[ص 1]

رسالة في جواب بعض الاخوان

و هو الشيخ اسمعيل بن الشيخ اسدالله الكاظميني

من مصنفات السيد الاجل الامجد المرحوم

الحاج السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و اله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان بعض اخوان الصفا و قدوة اصحاب الوفا و زبدة الاجلاء النبلاء سلمه الله و ابقاه و حرسه و وقاه و اعطاه كتابه بيمناه و جعل اخرته خيرا من اولاه قد اتي بمسائل عويصة و اراد الجواب علي الاستعجال و انا مع اغتشاش البال و اختلال الاحوال و معاناة السفر بالحل و الارتحال و تواتر الامراض و الاعراض المانعة من استقامة الحال اجبت مسؤله بالاشارة الي الجواب لان هذه الحالة لايسع استقصاء المقام بايراد النقض و الابرام فاكتفيت بالاشارة و اتيت بمختصر العبارة اعتمادا علي فهمه العالي و ادراكه السامي و جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له حرصا علي التطابق و جريا مقتضي التوافق و الله المستعان و عليه التكلان .

قال سلمه الله تعالي : قد اتفق الامامية اعلي الله كلمتهم علي وجوب عصمة الامام عليه السلم بعد حجيته و قبلها بعد بلوغه و قبله حتي قالوا باستمرارها من ولادته الي وفاته و من مهده الي لحده فان قصدوا بعصمته في تلك الاحوال معني متحدا و هو اللطف المعهود فلايتم الا بالبناء علي تكليفه من اول عمره الي اخره بجميع التكاليف الثابتة في الشريعة من صلوة و صيام و زكوة و حج و جهاد و هو ظاهر الفساد او بالبناء علي التزامه بها اجمع مع سقوطها عنه و هو مثل سابقه في الخروج عن طريق السداد و ان [ص 3] قصدوا بها ما يعم العصمة بالمعني المعهود و هو الثابتة له بعد حجيته او بعد بلوغه و العصمة بمعني الصيانة من المخالفة باسقاط التكليف عنه فذلك مع منافاته لكلماتهم مقتضي لمساواة كلمن لم‌تجتمع فيه صفة البلوغ و العقل للمعصوم في صحة الوصف بالعصمة من الجهة العدمية و هو ظاهر البطلان و ان قصدوا معني اخر فما هو و ما الدليل علي اعتباره افدنا دام علاك .

اقول المذهب الحق هو ان الامام الحجة من الله سبحانه و ساير الحجج من الانبياء المرسلين و الاوصياء المرضيين معصومون اي مطهرون منزهون عن الارجاس و الادناس و مساوي الاخلاق و رذايل الاعراق و كلما تشمئز منه النفوس الصحيحة و تستقبحه القلوب السليمة و كلما يخالف محبة الله تعالي و ينافي قربه و رضاه و كلما يورث البعد و الاعراض عن حضرة جلال عظمته و كبريائه من اول ظهورهم و تولدهم الي حين وفاتهم و رحلتهم بل في بطن الامهات و اصلاب الاباء و ساير الكينونات من اول الوجود في العوالم الاول الي اخر النهايات و الغايات فيما لايزال و بيان هذه الجملة بالاجمال هو انه لا شك و لا ريب بمقتضي الادلة القطعية من العقلية و النقلية في بطلان الترجيح من غير مرجح و انه لايجوز علي الحكيم المطلق و بطلان القول بقدم الاعيان و عدم مجعولية الماهيات لتقتضي كل ماهية قديمة ما هو ذاتي لها من الخير و الشر كما هو مذهب الصوفية و تابعيهم و بطلان الربط بين الحادث و القديم و الوجود النسبة بين الخالق و المخلوق ليكون بها بعض الاشياء اقرب اليه من الاخر و بعضها افضل و بطلان الجعل علي مقتضي الجبر ليجبر بعض المخلوقات علي الطاعة و بعضها علي المعصية و بعضها علي الخير [ص 4] و بعضها علي الشر و بعضها علي النور و بعضها علي الظلمة و هكذا ساير الاطوار و الاحوال و هو في الحقيقة راجع الي القول بالترجيح من غير مرجح و لا ريب ان كلما سواه تعالي حادث مخلوق مربوب مصنوع فقير لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و ان الاشياء كلها نسبتها اليه سبحانه علي حد سواء ليس شيء اقرب اليه من شيء و ليس بينه و بين خلقه قرابة و لا نسبة و لا اتصال و لا انفصال و لايجري عليه حال من الاحوال الموجودة في الحوادث فانحصر التفاوت و التفاضل بين الموجودات الحادثات بالتكليف و قد دل الدليل العقلي و النقلي و ضرورة