رسالة كشف الحق
في الجواب عما اوردوا علي الشيخ (اع)
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان مسئلة المعراج الجسماني لنبينا صلي الله عليه و آله مما لاينكرها الا الملحدون و لايجحدها الا المعاندون و هي من اركان الدين المعروف بين المسلمين و منكرها كافر علي اليقين و مخلد في النار ابد الآبدين و ممن اصر علي وقوع العروج الجسماني الجسداني حتي بثيابه (ص) و نعله صلي الله عليه و آله و رد علي المنكرين و ابطل شبه المخالفين و اوضح و كشف عن حقيقة الواقع و شرح و اجاب عن جميع الشبهات و زيف ادلة اصحاب الجهالات و اثبت عروج الجسدي الجسمي في جميع الحالات مولانا و استادنا و سنادنا و معتمدنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه و اسكنه بحبوحة جنانه و اوصله الي اعلي درجات رضوانه حيث بين و اوضح و ذكر فافصح و فصل و شرح في غير موضع من رسائله و كتبه و اجوبته للمسائل و سائر مباحثاته بحيث كل من سمع منه و حضر لديه صار وقوع هذا المعراج عنده من اجلي البديهيات و ابين البينات فمما ذكره اعلي الله مقامه ما في شرح الزيارة الجامعة عند قوله عليه السلام مستجير بكم الي ان قال (ره) : و لهذا صعد النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج بجسمه الشريف مع ما فيه من البشرية الكثيفة و بثيابه التي عليه و لميمنعه ذلك عن اختراق السموات [ص 3] و الحجب حجب الانوار لقلة ما فيه من الكثافة الاتري انه صلي الله عليه و آله كان يقف في الشمس و لميكن له ظل مع ان ثيابه عليه لاضمحلالها في عظيم نوريته و كذلك حكم اهل بيته الثلاثةعشر المعصومين عليهم السلام و مثال ذلك انك لو وضعت مثقالا من التراب في مثقال من الماء او اقل او اكثر بقليل كان الماء كدرا لكدورة كثافة التراب و لو وضعت مثقال التراب المذكور في البحر المحيط لميظهر للمثقال التراب اثر بل يكون وضعه و عدمه بالنسبة الي البحر المحيط سواء نعم لو نظرت الي المثقال التراب في قدره من البحر المحيط قبل المزج و الاستهلاك ادركته كذلك الخ . انظر الآن ايها المنصف المتدين في صراحة هذا القول في ان عروجه عليه السلام انما كان بجسمه بل بجسده بل بكثافة بشريته بل بثيابه التي هي اكثف من بشرية الجسد و هل يكون تصريح في المقام اعظم و اكثر من ذلك .
ثم قارن ما ذكره بالدليل القطعي و المثال الحسي و ذكر ايضا اعلي الله رتبته و رفع في عليين منزلته في جواب بعض المسائل قال قدس الله نفسه الزكية ان رسول الله (ص) عرج بجسده الشريف و عليه ثيابه الي الحجب حتي كان من ربه قاب قوسين او ادني و ساق الكلام الي ان قال رحمه الله : و جسمه الشريف الطف من كل ما ذكرنا حتي يقف في الشمس و لايظهر له ظل و عليه جميع ثيابه و صعد الي ما وراء الحجب و عليه ثيابه فانه ماصعد عاريا كما وقف في الشمس و ليس بعار و لاتمنع كثافة ثيابه نوريته اذا وقف في الشمس و لا لطافته اذا خرق الحجب لقلة كثافة ثيابه اذا نسبتها الي لطافة جسمه و نوريته انتهي . و هذه الكلمات الشريفة [ص 4] ايضا صريحة الدلالة واضحة المقالة في المدعي .
و ذكر ايضا طيب الله نفسه و عطر رمسه في بعض الاجوبة قال : و اما ان الجسم يدرك المجردات بغير توسط شيء و المجردات يدرك الجسمانيات بغير توسط شيء فالوجه ان الجسم في الجنة صاف عن جميع الاكدار و الاعراض كمثل جسد النبي و الائمة عليه و عليهم السلام في هذه الدنيا فانه صعد به الي قاب قوسين او ادني و قاب قوسين هو رتبة العقل الكلي و مقام او ادني فوق العقل الكلي فاذا تجاوز بجسمه مرتبة العقل الكلي فبالطريق الاولي يدرك المعاني ، و ساق الكلام الي ان قال : و برهان ذلك مذكور في علم الصناعة يطلع عليه من يعرفه . انتهي كلامه اعلي الله مقامه و هذا اصرح من غيره فانه بالغ في العروج الجسدي حتي قال انه صلي الله عليه و آله تجاوز عن رتبة العقل الكلي بالجسد البشري .
