[ص 1]

الرسالة الغرية

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّي اللّه علي محمّد و آله الطّاهرين .

امّا بعد فيقول العبد الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الموسوي الرشتي ان جناب المولي الاكرم و المخدوم الاقدم المؤيّد بلطف اللّه الخفي و الجليّ مولينا محمّدعلي ساكن ارض الغري علي مشرفها آلاف التحية و الثناء من الربّ العليّ قد ارسل الي العلم الانور و النور الازهر مولينا و مقتدانا و استادنا و من عليه في العلوم الحقة استنادنا اطال اللّه بقاه و جعلني في كل مكروه فداه بمسئلة جليلة عظيمة يريد الجواب علي الاستعجال و كان شيخنا و مولينا في غاية الاشتغال و ماتيسر له الاقبال الي الجواب فامر هذا العبد القاصر ذا الفكر الفاتر باملاء الجواب و انا و ان لم‌اكن اهلاً لذلك الخطاب و لالهام الحق و الصواب الا اني ارجو ان اكون ممّن استنار باشراقات انواره الشريفة المستشرقة من عكوسات انوار اهل بيت العصمة و الطهارة عليهم سلام اللّه ما دامت الدّنيا و الآخرة فلذا امتثلت امره العالي مع قصور باعي و قلة اطّلاعي و نقصان استعدادي و عدم انفتاح باب فؤادي و اسئل اللّه العصمة و التوفيق و الاهتداء الي سواۤء الطريق و جعلت كلام السائل سلمه اللّه و ابقاه متنا و جوابي كالشرح لئلّايشتبه الامر كما هو عادة جناب الاستاد في اجوبة المسائل فاقول واثقا باللّه الملك العلّام :

قال سلمه اللّه تعالي و ابقاه : مسئلة اصولية - الشرايع الّتي شرعت للامم من لدن آدم الي زمان نبيّنا صلّي اللّه عليه و آله هل تكون منحصرة في السّتة بمعني ان [ص 3] من زمان آدم الي زمان نوح جميع اهل ذلك الزّمان كانوا مأمورين بشريعة آدم و ان كان بعضه نبيّاً و لمّا نسخت شريعة آدم بعد ما جاء نوح كان جميع الناس مأمورين بشريعته في حياته و بعد موته الي زمان ابراهيم (ع) و هكذا الي زمان نبيّنا (ص) و بعد ما تشرّف كل الدّنيا بل الارضون و السمٰوات العلي بشرف اجلال طلوع نبيّنا صلّي اللّه عليه و آله كان جميع من كان في الارض من الانس و الجنّ مأمورين بشريعة نبيّنا (ص) الي يوم القيمة فعلي هذا كل من كان من الانبياۤء الذين كانوا في زمان واحد من هؤلاۤء السّتة كانوا مأمورين بالعمل بشريعته و لم‌يكن لواحد منهم شريعة جديدة كما ورد به في بعض النّصوص او يحتمل ان يكون لبعض الانبياۤء الذين كانوا في عصر واحد من هؤلاۤء السّتة شريعة جديدة لزمه العمل بها لنفسه خاصة او لها مع القوم الذين ارسل اليهم .

اقُول الامر في هذا المقام ظاهر ان شاء اللّه لكني احبّ ان اخبر جنابك العالي بحقيقة الامر في ذلك لئلايشتبه الامر فنقول و لا قوة الا باللّه العليّ العظيم اعلم ان حكم اللّه سبحانه علي المكونات ليس كما هو عليه و الّا لمااختلف شيء و لاتعدد لانه واحد و فعله واحد و مقتضاه واحد و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الكثرة في نفسها لنقصانها بالنسبة الي الوحدة ليست مطلوبة فلايصار اليها ابتداء كما لايخفي بل حكمه علي الاشياء المكونة كما هي عليه علي مقتضي الكينونات و قوابل الايجادات فلولاه لم‌يحسن الايجاد لمكان الاضطرار المرجوح عند ( عنده خ‌ل ) [ص 4] التكليف المرجوح عند عدمه الايجاد و لو اتحد الحكم حقيقة مع تباين الاقتضاءات و تخالف الاستعدادات لفسدت السموات و الارض لعدم المقبول مع القابل من حيث هو قابل و بطلان القابل من حيث هو كذلك مع وجود المقبول و بهما تمام الوجود و ظهور الحق المعبود و هو سر قوله تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها ، بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فاذا صح هذا فاعلم ان ذلك الحكم اي ترتب المقتضي علي المقتضي ( المقتضي علي المقتضي خ‌ل ) علي قسمين حكم تكويني ذاتي ايجادي و حكم تشريعي وجودي صفاتي و كلاهما علي قسمين غيبي و شهودي و القسمان و ان كانا قسيمين لكنهما في هذا المقام متطابقان متوافقان و لا بينونة بينهما الا بينونة الصفة و لما اختلفت درجات الخلق لايمكن ايصال ذلك الحكم الا بمترجم و سفير و بشير و نذير و لايمكن ( مايمكن خ‌ل ) لاحد انكار ذلك الا ان يمنع الاختلاف و يدعي الايتلاف و يكابر الضرورة و يزاحم البديهة الم‌يسمع قوله عليه السلم ان لله سبعين‌الف حجاب من نور و ظلمة لو خرقت واحدة منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من الخلق ، الم‌يسمع كيف خر موسي النبي عليه السلم