المذهب علي ذلك و قد شرحناه علي كمال التفصيل في اجوبة المسائل التي فيها اثبات النبوة الخاصة و الولاية الخاصة بدليل العقل الغير المشوب بشيء من النقل و التكليف الذي وقع به التفاضل و التفاوت بين الموجودات فامتازة ( فامتازت ظ ) الانبياء من الاوصياء و هم من الرعية و الرعية بعضها عن بعض في درجاتهم و صورهم و هياكلهم و هيئاتهم و ساير احوالهم و اطوارهم انما كان بالتكليف في العالم الاول المسمي عند اهل البيت عليهم السلم بعالم الذر و عالم الاظلة و عالم الاشباح و عالم الارواح و غيرها من الاسماء فهناك تحققت السعادة و الشقاوة و النور و الظلمة و الخير و الشر و العلو و السفل و غيرها من المراتب و المقامات و هذا العالم كاشف و بيان عن العالم الاول و قد يختلف علي الفرض من باب البدا و ان الله ( يمحو ظ ) ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب فخلقهم الله سبحانه و اهلهم للتكليف و هيأهم له ازاح العلل في التكليف و سوي التوفيق بين الضعيف و الشريف فسئلهم فقال الست بربكم فاختلفوا [ص 5] بسر الاختيار المستودع في حقايقهم و ذواتهم بسر الامر بين الامر فاول متقدم بالاجابة و سابق للطاعة الانبياء و الاوصياء عليهم السلم علي تفاوت درجاتهم فتقدموا عن كل الخلق و لبوا لنداء الله عز و جل بالسمع و الطاعة في ظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم و لم‌يضمروا المخالفة بوجه من الوجوه ابدا لا في قلوبهم و حقايقهم و لا في افعالهم و ظواهرهم و ساير اثارهم فتوجهوا اليه سبحانه توجها كليا حقيقيا و خضعوا له خضوعا تاما جبليا لم‌ينظروا الي سواه و لم‌يطلبوا سواي سواه (كذا) فأكرمهم الله تعالي و خصهم بجزايل العطا و كرايم الحبا و خلقهم من طينة مخزونة مكنونة طيبة طاهرة من عليين و ايدهم بنوره و سددهم بروحه و جعلهم معادن لحكمته و خزانا لعلمه و حفظة لسره قد غشيهم بالنور و اوصلهم الي عالم السرور و زادهم نورا علي نور من فضله و سعة نواله بحقيقة ما هم اهله الله اعلم حيث يجعل رسالته فخصهم بالنبوة و انتجبهم للرسالة و اودعهم علمه و عرفهم ما يجب و ما يكره ثم عرض الله سبحانه علي الخلق نبوتهم و ولايتهم و فرض طاعتهم و عرفهم منزلتهم و كرامتهم عليه حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرفهم جلالة امرهم و عظم خطرهم و كبر شأنهم و تمام نورهم و صدق مقاعدهم و ثبات مقامهم و شرف محلهم و منزلتهم عنده و كرامتهم عليه و خاصتهم لديه و قرب منزلتهم منه فطأطأ كل شريف بشرفهم و خضع كل جبار لفضلهم و بخع كل متكبر لطاعتهم و ذل كل شيء لهم و اشرقت الارض بنورهم [ص 6] و فاز الفائزون بولايتهم فبهم يسلك الي الرضوان و علي من جحد ولايتهم غضب الرحمن و لا ريب ان هذه الاحوال ماحصلت في هذه الدنيا فلا بد ان يكون في ذلك العالم كما دلت عليه الايات و الروايات و العقل المستنير بنور الولايات ثم اقتضت الحكمة الالهية لامور كثيرة يطول بذها ( بذكرها ظ ) الكلام و قد اشار الي بعض الوجوه و اشرفها مولينا الصادق عليه السلم علي ما رواه الصدوق (ره) في العلل و غيره في غيره فانزل الله سبحانه الخلق من ذلك العالم الفسيح المضيء الي هذا العالم الغاسق الضيق فتنقلوا من طور الي طور و من حال الي حال و من عالم الي عالم الي ان وصلوا الي التراب و انتقلوا الي السحاب و ظهروا في البقول و الثمار فانتقلوا الي الاصلاب نطفة من مني يمني ثم منها الي الارحام في الاحوال الستة ثم منها الي الدنيا فظهروا فيها علي اختلاف الاقتضاءات و تفاوت شرايط القوابل و الاستعدادات اما الرعية فنسوا ما عهدوا و جهلوا ما عملوا و صاروا كانوا لم‌يروا شيئا و لم‌يستبينوا امرا كما قال الصادق عليه السلم ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما اه ، الي ان انكر جمع من الفحول عالم الذر و السؤال في عالم الارواح مع صريح الايات و توارد الروايات بل و تواترها معني لمن تتبع و نظر و تصفح و