و مثل هذه الكلمات في كتبه و رسائله و اجوبته للمسائل اكثر من ان يحصي و اعلي من ان يستقصي تركناها خوفا للاطالة و ان العاقل تكفيه الاشارة و الجاهل المعاند لايكتفي بالف عبارة و هل يتوهم عاقل بعد ملاحظة هذه الكلمات مع هذه التصريحات الشديدة و المبالغات الاكيدة نسبة الانكار اليه عطر الله تربته للمعراج الجسماني و الجسداني حاشا و كلا الا ان ينكر حسه و يعاند نفسه فالاعراض عنه اولي و السكوت عن جوابه اليق و لكن لما كانت مسئلة المعراج الجسماني و ان كانت واقعة متحققة لايستريبه احد و لايشك في تحققه مؤمن موحد الا ان تصويرها و تحقيقها و الغور في معانيها و مبانيها و كشف السر عن حقايق [ص 5] اسرارها مع اختلاف العلماء في الخرق و الالتيام و اتفاق الحكماء علي نفيهما و استلزام العروج الجسماني ذلك و ما ورد ان الصلوة و ساير العبادات انما شرعت ليلة المعراج مع ان النبي صلي الله عليه و آله كان يصلي قبل المعراج و يعبد الله و ان المعراج كان بعد بعثته صلي الله عليه و آله بسنتين او بسبع علي الاختلاف و ما ورد ان رسول الله صلي الله عليه و آله رأي الانبياء كل نبي في سماء من السموات مع ما ثبت بضرورة المذهب ان الانبياء بل كل مؤمن في الجنة و ان جنة الدنيا وراء جبل قاف في مدينة جابلقاء و جابلساء او في وادي السلام و ان الجنة فوق السموات السبع في الكرسي كما روي ان الجنان سقفها عرش الرحمن و ما ورد انه صلي الله عليه و آله صلي بالانبياء في البيت المقدس و اي صلوة كانت هذه و يشعر بعض الروايات انها صلوة الظهر مع انه صلي الله عليه و آله صعد في الليل و رجع في الليل فاين موضع صلوة الظهر و روي ايضا انه صلي الله عليه و آله لما وصل الي العرش اتاه النداء من العلي الاعلي يا محمد ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر و روي ان جبرئيل عليه السلام خاطبه و قال يا محمد لقد وطأت موطئا ماوطأه قبلك احد لا ملك مقرب و لا نبي مرسل قف فان ربك يصلي قال صلي الله عليه و آله و كيف يصلي قال يقول سبوح قدوس انا رب الملئكة و الروح مع ما ورد ان جبرئيل تخلف عن النبي صلي الله عليه و آله قبل الوقوف و قبل تشرفه بكلام الله الملك العلام و مناجاة الرب معه عليه الصلوة و السلام و ان الاذان و الاقامة انما شرعا في السماء الرابعة في تلك الليلة مع انه صلي الله عليه و آله قبل المعراج كان يصلي و [ص 6] يؤذن و يقيم قطعا و ان هذا الصعود هل كان في الزمان او في الدهر و الزمان و الدهر اي شيء و ما حقيقتهما و سرعة هذه الحركات و قطع تلك الحقايق و الذوات ما علتها و ما سببها و ان كان الله سبحانه يفعل ما يشاء كما يشاء بما يشاء كيف يشاء لكنه سبحانه مايفعل الا لحكمة و لايجري فعله الا بسبب كما نطق بذلك فصيح لسان الوحي ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ه .
و الحاصل هذه المسئلة تحقيقها و تنقيحها قد تصعب علي العلماء الفحول من اهل المعقول و المنقول ممن له قدم راسخ في العلم فجرت عادة العلماء الماهرين و الفضلاء الكاملين بالبحث عن حقيقها و السؤال عن ماهيتها و التوفيق بين الاختلافات الواقعة فيها و التحقيق عن هدم القواعد الكثيرة فيها لصعوبة مسلكها و دقة مأخذها و لما كان مولانا و استادنا هو المنهل لعطاش الهائمين في فلوات امثال هذه المشكلات و العلم لارشاد السايرين المتحيرين في تيه اشباه هذه المعضلات و الكوكب الدري لاضائة قلوب اهل الشبهات و الشهاب الثاقب لرجم شياطين الشكوك و الخيالات توجهت الي نحو جنابه ركائب السؤلات و اناخت بفناء عزه مطايا الطلبات اذ لمتجد سواه بعد ساداته ملاذا و لمتعثر علي غيره بعد مواليه في هذه الازمان لجميع المسائل معاذا فبقيت العلماء الاعلام ذوو مهارة في فنون و علوم عظام يسئلونه عن مسائل صعب مستصعبة تكل دونها الافهام و تقصر عن ادراكها الاحلام و كان يجيب رحمه الله كل احد علي قدره واضعا كل شيء في موضعه و يتكلم مع كل احد بلسانه و لغته جريا علي عادة ساداته و مواليه كما قالوا عليهم السلام [ص 7] انا لانخاطب الناس الا علي ما يعرفون و قالوا ايضا عليهم السلام ما معناه لو زدتم في السؤال حرفا واحدا لزدنا في الجواب حرفا واحدا .
