و اما قولكم فان مجرد الاعلمية لايدل علي وجوب التبعية و الا للزم اه ، ففيه ان الاعلمية اذا كانت ذاتية لقرب العالم من المنير و بعده عنه تجب التبعية الحقيقية الاتري نور ( النور خ‌ل ) القريب الي السراج و البعيد عنه فانه القري الظاهرة للسير الي ( اي خ‌ل ) القري المباركة فوجب السير فيها ليالي و اياما آمنين و يعرف هذا بالاجابة الاولية في عالم الذر فكل من اجاب اولا فهو الاقدم و كان رسول الله صلي الله عليه و آله اول من اجاب فتقدم علي كل مخلوق ثم من بعده ( ثم بعده خ‌ل ) ائمتنا المعصومون سلام الله عليهم فحازوا مقام التقديم الذاتي علي كل مذروء و مبروء و له الفضل عليهم ثم اولوا ( اولي خ‌ل ) العزم من الرسل فتقدموا علي ساير الانبياء و انما كانوا اولي العزم و الثبات لانهم ثبتوا في ولاية آل‌محمد عليهم السلم و عرفوها و تحملوا علومهم و ماترددوا و لاشكوا في الولاية ابدا كما قال مولينا العسكري روحي فداه و عليه السلم و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في الجنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة الحديث ، ثم ساير الانبياء و لذا قد يحصل منهم بعض التردد و عدم التحمل لعلوم آل‌محمد عليهم السلم كما ان ايوب شك و بكي قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله تعالي اليه اتشك في صورة انا اقمته اني ابتليت آدم بالبلاء فوهبته بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول خطب جسيم فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب [ص 25] الي بالطاعة لامير المؤمنين عليه السلم و لاتتوهم ان المراد بالشك هو المعني المعروف بين العوام كلا و حاشا ( حشا خ‌ل ) انبياء الله هم ( و هم خ‌ل ) اجل عن ذلك بل لمعني آخر لايناسب المقام لذكره فمن هذه الجهة كان كلمن اولوا العزم اماما علي غيرهم ( كان اولي العزم اماما لغيرهم خ‌ل ) فيجب عليهم اطاعته و اما آدم عليه السلم فمن جهة ان شريعتهم مأخوذة من شريعته الاصل فتجيء التبعية من حيث الشريعة لا من حيث الفضيلة الذاتية و منه ظهر وجوب تبعية المفضول للفاضل و اما ما تري من عدم وجوب المتابعة حتي حكم بعض الفقهاء بل اكثرهم بجواز تقليد المجتهد المفضول مع وجود الفاضل فضلا عن حرمة تبعية المفضول اذا بلغ رتبة الاجتهاد للفاضل فهو من جهة عدم تحقق الفاضلية الذاتية فانهم في مرتبة واحدة و قد يتفاضلون باعتبار اظهار ما استجن في سرايرهم اما بعلاج او بالفطرة و هذا المعني مشترك بين كلهم اذ يقدر الكل علي علم الآخر و انما حجبه المانع و هذا لايستلزم وجوب التبعية من حيث هو و قد تجب لامور اخر مثل وجوب تبعية المقلد للمجتهد .

قال سلمه الله تعالي : ثم ان النبي المبعوث علي كافة الخلق جميعا بحيث لم‌يبق واحد من المكلفين الا و هو مبعوث عليه و لو كان نبيا هل يكون مختصا بنبينا صلي الله عليه و آله او كان بعض انبياء اولي العزم ايضا كذلك و يظهر من الاحاديث ان نوحا كان مرسلا علي جميع الخلق و يظهر من بعض النصوص ان موسي و عيسي ايضا كانا كذلك و اذا قلنا ان بعض الانبياء كان مرسلا علي كافة الخلق حتي علي الانبياء الذين كانوا في [ص 26] عصرهم فما معني البعث و الارسال بالنسبة اليهم علي ما قلنا ان غير انبياء اولي العزم يستفيدون الاحكام من الصحف المنزلة او الهام او سماع صوت الملك مع رؤيته او بدونه فمثل الخضر و الالياس ( الياس خ‌ل ) الذين كانا في زمان موسي و عيسي و بقيا الي الآن هل كانا نبيين او كانا عبدين صالحين فعلي الاول كما هو المشهور هل كانا تابعين لموسي و عيسي و كانا مبعوثين عليهما و انهما من رعاياهما ام لا .