اعتبر و اما الانبياء و الاوصياء عليهم السلم علي تفاوت درجاتهم فبقوا علي العهد و الوفاء علي الوعد و لم‌ينسوا و لم‌يغفلوا و لم‌يدبروا و لم‌يعرضوا بل في تنقلاتهم في الاطوار و الاحوال كانوا خاضعين لله و خاشعين له و مقبلين عليه و متوجهين اليه و لم‌ينسوا في العالم الثاني ما عهد اليهم في العالم الاول علي كمال المعرفة و البصيرة و الفهم و الادراك [ص 7] اماسمعت ان مولاتنا الزهراء عليها السلم في بطن امها كانت تعلم امها القران و علمتها سورة انا انزلناه في ليلة القدر و غيرها و ان اميرالمؤمنين عليه السلم كان اذا حضر رسول الله صلي الله عليه و اله يقيم امه فاطمة و هو في بطنها لتعظيم رسول الله صلي الله عليه و اله و كانت تقوم فاطمة بنت اسد اذا حضر النبي صلي الله عليه و اله من غير اختيار حتي انهم منعوها فماقدرت علي الامتناع و هو عليه السلم كان في بطنها و لما ولد قرأ التورية و الانجيل و الزبور و القران و ساير الصحف السماوية و استقبل القبلة و تشهد الي اخر ما قال كما هو مذكور في كتب الاصحاب في الامامة و مولانا الجواد عليه السلم اتوا به الي مسجد النبي صلي الله عليه و اله و هو ابن ستة اشهر فقال ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم‌يعرفني فاني اعرفه بنفسي انا محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب انا ابن مكة و مني و انا ابن زمزم و الصفا الي ان وضع يده الشريفة علي فمه فقال اصمت يا محمد كما صمت اباؤك و مولانا الكاظم عليه السلم قال و هو مقمط ما قال و مولانا الحجة صاحب العصر عليه السلم و روحي له الفداء اجاب عن تلك المسائل و اخبر بما في الصرر و غيرها في حديث احمد بن اسحق القمي و عيسي بن مريم قال لامه حين وضعته الاتحزني قد جعل ربك تحتك سريا و هزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا و قال و هو في المهد صبيا اني عبد الله اتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا اينما كنت و اوصاني بالصلوة و الزكوة ما دمت حيا و برا بوالدتي و لم‌يجعلني جبارا شقيا و السلام علي يوم ولدت و يوم اموت [ص 8] و يوم ابعث حيا و هكذا ساير الانبياء لو شرحت لك لطال الكلام و الاشارة كافية لاهلها و القول بان الله سبحانه مكنهم في تلك الحالة من غير عهد سابق قول بالترجيح من غير مرجح او انهم ايضا نسوا و الله سبحانه ذكرهم كذلك ايضا لان الكل في هذه الحالة سواء مع انه خرص و تخمين و قول بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و لهذا سماهم الله تعالي اهل الذكر في كتابه حيث بقوا علي ذكر ما عهد الله اليهم في تلك العوالم و سمي رسول الله صلي الله عليه و اله ذكرا في قوله تعالي قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا مبالغة في عدم النسيان فالانبياء عليهم السلم بقوا علي العهد الاول في التكليف الاول فلم‌يحتاجوا الي التكليف الثاني فكانوا يتوجهون اليه سبحانه في بواطنهم و ظواهرهم و يتجنون ( يتجنبون ظ ) مساوي الاخلاق فان الحسن و القبح علي مذهب الامامية ليسا محض جعل الشرع و اختراعه كما ذهب اليه الاشاعرة بل انما هي امور واقعية مستحسنة و مستقبحة و حيث ان الخلق نسوا عهدهم و جهلوا معرفتهم هناك بين الشارع الغير الناسي عهده و الغير الجاهل حكمه و امره لهم باذن الله سبحانه فالانبياء عليهم السلم قبل بلوغهم الظاهري المتعارف عالمون بالذي يحب الله و الذي يكره فكانوا يجتنبونه كما ان العاقل الصاحي اذا رأي جيفة منتنة يعرض عنها و لايقرب اليها و لايتناول منه ابدا الا ان يكون ذاهلا و فيه عيب يمنعه عن ادراك قبايحها و كذلك اذا رأي نارا موقدة لايرمي روحه فيها يقينا و كك حكم القبايح المنهي عنها في الشريعة بل اعظم و اعظم و قد نص الله سبحانه علي ذلك بقوله الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا و هذا العلم و هذا الحفظ [ص 9] لهم حتي لاينسوا هو اللطف الثابت لهم من