و لما كانت اصطلاحات العلماء في فنون العلوم مختلفة لاتشبه الاخري و هي المعروفة عند اهل الاصول بالعرف الخاص و كل صاحب فن و علم انما سؤاله علي مقتضي اصطلاحه و لغته و قد يخالف اللغة و قد لايخالف الا انه ليس مشهورا في اللغة او انها مشهورة في اللغة لكن معني منها اشتهر عند العوام و البواقي بقيت مشتهرة عند طايفة مخصوصة كالجسد فانه في اللغة يستعمل لمعان كثيرة كما ذكره الجوهري في الصحاح و الفيروزآبادي في القاموس و غيرهما مثل صاحب مجمع البحرين و غيره من ان الجسد يطلق علي الدم اليابس و علي الزعفران و علي الصورة و الهيئة و علي البدن المعروف للانسان و علي الملئكة و الجن و علي الفلزات السبعة و غيرها مما هو مذكور في كتب اللغة و ليس المشهور منها عند العوام الا بدن الانسان بصورته و مادته و بالجملة اختلاف العرف و الاصطلاح و جهات المعاني اللغوية في المشتركات و المنقولات و المجازات و غيرها مما لايستريبه من له ادني مسكة في العلم و ادني فطنة في الفقه و كما ان الاصطلاحات مختلفة و اللغات متفاوتة تختص طايفة ببعضها دون الاخري كذلك المعاني و المطالب تختلف بالدقة و الغموض و الظهور و الخفاء و ليست العلوم كلها علي نهج واحد ضرورة ان بعض المطالب و المعاني يعرفه كل عامي و كثير منها يقصر عنها الفطن الذكي الالمعي اللوذعي و كذلك الاشخاص السائلون مختلفون في شدة الذكاء و الدقة و [ص 8] عدمها و وسط الامر بينهما مع اختلاف الاصطلاحات فاذا تكثرت جهات الاختلافات كما سمعت و هؤلاء علي اختلاف مراتبهم و تفاوت مقاماتهم و تباين اصطلاحاتهم و لغاتهم سئلوا مولانا و استادنا في فنون شتي من غوامض العلوم و خفايا المكتوم و لما وجب علي المجيب ان ينظر الي السائل و مقامه و اصطلاحه و دقة نظره و صفاء فكره و هو اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه قد كان محيطا بجميع الاصطلاحات و دقايق العلوم المخفيات و انواع الاشارات و التلويحات في طي العبارات و اداء الكلام بلحن المقال و شهادة الحال و بالعيان و المثال و بالنظر و الاستدلال و بالاختصار في مقام و في الآخر شرح حقيقة الحال و ذلك ببركة انقطاعه و انقياده لمحمد و آله المفضال عليهم سلام الله بالغدو و الآصال و لما كان الامر كذلك اختلفت كلماته و عباراته و بياناته بالنسبة الي مسئلة واحدة مراعاة لمقام السائل و حاله فاجمل في مقام و فصل في مقام و اشار بخفي الاشارة في مقام و اتي بصريح العبارة في مقام و اجري علي اصطلاح طايفة في مقام و علي اصطلاح آخرين في تلك المسئلة في مقام كما هو طريقة ساداته و مواليه سلام الله عليهم و لذا تري اختلاف كلماتهم سلام الله عليهم و حاشاهم عن الاختلافات و لذا تري الامام عليه السلام اجاب في مرسلة ابن ابيعمير في الكر بانه الف و مأتا رطل و اجاب محمد بن مسلم الطحان بانه ستمأة رطل و المقصود في الجميع واحد الا ان ابنعمير لما كان عراقيا يحمل جوابه عليه السلام علي اصطلاح اهل العراق في الرطل و محمد بن مسلم لما كان من اهل الطايف اجابه علي اصطلاحه و لما كان [ص 9] الرطل المكي رطلي العراقي فيكون المقصود واحدا و الجاهل بالامر اذا نظر الي الحديثين يري بينهما اختلافا و تناقضا و ليس كذلك و كذلك الشيعة المخلصون و المؤمنون الممتحنون يقتفون آثار ائمتهم سلام الله عليهم و يتأدبون بآدابهم و ينهجون منهجهم حتي هجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فاستلانوا من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و استأنسوا بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء حقا فلذا اختلفت عبارات شيخنا و استادنا جريا علي طريقة ساداته عليهم السلام علي حسب اقتضاء المقام و المعني في الكل واحد لا اختلاف فيه ابدا بوجه .
و لما علم اعلي الله شأنه جهل الناس و عدم سعة دايرتهم و عدم اقتدارهم للجمع و التوفيق و ملاحظة العلوم من النقطة التي قال اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثرها الجاهلون جعل لهم ميزانا و هو ان كل مذهب و اعتقاد و قول و فعل يخالف ما عليه الفرقة المحقة فهو باطل عاطل فاسد و زور يجب الاعراض عنه و كل ما هو يوافق ما هو المعروف بين الفرقة المحقة فهو الحق الذي لا محيص عنه فوجب الاخذ له و الديانة به لان رسول الله صلي الله عليه و آله قال لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة ه ، و ليسوا اولئك الا الشيعة بالادلة القاطعة من العقل و النقل فاذا خالف قول ما عليه الفرقة الناجية باجمعهم يلزم اما ان لايكونوا علي الحق او يكون ذلك القول باطلا و الاول باطل للنص النبوي و الاجماع فثبت الثاني فاذا وجدتم شيئا من كلامي علي حسب ما هو المتفاهم عند الفرقة المحقة فاجعلوه اصلا محكما و ما لمتعرفوا علي وجه [ص 10] المطابقة فاعلموا انه ان صح انه من كلامي لميخالف ما عليه الفرقة قط و لايختلف كلماتي ابدا فاجعلوه من المتشابهات و ردوا علمه الي و نص بذلك في اغلب رسائله حتي في يزد امر واحدا ان يصعد المنبر و يعلم الناس بما ذكر و يقول عني اني بريء من كل قول و مذهب يخالف ما عليه الفرقة الناجية و كلماتي تبعا لكلمات ساداتي عليهم السلام مختلفة الالفاظ متفقة المراد الا انهم سلام الله عليهم ربما يقولون بالتقية و اما شيخنا فلا موجب له للتقية فليس الا اختلاف مقام السائل كما ذكرنا و هذه هي الديانة التي يجب ان يكون المؤمن عليها .
