الرسالة البهبهانية
في جواب الميرزا محمدباقر الطبيب البهبهاني
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعنة علي اعدائهم اجمعين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان الدر الفاخر و النور الزاهر و البحر الزاخر و العلم الباهر قدوة اولي المعالي و المفاخر الميرزا محمدباقر الطبيب البهبهاني حرسه الله عن شر كل غاشم غادر قد واجهني في مشهد مولينا و سيدنا الحسين عليه الصلوة و السلام و سئلني عن مسئلتين عظيمتين جليلتين في يوم مسافرته عن تلك الارض المقدسة و البقعة المنورة علي من حل فيها آلاف الثناء و التحية و كان ذلك في زمان قد تراكمت علي امواج الهموم و افواج الغموم و لما كان سلمه الله اهلا للاجابة كتبت له مختصر الجواب و اشرت الي مراده اشارة اجمالية في كل باب فلما رجع الي موطنه مارضي بالاختصار الح علي بالبسط في المقال و اردفهما بسؤال آخر اعظمهما في الاغلاق و الاشكال و اتي كتابه ايده الله حين خروجي عن ذلك المشهد و عزمي الي مشهد الرضا عليه السلام و كان مستعجلا لارسال الجواب فوعدته ان املي علي تلك المسائل في بعض المنازل علي ما اراد حسبما اراد الله سبحانه و مكنني مع كمال اشتغال البال بمعاناة الحل و الارتحال و جمود القريحة بتوفر الكلال و الملال و مع ذلك لايسعني ان اكتب كلما اعلم اذ ما كلما يعلم يقال لان من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و من العلوم ما تحمل و منها لا تحمل [ص 3] سيما علم هذه المسائل بل اكتب ما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له ليطابق كل جواب بسؤاله كما هو عادتي في اجوبة المسائل .
قال سلمه الله تعالي : مولينا و سيدنا وفقكم الله تعالي و فضلكم نستدعي و نلتمس من جنابك العالي ان تبين لنا مراتب التوحيد و مقام الوحدة و التفريد ليكون تذكرها سببا لزيادة الخضوع و الخشوع و التذلل و العبودية علي الوجه الاكمل سيما في اوقات الصلوة .
اقول التوحيد له مراتب بحسب ذاته و مراتب بحسب الموحد بالكسر و قولي بحسب ذاته يعني بحسب المتعلق و الا فالتوحيد مع تعدد المراتب مما يتناقض و هذه المراتب انما تحصل في حال كون الشخص في عالم التفصيل و تمايز المراتب و الا فعند توجهه الي كل مرتبة لايجد هناك تعددا الا باختلاف النظر في الذوات المتأصلة فالتوحيد توجهك الي الواحد و هذا المعني المصدري ليس كغيره امرا اعتباريا كما زعمه القوم و انما هو ذات متأصلة اشتق منها الموحد و الموحد اسم الفاعل و ( و اسم خل ) المفعول لا كاشتقاق الفرع من الاصل الا في التعبير كما هو الاصل في الاشتقاق لانه اقتطاع فرع من اصل و ذلك لضيق دائرة الالفاظ بل لضيق عالم التفصيل فضلا عن دائرة الالفاظ بل هذا الاشتقاق كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و اذا دققت النظر و امعنت الفكر وجدت الحال [ص 4] هكذا في كل المشتقات لانها كلها تحصلت من التوحيد و هو الاصل في كل قريب و بعيد و ضعيف و شديد فلنقبض العنان فللحيطان آذان فمراتب التوحيد اربعة :
الاولي توحيد الذات بان لاتجعل مع الله الها آخر شريكا له في ذاته و قدمه و ازليته و الا لميكن الها فان الاشتراك يستلزم المغايرة و التمايز و هما يستلزمان التركيب و القول ان ( بان خل ) ما به الاشتراك عين ما به الامتياز ينفي الاشتراك اذ لايعقل ان يكون شيء واحد من حيث ما هو مشترك متميز لان الامتياز لايكون الا في محل صلوح الاشتراك فاذا امتنع صلوح الاشتراك امتنع الامتياز و اذا امتنع الامتياز امتنع التعدد في تلك الرتبة ( المرتبة خل ) لان الاثنينية انما تحقق بعد امتيازهما فاذا صح الاشتراك و ذكر الغير امتنع ان يكون ما به الامتياز عين ذلك و الا لميذكر الغير و ذلك واضح لمن اغمض عن الجدال و القول بان الاشتراك في مفهوم العرض فهما متباينان و متمايزان في الذات لايصدق احدهما علي الآخر و صدق الوجوب و الوجود عليهما بالعرض كما هو مقتضي شبهة ابنكمونة ينفي الالهية للاثنين او يزيدان ( ازيد خل ) اذ الوجوب و الوجود ان كان صدقهما عليهما بالعرض فليسا بواجبين في الذات و لا موجودين فيها و الا لميكونا عرضين فالذات التي ليست بواجبة و لا موجودة لاتكون الها و علي ما ذكرنا ينطبق مثالهم من ذكر صدق الماشي علي الانسان و غيره فان المشي ليس ذاتيا للانسان و لا لغيره و لذا اذا نظرت اليهما في حد ذاتهما تنسي المشي و غيره و القول بانه كصدق الانسان الكلي علي زيد و عمرو فاسد فان صدقه عليهما [ص 5] ذاتي لا عرضي و قد اقمنا براهين