عند تجلي الرب و هلاك بني‌اسرائيل و اندكاك الجبل الم‌تعلم ان ذلك المتجلي حادث لتعالي القديم عن ذلك علوا كبيرا فاذا وجب السفير و الواسطة يجب ان يكون كاسمه بين العالي و السافل و الا لم‌يكن كذلك هف و كلامنا في هذا المقام انما هو في القسم الثاني دون [ص 5] الاول لكونه المسئول عنه فنقول ان حكم الحق علي المكلفين المخلوقين يقتضي بالاقتضاء الاولي ان يكون ساريا جاريا علي الكل علي جهة الدوام و الاستمرار لكونه المناسب لمقام العظمة و الكبرياء و الموافق لمرتبة السلطنة و اقرب الي الوحدة التي هي شأن الحق و لما سيجيء من السر الحقيقي في ذلك الا ان يوجد سبب اقوي من ذلك المقتضي ليترتب عليه ما اقتضاه و لما كان هذا الامر الثانوي المبطل للاقتضاء الاولي مما يجهله المكلفون لقصور ادراكاتهم عن فهم اقتضاء الكينونات وجب علي الله سبحانه في الحكمة ان يبين لهم ذلك و هو حكم النسخ و لما كان هذا امرا ثانويا مخالفا للاقتضاء الاولي لايصار اليه الا بدليل قاطع و برهان ساطع كالبدر اللامع فلايصار اليه بمجرد الاحتمال و لو مساويا فاذا عرفت هذا فاعلم ان الله سبحانه لما جعل آدم خليفة في الارض و لم‌يكن من سنخه احد من البشر حتي حصلوا و وجدوا و لم‌يكن في شرق الارض و غربها و سهلها و جبلها انسان غير آدم و ذريته فاوحي الله سبحانه اليه شريعة تعم ( تخص خ‌ل ) الكل و تشمل الجل و القل بحيث لايشذ منها شاذ و لما كثروا و تناسلوا و توالدوا و ملؤا الارض و مااقتضت الحكمة ان يكتفوا بمبلغ واحد اما لضعف في المبلغ حيث لم‌يكن ( لم‌تكن خ‌ل ) له تلك الرتبة او لضعف في المبلغ اليه لعدم قبولهم من واحد و عدم ملايم ( تلايم خ‌ل ) طبعهم معه او عدم الانس معهم في عالم الذر اختص كل طائفة بنبي يناسبهم ليبين لهم ما يختص ( يخص خ‌ل ) بهم من احوال تلك الشريعة الاولية لما قلنا ان حكم الله يجب ان يكون بالاقتضاء الاولي جاريا ساريا مستمرا لوحدة [ص 6] نوع ما شرعت الشريعة لاجله كما يأتي بيانه تفصيلا ان شاء الله تعالي سواء كان بسفارة واحد و ترجمته او مختلف متعدد و لما كان ذلك الامر الواحد نزل علي آدم عليه السلم اولا و لم‌يكن هناك احد من الانبياء عليهم السلام اختص آدم عليه السلم بتلك الشريعة و ساير الانبياء علي ما وصفت لك يتلقون الوحي من الله سبحانه بالهام او بسماع صوت او بمعاينة ملك او غير ذلك لكن ليس ذلك الوحي و الالهام امرا جديدا و حكما تأسيسيا و انما هو بيان و تفصيل لتلك الشريعة كما تأتي الملائكة عند ائمتنا عليهم السلام و تنزل عليهم الملائكة و الروح في ليلة القدر فان ذلك كله تفاصيل ما كان مجملا عندهم من الشريعة النبوية علي الصادع بها آلاف الثناء و التحية و الفرق بين الوصي و النبي الذي هو علي شريعة الآخر يأتي فيما بعد ان شاء الله ( تعالي خ‌ل ) فتلقي الفيض من الله تعالي بواسطة الملئكة او غيرها لاينافي تابعيته للغير اي لشريعته كما دلت عليه الاخبار و شهد له صحيح الاعتبار اما الاول فكما في الكافي عن هشام بن سالم قال قال ابوعبدالله عليه السلم الانبياء و المرسلون علي اربع طبقات فنبي منبأ في نفسه لايعدو غيرها و نبي يري في النوم و يسمع الصوت و لايعاينه في اليقظة و لم‌يبعث الي احد و عليه امام مثل ما كان ابرهيم عليه السلم علي لوط عليه السلم و نبي يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين الملك و قد ارسل الي طائفة قلوا او كثروا كيونس عليه السلم قال الله تعالي و ارسلناه الي مائة‌الف او يزيدون قال يزيدون ثلثين‌الفا و عليه امام و نبي ( امام الذي خ‌ل ) يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين في [ص 7] اليقظة و هو امام مثل اولي العزم الحديث ، و لاتتوهم من هذا الحديث ان لوطا ماكان مبعوثا الي ( علي خ‌ل ) احد لان المثل انما هو للجزء الاخير و هو قوله عليه السلم و عليه امام لا انه لم‌يبعث لان ذلك لايحتاج الي التمثيل كالاول و اما ذكر يونس فلبيان من ارسل اليهم من القلة و الكثرة اي لايتفاوت الامر ان قل المرسل اليهم او كثر متي لم‌يصل الرسول الي حد اولي العزم فهو تابع لاولي العزم و ان استلقي الوحي من الملك و كان رسولا من قبل الله الم‌تقرء القرآن بعد ما ذكر الحق ان لوطا من المرسلين قال فآمن له لوط اي لابرهيم انظر كيف صار تابعا لابرهيم و رعية له مع انه مبعوث من قبل الله الي الامة فالبعث تبليغي لا تأسيسي و ان حصل لهم تفصيل الاجمالات و قد اعطاك