و من هذه الجهة قد سئله العالم النحرير المتتبع للعلوم و المطلع علي الاصطلاحات و الرسوم جناب الشيخ احمد بن الشيخ صالح بن طوق القطيفي سئل : مولانا عن حقيقة السر المخفي في المعراج و كيفية صعوده علي فرض عدم بطلان الخرق و الالتيام او لايمكن اثبات العروج الجسمي الا بالقول ببطلان الخرق و الالتيام و دقيق الامر في ذلك و كيفية رؤيته صلي الله عليه و آله الانبياء عليهم السلام في كل سماء و سر اختصاص تلك السماء بذلك النبي دون غيره و معني صلوته الظهر و وقوعه في الليل و معني صلوة الرب و غير ذلك من الاحوال ، اراد منه (ره) كل ذلك بلسان اهل الحقيقة و العلماء الماهرين لا علي حسب متفاهم العوام فانه لايسمن و لايغني من جوع فاجاب قدس الله نفسه الزكية و حشرني الله معه لانه مع ساداته العترة العلية عليهم سلام من رب البرية و قد اجاد في ما افاد و قد تكلم بمكنون العلم و مخزون السر لمن يفهم الكلام :
[ص 11] قال ان حقيقة المعراج هو العروج علي ظاهره و لا جهل فيه و انما الجهل في معرفة جسد النبي صلي الله عليه و آله و في معرفة الافاعيل الالهية و في معرفة الخرق و الالتيام فنقول اعلم ان الله سبحانه خلق قلوب المؤمنين من فاضل طينة جسم محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام و الفاضل اذا اطلق في الاخبار و في عبارات العارفين بالاسرار يراد به الشعاع و هو واحد من سبعين مثلا جسم النبي صلي الله عليه و آله قرص الشمس و قلوب شيعتهم خلقوا من الشعاع الواقع علي الارض من قرص الشمس فاذا عرفت هذا عرفت انه يصعد بجسمه و لايكون خرق و لا التيام بقي شيء هو انا نقول الجسم و هو كذلك و لكنه ليس الصورة البشرية التي تحس و هي متجسدة و حكمها حكم ساير الاجسام الجمادية و الصعود بها يلزم منه الخرق و الالتيام و نجيب بان الصورة البشرية عند ارادة صعوده يجوز فيها احتمالان هما في الواقع سواء و في الظاهر الاول ابعد عن العقول و الاخر اقرب فالاول ان الصاعد كلما صعد القي منه عند كل رتبة منها مثلا فاذا اراد تجاوز الهواء القي ما فيه من الهواء فيها و اذا اراد تجاوز كرة النار القي ما فيه منها فيها و اذا رجع اخذ ما له من كرة النار فاذا وصل الهواء اخذ ما له من الهواء لايقال علي هذا يلزم ان هذا قول بعروج الروح خاصة لانه اذا القي ما فيه عند كل رتبة لميصل الا الروح لانا نقول انا لو قلنا بذلك فالمراد اعراض ذلك لان ذوات ذلك لو القاها بطلت بنيته و بنيته باقية لاتنفك و انما مرادنا الجسم بالنسبة الي عالم الكون و الا فهو علي ما هو عليه من التجسد و التخطيط و الثاني ان الصورة البشرية التي [ص 12] هي المقدار و التخطيط تابعة للجسم في لطافته و كثافته فان الملك مثل جبرائيل اذا رجع في صورة البشر كصورة دحية بن خليفة الكلبي يخرج بقدر دحية مع انه يملأ ما بين الارض و السماء و لو شاء مر في ثقب الابرة و اصغر لان الاجسام اللطيفة النورانية تكون بحكم الارواح و لا تزاحم فيها و لا تضايق و لهذا يبلغ المعصوم عليه السلام من مشرق الدنيا الي مغربها في اقل من طرفة عين و لايستغربه السامع و هذا هو ذلك بعينه فافهم و اما معرفة الافاعيل الالهية فلانه انما توهم من توهم ان العالم علي وضع واحد لو اختل اختل النظام فاذا خرق حصل حال مروره فرجة بانحباس الاجزاء المختلفة فاذا وقف وقف جميع الفلك علي انه لا فرجة فيها و لايمكن تخلل اجزائه و لاتلززها فاين تذهب تلك الاجزاء المفروضة و مع هذا كله فيلزم فساد النظام و الالتيام انما يكون بانبساط الاجزاء الي الفرجة و لايكون ذلك الا مع التخلل و الترقق و لايمكن فيه ذلك و امثال ذلك و هذا جار علي حسب افاعيل العباد و اما الافاعيل الالهية علي تقدير تسليم امتناع الخرق و الالتيام فنقول علي ظاهر العبارة ان الاجزاء التي بقدر جسمه الشريف حال عروجه فنيت في بقاء جسمه كما فنيت الحبال و العصي في جسم عصي موسي و كان جسمه الشريف قائما مقامها في امداد العالم السفلي من احكام الحيوة في سماء الدنيا و الفكر في الثانية و الخيال في الثالثة و الوجود في الرابعة و الوهم في الخامسة و العلم في السادسة و العقل في السابعة و الصور في الثامنة و التسخير و التقدير في التاسعة بحيث [ص 13] لاتفقد قوة منها لان جسده هو علة في هذه الاسباب فهو اقوي منها قطعا و كلما تعدي شيئا رجع ما فتر منه بحيث لايحصل خرق و لا التيام و يكون سيره في ذلك كله موازيا للخطوط الخارجة عن مركز العالم الي المحيط بها في كل ذلك فيدور معها علي التوالي و لو قلنا انه يسير علي خط مستقيم جاز و كان ما اعترضه من الاجزاء التي يكون اصطفافها بالنسبة الي خط مسيره مستقيم صوريا يكون مستهلكا في بقائه و عائدا بعد تجاوزه كما مر علي حد واحد و لما كان جسده الشريف علة لوجود جميع الاجساد و جسمه علة لجميع الاجسام كان محيطا بجميعها فلايكون منها جزء الا و هو محيط به فكان صلي الله عليه و آله في عروجه محيطا بجميع الاجسام و الارواح و النفوس و العقول لان عقله علة للعقول و روحه علة الارواح و نفسه علة النفوس احاطة المنير بالاشعة فمر في عروجه بكل شيء و رأي كل شيء كلا في رتبته لان من غلب عليه الوهم رآه في السماء الخامسة و من غلب عليه العلم رآه في السماء السادسة و من غلب عليه العقل رآه في السماء السابعة و معني صلوته بالملئكة صلوة الظهر و هو انما عرج بالليل لان عروجه علي سمت بدو الوجود و الشمس قائمة علي قمة الرأس في التاسععشر من برج الحمل و السرطان طالع الدنيا فاول ما تحرك الفلك وجب فرض الظهر فهو اول فريضة و هو اول صلوة صليها فان قلت كيف تكون هذه اول صلوة صليها و هو انما عرج الي السماء بعد النبوة بسنتين قلت هذا في الزمان و التي صليها ليلة المعراج في الدهر و ذلك قبل خلق الاجسام بالفي عام و ليلة [ص 14] المعراج عرج صلي الله عليه و آله في الزمان بجسده و في الدهر بجسمه و في السرمد بروحه بعروج واحد و صلي بالملئكة في الدهر و اسبغ الوضوء من صاد و هو بحر تحت العرش و عروجه انما كان في الليل بجسده و اما في جسمه الشريف فهو في النهار قبل الزوال بقليل قدر الفي عام و اعلم ان هذا الجواب مما لايمكن بيانه لكل احد و من يجوز البيان له لايكفي له ما ذكر بل لا بد من المشافهة لان الفرق بين الزمان و الدهر مما انسد بابه عن فحول العلماء و ان عبروا عنه بعبارة مأثورة عن الوحي و لكن اكثرهم لايعلمون ، انتهي .