الله سبحانه و قولهم اللطف عبارة عن اعانة الهية توجب فعل الطاعات و اجتناب المعاصي بحيث لايصل الي حد الالجاء فان ارادوا المعني الذي ذكرنا فحسن و الا فائدة فيه او يلزم الجبر الباطل بضرورة المذهب لاختصاصهم باللطف دون غيرهم من غير امر سبق و ذلك معلوم واضح انشاء الله تعالي فهم عليهم السلم بذلك الامر السابق و التكليف الاول يعملون ما يوجب القرب اليه تعالي و يتركون ما يوجب البعد و الاعراض مثل اهل الجنة فانهم لايعصون و لايرتكبون شيئا من القبايح و ليس ذلك الا لان طبيعتهم صافية و قلوبهم مقبلة متوجهة فلاتشتهي انفسهم شيئا من القبايح و ان لم‌يقع عليهم تكليف جديد حسب الاصطلاح الجديد فلايظلمون و لايزنون و لايلوطون و لايحسدون و لا غير ذلك و قد ادعوا الاجماع علي ان ليس في الجنة تكليف مع انهم لايرتكبون المناهي و يفعلون الاوامر من ذكر الله تعالي و التوجه اليه و الاقبال عليه و التوكل عليه كما اخبر الله سبحانه عنهم بقوله دعويهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و اخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين و الانبياء عليهم السلم من اول عمرهم اي بدوهم الي اخر وجودهم حكمهم في الاعمال و الافعال و الاقتضاءات حكم اهل الجنة و ان جري عليهم تكليف فانما هو تأكيد و تشييد لذلك الاول و ليس حكمهم حكم الرعية من نسيانهم ذلك العهد حتي احتاجوا الي تكليف جديد كما قال عز و جل و الله اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا يريد بعدم العلم النسيان بقوله تعالي و اذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم الست بربكم قالوا بلي و قوله تعالي فماكانوا ليؤمنوا [ص 10] بما كذبوا به من قبل و اما قوله تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما فالمراد بالنسيان هنا الترك لقوله تعالي نسوا الله فنسيهم لا النسيان الذي هو ضد العلم و حاشا نبي الله ان يغفل عن ذكر الله و يتبع الشيطان و الانبياء ايضا لهم مراتب حسب اختلافهم في التقديم و التأخير روي الكليني في الكافي ما معناه انه قيل للنبي صلي الله عليه و اله كيف كنت افضل الانبياء و قد بعثت اخرهم قال صلي الله عليه و اله لاني اول من قال بلي حين قال الله لخلقه الست بربكم فعلي هذا تختلف درجاتهم فربما يصدر منهم ترك الاولي الا الاربعة‌عشر المعصومون عليهم السلم فانهم عليهم السلم لايتركون الاولي ابدا و لايغفلون عن ذكر الله سرمدا لانهم الذين عبد الله فلايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون فافهم راشدا و اشرب عذبا صافيا فان ما ذكرناه لن‌تجد في كتاب و لا في سؤال و جواب ان في ذلك لذكري لاولي الالباب قوله سلمه الله فلايتم الا بالبناء علي تكليفه من اول عمره الخ ، لايتم الا بالبناء علي كون الحسن و القبح شرعيين كما هو مختار الاشاعرة و اما اذا قلنا بانهما عقليان و الشرع كاشف فلايرد ذلك فانهم يتركون جميع القبايح استقباحا لها بعكس الحسنات كما اذا ترك احد الظلم قبل التكليف او الزنا استقباحا لهما و انهما ينافيان محبة او وصل الرحم او اقبل علي الله سبحانه و دعاه و تضرعا اليه استحسانا لها فانه يقال له انه ترك المعصية و القبيح و فعل الخير و الطاعة و ان لم‌يكن مكلفا بتكليف ظاهري و قوله سلمه الله تعالي و هو ظاهر الفساد ظاهر الفساد كيف و العلماء اختلفوا في الصبي المميز من ساير الرعية في ان عباداته [ص 11] شرعية بمعني ان الخطاب توجه اليه بحيث اذا اتي بها ثم بلغ و وقت العبادة باق كان ما اتي به كافيا لانه كان مخاطبا فامتثل كما توضأ ثم بلغ او دخل في الصلوة او اتمها ثم بلغ فيمضي و لايحتاج الي الاعادة ام لا بل عبادته تمرينية لم‌يتعلق الخطاب الشرعي عليه الا للتمرين بالنسبة الي الولي ان كان فيعيد ما فعل لعدم الامتثال و الخطاب انما تعلق بعد العمل كما اذا صلي قبل الظهر فذهب جمع كثير من العلماء الي الاول و الاخرون و الكل متفقون