اقول قد سبق ان الشريعة قد تكون عامة و البعثة خاصة و قد يجتمعان فاما الذي جمع له الامران فليس الا محمد صلي الله عليه و آله و نوح عليه السلم و ماكان احد نبيا في عصرهما و لا بعد نبينا صلي الله عليه و آله و اما موسي و عيسي عليهما السلم فلم‌يبعثا علي الكل كيف و قد قال تعالي انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون فلو كان مبعوثا علي الكل لم‌يوجد نبي قط في زمانه و تخصيصه بما بعد موسي خلاف الظاهر و لايصار اليه الا بدليل قاطع مع ان الاخبار المتواترة تكذب هذا المعني و تدل علي انهما مبعوثان علي بني‌اسرائيل خاصة و فرعون و ملأه ايضا في موسي عليه السلم و الحديث الدال علي ما ادعيتم لم‌اطلع ( فلم‌اطلع خ‌ل ) عليه و لو كان فهو محمول بعموم الشريعة لا البعثة و اما عموم شريعة نبينا صلي الله عليه و آله فمما لايحتاج الي البيان و كفي العيان عن مؤنة البيان و اغنت جلية الشأن عن اقامة الحجة و البرهان و اما نوح عليه السلم فقد دلت عليه الاخبار المتكثرة و شهد بصحتها القرآن و اوضح امره عموم الطوفان علي جميع وجه الارض فلو لم‌يكن مبعوثا [ص 27] علي الكل لماسري الغضب علي الكل من جهته و اما قصة بلصيال بن جور و بناءه قبة الزمان و نجاته و من معه من الطوفان فان صحت ( صح خ‌ل ) فانه قد افتقد فقدا كليا عن وجه الارض و لم‌يذكر لها اسم و لم‌يطلع عليها احد الا مولينا صاحب الزمان عجل الله فرجه روحنا فداه و بناءه للقبة دليل علي وصول الطوفان اليها لولاها فافهم قال الله تعالي و جعلنا ذريته اي نوح هم الباقين الي ان قال ثم اغرقنا الآخرين فدلت الآية الثانية علي العموم كما هو ظاهر و اما الخضر عليه السلم فالظاهر انه ماكان نبيا بل كان عبدا صالحا رزقه الله العلم و المعرفة و بلغه الي مقام القرب و انما سمي خضرا فانه ( لانه خ‌ل ) في كل موضع يقعد كان يخضر ذلك الموضع و اطرافه و قد قال الله تعالي اخبارا عن حاله في القرآن فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما و ماذكر نبوته مع ان المقام يقتضي ذلك و اما الخبر الوارد في نبوته فهو معارض بمثله و اقوي منه و القرآن يشهد بعدمها و لم‌يحضر لي ( لم‌يحضرني خ‌ل ) الآن الكتاب حتي اذكر الاحاديث الواردة في هذا المقام الا انك اذا فتشتها في البحار و عوالم‌العلوم و اكمال‌الدين وجدتها ( عوالم‌العلوم وجدتها خ‌ل ) و اما الياس فقد كان نبيا مرسلا كما قال تعالي و ان الياس لمن المرسلين الا انه كان علي شريعة صاحب الشريعة و تابع لها و يلقي اليه الوحي عنها و هو يبلغ ( مبلغ خ‌ل ) قومه الي ان انقرضت بعثته و رسالته و بقيت نبوته و هو الآن علي شريعة نبينا صلي الله عليه و آله و يأخذ شرايع دينه من الامام صاحب الزمان عجل الله فرجه جعلنا فداه و لاينافي ان يأتيه الهام عن الله تعالي لبعض تفاصيل الكليات [ص 28] بالوساطة الغيبية .

قال سلمه الله تعالي : و علي كل حال لا شك و لا ريب ان نبينا صلي الله عليه و آله بعث علي كافة البشر جميعا و ان كان بعضه نبيا فمثل خضر و الياس و ان قلنا بنبوتهما لا شك انهما من جملة رعاياه ( رعايا خ‌ل ) و اتباع نبينا صلي الله عليه و آله و نبينا صلي الله عليه و آله مبعوث عليهم ايضا و اذا قلنا انهما كانا يستفيدان الاحكام في زمان نبينا منه صلي الله عليه و آله و من بعده (ص) من الائمة عليهم السلام فما معني نبوتهما و اطلاق النبي علي مجرد المعصوم من الذنوب بعيد و الا يلزم ان نجوز بعد نبينا انبياء متعددين لان العصمة بمعني عدم ارتكاب الذنوب صغايرها و كبايرها امر ممكن و يجوز العقل وقوع كل شيء ممكن .