هذا آخر ما اردنا نقله عن كلامه زاد الله في اكرامه و بسط عليه من عوايد جوده و انعامه و هذه الكلمات الشريفة مشتملة علي دقائق العلوم الغامضة و خفايا المسائل الدقيقة المعضلة المختلفة المتراكمة بل كل عبارة اشارة الي حقيقة لطيفة علم من العلوم التي قل من عثر عليها الماهرون الكاملون فيها فما ظنك بالمتوسطين فضلا عن القاصرين فضلا عن الذين ماطرقتها اسماعهم و لاوعتها افهامهم و قلوبهم بل ربما ماسمعوا اسمائها و لميروا منارها و اعلامها و جميع هذه العبارات اجمالات خالية من التفصيل و اشارات الي علوم و معارف خفية عارية عن التصريح بكثير و لا قليل صونا لها عن اصحاب القال و القيل و حفظا لها عن التغيير و التبديل و امتثالا للنص الوارد في صريح التنزيل ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و اقتداء لكلام النبي النبيل الجليل لاتمنعوا الحكمة من اهلها فتظلموهم لكون السائل اهلا لدقائق خفايا التأويل و مع [ص 15] هذا كله قال في آخر الكلام ان هذا الجواب مما لايمكن بيانه لكل احد و الذي يجوز له البيان لايكفي ما ذكر بل لا بد من المشافهة ، و هذا الكلام منه عبرة لمن اعتبر و تبصرة لمن تذكر و استبصر .
ثم ان هذه العبارات لايحيط بها و لايعرفها كما ينبغي الا ان يكون عالما محيطا بدقايق علوم شتي :
منها علم الصناعة لتوليد المولود الفلسفي الذي يهزم الصفوف و لايكترث بالالوف و قد سماه اميرالمؤمنين عليه السلام باخت النبوة و عصمة المروة الماء الجامد و الهواء الراكد و الارض السائلة و النار الحائلة صاحب الاوصاف المتناقضة المضادة و يعرفه من جهة العلم التحقيقي عن بصيرة و يقين و ربط كل شيء بكل شيء و استخراج ظاهره من باطنه و باطنه من ظاهره كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الناس يعلمون ظاهرها و انا اعلم ظاهرها و باطنها و قد قالوا عليهم السلام نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون لا معرفة العمل المحض فانه لايسمن و لايغني من جوع في المعارف الالهية و الاسرار الربانية و هو قول استادنا اعلي الله مقامه في ما نقلنا عنه سابقا في العروج الجسماني و انه صلي الله عليه و آله بجسمه صعد الي مقام قاب قوسين او ادني قال ان برهان ما ذكرنا مذكور في علم الصناعة يطلع عليه من يعرفه و هو اعظم ما له مدخلية في هذا الباب .
و منها علم الهندسة لمعرفة الاشكال و النسب و ضبط الحدود و المقادير و معرفة الاجسام التعليمية و الاجساد التعليمية و نسبها و قراناتها و اوضاعها و كيفياتها و كمياتها و جهاتها و مراتبها و ساير حدودها و هيئاتها و الصور و الاشكال الحاصلة من تلك القرانات و الاضافات [ص 16] معرفة انها كلها هيئات صورية لا جواهر مادية كما قال عليه السلام علي ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في تفسير الشبح انه ظل النور و ان الاشباح ابدان نورانية لا ارواح لها و جهل الناس بهذا العلم اوقعهم في كثير من الهلكات و ظنوا بمن ساحة عزه منزهة عما توهموه من الظنون و الخيالات يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم و لاتجسسوا و لايغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه .
و منها علم الهيئة للافلاك و معرفة نسبها و اوضاعها و مقادير حركتها و الاصطلاحات التي يستعملون اهل العلم الاتري كيف ذكره طيب الله مضجعه و يكون سيره في ذلك كله موازيا للخطوط الخارجة عن مركز العالم الي المحيط بها في كل ذلك فيدور معها علي التوالي الخ ، و كذلك معرفة القطب و المحور و القطر و الوتر و المركز و الدايرة و القوس و نسبة كل واحد منها الي الآخر و ضبط تفاوت تلك النسب و مقاديرها و الفضل بين النسب و هو قول مولينا الصادق عليه السلام علي ما رواه ثقة الاسلام في روضة الكافي عن عبدالرحمن بن سباية عنه عليه السلام الي ان قال عليه السلام افتدري كم بين المشتري و الزهرة من دقيقة قلت لا والله قال افتدري كم بين الزهرة و القمر من دقيقة قلت لا قال افتدري كم بين الشمس و السنبلة من دقيقة قلت لا والله ماسمعته من احد من المنجمين قط قال عليه السلام افتدري كم بين السكينة و بين اللوح المحفوظ من دقيقة قلت لا والله ماسمعته من منجم قط قال عليه السلام ما بين كل واحد منها الي صاحبه ستين او تسعين دقيقة ثم قال عليه السلام يا عبدالرحمن هذا حساب اذا [ص 17] حسبه الرجل و وقع عليه عرف عدد القصبة التي في وسط الاجمة و عدد ما عن يمينها و عدد ما عن يسارها و عدد ما خلفها و عدد ما امامها حتي لايخفي عليه من قصب الاجمة شيء واحد ه ، و هذا هو ضبط النسب الفلكية علي ما فصلت لك مما ذكرت من الحديث الشريف و تلك القصبة هي قصبة الياقوت المتممة باربعةعشر عقدا و الاجمة اجمة اللاهوت و ما امامها رتبة الوجود المطلق و ما خلفها رتبة الوجود المقيد و ما خلفها الظلال المعكوسة و الظلمات المدلهمة ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب فاذا عرف العالم هذه الدقائق عرف بعد ذلك نسبة جسد النبي المختار و اهل بيته الاطهار عليه و عليهم سلام الله بالعشي و الابكار مع الفلك الدوار و بذلك يظهر له حل العبارة بلطيف الاشارة فافهم .
و منها معرفة علم النجوم و كينونة الكواكب الثوابت و السيارات و ما لها و منها و اليها و عنها و فيها و لديها و كيفية تركيبها و ضبط مقادير امزجتها و الوانها و نظراتها و قراناتها و آثارها و ان كينونتها بنيت و اخذت من اللطافة و من الكثافة فان كانت من الاولي فما بالها تدرك بالابصار دون الهواء و النار مع انها فوقهما و الطفرة في الوجود باطلة علي ما برهن في العلم الطبيعي و ان كانت من الثانية فيلزم ما اجمعوا علي بطلانه من الطفرة و معرفة حقيقة الامر في ذلك و بذلك يظهر حكم لطافة جسد النبي صلي الله عليه و آله مع ان الابصار تدركه و الحواس تحسه و لايمنعه ذلك من ان يكون الطف و اصفي من الافلاك و السموات و كذلك [ص 18] معرفة نسب الكواكب و خواصها الاتراه ذكر اعلي الله مقامه ان السماء الدنيا سماء الحيوة و الثانية سماء الفكر و الثالثة سماء الخيال و الرابعة سماء الوجود الثاني و الخامسة سماء الوهم و السادسة سماء العلم و السابعة سماء العقل و الثامنة سماء الصور و التقدير و التاسعة سماء التسخير و هذه الخواص و النسب ايضا ماسمعها المنجمون فضلا عن ان يعرفوها الا ان المطلع علي الاصطلاح يمكن له تفهيم الكلام اذا لميعاند و لو بالوجوه المختلفة الاتراه اعلي الله شأنه و رفع في الخلد مكانته و مكانه ذكر ان سيره صلي الله عليه و آله كان في بدو الوجود و الشمس قائمة علي قمة الرأس في التاسععشر من برج الحمل و كان طالع الدنيا السرطان و هذا لفظ الحديث الوارد عن مولينا الرضا عليه السلام لما سئله ذوالرياستين عن تقدم الليل علي النهار فاجاب عليه السلام كما سمعت و قد صعب هذا الحديث الشريف علي المنجمين لانه علي خلاف قواعدهم المقررة و الي الآن مارأيت احدا حل مغلاقه علي نهج البصيرة و اني للمنجم معرفة الاسرار المطوية في طي اشارات اهل بيت العصمة و الطهارة سلام الله عليهم فاذا عجز اهل العلم و اهل الاصطلاح و الماهر في الفن عن معرفة هذه الدقايق فغيرهم و لعمري اعجز و اعجز و اعجز .
و منها علم الطبيعي لمعرفة الاجسام الطبيعية و كيفية تركيبها و اصولها و فروعها و ذاتيتها و عرضيتها و الفرق بينها و بين الاجسام التعليمية و الاجساد التعليمية و ان الجسم المحسوس المرئي ما هو و في اصل خلقته اي شيء و هل هو مركب من الهيولي و الصورة او من الاجزاء التي لاتتجزي او من الاجزاء الصغار [ص 19] الصلبة كما ذهب اليه ذيمقراطيس الحكيم او هو الصورة الجوهرية او غير ذلك و كيف يختلف الجسم باللطافة و الكثافة الذاتيتين و ما معناهما و حقيقتهما و ما الفرق بينهما و بين العرضيتين و ما الفرق بين آثارهما و مقتضياتهما و احوالهما و هل جسم النبي صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام كان لطيفا في هذه الدنيا او كثيفا و علي التقديرين ذاتيا كان ام عرضيا و هذه الابحاث كلها مبرهنة في العلم الطبيعي و ما وقع في العبارة الشريفة اشارة الي تلك المباحث الدقيقة و المطالب الخفية .
