذه العبارات من محله و مرتبته لا والله مقامه اعلي من ذلك و مرتبته اشرف من ما هنالك لايتكلم الا علي ما يمكننا معرفته و ادراكه و يكتم ما عنده من الاسرار خازنا في قلبه الشريف تلك الانوار قائلا تابعا مقتديا لما قاله سيد الساجدين عليه و علي آبائه و ابنائه صلوات المصلين :

اني لاكتم من علمي جواهره كيلايري العلم ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

و رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا

الي هنا كتبت و قطعت الكلام و تركت الشرح و عثرت علي قصوري و علمت [ص 47] قلة باعي عن تناول تلك المطالب الجليلة و المقاصد الشريفة ، فانظر الآن ايها المنصف المتدين العاقل اذا كان حالي مع قرائتي عليه و سماعي منه و ما يزعمه الناس في حقي باني ممن فهم كلامه و وصل الي بعض مرامه في بعض مقامه كما هو ايضا رحمه الله يظهر هذا المعني بالنسبة الي بعض المطالب فما ظنك بالذين لم‌يعرفوا من كلامه شيئا و لم‌يفهموا من مطالبه حرفا واحدا و بالذي ماسمع منه شيئا و ماحضر عنده يوما واحدا كيف يفهم كلامه و يروم مرامه و يصل الي مقامه حتي يتصدي للجرح و التعديل و التمييز و التصحيح و تكثير القال و القيل ( التكثير للقال و القيل خ‌ل ) ان هذا الا خروج عن الانصاف و دخول في الجور و الاعتساف لان العلماء لهم لغات و اصطلاحات يجرون كلامهم عليها و يبنون مطالبهم عليها و قد اشتهر عند العلماء بل عند كل الناس من العوام و الخواص ( الخواص و العوام خ‌ل ) ان لا مشاحة في الاصطلاح و ان لكل احد ان يصطلح ما شاء كما يشاء بعد فتح ابواب المجازات و المنقولات و المرتجلات و ان اختلفوا في اسماء الله سبحانه و تعالي هل هي توقيفية ام لا الاكثرون علي الاول كما هو الحق المنصور بالادلة القطعية من العقلية و النقلية فلايجوز الاصطلاح هنا و ذهب شاذ الي الجواز ايضا و عم ( عمم خ‌ل ) الحكم في صحة الاصطلاح في الجميع و مال اليه السيد السند في مفاتيح الاصول فاذا كيف يمكن حمل كلام القائل العالم الفاضل النحرير الكامل علي ما يظهر من ظاهر اللغة المشتهرة عند العوام مع تصريحه بعد ( بعدم ظ ) ارادة ذلك المعني المعروف عندهم مع تنصيصه بلسانه دون كتابه بخلاف ما يفهمون و يعرفون مع ان مولينا اعلي الله مقامه و [ص 48] حشرني الله معه لم‌يخرج في اصطلاحاته من منطوقات احاديث اهل العصمة و مفهوماته عن ظواهر اللغة الا ان الناس لقلة تتبعهم في الاخبار و في الوجوه العربية و اطوار اللغة و التغور في معني الاحاديث و ما يستنبط منها لم‌يطلعوا علي تلك الاصطلاحات و تلك اللغات في الذوات و الصفات و بقوله تعرضون بان تلك الكلمات مخالفة للاعتقادات المعلومة ( المعلومات خ‌ل ) من الائمة السادات عليهم السلام من رب البريات و كان اختلافهم في ذلك اختلاف العربي و التركي و الفارسي و الرومي فيما يعبر عنه بالعنب و قصتهم مشهورة فرجعت الاختلافات الي اللغات و الاصطلاحات و المعني واحد في جميع الحالات نعم يظهر الفرق بجمود البعض علي ظواهر العبارات و تسري الآخرين الي لطايف الاشارات و التلويحات .