اقول بل كل الانبياء و المرسلين من لدن آدم الي حنظلة و خالد كلهم كانوا تبع و رعايا لمحمد و آله عليهم السلم و كل الشرايع شريعته و انما اختلفت باختلاف الموضوعات و الاخبار في هذا المعني متواترة معني الم‌تسمع قوله صلي الله عليه و آله كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين و قول اميرالمؤمنين عليه السلم كنت وليا و آدم بين الماء و الطين ، و لا فرق بين اولي العزم و غيرهم بل مابعث نبي الا و قد اخبر قومه به و بآله صلي الله عليهم و كونهم من التابعين و المتبوعين تبعة و رعايا ( تبعة رعايا خ‌ل ) لهم مع ان كلهم انبياء مرسلين فاتسعت دائرة الشبهة و الجواب ان الذي استفيد من الاخبار بنظر الاعتبار ان النبي هو الذي يأتيه الوحي من الله سبحانه بالرؤيا او بالسماع باي نحو من انحاءه و الرسول هو الذي [ص 29] يأتيه الوحي من الله سبحانه بما ذكر و بمعاينة الملك في الكافي عن زرارة عن ابي‌جعفر عليه السلم قال سئلته عليه السلم عن قول الله عز و جل و كان رسولا نبيا ما الرسول و ما النبي قال عليه السلم النبي الذي يري في منامه و يسمع الصوت و لايعاين الملك و الرسول الذي يسمع الصوت و يري في المنام و يعاين الملك قلت الامام ما منزلته قال يسمع الصوت و لايعاين ثم تلا هذه الآية و ماارسلنا من رسول و لا نبي و لا محدث ه‍ ، و المراد بالامام في هذا المقام هو الوصي لا الامام المراد في قوله تعالي اني جاعلك للناس اماما فانه مقام فوق المقامات و الاخبار بهذا المعني كثيرة جدا و لايشترط في النبي ان يكون مستقلا بالامر بل و لا ان يكون مبعوثا الي احد بل و لا ان يأتيه الوحي بالامر التأسيسي فيجوز ان ( ان يكون خ‌ل ) ما اوحي الله اليه انما هو بيان لشريعة مخصوصة مما هو مختص بذلك النبي نفسه او مع ما يتعلقه من الامة علي حسب مقامه و درجته و لايلزم مما اذا كان الرجل نبيا ان يكون مستقلا غير تابع و ليس في اخبار اهل العصمة عليهم السلم ما يومي الي ذلك بل المعروف منها خلافه كما في الحديث المتقدم ان الانبياء و المرسلين علي اربع طبقات فنبي منبأ في نفسه لايعدو غيرها و نبي يري في المنام و يسمع الصوت و لايعاينه في اليقظة و لم‌يبعث الي احد و عليه امام مثل ما كان ابرهيم علي لوط عليهما السلم و نبي يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين الملك و قد ارسل الي طائفة قلوا او كثروا كيونس قال الله تعالي ليونس و ارسلناه الي مائة‌الف او يزيدون قال يزيدون ثلثين‌الفا و عليه امام و [ص 30] الذي يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين في اليقظة و هو امام مثل اولي العزم و قد كان ابرهيم نبيا و ليس بامام حتي قال الله اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين من عبد صنما و وثنا لايكون اماما ه‍ ، انظر بعين بصيرتك في هذا الحديث الشريف يظهر لك ما قلنا كيف جعل النبي المرسل مأموما و هل المأموم الا التابع و قد صرح بذلك الحق سبحانه في القرآن و قال فآمن له لوط مع ان لوطا كان من الانبياء المرسلين و هو كان مؤمنا بابرهيم و تابعا له فلايلزم ان يكون كل نبي مستقلا ( مستقل خ‌ل ) و لا مستقل الا صاحب الشريعة و لايلزم من تلقيهم الوحي استقلالهم اذ قد يكون بيان شريعة و تفصيل مجمل و حل معضل و لما كانت النبوة قبل نبينا صلي الله عليه و آله غير عامة من حيث البعثة لعدم عموم الانبياء اولي الشرايع غيره (ص) كان كل من يؤمن ( يؤمر ظ ) بالتأدية و التبليغ لنفسه او لغيره و لو كان بالتبعية يسمي نبيا بخلاف الذي ماامر بذلك و الهمه الله العلم و المعرفة و الحكم لايسمي بذلك بل يسمي وليا كلقمان و خضر و