الامام عليه السلم اصلا كليا بان ما سوي اولي العزم ليس بامام و هم امام عليهم و اما الثاني فلما قلنا ان حكم الله و امره علي الخلق يجب ان يكون جاريا دائما مستمرا الا ان يأتي سبب اقوي فيجري الحكم علي الاقتضاء الاولي من اول آدم الي نوح عليهما السلم و وجود الانبياء كما دريت لاينافي وحدة الحكم و الشريعة اذ ليس كل نبي ناسخ و مؤسس و اختلاف بعض الموضوعات الجزئية لايستلزم الاختلاف الكلي حتي يستلزم النسخ الكلي و الاختلافات ( الاختلاف خ‌ل ) الجزئية في الشريعة لاينافي ( لاتنافي خ‌ل ) بقاء الكلية الاولية و تلك الجزئيات هي التي اشرنا اليه من انها تفاصيل تلك الشريعة و كان الحال علي هذا ( ذلك خ‌ل ) المنوال الي آخر الدور الاول اي نهاية اقتضاء الحكمة ( الحكم خ‌ل ) الاولي الكلي و تحقق اقتضاء ( الاقتضاء خ‌ل ) الامر الثاني و الحكم الثانوي فخرج بذلك [ص 8] الحكم الثاني شيخ المرسلين و افضل اولي العزم بعد محمد خاتم المرسلين عليه و آله سلام الله اجمعين نوح النبي عليه السلم فكان في اول الدور الثاني و لما كان نوحا ( نوح خ‌ل ) افضل الانبياء لانه من افضل اولي العزم و هم افضل الانبياء بالكتاب و السنة و الاجماع و العقل كما يأتي بيانه ان شاء الله بعث علي كافة المكلفين في زمانه و الدليل علي ذلك عموم الطوفان و هلاك كل من في الارض سوي راكبي السفينة و قد نطق به القرآن في مواضع عديدة و سنذكرها ان شاء الله تعالي فكانت بعثة نوح عامة و شريعته عامة و لم‌يكن في زمانه نبي الا ما كان منصوبا من قبله و الكلام ( من قبله لكلام خ‌ل ) في هذا المقام طويل و الاختصار هو المطلوب و الدليل في هذا المقام هو الذي ذكرنا في عموم شريعة آدم من اقتضاء الاستمرار في حكم الله الواحد القهار و ان كان ثانويا مضافا الي الاخبار الكثيرة و اجماع العلماء و اهل السير و التواريخ بل المسلمين كلا لكن معرفة ذلك يحتاج الي تتبع ما فكان الحكم الثاني الذي اتي به نوح عليه السلم باقيا جاريا مستمرا علي اقتضائه الي نهاية هذا الاقتضاء لتحقق الاختلاف الكلي في الموضوعات الكلية المسبب عن اختلاف الاوضاع الفلكية و الادوار ( ادوار خ‌ل ) العنصرية الي ان خرج ابرهيم عليه السلم في اول الدور الثالث و اتي عن الله سبحانه بما يقتضيه ذلك الدور من الاحكام الهية ( الالهية خ‌ل ) و نسخ ما كان قبله لتحقق السبب الاقوي من المقتضي و معرفة ذلك انما هي بمعرفة نسخ ( انما هي ينسخ خ‌ل ) شريعة من مضي و قد كانت شريعته كما يقتضيه ذلك الدور الي نهايته الا ان ( ذلك الدور الا ان خ‌ل ) بعثته لم‌تكن عامة بل قيل كان مبعوثا علي اربعين بيتا الا انه كان اماما [ص 9] علي الناس كله و قد آمن له لوط و هو من الانبياء المرسلين و دل علي هذا العموم قوله تعالي اني جاعلك للناس اماما فان هذا الكلام عام ان قلت لا عموم فيه لاطلاق الناس و هو اعم قلت ان المطلق اذا لم‌يكن متعلق امر يعم علي التحقيق كما قالوا في البيع حلال و الخمر حرام سيما في هذا المقام الذي قرينة العموم ( العموم فيه خ‌ل ) واضحة ظاهرة فان هذه الامامة ( الامة خ‌ل ) لو كانت خاصة لم‌يثبت له مزيد شرف لانه كان حاصلا له علي من ارسل اليه اذ كل نبي لا بد ان يكون وليا بنسبة مقامه و لما اعطاه الله ( تعالي خ‌ل ) هذه العطية و شرفه بهذه الرتبة الشريفة ( بهذه الشريعة خ‌ل ) كرامة ثانية بحيث افتخر به ابرهيم و باهي شكرا لله و طلب ذلك لذريته قال تعالي لاينال عهدي الظالمين و الاخبار بهذا المعني كثيرة تركناها للتطويل انظر الكافي تجدها و منها ما فيه عن جابر عن ابي‌جعفر عليه السلم قال سمعته يقول ان الله اتخذ ابرهيم عليه السلم عبدا قبل ان يتخذه نبيا و اتخذه نبيا قبل ان يتخذه رسولا و اتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا و اتخذه خليلا قبل ان يتخذه اماما فلما جمع له هذه الاشياء و قبض يده و قال اني جاعلك للناس اماما فمن عظمها في عين ابرهيم قال يا رب و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين و في حديث آخر عن زيد الشحام عن ابي‌عبدالله عليه السلم مثله الا انه ذكر ان بعد الآية ( الآية قال خ‌ل ) لايكون السفيه امام التقي و امثالها من الاخبار كثيرة مضافا الي انه افضل منهم لكونه من اولي العزم و ثبتت ( ثبت خ‌ل ) الامامة له عليه السلم و هو محل الحكم الناسخ قطعا فوجب علي غيره من الانبياء من اول زمانه الي آخر الدورة و نهاية الاقتضاء الثاني [ص 