و منها علم الالهي بالمعني الاعم علي مصطلحهم ليعرف حقيقة العقل و النفس و الروح و آثارها و مقتضياتها و اصل انبعاثها و تكونها و تذوتها و يحقق قاعدة الامكان الاشرف و بطلان الطفرة و ايجاد السلسلة الطولية و العرضية و الفرق بينهما و معني الصعود و النزول و العروج و الهبوط مع قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون الاتراه قال و جسمه صلي الله عليه و آله علة الاجسام و روحه علة الارواح و نفسه علة النفوس و عقله علة العقول و يعرف حقيقة العلة و المعلول و ان العلة علي كم معني تطلق و كم وجه منها يراد و معرفة شرايطها و متمماتها و مكملاتها و اقسامها و نسبتها مع المعلول و يعرف معني التقدم و التأخر و القبلية و البعدية و اقسامها و معانيها و يعرف الدهر و الزمان و السرمد و النسبة بين هذه الثلثة و احكامها و لوازمها و مقتضياتها و تقدم بعضها علي بعض و تأخر بعضها عن بعض الاتراه اعلي الله مقامه [ص 20] قال عرج بجسده في الزمان في الليل و بجسمه في الدهر و ذلك قبل الزوال بقليل مقدار الفي عام و معرفة العام و السنين في عالم الغيب مع انه ليس هناك طلوع و لا غروب و لا ليل و لا نهار و لا ساعات و لا دقائق فكيف كان خلق الارواح قبل الاجسام بالفي عام او باربعة آلاف عام علي اختلاف الروايات و ما معني ان قلوب المؤمنين خلقوا من شعاع جسم محمد صلي الله عليه و آله و ما معني الشعاع و ما معني المنير و ما معني الخلقة و ما معني الانخلاق و في كل مقام من هذه المقامات للعلماء الاعلام بحث طويل و هذه المباحث هي اصعب ما يرد علي العلماء الفحول من اهل المعقول الذين قصروا نظرهم الي المنقول و يريدون وزن هذا بذلك و وزن ذلك بهذا و اما الذين قصروا نظرهم الي المعقول و مالاحظوا الوزن و ان كانوا في تعب شديد في تحقيق هذه المطالب و تبيين هذه المقاصد الا ان امرهم اسهل و خطبهم اهون و كان لمولانا الاستاد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه مباحث شريفة مستخرجة من دقايق كلمات اهل بيت العصمة و الطهارة في هذا الشأن ماعثر عليها اهل الشأن من اهل الشأن و ربما لايعرفونها اذا القيت عليهم فما ظنك بالجهال من اهل الشنآن و اولي البغضاء و العدوان .
و منها علم الالهي بالمعني الاخص علي مصطلحهم و علي مصطلحنا المأخوذ عن ائمتنا الاعلام عليهم سلام الله الكامل التام هو علم المعاني و البيان لقوله تعالي الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان ، و قال مولانا الباقر عليه السلام لجابر عليك بالبيان و المعاني فقال جابر و ما البيان و المعاني قال [ص 21] اما البيان فهو ان تعرف ان الله واحد ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن علمه الحديث ، ليعرف التوحيد في مراتبه الاربعة المشهورة بين العلماء و اما ما عندنا فمراتبه خمسةآلاف و مأتان و ثمانون مرتبة كما ذكرناها في رسالة منفردة و في توحيد الصفات يعرف الفرق بين الصفات الذاتية و الصفات الفعلية و يعرف معني الصفات الفعلية و انها هل هي حادثة كما هو عند الشيعة ام قديمة و ما معني حدوثها و توصيف القديم بها و ان الفاعل و الخالق و الرازق و المحيي و المميت من الصفات الذاتية او الفعلية و هل فرق بين العلة و الفاعل ام لا و علي فرض كون الفاعل من الصفات الفعلية كما صرح به العلامة المجلسي في كتابه الفارسي الموضوع للعوام المسمي بحقاليقين و عدم الفرق بين العلة و الفاعل و الخالق ما موصوف هذه الصفات ان كان الموصوف هو الفعل كما هو مقتضي ما اجمعوا عليه من صفات الافعال و الصفات الفعلية من نسبتها الي الفعل دون الذات فان كان الامر كذلك فكيف يوصف الله سبحانه بها فيقال الله الخالق الرازق و لايقال الفعل الخالق الرازق كما هو مقتضي نسبة كل صفة الي موصوفها و ان كان الموصوف هو الذات البحت فما معني القول بانها هي صفات الافعال فكيف يصح القول بحدوثها لاستلزام ذلك ان يكون القديم سبحانه محلا للحوادث و بصحة سلب تلك الصفات و اثباتها يلزم التغير ضرورة مغايرة حالتي النفي و الاثبات و الوجود و العدم و هل هذه الصفات الفعلية جواهر ام اعراض بعد فرض حدوثها فان كانت اعراضا [ص 22] فاين الجواهر التي تتقوم به فان كان هو الذات يلزم ان يكون سبحانه محلا للحوادث و ان كان هو الفعل و هو ايضا جوهر ام عرض و علي الثاني كما هو المشهور المحقق عندهم باي شيء يقوم الفعل فيقولون انه امر اعتباري فيكون الصفات الفعلية علي هذا المذهب السخيف كلها اعتباريات و لايرضي به جاهل فضلا عن فاضل فاذا كان الفعل جوهرا فهو حادث او قديم و الثاني باطل بالضرورة و الاول خلق قبل الصفات الفعلية ام بعد الصفات الفعلية فان كان الثاني بطل كونه موصوفا ضرورة تقدم الموصوف علي الصفة و تأخرها عنه و ان كان الاول فكان الفعل اول المخلوقات و الحوادث ثم بعده الصفات الفعلية ثاني المخلوقات و الحوادث فعلي هذا فكيف تنسب هذه الصفات الي الله القديم جل شأنه و كيف التوفيق بين هذا و بين ما تواترت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار من ان اول الحوادث و الكاينات النور المحمدي صلي الله عليه و آله و لميسبقه شيء من المخلوقات و الذوات و الصفات و قد انعقد علي ذلك اجماع المسلمين من المخالف و المؤالف بل و ضرورة الاسلام ان محمدا صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله و ما معني ما ورد في الزيارة المشهورة لامير المؤمنين عليه السلام السلام علي اسم الله الرضي و نوره المضيء و الزيارة متواترة لا شك فيها و لا ريب يعتريها و تنقيح هذه المطالب و تبيين هذه المقاصد انما هو في ذلك العلم الغريب العجيب و من هناك يظهر معني قوله اعلي الله مقامه جسمه علة الاجسام و روحه علة الارواح الخ ، و حاشا ان يكون خالق سوي الله سبحانه هو الذي خلقكم ثم [ص 23] رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و بالجملة حقيقة المطلب و شرح الامر و المقصد يجري علي اصطلاحات اهل ذلك العلم و لايعرف هذه المسئلة الا بعد الاطلاع بدقايقه و حقايقه و اسراره و لطايفه و لايكفي معرفة بعض المسائل الظاهرية ايضا .