علي عدم العقاب لو ترك واجبا او فعل محرما فالاولون علي التفضل و العفو و ان كان مستحقا لتوجه الخطاب و قدرته عليه و قد لايعفو لقوة المانع فيجري العقاب كما في الغلام الذي قتله الخضر عليه السلم و الاخرون علي عدم الاستحقاق لعدم التكليف الا اني لااظنهم يختلفون بالنسبة الي الانبياء و الائمة عليهم السلم في ان اعمالهم شرعية قبل البلوغ المتعارف و قد نص الله سبحانه علي ذلك بقوله الحق فاشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال اني عبد الله اتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا اينما كنت و اوصاني بالصلوة و الزكوة ما دمت حيا و برا بوالدتي و لم‌يجعلني جبارا شقيا فقد نص نصا علي انه كان عليه السلم مأمورا بالصلوة و الزكوة و بر الوالدة و هو في المهد و بالاجماع المركب يثبت الحكم لجميع الانبياء اذ لااجد فرق بين نبي و نبي في الحكم المذكور لانفرق بين احد من رسله فيثبت ان يكون الجميع مأمورين بجميع التكاليف الثابتة من صلوة و زكوة كما وقع التنصيص عليهما في حق عيسي عليه السلم و قال عز و جل في حق يحيي و اتيناه الحكم صبيا و سليمان بن داود عليهما السلام بعث علي [ص 12] النبوة و الخلافة و الحكم و الدعوة و هو ابن سبع سنين و مولينا الجواد عليه السلم استخلف قبل البلوغ و مولينا الحجة المنتظر استخلف و مات ابوه و هو ابن خمس سنين و مولينا اميرالمؤمنين (ع) امن و هو ابن سبع او عشر سنين و بالجملة اثبات حكم التكليف للانبياء و الاوصياء و الائمة عليهم السلم مما لاينبغي الترديد و الشك فيه فان التكليف مداره العقل و التمييز و الادراك و القدرة علي الاتيان بالمأمور به و اما خصوص السر فلما كان الغالب علي ساير الناس من الرعية و الكمال انما يحصل عند تحقق احدي العلامات اعتبر ذلك لاصل كمال العقل فاذا كمل العقل قبل ذلك فهو مكلف لكن لايجري عليه العقاب لو ترك او فعل تفضلا من الله سبحانه و عفوا لقرب العهد الي عدم الكمال و عدم نضج البنية و بلوغها الي كمال الاعتدال و اما الانبياء و المعصومون فلايجري عليهم ذلك لانهم في صباهم اعلم من اعلم العلماء و لايقاس و اقدر من اشجع الناس كذلك فاني يكون الاهمال و عدم التكليف اذن مع ما نص الله سبحانه في الكتاب و الفرق بين الانبياء بالاقتصار علي مورد النص خلاف دأب اولي الالباب و الله الموفق للصواب علي انا لانحتاج الي اثبات التكليف الثانوي و يكفي في ذلك العهد المأخوذ عليهم في العالم الاول و ان الحسن و القبح امران متحققان يدركهما العقل فكيف بالذي عنده العقل الكل و العقل الاول و الملك المسدد و العمود من النور و التوسم و قد قال بعض العلماء شعرا و قد اجاد في المعني :

ستعرف ان العقل و النقل واحد و ذلك معلوم بحكم الضرورة

ببرهان ان العقل نور نبينا و ذلك كلي باصل الحقيقة [ص 13] 

و ان عقول الانبياء و حزبهم و اشياعهم من شمسه كالاشعة

لايقال ان الانبياء عليهم السلم اذا بقوا علي العهد الاول و لم‌ينسوا ما جري عليهم في تلك العوالم فلايحتاجون ح الي استزادة العلم لان العلوم كانت منكشفة في عالم الذر لانا نقول العلوم المتجددة عليهم بواسطة الملائكة او بالوحي و الالهام و غير ذلك ليست ما احتجب عليهم بالتنزل و انما هي علوم ماكانت هناك ايضا فتجددت و تأتي بها الملئكة و الحملة لا كساير الناس من نسيانهم العهود و العلوم و ذلك معلوم انشاء الله تعالي فابن امرك علي ما ذكرنا و الاحتمالات الاخر المذكورة في السؤال كلها باطلة و في هذا المقام مطالب عجيبة تركت ذكرها خوفا من التطويل و صونا من اصحاب القال و القيل و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ظاهر قوله عز اسمه اني جاعل في الارض خليفة الاية ، انه لم‌يخلق ادم الا ليكون خليفة في ارضه فكيف يأمره مع ذلك السكني في جنة الخلد علي ما اختاره معظم الامامية حتي لو لم‌يخالف امره الي نهيه لم‌ينل الخلافة التي خلقه لها افدنا دام بقاك .

اقول معني ظاهر الاية ان الله عز و جل اخبر الملئكة بانه تعالي يجعل احدا خليفة في الارض و هو اعم من انه سبحانه انما خلقه ليكون خليفة في الارض و انه تعالي خلقه لعنايات حقيقية و غايات ذاتية و لكن له حيث لم‌يصل بعلمه تلك الغايات جعله خليفة في الارض و لو عمل علي مقتضي ارادته و مشيته العزمية لوصل عليها و لم‌يخرج منها و لكنه حيث قصر في العمل علي الوجه المعهود عند الامامية في الانبياء عليهم السلم انحط عن تلك [ص 14] المرتبة العليا الاولي ثم ترقي اليها بالاعمال و الاقبال و التوجهات و العنايات و هو قوله تعالي و عصي ادم ربه فغوي ثم اجتبيه ربه فتاب عليه و هدي فجعله سبحانه خليفة في الارض بعد ما خرج من الجنة و لم‌يتأهل لها ذلك الحين بترك الاولي و الا فقيل ذلك كان باب الله و حجابه و سر الله و صراطه و حيث ان الله سبحانه عالم بالاشياء قبل كونها و حدوثها كعلمها ( كعلمه ظ ) بها بعد كونها و حدوثها لانه تعالي لايستقبل و لاينتظر و لايترقب لم‌يسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون اخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا و كان سبحانه علم ما يجري علي آدم من ايجاده و اسجاده الملئكة و استكبار ابليس و عتوه و ادخال ادم و حواء الجنة و نهيه عن اكل الشجر الي اخر ما انتهي امرهما اليه من اهباطهما الي الارض و جعله خليفة علي اهله ما دام فيها اخبر الملئكة ببعض ما علم وقوعه من جعله خليفة في الارض و امسك عنهم خبر ما يقع من ابليس و ما يقع من آدم و الغاية التي خلق ادم لاجلها لان المقصود الذي هو الابتلاء انما كان يحصل بالخبر الاول فان خلق ادم عليه السلم ابتلاء للابتلاء فاظهر لهم امر ابليس حين عتوه و نفوره و استكباره و امر ادم عليه السلم حين اكله من الشجرة و تساقط حلل الجنة عنه و يظهر لهم الغاية اذا ادخله تعالي بكرمه الجنة فيعلمون انها ثمرة تلك الغاية العليا التي تنفك من المغيا فلو كانت الخلافة هي الغاية لخلق ادم عليه السلم يجب ان لاتنفك منه ضرورة استحالة انفكاك الغائية عن الشيء فانفكاكها دليل علي انها لم‌تكن ذاتية حقيقية و انما هي طارية عرضية و ان كانت الخلافة هي الدرجة العظمي الا ان فوق كل ذي علم عليم و ذلك ان الله سبحانه خلق الخلق لغايتين [ص 15] شريفتين عظيمتين هما اصل كل خير و مبدء كل نور و منشأ كل سرور و حبور احديهما المعرفة الالهية و معرفة الاسماء و الصفات و الوسايط و الاسباب و مبدء الايجاد و منتهاه كما قال عز و جل في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و الثانية العبادة و العمل و التوجه اليه بسر الحقيقة و صافي الطوية كما نص عليه في كتابه العزيز بقوله و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون مااريد منهم من رزق و مااريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين و هاتان الغايتان كل واحدة منهما تستلزم الاخري و بهما ترتب الاثار و تحققت الظلمات و الانوار و وجدت الخلافة و الوصاية و الامارة و الرعية و التابعية و امثالها اذ من سبق بالمعرفة سبق بالعبادة فكان محلا للعناية الالهية و مهبطا للانوار القدسية و موضعا للاسرار الملكوتية فكان من دونه في المعرفة و العمل و العبادة يقتبس من انواره و يستضيء باشعة اثاره فكان السابق هو الخليفة لله بالنسبة الي لاحقه الا ان هذه السابقية علي اطوار و احوال حقيقة طولية كسبق الانبياء و الائمة عليهم السلم و عَرْضية عَرَضية كسبق العلماء علي الجهال اماسمعت قول الحجة المنتظر عجل الله فرجه اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، فهذه الصفات انما كانت متأخرة عن العلم و العمل و لما كان ادم عليه السلم لما نزل الي الارض كان اعلم اهل الارض و اعرفهم بالله و اعلمهم و اخضعهم له و اخوفهم منه كان هو الخليفة من الله سبحانه علي المكلفين في زمانه فسمي بهذا الاسم بعد خروجه من الجنة و وجود الامة و الرعية و قد اخبر الله سبحانه عن ذلك قبل وقوعه [ص 16] لابتلاء الملئكة و اختبارهم و فتنتهم حيث قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء فاعترضوا علي الله سبحانه فطردهم عن حول العرش و احرق بنار الغضب اجنحتهم ثم لما خلق الله سبحانه آدم فسجدوا له و لاذوا به و بالنور الذي كان متشعشعا من ناصيته و جبهته فقبلهم الله تعالي و رقاهم الي البيت المعمور و الان هم الطائفون بالبيت المعمور كما يطوف الحاج بالبيت الحرام و هذا الاختبار و الفتنة هو السبب لاخبار الله سبحانه لهم ببعض الخبر علي الاجمال و لم‌يشرح لهم الحال و لم‌يذكر تمام الخبر ليمضي حكمه و يجري مشيته و ينفذ امره فافهم فمما ذكرنا ظهر لك ان الاية بظاهرها لاتدل علي ثبوت كونه خليفة في الارض فحسب و هي اعم و العام لايدل علي الخاص باحدي الدلالات الثلث كما هو ظاهر معلوم فان قلت انك قد ذكرت ان العلة الغائية في الايجاد هي المعرفة و العبادة و هي لاتنفك عن الشيء مع ان في الاخرة تنفك العبادة و المعرفة عن اهلها لان المعرفة قد حصلت في الدنيا و العبادة موقوفة علي التكليف و لا تكليف في الاخرة اجماعا ففي قولك تناقض ظاهر قلت اما المعرفة المتعلقة بذات الازل عز و جل فهي غير حاصلة بل ممتنعة في الدنيا و الاخرة الا بمعني الوجود و الحصول و اما المعرفة المتعقلة باسمائه و صفاته و عظمته و جلاله و كبريائه و ساير الصفات الفعلية فهي دائما في التزايد في الدنيا و الاخرة لانها تظهر بالاثار و كلما كان ظهور الاثار و الاطلاع عليها و الاحاطة بها اكثر كان ظهور عظمة المؤثر و حكمته و قدرته و قيوميته و جماله و جلاله اكثر فيكون الاقبال اليه و التوكل عليه و الاعراض عما سواه اكثر فيكون فيضه تعالي و احسانه و انعامه و اكرامه بالنسبة [ص 17] الي المقبلين اليه و المتوكلين عليه و المعرضين عما سواه اكثر و بذلك ينالون اعظم الدرجات و اسني المقامات و اعلي الكرامات و هو قوله تعالي في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و هذا حكم جار في الدنيا و الاخرة الي ما لا نهاية له و اما العبادة فليس المراد منها اعمال مخصوصة و تكليف و مشقة و مخالفة النفس و امثا ( امثالها ظ ) و انما المراد منها التوجه اليه تعالي بظاهره و باطنه و سره و علانيته و العمل علي وفق محبته و ارادته و السلوك علي مقتضي مشيته و اذنه و حكمته و ذلك حاصل في الاخرة فانهم لايزالون متوجهين اليه سبحانه و مقبلين عليه في جميع اعمالهم و افعالهم في ماكلهم و مشاربهم و مناكحهم و حركاتهم و سكناتهم دعويهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و اخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين فلايعملون شيئا الا باذن من الله سبحانه و لكن لما كانت طينتهم صافية و طويتهم زاكية فلايختارون الا ما اختاره الله تعالي و لايشاؤن الا ان يشاء الله تعالي لاضمحلال ارادته ( ارادتهم ظ ) و مشيتهم عند ارادته و مشيته تعالي فوض سبحانه الامر اليهم في الاعمال و الاقوال و الحركات و السكنات و لايحتاجون الي امر جديد و اذن جديد كما فوض سبحانه الي رسول الله صلي الله عليه و اله في الحلال و الحرام فزاد الركعات في الصلوة و اطعم الجد السدس في الميراث و غيرهما و الله سبحانه امضي ذلك له لان طبيعته صلي الله عليه و اله ماتختار الا مختار الله عز و جل فلاينافي اذن قوله تعالي و ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي علمه شديد القوي فان الوحي علي قسمين عام و خاص لصفاء طينته و طهارة خلقه و خُلقه [ص 18] صلي الله عليه و اله و كذلك اهل الجنة فيها اذ ليس في طبايعهم ما ينافي ارادة الله و محبته لان الله سبحانه اخبر و قال و نزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا علي سرر متقابلين و حيث كانوا كذلك اذن لهم الله سبحانه اذنا عاما فقال لهم فيها ما تشتهي انفسكم و لكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم فهم في جميع احوالهم و افعالهم ناظرون الي امر الله و مشيته و ارادته و ملتذون بذكره و مستأنسون بمشاهدة جلال عظمته و جمال رحمته و تمام حكمته و نفاذ كلمته و اي عبادة اعظم من هذا نعم ليس فيها شيء من التكليفات الدنيوية لانها فيها علي خلاف ما تشتهيه النفس و في الجنة علي ما تشتهي النفس و كلاهما يرجع الي امر واحد بحكم واحد ذلك تقدير العزيز العليم فافهم فظهر لك عدم تخلف هاتين الغايتين الشريفتين عن شيء فالمتخلف كما في خلافة آدم (ع) في الارض ليس باصلي ذاتي و انما هو عرضي حصل عند النزول الي الارض فلا اشكال في الاية الشريفة علي ظاهرها و انما الاشكال في الحديث القدسي المروي في هذا المقام انه تعالي قال اني جعلت معصية ادم سببا لعمارة الدنيا فان ظاهرها يدل علي ان الله سبحانه اراد معصية ادم عليه السلم لان تعتمر الدنيا و الجواب ان الاحاديث اولا تعرض علي مذهب الفرقة المحقة فان طابقته و لاتعارضها تحمل علي ظواهرها من غير تأويل و تكلف فان خالف فلا بد من ارتكاب التأويل و صرفها عن ظاهرها لان كلام الله و خلفائه لايناقض المذهب المقرر المحقق من عند الله سبحانه فاذا عرفت هذا فاعلم انه لا شك و لا ريب ان الله سبحانه لايريد المعصية و لايحبها و لايأمر بها فما ورد من انه تعالي يأمر و لايشاء و يشاء [ص 19] و ينهي كما في الحديث المروي في الكافي عن مولينا الصادق عليه السلم ان لله مشيتين و ارادتين مشية حتم و مشية عزم يأمر و هو لايشاء و ينهي و هو يشاء امر ابليس بالسجود لادم و لم‌يشأ ذلك و لو شاء لماغلبت مشية ابليس مشية الله و نهي ادم عن اكل الشجرة و شاء ان يأكلها و لو لم‌يشأ لماغلبت مشية آدم مشية الله ، فمحمول علي المعاني التي ذكرناها في مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل فليرجع اليها فان الكلام يطول به بيانه فيكون معني الحديث الشريف ان الله سبحانه جعل معصية ادم سببا للعمارة لما عصي بعد ما عصي فلو لم‌يعص كان السبب امرا اخر لو تعلق غرض بوجود هذه الدنيا و تعميرها و الا فلا و ربما يظهر من بعض الاخبار ان المعصية التي صدرت من ادم عليه السلم اي ترك الاولي فانما هي من جهة ما في صلبه من الذرية العصاة فتحركت شهوتهم الباطلة المكنونة في طبايعهم المستودعة المستجنة في صلب ادم عليه السلم فصارت سبب اقتران آدم تلك المخالفة بترك الاولي و الجنة و الجنة مكان الطاهرين فلاتصلح لاهل الشهوات الباطلة المعرضة عن الله جل شأنه فصدور هذه المخالفة من ادم عليه السلم دليل علي ان الذين في صلبه ليس اكثرهم طيبين طاهرين و لايصلحون للبقاء فيها مع تلك الحالة فوجب ان يخرج منها استغراغا ( استفراغا ظ ) لصلبه عن تلك الارجاس و واضعا لهم في المحل اللايق بهم و هو الارض الكثيفة الفاسقة حتي يرجع الي الجنة طاهرا طيبا عن درن تلك اللواحق الفاسدة و يظهر من في الاصلاب ممن كان قابلا للتطهر و التنظيف و ترمي الارساخ الضايعة و الاعيان النجسة و الذرات الخبيثة الي مقرها من سجين فكانت المعصية سببا لعمارة هذه الدنيا لانها كشفت عن تلك الذوات [ص 20] الغير التقية الغير المستأهلة للبقاء في الجنة و عدم المعصية كاشف عن طهارة من في الاصلاب لعدم المقتضي للمعصية فلو لم‌يعص لم‌يخرج من الجنة لان الذين في الاصلاب مستأهلين لها و انما توجه اللوم و العتاب علي ادم و حواء لجهة مناسبة المحل و سليما الي مقتضاها و لو لم‌يعصيا لماخرجا من الجنة و لو فرضنا بعيد بقاء تلك الذوات الغير الطاهرة مع عدم معصية ادم و حواء عليهما السلم لكان لاخراجهم من الجنة سبب اخر لانه تعالي مسبب من الاسباب له و مسبب الاسباب من غير سبب فمعصية ادم (ع) انما صارت سببا للعمارة لما وقعت و تحققت و اما قبل وقوعها و تحققها فلا فافهم و هذا الذي ذكرنا كله متعلق بظاهر المقام و اما في باطن التفسير و سر التأويل فهنا مباحث جليلة و مطالب شريفة لم‌يحم حولها اشكال و لايعتبر بها زلل و لا اختلال اخفائها في الصدور اولي من ابرازها في السطور لاسيما في هذا الوقت الذي قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فكثر ملبوه و شاع مجيبوه و الي الله المشتكي .