10] ان يكون مطابقا لشريعته و موافقا لطريقته و تابعا لملته و ان استلقي الفيض اي الوحي من الله سبحانه كما سبق و لما انتهت تلك الدورة و انقضت المدة خرج موسي علي محمد و آله و عليه السلم في اول الدورة ( دورة خ‌ل ) الرابعة حاملا لجميع ما يقتضيه ( تقتضيه خ‌ل ) تلك الدورة علي اختلافها و كان اماما علي الكل الي آخر الدورة الرابعة و ان كان مبعوثا علي فرعون و بني‌اسرائيل خاصة و كان النبيون يحكمون بشريعته من عند الله تبارك و تعالي بالبيان المتقدم و قد اخبر الحق سبحانه عن ذلك باوضح بيان و قد قال تعالي انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون انظر في صراحة قوله تعالي يحكم بها النبيون و قال تعالي ايضا يا موسي اني اصطفيتك علي الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما اتيتك و كن من الشاكرين و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلا لكل شيء فخذها بقوة و أمر قومك يأخذوا باحسنها الآية ، و لولا ثبوت ناسخية شريعة عيسي عليه السلم لكان حكم موسي عليه السلم نافذا ابدا لعموم الآية و صراحتها و عدم مخصص لها كما لايخفي علي اولي البصيرة و الفطنة و الانبياء كانوا يحكمون بشريعته من الله سبحانه حتي انتهت الدورة الرابعة بانتهاء اقتضاء القابلية الاولي فخرج عيسي روح الله و كلمته في اول الدورة الخامسة حاملا لما تقتضيه تلك الدورة من الاحكام الالهية و الشرايع الوجودية علي قياس ما تقدم حرفا بحرف اذ لانفرق بين احد منهم و نحن له مسلمون و لا احد خالف في هذا المعني بل ذكروا ان بين كل صاحب شريعة الي الآخر اثني‌عشر وصيا و ذكروهم [ص 11] باسمائهم و لما انتهت الدورة الخامسة خرج مولينا و سيدنا و نبينا صلي الله عليه و آله فانتهت الاقتضاءات الكلية و استمرت و كمل الوجود و طابق الوجودان المتقدمان الكوني و الشرعي اذ الشيء لايتم الا بعد تغييرات ستة و كمالها في السابع فالتغيير الاول في النطفة فاذا استقرت بقيت ( و بقيت خ‌ل ) في مقامها الي مدة وجودها فكلما يرد عليها من الاحوال يتبع تلك الحالة الي عشرين يوما ثم يأخذ في التغيير شيئا فشيئا حتي يبلغ بعد الاربعين كمال رتبة التغيير بحيث انمحقت جهة النطفة بالكلية و ارتفع اقتضاها فاقتضي امرا آخر و حكما ثانيا فهو العلقة فالتغيير الثاني في العلقة علي قياس ما قلنا في النطفة علي قياس ما قلنا في الشريعة و التغيير الثالث في المضغة كذلك و الرابع في العظام كذلك و الخامس في اكتساء اللحم كذلك و السادس في انشاء الخلق الآخر هو الاصل و هذه التغييرات ( التعبيرات خ‌ل ) انما كانت لاجل ظهوره و تحقق بروزه و هو الروح اي الحيوة القديمة فاذا ظهر فلايبطل حكمه و لايضمحل اقتضائه ابدا بل يتضاعف شيئا فشيئا و يبقي الي ما لا نهاية له فلايتغير و لا ابطال لهذا الحكم كما في شريعة ( الشريعة خ‌ل ) محمد صلي الله عليه و آله و هو قوله تعالي خلق السموات و الارض في ستة ايام فكما ان الوجود الكوني الذاتي لايكمل الا بهذه التغييرات ( التغيرات خ‌ل ) الستة و كذلك الوجود الشرعي لايتم في الظهور علي ما يريد سبحانه و تعالي ( سبحان الله تعالي خ‌ل ) الا بهذه التغييرات ( التغيرات خ‌ل ) الستة الم‌تنظر الي السادس و نسبته الي الخمسة في الكون و الوجود فافهم منه نسبة صاحب الشريعة السادسة الي الباقي و هذه آية ضربها الله سبحانه [ص 12] لك و مايعقلها الا العالمون و الكلام في هذا المقام بعد علي ظاهر الامر و قد ظهر لك ان شاء الله تعالي ان اولي الشرايع ستة باكمل بيان بالحكمة و دليل المجادلة بالتي هي احسن و الذي يقول انهم سبعة بجعل داود احدهم فكلام لا محصل له و لا دليل عليه و انت قد عرفت انه لايصار الي الاقتضاء الثاني الذي يصير سببا للحكم الثاني الا ببرهان قاطع و بهذا القدر كفاية لاهل الدراية و لولا الاستعجال و بلبال البال لاطلقت عنان القلم في هذا المضمار و الله ولي التوفيق .

قال ايده الله و سلك به مسلك الرضا : و علي الاول فاذا كان عمل الانبياء الذين كانوا في زمان كل واحد من هؤلاء الستة و فيما بعده الي مجيء واحد آخر منهم علي شريعة ذلك الواحد بأي ( فباي خ‌ل ) قسم يستفيدون احكام تلك الشريعة هل يأخذون من الالهام الالهي ( الهام الهي خ‌ل ) او من سماع صوت ملك من ( صوت من خ‌ل ) الملئكة مع رؤيتهم او بدونها او يأخذون من الواحد الذي كان صاحب الشريعة او يأخذون بعض الاحكام منه و الباقي من الالهام او الملك .