عقلية و نقلية علي ذلك في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و بينا ان الكلي الطبيعي و العقلي و المنطقي موجودة في الخارج و ان المفاهيم مرايا للاعيان الخارجية صفة استدلال عليها لا فرق بينها و بينها الا انها صفتها و اثرها و لايقتضي المقام لتحقيق هذا المرام و هذا التوحيد لايحتاج الي الاستدلال اذ لايتصور الشريك حتي يجوز فيحتاج الي دليل للنفي لان التوجه الي المبدء لايكون الا بعينه لا بعينك اعرفوا الله بالله و عينه لك لتعرفه بها هو ذاتك و فؤادك و حقيقتك و ليست ( ليس خل ) هناك جهة و جهة و كيف و كيف و امتياز و اقتران و اتصال و انفصال و اشتراك و مغايرة حتي يتصور ملاحظة الغير فاين تجويز الشريك و اين فرضه و اين ذكره و ما فرضوا من توهم الشريك بالتصور فانما هو في مقام النفس و هو مقام الاحتجاب عن الحق فلايعرف بها الله و انما يعرف بها سواها في الوجه الاسفل الا ان اهل الرسوم من اهل المجادلة لما كان مقامهم عالم النفوس و رتبتهم الكثرة و الاختلاف وقعوا فيما وقعوا من المناقضات و الاختلافات و المكاثرات ذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلههم الامل فسوف يعلمون قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون .
الثانية توحيد الصفات بان لاتجعل معه تعالي شريكا في صفاته و لاتقول ان الصفات تصدق عليه تعالي و علي غيره بالاشتراك معنويا كان ام لفظيا فان الاشتراك المعنوي يورث التركيب في الصفة الخاصة ( الخاصة به خل ) تعالي و لايصح ذلك لانها عين ذاته المقدسة و القول بان الاشتراك في المفهوم لا في المصداق [ص 6] فكلام فاسد لايعبؤ به لان المفهوم لايخالف المصداق لانه كالوجه المنطبع في المرآة عن زيد الخارجي فالوجه دليل زيد فمن حيث الدلالة لا فرق بينه و بينه و من حيث الذات و الحقيقة اثره لايوصف زيد به كما حققنا ذلك في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل فاذا كان المفهوم دليلا للمصداق فالاحكام الجارية عليه بعينها احكام المصداق كذلك فان كان الاشتراك فالاشتراك و الا فلا فلايصح حينئذ ان تقول ان العالم مثلا موضوع لمن له العلم فيصدق علي الله تعالي لانه كذلك و علي غيره لانه كذلك الا ان الصدق بالتشكيك فان صدقه علي الله تعالي اقدم و اشرف و اولي و كذا قولهم في الوجود و غيره لكنهم لايستشكلون و لايختلفون في الصدق المعنوي في غير الوجود من ساير الصفات و المعاني التي تطلق عليه تعالي ( علي غيره تعالي خل ) كالعلم و القدرة و السمع و البصر و امثالها الا ان اختلافهم في الوجود هل يكون صدقه عليه تعالي و علي غيره بالاشتراك اللفظي ام الاشتراك المعنوي فالاغلب علي المعنوي زاعمين بان القول باللفظي يورث الكفر فان فيه يشترط تباين المعنيين فلما كان الوجود الصادق علي الممكن هو المعني المعبر عنه بالفارسي بهستي فلو كان ما يصدق عليه تعالي غيره لكان مباينا له و مباين الوجود ليس الا العدم فيلزم ان يكون الله تعالي معدوما و ذلك كفر اقول و كلامهم هذا يعطي ان يكون الوجود الذي يثبتونه لله تعالي له مقابل و مباين و يلزمهم ان يكون له ضد و اثبات المقابل و المباين و المضاد لله تعالي كفر آخر و لا ريب ان وجود الممكن له مقابل و مباين كما اعترفوا به فلايكون [ص 7] ذلك المعني ثابتا له تعالي لاتفاق المسلمين علي نفي المقابل و المباين له تعالي لاستلزامهما النسبة المستلزمة للاقتران المستلزم للحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث لان النسبة هي علة اقتران المنتسبين و اتصالهما و ارتباطهما و الا لبطل الاقتران كما قرر في المنطق و التقابل و التضاد و التناقض كلها من اقسام التباين و هو احدي النسب الاربع التي لايخلو الممكن منها فاذا بطلت النسبة في حقه سبحانه لاستلزامها الاقتران بطل اثبات الوجود الذي يصح و يصدق علي الممكن لله تعالي و شاذ منهم قالوا بالاشتراك اللفظي حيث منعوا اتحاد الرتبة بين الممكن و الواجب مطلقا مفهوما و مصداقا و هذا ايضا باطل لا لما ذكروا بل لان الاشتراك اللفظي شرطه وضع اللفظ للمعني المباين و وضع اللفظ لذاته الاقدس مما ثبت امتناعه و قد بسطنا القول في جواب المسائل التي اتانا من مشهد الكاظمين عليهما السلام لعبداللهبيك و حققنا هذه المسئلة هناك بما لا مزيد عليه فمن اراد فليرجع اليه فان القلب الآن مشغول و الادراك مخمول لمشاق السفر و كذلك القول في اثبات المباين له تعالي كما سبق و بعضهم كالسيد قطبالدين الشيرازي و غيره قال بالحقيقة