و منها علم التوليد و الضم و الاستنتاج و التفريق و الانفصال الذي هو وجه عظيم من علم الطب و لميشتهر عندهم و لميعثروا عليه الا طائفة قليلة من اهل البصيرة و المعرفة النورانية و به تعرف حقيقة السمن و الهزل و الكبر و الصغر و التكبير و التصغير و النمو و الذبول و تولد الآثار من النسب و الاضافات و ان هذه الامور هل هي بزيادة اجزاء في الشيء و نقصانها منها او باعتبار الهيئات ( الهيئة خل ) و العوارض لا الاجزاء و انما بتصادم الطبايع و غلبة بعضها علي بعض و انبساط الاجزاء و التزازها و ضم بعضها ببعض و هل يجب حينئذ تداخل اجزاء اخر تخلخل في الاجزاء الاصلية عند الانبساط و هي المسماة بالاجزاء الفضلية ام لا و كيف يتصور القاء شيء عن شيء و اخذه عنه و هل علة الايجاد و الكثافة نفس الاعراض و الاضافات و الهيئات ام لا بل مع ذلك اجزاء خارجية و هل الذوبان و الانجماد مما يغير الشيء عن حقيقته ام لا بل هو هو و الاحكام الجارية عليه و هل هما لايحصلان الا بتغير الصورة النوعية و الشخصية المتعارفة بحيث يفرق العرف بين الحالتين فرقا بينا ام خفيا ام لايفرقون بل التفاوت انما هو امر خفي حتي لاتبتني عليه الاحكام العرفية و لا الاطلاقات اللغوية و [ص 24] الاوامر و النواهي الشرعية و هذه مباحث شريفة و مطالب منيفة دقيقة تنقيحها و بيانها و شرحها و ذكر ادلتها مفصلة في ذلك العلم فمن عرف هذا العلم يظهر له معني قول مولانا و استادنا المرحوم اسبغ الله عليه نواله و حشره مع محمد و آله صلي الله عليه و عليهم اجمعين انه صلي الله عليه و آله القي ما فيه من الهواء و ما فيه من النار فيها و اذا رجع اخذ كل ما القي في كل رتبة و يعرف ان هذا الالقاء و الاخذ ليس علي ما يعرفون و علي ما يظنون لان الكلام جري علي اصطلاح العلماء العارفين الماهرين الكاملين و يظهر له معني قوله (ره) في التمثيل لجبرائيل اذا ظهر بصورة دحية بن خليفة الكلبي و انه يملأ ما بين السماء و الارض و انه يمر من ثقب الابرة بل اصغر و لاينقص منه شيء و لايزيد و انما تتبدل اعراضه و صوره و هيئاته لا غير ذلك .
و منها علم الاحكام النفس الامرية و هذا علم لميعثر عليه العلماء و لميطلع عليه الحكماء نعم قد استخرجه مولينا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه من اشارات كلام الله المجيد و تلويحات الروايات و هذه الاحكام غير الاحكام الواقعية و غير الاحكام الذهنية و انما هي احكام ثابتة في الورقة السفلي من اللوح المحفوظ في مقام لوح المحو و الاثبات و لهذا العلم مسائل كثيرة و فروع غير عديدة اشرنا الي جملة منها في شرحنا علي الخطبة الطتنجية فلانعيدها هنا و يظهر من ذلك ( منها خل ) تبدل الصور و اختلاف الهيئات من حين كونه نطفة و خلعها و لبس صورة العلقة و خلعها و لبس صورة المضغة و خلعها و لبس صورة البشرية حالة الجنين و خلعها [ص 25] و لبس الصورة الدنياوية و هكذا من الفطام و الصبا و المراهقة و البلوغ و التمام و الكمال و الشيخوخة و الهرم و الضعف و الموت و الرمم و البعث و هكذا الي ان ينتهي الامر و يرفع الموانع التي هي سبب تأسيس حكم العرضي فاختلاف الاحكام انما هو بالهيئات المختلفة و ذلك بالاقتضاءات الخارجية و الداخلية فكل شيء في كل حال و انما يلقي شيئا و يأخذ شيئا و هو قوله تعالي بل هم في لبس من خلق جديد و ليس الملقي داخلا في حقيقة الشيء و لا المأخوذ الا ما كان من باب الواقعي لا النفس الامري و بذلك يظهر معني قوله اعلي الله مقامه القي ما فيه من الهواء في رتبة و القي ما فيه من النار فيها و يظهر معني لطافة جسد النبي صلي الله عليه و آله و جسد الائمة عليهم السلام و كون تلك الاجساد الطيبة ( الشريفة خل ) في اعلي مراتب الاعتدال و الاستقامة و انها في هذه الدنيا اصفي و اعدل من اجسام اهل الجنة فيها مع ما يعتريهم من انواع الاعراض و الآلام و الموت و القتل و امثال ذلك و هذه المباحث لاتعرف الا بالفرق بين الاحكام النفس الامرية و الاحكام الواقعية و تحقيقها انما يعرف في ذلك العلم الشريف و البحث اللطيف و اغلب الناس كما سمعت ماسمعوا هذا العلم و مباحثه فضلا عن ادراك دقائقه و حقايقه و مفتاح هذه العبارة انما هو في هذا العلم .