اقول الانبياء لهم مقامات و درجات حسب اختلاف اجابتهم في عالم الذر قال تعالي و ماكان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء حجاب او يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء و الكلام في بيان هذه الكلمات طويل و لسنا بصدده و قد يجتمع هذه الامور كلها في رسول و قد تختلف بحسب اختلاف الاشخاص فمنهم من يتلقي الوحي بالالهام خاصة و منهم بالرؤيا و منهم بالنظر في الواح الآفاق ( الآفاق و الانفس خ‌ل ) و منهم بالسماع علي انحاء و منهم بالرؤية و معاينة الملك و قد يستفيدون بصاحب ( بالصاحب خ‌ل ) الشريعة [ص 13] ايضا في حياته او من كتابه و شريعته و منهم من ينزل عليهم الكتاب من الله كما روي ان الكتاب المنزل من السماء مائة و ثلثة‌عشر كتابا و كان ما انزل علي ذردشت النبي المبعوث علي المجوس كتابا مكتوبا علي ثلثين‌الف جلد ثور و بالجملة طرق تلقي الوحي لهم عليهم السلم كثيرة يطول بذكرها الكلام و لاينافي ذلك كله كونهم علي شريعة واحدة من اولي الشرايع كما ذكرنا لان الوحي كان يأتيهم علي مقتضي تلك الشريعة و ان اختلفت بالاجمال و التفصيل و التبيين و التغيير حسب تغيير الموضوعات الجزئية كما ان العلوم و الاحكام و الاقوال التي ترد علي آل‌محمد صلي الله عليه و عليهم بواسطة الملك لكنها لاتخالف شريعة النبي صلي الله عليه و آله بل هي علي طبق تلك الشريعة الا ان الحكم في الاوصياء حكم المبادلة و البدلية بخلاف الانبياء اذ كلهم اغلبهم كانوا معاصرين و مؤيدين ( مؤدين خ‌ل ) و مبلغين عن الله تعالي تلك الشريعة حيث ما اقتضت المصلحة ان يكون كل اصحاب الشريعة الناسخة او الاولية يبلغون بانفسهم كما بلغ بعضهم مثل نوح و رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك لكون ولايتهم و نبوتهم خاصة فلاتعم حسب ما اقتضت قابلياتهم في عالم الاجابة في عالم الانوار فافهم ان كنت تفهم و اما محمد و آله ( اما محمد خ‌ل ) صلي الله عليه و آله فهيهات فقد انقطع دونه الكلام و فحم عنده البيان و هو صاحب الولاية الكبري و النبوة العظمي فتعم كل شيء لان حق كل ذي حق عنده فيتصرف كما يشاء ( يشاء الله خ‌ل ) و بالجملة قد تكون الشريعة عامة و البعثة خاصة كما لآدم و ثلثة من اولي العزم و قد تكون كلتاهما عامتين ( كلاهما عامتان خ‌ل ) [ص 14] و هو علي قسمين عموم جزئي اي في زمانه كنوح و عموم كلي حقيقي كنبينا صلي الله عليه و آله الطاهرين فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و اذا قلنا باخذهم جميع الاحكام من الالهام او من الملك ( او الملك خ‌ل ) فهل يكون رعايا لذلك الواحد الذي كان صاحب الشريعة و تجب عليهم اطاعته او لا و علي الاول فاي دليل دل علي كونهم رعايا له و وجوب اطاعتهم بالنسبة اليه لان المفروض انهم لايحتاجون في استفادة الاحكام الي الاخذ من صاحب الشريعة بل اضافة الشريعة اليه و القول بان ( بانه خ‌ل ) صاحب الشريعة دونهم لايخ عن تكلف لان المفروض ان الشريعة واحدة استفاد بعضهم احكامها من الكتاب الذي ارسل اليه و بعضهم من الالهام و سماع الصوت و كل واحد منها دليل قطعي يجب ( بحسب خ‌ل ) العمل عليه مضافا الي ان ارسال الكتب ايضا لم‌يكن مختصا بصاحب الشريعة بل كان لكثير منهم الكتاب ايضا فاختصاص الشريعة ( الشريعة به خ‌ل ) و القول بوجوب اطاعتهم اياه بمجرد سبق كتابه او كثرة المرسل اليهم و نحو ذلك بعيد عن الصواب .

اقول و قد سبق مما ذكرنا جواب ما ذكرت كله و نشير ايضا للتوضيح فنقول اما اولوا العزم عليهم السلام فلا شك انهم قطب دائرة الوحي ( الرحي خ‌ل ) و هم ائمة علي كل من كان في تلك الدائرة قال سيدنا و مولينا ( مولينا و سيدنا خ‌ل ) ابوعبدالله الصادق عليه السلم علي ما في الكافي سادة النبيين و المرسلين خمسة و هم اولوا ( اولي خ‌ل ) العزم من الرسل و عليهم دارت الوحي نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و محمد صلي الله عليه و آله و عليهم السلام و قد علمت ان النبيين كانوا يحكمون بكتاب موسي و جعل الله ابرهيم اماما علي الناس جميعا و قد [ص 15] آمن به لوط و هو من الانبياء المرسلين و بالجملة كلهم كانوا رعايا لاولي العزم لانه حق الامام علي المأموم و قد صرح الامام الصادق عليه السلم بذلك و حكم بانه امام كما في الحديث المتقدم كما كان محمد صلي الله عليه و آله اماما ( امام خ‌ل ) علي اولي العزم و كلهم رعاياه و غنمه لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون بل كلهم كانوا علي شريعته و لم‌يخرجوا عن ربقة طاعته كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين و اما عموم شريعة آدم و خصوص تبليغه مع انه ليس من اولي العزم كما قال الله تعالي ( قال تعالي خ‌ل ) و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما فمن جهة ان الشريعة انما هي احكام الخلق و احوالهم و صفاتهم و اقتضاء كينوناتهم فلاتتغير الا اذا تغيرت الاحوال و الاقتضاءات كما قال الله تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قبل ان تتغير تبقي الشريعة و تبلغها السفرة و الوسايط الي المكلفين و هي شريعة واحدة و المؤدون مختلفة و لما كان آدم محلا لتلك الشريعة و موقعا لذلك النجم و مهبطا لذلك النور اختصت به و كل من يأتي بعد ذلك قبل التغيير الكلي فهو علي تلك الشريعة و الا يلزم ان لايكون الحق سبحانه حكيما تعالي ربي و تقدس عن ذلك و عدم التغيير انما نعرفه من عدم النسخ و النسخ ماتحقق الا عند مجيء نوح عليه السلم و هذه التبعية لا دخل لها ( له خ‌ل ) بالافضلية و المفضولية و اما اولوا ( اولي خ‌ل ) العزم فيجري فيهم هذا الحكم مع زيادة فضيلتهم عليهم و قربهم الي الله و كونهم ائمة عليهم فيجب علي الانبياء الذين كانوا في زمان شريعة اولي العزم اطاعتهم لامرين احدهما كونهم اماما [ص 16] عليهم و ثانيهما كون الشريعة شريعتهم و اما في آدم فللامر ( فلامر خ‌ل ) الثاني دون الاول فان قلت غاية ما استفيد من كلامك ان الشريعة علي طبق اقتضاء الاكوان و احوال الموجودات فهو مسلم لكن من اين يعلم ان هؤلاء الستة كان عندهم الشريعة الشاملة لكل الخلق حتي يكون كل من يأتي من الانبياء تابعا لشريعته و موافقا لملته و ما السر في اختصاصها به دون غيره لم لايجوز ان يكون عنده الشريعة المختصة بامته فتختص ( فتخص خ‌ل ) شريعته كما خصت بعثته و كذا سائر الانبياء كل من يكون له شريعة خاصة و لايتبعون غيره قلت لما دلت عليه الاخبار المتكثرة و الآثار المتظافرة و ما عليه ( عليه من خ‌ل ) اتفاق العلماء من ان شريعة نوح نسخت شريعة آدم و شريعة ابرهيم نسخت شريعة نوح و ان شريعة موسي نسخت شريعة ابرهيم و شريعة عيسي نسخت شريعة موسي و شريعة محمد ( و محمد خ‌ل ) صلي الله عليه و آله نسخت ( نسخت شريعته خ‌ل ) شريعة عيسي و من هنا يظهر عموم تلك الشريعة للقطع بان بعد مجيء الناسخ ماكانت شريعة معمول بها لغير هؤلاء فان ناقشت في الاخبار و خدشت بالاتفاق ( في الاتفاق خ‌ل ) اخبرك بالواقع فتدبره فاقول ان الحكم حكمان لان الاقتضاء اقتضاءان اقتضاء نوعي كلي غير متشخص و اقتضاء جزئي متشخص و الاول يجمع الكلي جمعا وحدانيا يندرج ( و يندرج خ‌ل ) فيه تلك الاقتضاءات انظر الي الانسان فان له اقتضاء نوعي كلي محفوظ في جميع الجزئيات و هو استقامة القامة بهذه الهيئة المخصوصة و كذا الفرس و هو الانحناء بالهيئة المخصوصة و كذا البقر و هو الانحناء مع القرنين و امثال ذلك و لافراد كل واحد من هذه [ص 17] الانواع اقتضاءات جزئية مخالفة بعضها مع بعض ( ببعض خ‌ل ) مع حفظ ذلك النوع فيه كطول القامة و قصرها و نبت اللحية و عدمها و كبر الوجه و صغره و امثالها في الانسان الا ان هذه الاشخاص كلها مندرجة تحت نوع واحد و يصدق عليها اسم واحد فاذا تبدلت الحقيقة النوعية يبطل ذلك الاقتضاء و يضمحل ذلك الاسم و يقتضي نوع ما بدل اليه كما اذا تبدل نوع الفرس بالبقر فيسقط اقتضاء الفرسية اصلا و يبقي اقتضاء البقرية فيجري عليها احكامها ثانيا و تتبدل الجزئيات و تختلف مع بقاء الكلي علي اقتضاءه فاذا شاهدت هذه الآية بحكم المشاهدة العيانية فاعلم ان كل زمان باعتبار اهله مع ملاحظة الاوضاع الفلكية و الادوار العنصرية له اقتضاءان اقتضاء نوعي كلي كما هو اقتضاء نوع زماننا هذا من قصر العمر و قصر القامة و قلة الاكل و امثالها من الامور الكلية و كما في الازمنة الكلية السابقة من طول العمر و طول القامة و كثرة الاكل و قلة البصيرة و امثالها من الامور الكلية و اقتضاءات جزئية مخصوصة بكل شخص و لا شك ان الاحكام الالهية علي حسب الاقتضاءات الكونية فيثبت لكل زمان شريعة كلية علي حسب الاقتضاءات الكلية العامة و شريعة جزئية خاصة علي حسب الاقتضاءات الجزئية المندرجة احكامها تحت الاحكام الكلية فان حصل التغير في الجزئيات مع حفظ الكلي فانما هو تفاصيل له و الحكم للكلي فان حصل التغير ( التغيير خ‌ل ) في الكلي يبطل الاقتضاء رأسا فيبطل حكمه فيجب تجديد الحكم علي حسب الاقتضاء و تلك الشريعة الكلية ليست متحصصة متجزئة بل انما هي في حكم شيء واحد و الجزئيات مندرجة في ضمنها و تابعة لها [ص 18] و لما كان النسخ الكلي المنبئ عن التغير ( التغيير خ‌ل ) الكلي في الموضوعات الكلية منحصرا في خمسة علمنا ان الشرايع الكلية انما هي ستة و لما كانت الشريعة حكما الهيا و نورا ربانيا ( حكم الهي و نور رباني خ‌ل ) لا بد لها من محل خاص و مهبط مخصوص و كانت الجزئية دائرة مدارها و حائمة حولها فكانت هي القطب لرحي الجزئيات وجب ان يكون محلها اشرف المحال و مهبطها