و المجاز و نفي الاشتراك مطلقا في الوجود و الظاهر في غيره ايضا من الصفات و هذا ايضا باطل لان الحقيقة و المجاز من احكام اللفظ الموضوع و صفاته فحيث بطل اصل الوضع في الذات سبحانه و تعالي بطل القول في ان تلك الصفات وضعت حقيقة لله تعالي و استعملت في غيره مجازا و لان المجاز لا بد ان يكون بينه و بين الحقيقة علاقة و اي علاقة بين امرين [ص 8] احدهما ممتنع عند الآخر و لعمري ان السيد اقر و اثبت بالادلة القطعية من العقلية و النقلية بان الله كان و لا شيء معه و الآن علي ما هو عليه كان فاين ذكر الغير فضلا عن الارتباط و العلاقة و قد ذكرت فساد هذا القول في اللوامع الحسينية (ع) علي احسن الوجه الا ان يريد بهما المعنويين و هذا مع انه فاسد ايضا غير ما نحن فيه فافهم فاذا نفيت هذه المعاني عن صفاته تعالي و نزهته عن مشاركة الغير معني و لفظا و علاقة و ارتباطا و جعلت صفاته تعالي عين ذاته تعالي من غير فرض مغايرة لا في المفهوم و لا في المصداق الا عند اختلاف الآثار و جعلت هذه الالفاظ تعبيرات عنه تعالي في مقام قول اميرالمؤمنين عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و هجم الفحص عن العجز و البلاغ علي الفقد و الجهد علي اليأس انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته الحديث ، بابي هو و امي فقد جمع في هذه الكلمات جميع مقامات التوحيد و الموحدين فاذا كان كذلك فانت الموحد لله تعالي في صفاته الذاتية في مقام ذاتك كما وحدت ذاته تعالي فيها و يثبت لك التوحيد الصفاتي و الا فلا و اما الصفات الفعلية فكذلك لا اشتراك بينها و بين الخلايق اي الآثار الصادرة بها اشتراك في مقام الاطلاق لا من باب الاشتراك اللفظي و لا المعنوي بقسميه من التواطي و التشكيك و لا اللفظي لعدم اتحادهما في الوضع و لعدم المباينة لحدوثها بها لان المسبب لايكون مباينا لسببه و الا لميكن [ص 9] كذلك بل الاثر دليل لمؤثره فاين التباين و لا الحقيقة و المجاز الا المعنويين لان علامات الحقيقة و اماراتها في الاحكام اللفظية في كلا المقامين موجودة فلميبق الا الحقيقة بعد الحقيقة و هذا باب عظيم في الالفاظ لميعثر عليه اهل اللغة الظاهرة و انما هو عند اهل اللغة العربية الحقيقية مما عند اهل العصمة عليهم السلام و بهذا ينفتح باب صحة القول بخصوص الوضع و عموم الموضوع له كما اتفقوا علي بطلانه و قد شرحت بعض احوال هذا الباب و مفتاحه في شرح الخطبة الطتنجية في مقام الخطاب الشفاهي و هذا الذي ذكرنا هو الوجه الظاهري في معني التوحيد الصفاتي و اما الوجه الحقيقي فهو ان عالم الامكان العمق الاكبر بما فيه من حيث صدوره و حدوثه كله اسم و صفة دالة علي كماله تعالي و جلاله و جماله فان الاسم علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما انبأ عن المسمي و كل الخلق بفقرهم و حدوثهم منبئون عن توحيده تعالي و قد قال مولينا الرضا عليه السلام في الاسم انه صفة لموصوف و لهذه الجهة قال عليه السلام في حديث عمران الصابي ليس ( ليس شيء خل ) الا الله و اسماؤه و صفاته بعد ما قال هناك حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فافهم لحن المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال فاذن ليس الا ذاتا واحدة هي الازل عز و جل و ما سواها كلها صفات افعاله و شؤنات آثاره و اسماء ظهوراته ( اسمائه و ظهوراته خل ) كما في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت غير ( الا خل ) صوتك فاين الاشتراك في الصفة اذا كان العالم كله صفة و لما كان الشيء يعرف بصفاته لا بذاته الا للعالي لا بغيره ( لغيره خل ) قال عز و جل [ص 10] سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الآية ، و قال سيد الساجدين عليه السلام في دعاء سحر بك عرفتك و انت دللتني عليك طبقا لما قال جده اميرالمؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح يا من دل علي ذاته بذاته و قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و مولينا الحسين عليه السلام شرح هذا المقام بين كلام في قوله عليه السلام في دعاء عرفة الهي امرت ( امرتني خل ) بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير انتهي ، و معاني هذه الاحاديث كلها متحدة و انما خالفوا بين الالفاظ لينبهوا شيعتهم علي الاسرار و يصونوها عن الاشرار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و مرجع ما قالوا عليهم السلام في هذه المقامات كلها الي التوحيد الصفاتي .