سلمان و امثال اولئك من الكرام و اما عيسي و الياس و ادريس ( ادريس و الياس خ‌ل ) عليهم السلم الذين كانوا انبياء فبعد بعثة نبينا صلي الله عليه و آله و عليهم انقطعت رسالتهم و نبوتهم المتعدية فهم الآن تبع و رعايا لآل‌محمد صلي الله عليه و آله يتلقون بعض الاحكام و الشرايع من صاحب الزمان عجل الله فرجه و يأتيهم الوحي و الالهام و سماع الصوت فيما يتعلق بانفسهم و ما يتعلق بهم من تلك الشريعة الشريفة و من الامام عليه السلم القاء الاصول و التفريع [ص 31] عليهم بالالهامات و القذوف و الكشوف و مع ذلك كله فلايهتدون الا بنوره و لايستضيئون الا بسراجه صلي الله عليه و علي آبائه و هكذا كان حال اولي العزم بالنسبة اليهم و حال اولي العزم بالنسبة الي نبينا و ائمتنا سلام الله عليهم اجمعين فاطلاق النبي عليهم ليس لمجرد ( بمجرد خ‌ل ) عصمتهم بل لكونهم انبياء مبعوثين علي الرعية و الآن انقرضت تلك و يتلقون الحكم من الله بالتبعية و ليس في شريعة نبينا صلي الله عليه و آله من كان مبعوثا علي طائفة لم‌يبعث نبينا صلي الله عليه و آله عليهم بالتبليغ فانه قد اجتمع عنده الاجمال و التفصيل فلايحتاج الي معين في التبليغ و في الحديث انه صلي الله عليه و آله قد بلغ الشريعة الي كل احد مشافهة و ماكانت تلك المرتبة للانبياء اولي العزم فكان يوجد في عصرهم و فيما بعدهم انبياء فاندفع الاعتراض و حصحص الحق و اما وجود العصمة في غير الانبياء و الاوصياء و فاطمة صلوات الله عليهم و عليها و ان كان ممكنا لكنه ماوقع و مااخبرنا به و ان قيل في حق بعض الاشخاص مثل سلمان و الابواب ( ابواب خ‌ل ) الاربعة في غيبة ( الغيبة خ‌ل ) الصغري رضي الله عنهم لكنه كما تري و الحمد لله وحده .

قال سلمه الله تعالي : ثم ان النبي المبعوث علي الجن هل هو مختص به نبينا ( بنبينا خ‌ل ) صلي الله عليه و آله او جميع انبياء اولي العزم كانوا مبعوثين علي الجن ايضا و علي الاول فلا بد ان يكون لهم نبي من الجن و لم‌يثبت و ما ذكره بعضهم من مجيء رسول من الجن اسمه يوسف غير ثابت .

[ص 32] اقول ان الله سبحانه خلق الجان من مارج من نار و هي نار الشجر الاخضر الذي خلق من فاضل طينة الانسان كما قال مولينا الصادق عليه السلم في قول ابليس انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين قال عليه السلم ما معناه انه غالط لعنه الله بل النار التي خلق منها اسفل من التراب الذي خلق منه آدم لانه خلق من نار الشجرة و هي مخلوقة من فاضل طينة آدم قال عليه السلم اكرموا عماتكم النخلة و انما سميت النخلة نخلة لانها خلقت من نخالة آدم فالجن تابع للانس في الاحكام و الاحوال فكلما يجري في الانس يجري في الجن بالتبعية في كل بحسبه فمن هذه الجهة لايدخلون الجنان الاصلية اذا اطاعوا بل يدخلون الحظاير التي هي من شعاع الجنة الاصلية فاذا صحت التبعية فهم يأخذون شرايعهم و احكام دينهم من نبي الانس في كل زمان و كل ارض يأخذون عن النبي المبعوث فيها او غيرها كما اخبر الحق سبحانه عنه في القرآن قال تعالي و اذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الي قومهم منذرين قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي مصدقا لما بين يديه يهدي الي الحق و الي طريق مستقيم الآيات ، و هؤلاء جن نصيبين كما في بعض الروايات و روي انهم سبعة و في رواية ابن‌مسعود ( ابن‌مسعود انهم خ‌ل ) سبعين‌الفا و لا منافات بينهما كانوا علي دين موسي عليه السلم و لذا قالوا انزل من بعد موسي فظهر ان الجن في كل زمان يتبعون نبي ذلك الزمان لكونهم مكلفين و محتاجين الي سفير مع تبعيتهم للانسان و هذا ظاهر .