اعلي المهابط فاختص اولوا العزم الذين هم الاقطاب و عليهم دارت الرحي بذلك الله اعلم حيث يجعل رسالته و اما آدم عليه السلم فهو و ان لم‌يكن من اولي العزم لكنه لما كانت الاسباب الالهية اقتضت ابوته و تقدمه علي كل البشر و كان خليفة الله في ارضه و لم‌يكن افضل منه في الظاهر البشرية اختص بحمل تلك الشريعة الكلية اذ لم‌تنفك الكلية عن الزمان ابدا و ما دام وجود الاقتضاء الكلي المسبب للشريعة الكلية كلما عداها من الجزئيات انما هي من افرادها و تفاصيلها و مأخوذ منها و متشعب عنها حتي يبطل ذلك الاقتضاء فيرجع الحكم علي هذا النمط فكما كانت الشرايع الجزئية تابعة للشريعة الكلية و متفرعة عليها كذلك الانبياء المبعوثون بتلك الجزئيات و بيان الاحكام التفصيلية لتلك الكليات اما اولوا ( اولي خ‌ل ) العزم فمن جهة الفضيلة الحقيقية الذاتية و اما آدم عليه السلم فمن جهة كونه حاملا للشريعة الكلية و هنا امور كثيرة و اسرار عجيبة لايسع الوقت لبيانها و لسنا ايضا بصددها و من هذا البيان ارتفع ( اندفعت خ‌ل ) الايرادات كلها و ظهر ان الانبياء يتبع ( متبع خ‌ل ) لصاحب الشريعة مع تلقيهم ( تلقيهما خ‌ل ) الوحي من الملك و عدم المنافاة بينهما و عدم التكلف في اضافة الشريعة [ص 19] الاصلية الي صاحبها دونهم من التبع لان عندهم تفاصيل تلك الاصول فمن صاحب الشريعة الاصول و منهم الفروع و الفروع تابعة للاصول و الشيء ينسب الي اصله لا الي فرعه بل الفرع لا تذوت له الا بالاصل و من هذه الجهة كانوا يؤمنون لصاحب الشريعة من اولي العزم و هم كانوا اماما عليهم كما في قصة لوط و يونس و غيرهما و ليس نسبة الشريعة الي صاحبها بمجرد سبق كتاب له حتي يفهم منه اختصاص الكتب بهم ليلزم ما ذكرتم و لا لكثرة المرسل اليهم بل ربما كان صاحب الشريعة اقلهم في ذلك كما قيل في ابرهيم عليه السلم انه كان مبعوثا علي اربعين بيتا بل لما ذكرنا و شرحنا من الاصلية و الفرعية فكان ما عليه العامة هو الصواب و الله اعلم بالصواب .

قال سلمه الله و ابقاه : نعم اذا قال الله تعالي للانبياء اني اوجبت عليكم اطاعته و جعلتكم من رعاياه مع عدم احتياجكم اليه في اخذ الاحكام لاجل حكمة من الحكم و مصلحة من المصالح التي لاتعلمونها فلا بأس و لكن الشأن في اثبات ذلك .

اقول كيف لايحتاجون اليه و شريعتهم مأخوذة من شريعته و فرع لها بل ليست الا هي فان التفاصيل لاتخرج عن المجملات و هم المبلغون لما عنده علي ما اراد الله تعالي و هو المؤسس بل شريعته هي الباب الذي يفتح منه الف باب و اما الذي يتلقونه من الله سبحانه بواسطة الملك فهو ليس امرا جديدا و حكما تأسيسيا ليلزم ما ذكرتم بل انما هي تلك الشريعة و من شعبها و افرادها اوحي الله تعالي اليهم و في الحديث ان [ص 20] سلمان كان محدثا يعني يقذف الله تعالي في قلبه الالهام او يسمع من الملك و امثال ذلك ايجوز لك ان تقول ان سلمان في تلك المسئلة له حكم جديد ليس فيها تابعا للشريعة المحمدية صلي الله عليه و آله و مجرد اخذ الشريعة و الاستفادة المعروفة لا دخل لها في التبعية لان المدار معرفتها باي نحو كان سواء كان بالهام الله سبحانه او بالتعلم من النبي صلي الله عليه و آله بواسطة او بغيرها و لايقال اذا كان الشخص تمكن من مقام الالهام لايحتاج الي صاحب الشريعة هيهات بل التحمل مقام و الاستفادة مقام آخر فمن عرفه الله تعالي بعض الشيء لايكون مستقلا كاملا بل الكمال كل الكمال و نعم الكمال تحمل الكل فمن تأهل لذلك و تحمل فهو الكامل الذي عليه العمل فهكذا كان حكم الانبياء اذ ليس كل نبي يتحمل ما تحمله الآخر ( آخر خ‌ل ) و قد قال مولينا الصادق عليه السلم ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل الحديث ، فالمتحمل للجزئي تابع للمتحمل الكلي ( للكلي خ‌ل ) الذي ذلك الجزئي من افراده اذ لولا ذلك الكلي و ذلك ( ذاك خ‌ل ) النبي المتحمل له ماوصل اليه ذلك الجزئي فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و القول بان صاحب الشريعة كان عالما بجميع احكام ( الاحكام خ‌ل ) المكلفين بخلاف باقي الانبياء فانهم كانوا عالمين باحكام انفسهم او مع القوم الذين ارسل اليهم فيكون اعلم منهم فيجب عليهم اطاعته فلايخفي ضعفه لانه اذا فرض ان فلانا كان عالما باحكام جماعة ( جماعته خ‌ل ) و هم ذكر و انثي و خنثي و امثال ذلك من المجانين و السفهاء و غير ذلك كان عالما بجميع احكام المكلفين لاشتراكهم في التكليف بل لو فرض العلم [ص 21] بتكليف مكلف واحد علي فرض توارد صفات مختلفة و احوال متخالفة عليه يتحقق العلم بتكليف جميع المكلفين كما لايخفي مضافا الي ان مجرد الاعلمية لايدل علي وجوب التبعية و الا لزم ( للزم خ‌ل ) ان يجب علي كل مفضول اطاعة الفاضل و البديهة تنادي بفساده .