الثالثة توحيد الافعال و هذا هو الداء العضال و مزال اقدام الرجال و انكر هذا التوحيد طائفة زعما منهم بانه ينافي الاختيار في افعال العباد مع ان ذلك يحقق الاختيار في المبدء و المعاد و بيانه علي ما يقرب الي الافهام في رتبة العوام هو ان توحيد ( توحد خل ) الله في افعاله بان لايشاركه احد في فعله و لايستعين باحد في انشاء خلقه و لايستشير احدا في ايجاد بريته و لايستشهد احدا حين فطر اجناس خليقته بل هو سبحانه المستقل في فعله المستبد برايه لايشارك في امره و لايضاد في حكمه و لايعترض عليه احد في تدبيره و هذا في افعاله الخاصة به تعالي و ان كان [ص 11] لغيره تعالي ايضا فعل باعانته تعالي و اقداره اياه للفعل كما في الافعال الاختيارية للعباد و هذا علي مذاق العلماء الذين يفرقون بين الذوات و الصفات الذاتية و اللوازم الخارجية و الاسباب الموجبة و الشرايط المتحققة و بين الافعال الصادرة الاختيارية لا ما هي بغيره كحركة يد المرتعش و وقوع المتردي عن السطح و فعل النائم و الناسي و الساهي و و امثالها من الافعال فانها كلها لا مدخلية للاختيار فيها و يختص بها الله سبحانه فاثبتوا الاضطرار في ما سوي الافعال الصادرة علي نحو الشعور الذي يفهمون و يفهمه العوام ظاهر واضح لا اشكال فيه و اما علي مذاق من صدق الله سبحانه في قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة الآية ، و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، قل الله خالق كل شيء و اروني ماذا خلقوا من الارض و امثالها من الآيات و صدقوا اوليائه المعصومين عليهم السلام في قولهم ليس لنا من الامر الا ما قضيت و لا من الخير الا ما حكمت و لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن قدر علي نقض واحدة منها فقد كفر و في رواية فقد اشرك و في الحديث القدسي انا الله الذي لا اله الا انا خلقت الخير فطوبي لمن اجريته علي يديه و انا الله الذي لا اله الا انا خلقت الشر فويل لمن اجريته علي يديه و امثالها من الروايات فلميفرقوا بين الافعال و الذوات و الصفات و الكينونات مع مقاماتها من ساير اللوازم و الشرايط و ساير المتممات و المكملات و كلها انما اجري بفعله سبحانه علي امر محكم و وضع ( و صنع خل ) [ص 12] متقن بما لايؤدي الي الاضطرار فاعطي سبحانه الاشياء ما طلبوا منه بالسنة الاستعدادات و تلك الاستعدادات انما تقومت بنور فيضه و فعله عند خلق الكاينات فلا قدم للقابليات و لا حدوث للاشياء الا بها فالاشياء انما تكونت علي جهة الاطلاق من امره كن و اختياراتها و قابلياتها انما نشأت عند فيكون قال تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قال تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله فاختلاف الاشياء بمشياتها الاختيارية و هي القابليات و هي انما تقومت بالمقبولات و هي متقومة بفعله تعالي فالافعال كلها منتسبة اليه تعالي بكن فيكون و ذلك سر الامر بين الامرين و بيان حقيقة هذه المسئلة علي ما يكشف القناع عن وجه المرام مما ابي الله الا كتمانه لعدم تحمله العقول و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام لما سئل عن ذلك بحر عميق فلاتلجه و سئل ثانية قال عليه السلام طريق مظلم فلاتسلكه و سئل ثالثة قال عليه السلام سر الله فلاتهتكه و قال الصادق عليه السلام لا جبر و لا قدر بل منزلة بينهما اوسع ما بين السماء و الارض لايعلمها الا العالم او من علمه العالم انتهي ، فلو قدر الله المشافهة و الملاقاة لالقيت اليك من هذا الامر ( الدر خل ) المكنون و السر المصون ما تطمئن به القلوب و تقر به العيون نعم ربما يحصل ذلك بالكتابة لكنه يحتاج الي بسط مقدمات كثيرة و ذكر اشياء ربما يؤدي الي ذكر ما لاينبغي سيما في السفر و اثناء المنازل مع كمال اختلال البال و اغتشاش الاحوال و لو نظرت في الاخبار و تأملت في الآثار المروية عن الائمة الاطهار عليهم سلام الله ( الله المختار خل ) في آناء الليل و اطراف النهار رأيت انهم عليهم السلام [ص 13] ماعظموا امر مسئلة من المسائل في دقتها و خفائها و غموضها مثل ما عظموا امر هذه المسئلة حتي قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان القدر سر من سر الله و ستر من ستر الله و حرز من حرز الله و امر من امر الله مختوم بخاتم موضوع من العباد علمه رفعه الله فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم لانهم لاينالونه بحقيقة الصمدانية و لا بعزة الفردانية بحر عميق مظلم كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير انتهي ، انظر كيف صرح بالامر و قوله لايعلمها الا الله ليس المراد انه لايمكن لاحد الوصول اليها بل المراد انه لايمكن لاحد الوصول اليها الا بتعليم خاص و عناية خاصة زايدة عما هي عامة للخلق لاتنال الا بالاخلاص في طاعته و الاقبال الكلي عليه كما قال عز ذكره و اتقوا الله و يعلمكم الله و قال و لما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين فاذا قلت ان الماهية ليست بمجعولة و انما هي اعيان ثابتة في الازل اقتضت ذاتياتها من النور و الظلمة و الخير و الشر و السعادة و الشقاوة و الذاتي لايعلل و ان الله لميجعل المشمش مشمشا بل جعله موجودا و ان الشرور اعدام لا وجود لها و ان الامكان لا وجود له و لا تعلق به جعل و امثالها من الامور الواهية ماوحدت الله في افعاله و ماصدقته في اقواله بل انسب الذوات و الصفات و القابليات كلها الي فعله تعالي و ايجاده بسر الامر بين الامرين كما اشرت الي نوع الامر فيه فافهم و انظر الي الشمس و اشراقاتها و الرجل [ص 14] و كلماته و الفاظه و ساير آثاره من الآثار القلبية و الصدرية و الجسدية تري الامر واضحا ظاهرا مشروحا و تلك من الامثال التي ضربها الله للناس و مايعقلها الا العالمون .