[ص 33] و اما قولكم لم‌يثبت ان يكون نبي من الجن اه ما المراد منه ، ان اردتم ان يكون نبيهم ( ان نبيهم يكون خ‌ل ) من قبل الله تعالي بلا واسطة الانس فهو كذلك و مدعيه مكابر مباهت و ان اردتم نفي النبوة عنهم مطلقا فلا حجة علي ذلك بل الحجة علي خلافه و الشواهد العقلية و النقلية قائمة تدبر في ( صراحة قوله تعالي يا معشر الجن و الانس الم‌يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا علي انفسنا و في ) ● الآية المتقدمة في قوله تعالي فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الي قومهم منذرين قالوا يا قومنا الآيات ، فهؤلاء كانوا النذر علي طوايفهم و النذير هو النبي في القرآن و قد قال تعالي و ما من دابة في الارض و لا طاير يطير بجناحيه الا امم امثالكم و قال تعالي ايضا و ان من امة الا خلا فيها نذير و قال ايضا و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و انما انا بشر مثلكم فاربط هذه الآيات بعضها بعضا مع ( بعضها مع خ‌ل ) بعض ينتج لك المطلوب اذ الجن لا شك انه من دابة الارض فثبت انه من الامة فكل ( و كل خ‌ل ) امة فيها نذير اي رسول فثبت في الجن رسول و الرسول لا بد ان يكون من جنس ما ارسل اليهم بدليل قوله تعالي انما انا بشر مثلكم و ماارسلنا الآية ، و ما دل علي ان الرسول علي البشر لايجوز ان يكون من جنس الملائكة فثبت ان يكون للجن رسول من جنسهم لكنه يأخذ من الانس و يبلغ قومه كما ان رسول البشر يأخذ من الملئكة .

و اما ما ورد من مجيء نبي من الجن ( نبي الجن خ‌ل ) اسمه يوسف فكان ( و كان خ‌ل ) قبل خلق آدم في الزمان الذي كان ابليس حاكما عليهم في الارض فلا موجب لرده بعد ما ثبت ان الجان قبل خلق آدم كانوا سكان الارض و عصوا ربهم و نزل الملائكة عليهم و قتلوهم و اسروا ابليس الي السماء هل تجوز في نفسك ان الله سبحانه يجعل الخلق سدي عمياء و كيف [ص 34] يتصور في حقهم المعصية اذا لم‌تكن لهم شريعة و داع من الله سبحانه يدعوهم الي الحق و الي طريق مستقيم ليكونوا بمخالفته عصاة طغاة فاذا صحت البعثة و النبوة و الارسال فقد ابي الله الا ان يجعل الرسول من جنس المرسل اليهم لتتم عليهم الحجة و تكمل النعمة فلا سبيل الي رد الحديث بل يجب قبوله بعد ما كان معتضدا بالعقل القطعي و الاخبار الآحاد المعتضدة بالقراين القطعية يجب عليها العمل كما حقق في الاصول فثبت ما ذكره ذلك البعض عن الحديث .

قال سلمه الله : ثم ان نبينا صلي الله عليه و آله كما انه مبعوث علي الانس و الجن هل هو مبعوث علي الملئكة ايضا بمعني انهم لا بد ان يأخذوا جميع تكاليفهم من النبي او وصيه من بعده كما نأخذ تكاليفنا كذلك .