اقول المراد بعلم صاحب الشريعة بجميع الاحكام هو ما ذكرنا من علمه بحكم الله تعالي علي الاقتضاء الكلي النوعي لذلك الزمان باعتبار اهله و احوالهم و اطوارهم المختلفة كما ذكرنا و هو مودع عند صاحب الشريعة و ساير الانبياء مبعوثون الي جزئي من جزئيات تلك الكلية الاولية و هو احوال الطائفة المخصوصة من الامة و احوالهم فرد من ذلك النوع الكلي و اين العلم بالجزئي من العلم بالكلي و القول بان العلم بالكلي منحصر في العلم بالجزئي كانحصار العلم بالانسان في العلم بزيد من حيث الخصوصية فلايخفي ضعفه بل البديهة تنادي بفساده و ليس العلم بالجزئي في العلم بالكلي الا كالقطرة في البحر المحيط او كالذرة بالنسبة الي كل العالم و الكلي هو الباب الذي يفتح منه الف باب بل الف‌الف باب بل لايتناهي و الجزئي هو باب منها بل لايعد العلم بالجزئي في جنب العلم بالكلي علما حقيقة بل هو عنده كرائي الشبح عن بعيد و القول بان من عرف شيئا عرف كل شيء لا دخل له فيما نحن بصدده اذ الشريعة هي حكم الفرق من حيث هو و الاول هو حكم الجمع من حيث هو و بين المقامين فرق واضح و اثبات تساوي العلم للاشتراك في التكليف لايخفي ضعفه لان المراد بالتكاليف لايخلو اما ان يكون ( تكون خ‌ل ) عامة شاملة [ص 22] للنوع او تكاليف خاصة فان كان الاول فلايصح بوجه اذ الخاص لايشترك مع العام اشتراكا ينبئ احدهما عن الآخر انباء تاما حقيقيا و هو ظاهر جدا و ان كان الثاني فعلي فرض تسليم الانباء في صورة الاشتراك لايطلع الا علي الشريعة المخصوصة المبعوث عليها و لايطلع علي الاحكام الالهية الكلية ( الكلية الالهية خ‌ل ) المخزونة عنده فيكون اعلم منه و حصل المطلوب مع ان الانباء في صورة الاشتراك مم لانه انما يستلزم ذلك لو كان الاشتراك من جميع الوجوه و في كل الاحوال و لم‌يدل دليل علي هذا بل مقطوع بفساده حتي ان من الاصوليين و الفقهاء من يمنعون الاشتراك الكلي بين المكلفين في زماننا هذا و الذين في زمان المعصوم عليه السلم مع انه شريعة واحدة مع دعويهم الاجماع علي الاشتراك و لذا اذا ( اذ خ‌ل ) احتج عليهم ( عليهم السلم خ‌ل ) بوجوب صلوة الجمعة في هذا الزمان بقوله تعالي يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا الي ذكر الله الآية ، يجيبون بانا لسنا من المخاطبين بذلك و انما هو حكم الحاضرين المشافهين و اذا قيل لهم انهم مشاركون في التكليف للاجماع فما ثبت لهم يثبت لنا يقولون ان ثبوت الاجماع علي الاشتراك في هذا المقام غير معلوم و الاصل عدمه و بالجملة القول بالاشتراك في كل دقيق و جليل و صغير و كبير و كلي و جزئي ظاهر الفساد سيما في الشريعتين فكيف يحكم بتساوي العلمين بمجرد العلم ببعض الاحوال و هذا ظاهر ان شاء الله تعالي لكن الذي ذكرنا هو كلام علي ظاهر الحال علي ما هو المعروف بين الناس و اما في الحقيقة فالامر اعظم من ذلك و اعلي و اين علم ساير [ص 23] الانبياء من علم اولي العزم و اي نسبة بينهما فان العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب فيشاهد به الملك و الملكوت و يترقي الي الجبروت و حضرة اللاهوت و لا شك انه يتبع صفاء الباطن و نزاهته و تصفيته عن الكدورات فكل من هو اصفي يكون نور ( اصفي نور خ‌ل ) العلم فيه اكثر و اشد و اعلي انظر الي الحجر و المرآة و البلور في اشراق نور الشمس عليها مع ان الاشراق واحد و الانوار مختلفة في الشدة و الضعف حتي ان في البلور ظهر اثر ذات الشمس فيه و هو الاحراق لكمال درجته في الحرارة و اليبوسة فاذا ثبت ان اولي العزم سادة النبيين و اشرف الانبياء و المرسلين ثبت اعلميتهم اذ لايكونون افضل الا لصفاء طويتهم و نورية سريرتهم و خلو سرهم و فراغ قلبهم و لا شك ان الفيض الالهي موجود كنور الشمس فاذا وجد القابل تعلق به علي حسبه فاذا صح ان نوريتهم اشد كان علمهم اكثر و شرف المرء و فضله علي غيره لايكون الا بالعلم فاذا صحت الافضلية صحت الاعلمية و هما متلازمان بل الاول يتبع الثاني و يترتب عليه و مانال احد مقاما و رتبة الا بالعلم و قد بسطنا القول في هذا المقام في مقدماتنا ( مقدمتنا خ‌ل ) علي شرح اربعين حديثا و ما فيه كفاية لاولي الدراية و الاشارة في هذا المقام تكفي ان شاء الله و القول بان الافضلية قد تكون من جهة العبادة دون العلم فكلام لا محصل له فان العبادة قبولها و عدمه و صحتها و عدمها انما هو بالعلم كيف و نوم العالم افضل من عبادة العابد و التكاليف الالهية انما اشتدت و ضعفت و قويت و خفت علي افراد المكلفين من جهة اختلاف علومهم كما كان رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 24] مكلفا بما لم‌يكلفه غيره و التخفيف لاجل التوسيع تفضل من الله علي عباده فافهم و بالجملة كل كمال يتبع العلم و هو مادة كل فضيلة و كمال .