الرابعة توحيد العبادة كما قال عز و جل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا و هذا التوحيد بان لاتري لشيء تذوتا و تحققا و استقلالا سواه تعالي فلاتخاف من احد و لاترجو احدا و لاتعدل بالله احدا فانك اذا توجهت الي شيء فهو معبودك كما في الحديث كلما يشغلك عن الله فهو صنمك و قال الصادق عليه السلام من استمع الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان انتهي ، و جامع الامر في هذا المقام هو ان المعبود يجب ان يكون هو المستقل الثابت الدائم الذي كل شيء يستقهر و يضمحل دون جلال عظمته و كبريائه و بهائه اذ لو كان احد اعظم منه تأبي النفس عن التوجه الي الادني الاسفل مع وجود الاعلي الافضل و لا ريب ان الشيء حين توجهه و التفاته الي الاعلي لايلتفت الي الاسفل و الا ليس بعاقل بل و لا ذي شعور بل لايمكن ذلك فاذا اعتقد في حق شيء انه الاعلي مع حضوره عنده يستحيل ان يتوجه الي الاسفل فاذا رأيت الرجل يتوجه الي الاسفل مع وجود الاعلي فحينئذ قد جعل الاسفل اعلي حتي محي ظهوره ظهور الاعلي و جعل الاعلي اسفل حتي يرجح الالتفات اليه علي الالتفات الي الاعلي و هذا يكون في نظره و اعتقاده او عمله و الا فلايكون الاعلي اسفل [ص 15] و لا الاسفل اعلي في الواقع فاذا نظر الي الاسفل جعله مقصودا و معبودا اذ لو كان عنده من هو اعلي منه لماساغ النظر الي هذا الاسفل بل لمنع ظهور الاعلي من مشاهدة ذلك الاسفل فان كان نظره دائما الي الاسفل فهذا كافر و ان كان مرة الي الاعلي و مرة الي الاسفل فهو مشرك فالفقر الذي هو سواد الوجه في الدارين هو من الاول و كاد الفقر ان يكون كفرا من الثاني فالعصاة كلهم مشركون في هذا التوحيد و لان العاصي تابع لهواه و مخالف لامر مولاه و هو قوله تعالي افرأيت من اتخذ اله هويه لانه جعل هواه معادلا معه تعالي بل ربما ارجح حتي اختار و آثر ارادته علي ارادة الله نعوذ بالله و نستغفر الله و هذه المعصية لها مراتب بحسب الرقة و الغلظة و الكبر و الصغر حتي يأول الي ما قال صلي الله عليه و آله و ان الشرك في هذه الامة له دبيب اخفي من دبيب النملة السوداء علي الصخرة الصماء في الليلة الظلماء و مراتب هذا التوحيد و هذا الشرك كثيرة لا نهاية لها و لو اردنا شرح اكثر كلياتها ماوسعنا المقام الا اني ابين لك ما يجمعها كلها بجميع مراتبها في ثلاث مراتب :
المرتبة الاولي توحيد العوام و هو التوجه الي المعبود الحق تبارك و تعالي بفعل الامر الوجوبي و ترك النهي التحريمي في كل الافعال و الاقوال و الحركات و السكنات كما قال عليه السلام في معني الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات ان الذكر ليس هو قول سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر بل الذكر ان تذكر الله حال الطاعة فتفعلها و حال المعصية فتتركها ه ، و لذا يخرج الشخص حال المعصية عن الايمان كما قال عليه السلام [ص 16] لايزني الزاني و هو مؤمن و لايسرق السارق و هو مؤمن و يدخل في حد الشرك من شرك العبادة علي المعني الخاص لا علي المعني العام كما جعلوا الاصنام الظاهرية و الباطنية شركاء لله و اوجبوا العبادة لها معه تعالي .
المرتبة الثانية توحيد الخواص و هو التوجه الي المعبود الحق سبحانه و تعالي بفعل الامر التكميلي و ترك النهي التنزيهي و هؤلاء اولوا الالباب الذين عرفوا الماء من السراب و المراد بالامر التكميلي المستحبات و النهي التنزيهي المكروهات فان العبد ليس طاعته و عبادته لله عز و جل لاجل طمع في الجنة و لا خوف من النار و انما هي طلبا لرضاه و حذرا عما ينافي محبته و رضاه و لا شك ان المستحبات فيها رضاه تعالي و المكروهات ليس فيها رضاه تعالي فاذا تركها و فعلها مع امر الله عز و جل و رفع الموانع فقد آثر شهوة نفسه و انيته الملعونة علي رضاه تعالي و محبته فقد اتخذ الهه هويه و اضله الله علي علم و ختم علي سمعه و بصره و جعل علي بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله اللهم اهدنا بهدايتك و افتح مسامع قلوبنا بنورك يا نور النور و يا مدبر الامور .
المرتبة الثالثة توحيد اخص الخواص و هم الخصيصون و هم اولوا الحقيقة و الاقطاب و هو التوجه الي المعبود الحق سبحانه و تعالي بل ما ذكر في المرتبتين المتقدمتين و بترك المباحات التي لميرد فيها امر و لا نهي و ورد انها مباحة لكم كما قال عليه السلام كل شيء لكم مطلق حتي يرد فيه امر او نهي انتهي ، و هو قوله عليه السلام في حق هؤلاء الابرار يدعون ما لا بأس به حذرا عن الوقوع في ما فيه بأس بل بترك الامور التي [ص 17] فيها محبة للهوي و النفس لانهم قطعوا اعتبار انفسهم و مشاهدة هويتهم و ملاحظة انيتهم و اندكت شهواتهم و بطلت و اضمحلت اراداتهم في ارادته سبحانه و مشيتهم في مشيته تعالي فمنهم من لا ارادة لهم و هم الاعلون و منهم من ارادتهم تابعة لارادته تعالي و هم المعنيون من قوله عز و جل و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و بحفظ السر عن النظر الي السوي و مشاهدة غير الله فقد امتثلوا امره تعالي و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فلايخطر ببالهم و لا في خاطرهم شيء سوي نور عظمته تعالي و بهاء قدرته فاستظلوا بظل التوحيد و اووا الي الكهف التفريد و التنزيه و لهم قال عز و جل في التأويل و اذ اعتزلتموهم و مايعبدون الا الله فاووا الي الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته و يهيئ لكم من امركم مرفقا و الشرك في هذه المرتبة مقابلات ما ذكرنا و مانال هذه الدرجة من التوحيد علي الحقيقة و الواقع باكمل الوجوه و اعلاها و اشرف الدرجات و اقصاها الا محمد و اهل بيته الاربعةعشر المعصومون قصبة الياقوت و حجاب اللاهوت و سلاطين الملك و الملكوت صلي الله عليهم اجمعين و الصراط موضوع علي مقتضي هذا التوحيد و هو قوله عليه السلام ان علي الصراط عقبات كؤد لايقطعها بسهولة الا محمد و اهل بيته الطاهرون ثم بعدهم عليهم السلام نالوا هذه الدرجة من التوحيد الانبياء المرسلون المعصومون عليهم السلام علي تفاوت درجاتهم فلذا اختلفوا باولي العزم و غيرهم و كان يصدر منهم بعض الهفوات من ترك الاولي ثم بعدهم اخص الخواص من الشيعة ( الشيعة المخلصين خل ) [ص 18] و هم القائلون علي الحقيقة و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهك الكريم فلايلتفتون طمعا و خوفا و رغبة و رهبة الا اليه وحده لا شريك له و هم الذين يعمرون مساجد الله و المساجد هم الائمة عليهم السلام و تعميرهم احياء امرهم و ذكرهم و ارشاد هدايتهم و دلائلهم و قد قال عز و جل انما يعمر مساجد الله من آمن بالله و اليوم الآخر و اقام الصلوة و آتي الزكوة و لميخش الا الله فعسي اولئك ان يكونوا من المهتدين و شرح احوال هؤلاء طويل و هذه الاشارة كافية لاولي الدراية و هذه مجمل مراتب توحيد العبادة و الموحدين لله تعالي فيها انظر في نفسك هل انت منهم ام لا فاذا كنت منهم فانظر في اي درجة منها فكن طالبا في الناس اعلي المراتب . و اعلم ان اهل الدرجة الاولي قد خلصوا من الشرك الجلي و الثانية من الشرك الخفي و الثالثة من الشرك مطلقا من الجلي و الخفي و الاخفي و الممادح القرآنية و مذامها كلها تجري علي اهل هذه المراتب علي تفاوت درجاتها و تعدد مقاماتها و هذه المقامات التي ذكرناها كلها مراتب اهل الحق الذين ظاهر دعويهم التمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها و ليسوا ( ليس خل ) هؤلاء ممن قال عز و جل ان الله لايغفر ان يشرك به و ان كان باب التأويل واسع و حكم التنزيل جامع و اما مقامات اهل الباطل من المنكرين للاوصياء عليهم الصلوة ( و خل ) السلام او الوصي المطلق اميرالمؤمنين عليه السلام او انكار منكر حق بعد ثبوته و وضوحه لديه او منكر الانبياء عليهم السلام او منكر البعث و النشور فقد تركنا ذكرها للوضوح و الظهور [ص 19] و انما الاشكال في الشرك الموجود عند هؤلاء فقد اشرت اليه لتنبيه الغافل ( الغافلين خل ) و لتيقظ ( تيقيظ خل ) الجاهل و تذكرة للنفس الميالة الي الباطل و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و اعلم ان من اعظم الشرك في العبادة ما يأمر الصوفية مريديهم بان يمثلوا صورة المرشد في خيالهم و يقصروا نظرهم عليها و لايلتفتوا الي غيرها و لاينظروا الي سواها ليجعل ذلك كل الهموم هما واحدا و يقربهم الي عالم الوحدة ثم بعد ذلك يصرفون نظرهم عن تلك الصورة و يتوجهون الي الله عز و جل فان تلك الصورة التي يقصرون نظرهم عليها هل هي دليلهم الي الله عز و جل يعني يتوجهون الي الله تعالي بتلك الصورة المحدودة فان ذلك كفر فان وجه الله لا كيف له و لا حد و الا كان لله حد و كيف تعالي عن ذلك علوا كبيرا و قد قال في الدعاء و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك الدعاء فاذا كان هذا حال الوجه و آية المعرفة فكيف تكون تلك الصورة وجها فاذا لمتكن وجها كانت شاغلة فكانت صنمك لقوله عليه السلام كل شيء يشغلك عن الله فهو صنمك و هي و ان كانت تجعل الهموم هما واحدا الا ان ذلك اغلظ الحجب و اكثفها قد يحصل للشخص ان يقطع عن تلك الهموم لعدم ثباتها بدليل اختلافها و لايمكنه قطع تلك الصورة لثباتها و رسوخها فكان الرجل في مدة عمره يعبد الوثن و هو يريد التوجه الي الله بواسطته كما قالوا مانعبدهم الا ليقربونا الي الله زلفي و لقد كذبهم الله في دعويهم و ابان عن غيهم و افترائهم بقوله الحق [ص 20] و ان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون هو من عند الله و ما هو من عند الله و يقولون علي الله الكذب و هم يعلمون ماكان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله و لكن كونوا ربانيين الي ان قال تعالي ايامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون انظر الي هذه الكلمات كيف صرح بكفر هؤلاء في اتخاذهم تلك الصورة معبودا من دون الله و قد بين الامام الصادق عليه السلام كفرهم بعد تسليم اقصي ما عندهم من الحجة من انها الطريق و السبيل الي الله تعالي قال عليه السلام من عبد الاسم دون المسمي فقد كفر و لميعبد شيئا و من عبد المسمي و الاسم معا فقد اشرك و من عبد المسمي دون الاسم فذاك التوحيد الحديث ، يعني هب ان تلك الصورة سبيل لاتكون اقرب من الاسم فتكون اسما اذ هو المتمحض في الدلالة و حالة الاسم كما ذكر عليه السلام و قد شرحنا هذا الحديث في اجوبة مسائل اتانا من جبل عامل و بالجملة فالكلام في ذكر مخازي هذه الطائفة الملعونة كثير و الاعراض عنه اولي و الاشارة كافية لمن طلب الهداية و هذه المراتب الاربع هي مراتب التوحيد المشهورة و القسم الآخر اي مراتبه بحسب الموحد بكسر الحاء و ان كانت لا حد لها لان الطرق الي الله بعدد انفاس الخلايق الا ان كلياتها تجمعها مرتبتان : الاولي التوحيد الذاتي الثانية التوحيد الصفاتي و المراد بالاولي توحيده تعالي علي ما هو عليه في عز جلاله و قدسه و ذاته و هذا هو قوله تعالي شهد الله انه لا اله الا هو و هذا التوحيد مختص بذاته [ص 21] المقدسة سبحانه و تعالي لايشاركه فيه احد و لايصل اليه مخلوق و كل الخلق عاجزون عن الوصول اليه بل معدومون و ممتنعون عند ( عند ظهور خل ) جلال تلك العظمة و الي تلك الرتبة يشير ما قال سيدنا و نبينا صلي الله عليه و آله ماعرفناك حق معرفتك فاذا عجز عن نيلها اشرف الخلق فساير الخلق عن نيلها و ادراكها اعجز فلايصل اليها احد سواءا بقي الحدود و التعيين ( التعين خل ) او نزعها فان بنزع الحدود يلوح الرسم و الاسم لا الحقيقة و العين و ما قالوا في هذا المقام من الامور المبنية علي مذهب القائلين بوحدة الوجود فساقط عن درجة الاعتبار و لايلتفت اليها اهل الاعتبار من الاخيار الابرار فذرهم يخوضوا و يلعبوا حتي يلاقوا يومهم الذي يوعدون و المراد بالتوحيد الصفاتي هو ما وصف الله تعالي نفسه لعباده و توجه الخلق اليه تعالي بذلك الوجه الذي كل شيء هالك سواه و هو النقش الفهوائي و الخطاب الشفاهي و هو قوله تعالي لعباده اني انا الله لا اله الا انا كما قال لموسي عليه السلام و لكل شيء فكل الخلق صدا ذلك الصوت و توجههم الي ذلك الرسم و نداءهم بذلك الاسم و لما كان الخلق في نزولهم حصلت لهم مقامات سفلية و علوية ظهر سر ذلك التوحيد الاسمي الرسمي الوصفي في كل مقام علي حسب ذلك المقام و لما كان كليات مقاماتهم تنحصر بظهور القبضات العشر التي خلق منها كونه و وجوده مشروح العلل مبين الاسباب كانت مراتب ظهورات التوحيد ايضا تختلف بعشر مراتب عند وقوف العبد في كل مقام و مرتبة :
الاولي ظهور التوحيد في مقام القلب و هو المعبر عنه بانا و في [ص 22] هذا المقام تجلي له نور الكبرياء و العظمة تحت حجاب القدس و هو مقام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و مقام تعرفت الي في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء و مقام و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضيك السابعة السفلي باطل مضمحل ما عدا وجهك الكريم و هو في هذا المقام يسبح مع حملة العرش في مقام هو معهم فوق العرش و في مقام هو معهم في العرش و في الثالث هو معهم تحت العرش ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
الثانية ظهور التوحيد في مقام الصدر و هو مقام النفس و في هذا المقام تجلي له نور العظمة تحت حجاب القدرة و هو حينئذ يسبح مع الملئكة الواقفين في الكرسي فاصحاب النفس الكاملة و المرضية هم الواقفون فوق الكرسي في مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله و اصحاب النفس الراضية هم الواقفون في الكرسي في مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله معه و اصحاب النفس المطمئنة هم الواقفون تحت الكرسي في مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله بعده .
الثالثة ظهوره في مقام العقل و في هذا المقام تجلي له نور العظمة تحت حجاب العزة و هو حينئذ يسبح مع الملئكة الواقفين في فلك العقل اي افرودوس فاصحاب العقل المرتفع فوق افرودوس في مقام لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيها ( فيه خل ) صوت الا صوتك و اصحاب العقل المستوي فيه في مقام من عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة و من عرف نفسه [ص 23] بالفقر عرف نفسه بالغني و من عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء و هكذا و اصحاب العقل المنخفض تحت افرودوس في مقام اثبات التوحيد و معرفة الصفات بدليل الموعظة الحسنة الواقفون مقام اليقين اي عين اليقين في مقام المستوي و طرفيه في طرفيه كما سبق .
الرابعة ظهور التوحيد في مقام العلم و في هذا المقام تجلي له نور العظمة تحت حجاب العظمة و هو حينئذ يسبح الله مع الملئكة الواقفين في السماء السادسة فاصحاب علوم لب اللب و هم اصحاب الوبر في مقام القشر و هو ظاهر الجلد فوقها في مقام اثبات التوحيد بالبرهان المركب عن ( من خل ) المقدمات اليقينية التي تنتهي الي البديهيات بحيث لايختلف صاحبها و لايزول عما هو عليه بوجه ابدا و هو كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف و اصحاب علوم اللب في مقام ( مقام القشر فيها في مقام خل ) البرهان القطعي ( القطع خل ) لكن يزول عنه صاحبه ( صاحبه احيانا خل ) و اصحاب ( اصحاب علوم خل ) القشر في مقام ( مقام القشر خل ) و هم اصحاب الشعر تحتها في مقام البرهان القطعي لكن يزول عنه صاحبه دائما و هو كرائي الشبح عن بعيد .
الخامسة ظهور التوحيد في مقام الهمة و في هذا المقام تجلي له الجبار تحت حجاب القهر و الغلبة و هو حينئذ يسبح الله سبحانه مع الملئكة الواقفين في السماء الخامسة فاصحاب الهمة العليا فوقها يستمدون من نور العقل المرتفع من فاضل ما ظهر له من تجلي الاسماء عند ظهور التوحيد حرفا بحرف الا ان له الاصل و لهؤلاء الفرع و اصحاب الهمة الوسطي في السماء يستمدون من نور العقل المستوي و اصحاب الهمة [ص 24] الادني يستمدون من نور العقل المنخفض كما سبق علي ما سبق .
السادسة ظهور التوحيد في عالم الوجود و مقام الشهود و اول ظهور اسم المعبود و في هذا المقام تجلي له نور العظمة تحت حجاب الجمال و هو حينئذ يسبح مع الملئكة الطائفين حول البيت المعمور فاصحاب الوجود الشريف اللطيف يستمدون من نور القلب فوق العرش و فوق سطح البيت المعمور و اصحاب الوسط يستمدون من نوره في العرش في البيت المعمور و اصحاب الاكثف الاسفل يستمدون من نوره في اسفل البيت المعمور و ظهور التوحيد لهؤلاء كما لاولئك الا ان لهم الاصل و لهؤلاء الفرع علي ما قلنا .