اقول ان الملئكة في جميع احوالهم و اطوارهم و اعمالهم و صفاتهم و ما ينبغي لهم و معرفة معبودهم ( معبودهم و كيفية عبادتهم له خ‌ل ) و كيفية سيرهم اليه تعالي و اسباب قربهم لديه و انحاء اذكارهم و تسبيحاتهم و ركوعهم و سجودهم و كلما لهم و عليهم كلها محتاجون الي محمد و آله عليه و عليهم السلم و واقفون ببابهم و لائذون بجنابهم و الا لاحترقوا يكفيك في هذا المقام ما في الزيارة الجامعة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم ، و عموم هذا الكلام يشمل كل شيء فكل من يريد الله سبحانه في التوجه اليه بالعبادة له و قصده بالقرب اليه و الزلفي لديه و وحده لا بد ان يتعلم طريقه من محمد و آله سلام الله [ص 35] عليهم هذا ظاهر المعني فيه و قد تواترت الاخبار عنهم عليهم السلم بانا علمناهم التسبيح و التقديس و التهليل و لولانا ماعرفوا الله سبحانه و الاحاديث في هذا المعني كثيرة في عيون اخبار الرضا و البحار و الكافي و امثالها من الكتب و ليس الآن عندي شيء منها حتي اذكر الاخبار لكنها في الظهور مستغنية عن البيان و قصة جبرئيل الذي هو من سادة الملائكة مع مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم مشهورة و انه عليه السلم علمه التوحيد و معرفة الحق سبحانه و حديث البساط ايضا معروف من انه عليه السلم كان يأمر الملئكة و ينهاهم و قال لايخطو ملك خطوة الا باذني و من له انس ما بالاخبار و معرفة بواطن الآيات و ظواهرها يري الامر ظاهرا كالشمس في رابعة النهار الا ان كيفية اخذهم احكامهم و تكليفهم عن الولي عليه السلم ليس كما هو المعروف بين الناس بل بطور آخر و اما الوحي الذي يأتي محمدا و آله عليهم السلم بواسطة الملئكة فانما هو منهم اليهم فان جبرئيل كان يأخذ الوحي عن اسرافيل و هو كان يأخذ عن ميكائيل و هو كان يأخذ عن روح ( الروح خ‌ل ) القدس كما في الحديث و الروح هو الذي قال مولينا العسكري عليه السلم و جعلني فداه و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، فافهم و بيان هذه الدقيقة الشريفة بهذه العبارة احسن و اولي بل اوفق و اسلم و الله ولي التوفيق و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم حسبنا الله و نعم الوكيل نعم المولي و نعم النصير .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا هل نبينا صلي الله عليه و آله مبعوث علي كل [ص 36] شيء من الشجر و الحجر و المدر و غير ذلك من الاجسام اذا قلنا ان لكل شيء تكليفا علي حسب حاله و هل بعثه علي الملئكة و جميع الاجسام ان قلنا به من خواصه صلي الله عليه و آله او انبياء اولي العزم كانوا ايضا كذلك و المأمول من جنابكم ان تكتبوا ( يكتبوا خ‌ل ) جواب هذه المسائل مشيرا الي ادلتها و لو اجمالا من الضرورة او ( و خ‌ل ) القرآن او الاجماع او الخبر المتواتر او دليل عقل قاطع .

اقول هذا آخر كلامه زيد في اكرامه . اعلم ان كلما برز في عالم الوجود فهو مركب من ضدين كما قال مولينا الرضا عليه السلم لعمران الصابي ان الله ماخلق فردا قائما لذاته لما اراد من الدلالة علي نفسه فخلق الشيء و خلق ضده و هو قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و لما كان الوجود الفائض من الله سبحانه نورا محضا ( نور محض خ‌ل ) فكان عين الشعور و الادراك فاذا حصل الشعور في المركب من جهتين جاء الاختيار فاذا صح الشعور و الاختيار وجب التكليف لئلايكون الشيء مهملا و سدي فوجب ان يكون كل موجود من الموجودات باي نحو كان مختارا مكلفا الا ان المراتب لما كانت مختلفة في القوة و الضعف كان الاختيار ايضا كذلك و التكليف علي طبق الاختيار فثبت بالدليل الالهي الذاتي الذوقي ( الالهي الذوقي خ‌ل ) الوجداني المعبر عنه بدليل الحكمة ان كل شيء مكلف مختار علي حسب مراتبهم و مقتضي درجاتهم فان اردت ان تعرف حقية هذا الدليل و صحته انظر الي الكتاب و السنة فاذا وجدت له مستندا يطمئن قلبك و تسكن نفسك فخذه و كن من الشاكرين فاذا نظرت الي [ص 37] القرآن وجدت لهذا المعني شواهد كثيرة بين تلويح و اشارة و تصريح فنكتفي ( اشارة فنكتفي خ‌ل ) ببعض من الثالث فان الزكي المنصف يدرك بنظير واحد ما لايدركه البليد و المتعنت المعاند بالف شاهد قال الله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا اليس العرض علي السموات و الارض و الجبال الامانة تكليفا لهن بها لا علي جهة الاجبار مع امتناعهن و ابائهن اذ كل ذلك متوقف علي الشعور و الاختيار و صرف الكلام الي المجاز لا بد له من قرينة حالية او مقالية و الثانية مفقودة و كذا الاولي لانها علي اربعة اقسام قرينة عقلية اي مخالفة عقلية او مخالفة عادية او شرعية كما حققنا القول فيها فيما كتبنا في الاصول و اما مجرد الجهل بالمراد و عدم المعرفة فلايكون قرينة للصرف عن الظاهر كما فعلوا فلتبصروا امركم و قال تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فقضيهن سبع سموات و هذه الآية صريحة في المراد و قال تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و ان من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء و ان منها لما يهبط من خشية الله الآية ، هل تجوز ان تكون خشيته بدون تصور العظمة و الجلالة و الكبرياء و هل يكون تصور من دون الشعور و الادراك و هل تتصور الخشية في حق من لم‌يقدر علي عدمها كما لاتتصور الطاعة في حق من لم‌يقدر علي المعصية و قال تعالي وقودها الناس و الحجارة و قال تعالي انكم و ما تعبدون من دون الله [ص 38] حصب جهنم انتم لها واردون مع ان معبودهم ماكان الا الاحجار او الخشب او امثالهما من الجمادات فكيف يوعدها بالنار و لا فائدة في هذا التوعيد لو لم‌يكن واقعيا و الآيات بهذا المعني كثيرة و اما الاخبار فكذلك ايضا بل صار الآن من ضروري مذهب الشيعة من ان الله سبحانه و تعالي عرض ولاية آل‌محمد عليهم السلم علي السموات و الارض و الجبال و المياه و الاودية و القفار و الاثمار فكلما قبلها استحلي و طاب و كلما لم‌يقبلها استمر و خبث و ما ترويه العامة من حديث البطيخة معروف مشهور و اصرح من الكل دلالة و اوضح شاهدا و اعلي مضمونا الحديث المروي في الكتب المعتبرة المتلقاة بالقبول ما روي ان الحسين صلوات الله عليه عاد عبدالله بن شداد في مرضه فلما دخل عليه عليه السلام قام عبدالله و قال رضيت بكم ائمة و ان الحمي لتهرب عنكم ثم قال عليه السلم يا كباسة فسمعوا الصوت و ماراوا الشخص يقول لبيك قال عليه السلم الم‌يامرك اميرالمؤمنين عليه السلم الاتقربي الا عدوا او مذنبا لتكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل ه‍ ، و كذا الدعاء الذي علمه ( الدعاء علمه خ‌ل ) رسول الله صلي الله عليه و آله عليا اميرالمؤمنين عليه السلم للحمي يا ام ملدم ان كنت آمنت بالله فلاتاكلي اللحم و لاتشربي الدم و لاتفوري من الفم و انتقلي الي من يزعم ان مع الله آلهة اخري فاني اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله ه‍ ، فاذا نظرت الي هذه الاخبار و ما تلونا عليك من الآيات لم‌يبق لك شك في صحة ما ذهبنا اليه من وجود الاختيار في كل شيء و اثبات التكليف بالنسبة الي كل شيء فاذا صح هذا [ص 39] فقد دل الدليل القطعي من العقلي و النقلي ان محمدا صلي الله عليه و آله حجة الله علي كل مكلف و كذا آله و اوصياءه الاثناعشر ( الاثني‌عشر خ‌ل ) سلام الله عليهم اذ لا بد لكل مكلف من داع يدعوه الي ما اراد الله منه و هو قوله تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و قد انعقد الاجماع الضروري من المسلمين ان النبوة قد انقطعت ببعثته (ص) فبقي كل من يصلح للتكليف و التبليغ تحت هيمنة بعثته و نبوته صلي الله عليه و آله لايقال ان العوام بل العلماء لايعرفون بعثته علي البهايم و الحشرات فضلا عن النباتات و الجمادات فكيف يمكن دعوي الاجماع الضروري لانا نقول ان هذا من باب الشبهة في الموضوع لا في اصل الحكم فان كل عامي من العوام يعتقد ان لا مبلغ من الله سبحانه الي احد من المكلفين حكما من احكام الله سبحانه بعد نسخ شريعة عيسي عليه السلم الا محمد صلي الله عليه و آله و لا احد يختلف في هذا المعني بوجه من الوجوه لكن الاشكال في معرفة ان هذه الامور هل تصلح للتكليف و تعلق الحكم الالهي به ام لا قيل نعم و قيل لا و القايل بالعدم يسلك سبيل العدم و القايل بالاثبات يحكم الحكم الكلي و ايضا ان لهم الولاية الكلية لوجوه كثيرة منها قوله عليه السلم في الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شيء لكم ، فاذا حصل في الكون متبوع سواهم و لو جزئيا ماذل كل شيء لهم عليهم السلم فهم المتبوعون لا متبوع سواهم و كل شيء تابع لهم و ايضا انهم سلام الله عليهم محال مشية الله و السنة [ص 40] ارادته و هم سابق كل موجود و كلما وجد فانما وجد من نورهم كما تواردت به الاخبار و تكاثرت بل و تواترت من ان الله خلقهم قبل كل خلق و خلق الاشياء من الانبياء و الانسان و السموات و الارضين و الجنة و النار و البحار و القفار و كلما تجنه الليل و تبرزه النهار من انوارهم و عكوسات آثارهم فاذا كانوا هم الواسطة في الاحكام الوجودية المطلقة ففي الاحكام الشرعية فبالطريق الاولي و ايضا ما سبق من الاخبار و الآثار ان ولايتهم عرضت علي كل جماد و نبات و حيوان و انسان فكل من قبلها طاب و طهر و من لم‌يقبلها خبث و نجس و ان الاعراض و الالوان و الاسقام كلها محكومة تحت حكمهم مقهورة تحت سلطنتهم تجري عليها اوامرهم و نواهيهم فاذا كان هذا حال الاعراض و هي اخس المراتب فما ظنك بالاجسام و النباتات و الحيوانات و لهذا المدعي وجوه كثيرة طوينا ذكرها لما قال مولينا الصادق عليه السلم ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله اه .

و اما ما سألتم عن ان هذه البعثة العامة و الولاية المطلقة هل هي من خواصه صلي الله عليه و آله او اولوا ( اولي خ‌ل ) العزم مشاركون فيها معه ( معه فيها خ‌ل ) ، فاعلموا ان هذا من خواصه و لا احد شاركه فيها اذ ليس صاحب لواء الحمد الا رسول الله صلي الله عليه و آله و ليس حامله الا علي عليه السلم و انت قد علمت ان نبوة اولي العزم ماكانت عامة من حيثية البعثة بجميع ( من حيث البعثة يجمع خ‌ل ) افراد الانسان غير نوح (ع) فضلا عن غيرهم من التبع و لايبعد في عموم شريعتهم بالنسبة الي الكل و اما نبينا و اهل بيته الطاهرون سلام الله عليه و عليهم اجمعين [ص 41] فنبوته و ولايتهم عامة لكل مبروء و مذروء لكونهم مظاهر الالهية ( الالوهية خ‌ل ) و محل استواء الرحمن بالرحمانية المعطي كل ذي حق حقه و السايق الي كل مخلوق رزقه قال عليه السلم في الزيارة بكم فتح الله و بكم يختم و بكم ينزل الغيث و بكم يمسك السماء ان تقع علي الارض و بكم ينفس الهم و يكشف الضر و قال ايضا و نوره و برهانه عندكم و امره اليكم و قال رسول الله صلي الله عليه و آله علي ما رواه ابن‌عباس انه لايوجد عند احد من الخلق شيء من الحق الا بتعليمي و تعليم علي عليه السلم و هنا نختم الكلام ليكون ختامه مسك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .