رسالة في معني حديث رواه ابوالاسود الدؤلي
عن اميرالمؤمنين عليه السلام في الكلام و رفع اشكال فيه
من مصنفات السيد الاجل الاوحد
المرحوم السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و العاقبة للمتقين و الصلوة و السلام علي مظهر لطفه محمد و آله اجمعين ( الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و مبغضيهم و منكري فضائلهم الي يوم الدين خل ) .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني المقيد بوثائق الآمال و الاماني كاظم ابن قاسم الحسيني الرشتي انه قد اتتني مسائل عويصة مشكلة ضلت عندها احلام العلماء و افهام الحكماء و قد اتت في وقت تهجم الاشغال و تراكم دواعي الاختلال و وقوع حادثة عظيمة كادت ان تزال ( تزول خل ) لها الجبال و قد اوجبت بلبال البال و اختلال الاحوال و حدوث الامراض المانعة من استقامة الحال و اني يسعني في مثل هذه الحالة جواب السؤال و ازالة الاشكال لاسيما جواب هذه المسائل التي هي من مكنونات علم اميرالمؤمنين عليه السلام المفضال و لاسيما في مثل هذا الزمان الذي سري الداء العضال في عامة الخلق من الناس و الرجال و هو الجهل الذي هو داء لا دواء له و التعصب الذي هو مرض لا شفاء له و انا مع تلك الحالة و هذا الزمان و بين هذا الخلق الذين هم رجال و لا رجال المتخذين عادات و احوال ربات الحجال مع هذا المرض الذي لايبرء علي كل حال ما عسي ان اقول و اشرح و ابوح من المعقول و المنقول فان اقتصرت علي ما عند الناس فمااستفاد السائل و ان اجملت حقيقة المقال عاد الاشكال و ان فصلت اخاف اباحة ما لميؤذن لنا في ابانته و ان سكت اخاف ان اكون مانعا للحكمة من اهلها فوالله لقد تحيرت غاية التحير حين ابتلائي بوقت قد مد الجور باعه و اسفر الظلم [ص 3] قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و مكان و اجابوه باللسان و الجنان الا اني آت بما هو الميسور من المقال و اشير اشارة اجمالية الي حقيقة الحال بنحو لاتناله ايدي افهام اولئك الرجال و لا رجال ان يدعون من دونه الا اناثا و ان يدعون الا شيطانا مريدا لعنه الله و اني في سعة مع من اخاطب فانه سلمه الله تعالي و ايده بكثرة خبره و دقة نظره يفك الرموز و يستخرج الكنوز نسئل الله التوفيق و الهداية الي سواء الطريق و نعتذر من جنابه السامي البسط في المقال لما ذكرت له من حقيقة الحال و آت بما هو الميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل و ( الله خل ) المستعان و عليه التكلان .
قال سلمه الله تعالي بعد البسمله : السلام علي اولياء الله المنتجبين ثم علي التابعين لهم باحسان ، و ذكر بعض الابيات في التأسف علي حصول تلك الواقعة العظمي و البلية الكبري التي وقعت في ارض كربلاء من ما لايسعنا الوقت و الحال و الاقبال لذكرها و بسط الكلام في شرحها فانها و لعمري ابيات تفتت الاكباد و تقدح الزناد مع اشتمالها علي المعاني و الدقايق التي مااحلت ( ماحلت خل ) الا في الفؤاد و مابرزت الا لاهل المحبة و الوداد ، ( و خل ) قال ثم المرجو الجواب عن هذه المسائل القليلة من جناب الاخ الجليل بل السيد النبيل بل نعم الخليل بل من حق لي ان اتمثل بقول من صدق قيلا :
قد تخللتَ مسلك الروح مني و لذا سمي الخليل خليلا
و منه اسئل ذكرا لا كمثل ذكري بل شيئا فوق قدري .
[ص 4] اقول في قوله اطال الله بقاه و ايده و ابقاه : و منه اسأل ذكرا لا كمثل ذكري ، شيء رفيق ( دقيق خل ) و هو ان الجواب لايكون الا مطابقا للسؤال علي حسب مقام السائل و لقد قالوا عليهم السلام اذا زدتم في السؤال حرفا واحدا لزدنا في الجواب حرفا واحدا فلايكون الجواب الا في مقام السائل و السؤال عند ذكرهم في الكون الاول و العالم الازل في مقام ( المقام خل ) الثاني و لذا قال عز و جل بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون و ذلك الذكر جواب ما سألوا لما سئلهم ان يسئلوه بقوله ألست بربكم و محمد نبيكم و علي و الائمة الطيبون من ولده و فاطمة الزاكية ( الزكية خل ) الصديقة ( عليهم السلم خل ) اوليائكم فاجابوا اي سئلوا ان يعطيهم ما هو مدد بقائهم في اقبالهم و ادبارهم فاعطاهم الله سبحانه و تعالي ما ذكروا له ان يعطيهم ثم نسوا ذكرهم الذي هو جواب سؤالهم في كونهم و وجودهم فمنهم من اعرض فعيرهم الله بقوله بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون و منهم من اقبل فاستعد لقبول الجواب اذا سئل فخاطبهم الله سبحانه بقوله تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و الجواب انثي و السؤال ذكر و الانثي انما خلقت من فاضل طينة الذكر من ضلعه الايسر فلايكون الذكر الا دون الذاكر سواء ذكره او ذكر من يذكر له فانه لايذكر له الا ما فيه و منه و اليه فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد فالذكر لايكون الا عند مقام الذاكر و المذكور و السائل و المسئول الا ان الخلق لما تنزلوا عن الخزانة الاولي العلياء و سروا في الخزائن السفلية نسوا مقاماتهم و جهلوا مراتبهم فالعالم يذكرهم و لكنه لايسعه ان يذكر الا ما يناسب مقام السائل و مرتبته فاذا [ص 5] ذكر اعلي من تلك الرتبة و ان كان مرتبة السائل في ( مرتبة خل ) العرض فقد فضح الحكمة و اتي بما نهيه الله سبحانه و لميؤد الامانة الي اهلها و انه سبحانه و تعالي يقول ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و يقول سبحانه لاتؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما و ارزقوهم منها و اكسوهم و قولوا لهم قولا معروفا فان الواقفين في مقام الجسم لو ذكر لهم شيء من احوال عالم النفوس لميتحملوا و الواقفين في عالم النفوس اذا ذكر لهم شيء من احوال عالم العقول لميتحملوا و يأخذون في التكذيب و التبري و هكذا و هذا معني درجات الايمان علي ما فصل في الكافي برواية ثقة الاسلام باسناده الي ابيعبدالله عليه السلام ( و خل ) الي هذه الدقيقة الانيقة يشير قول الشاعر :
و مستخبر عن سر ليلي اجبته بعمياء من ليلي بلا تعيين
يقولون خبرنا فانت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين
( و انا اقول خل ) خطابا لذلك الذكر الكريم و النبأ العظيم كما قال الشاعر :
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان
فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
فعلي هذا لايجوز الجواب الا بمثل ذكر السائل فاذا اردنا توجيه هذه العبارة فنحمل التفاوت و العدم المثلية كالتفاوت بين الاكسير و الحجر و بين الشمس و القمر و تمكين القابلية و تصفية الطوية يكشف ( بكشف خل ) الغطاء لظهور قوله تعالي و اتقوا الله و يعلمكم الله و التقوي هو الانصاف و الاصغاء و التجنب عن عدم التوجه و قلة المراجعة و الاقبال بكله الي العالم المعلم و المجيب المبين فبعد هذه [ص 6] الشرائط يرد من الله سبحانه ببركة اوليائه التعليم و يظهر للسائل ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر علي قلب بشر حسب ما يؤدي اليه نظره و الكلام في هذا المقام طويل و القلب كليل و البدن عليل و الله سبحانه يقول الحق و ( هو خل ) يهدي السبيل .
و كذلك الكلام في قوله ايده الله بمدده : بل شيئا فوق قدري ، لان فوق قدر الشيء لا ذكر له و لا اشارة اليه ( و لا خل ) عبارة عنه ان اريد بالقدر كونه في السلسلة الطولية و كذلك في السلسلة العرضية ان كان المراد بالقدر مقام القدر ( القدور خل ) و الحدود التي متوليها الناه ( المناة خل ) و الاذواد و الحفظة الرواة ( الرواد خل ) الذين بهم ملأ الله السموات و الارض اي سموات المقبولات و ارض القابليات في كل اطوار الممكنات و المكنونات ( المكونات خل ) حتي ظهر ان لا اله الا الله فان فوق القدر بمعني الهندسة و الحدود لا كلام و لا بيان و لا اشارة و لا تلويح و لا عبارة و لا تصريح و لا سكوت و لا حال من احوال ما يجري به القدر كيف ذلك و لكل نبأ مستقر كيف ذلك و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون ، كل صف قدرهم في صفه ، و لا يقال لهم شيء فوق قدرهم من احوال الصف المتقدم عليهم الا اذا تقدم عليهم فيكون في صفهم يجري عليه احوال ذلك الصف و كل صف متصل كأنه بنيان مرصوص فافهم الاشارة بصريح العبارة و تعيها اذن واعية .
( و اما خل ) الخليل فهي اربعة احرف و الخل كالحب الا ان الفرق بينهما ان الخاء حرف جهوري من حروف الاستعلاء و اللام حرف متوسط بالمعنيين و هو حرف رقيق لايفخم الا في لفظ الجلالة اذا كان ما قبله مفتوحا او مضموما و اما الحاء فهي من اواسط الخلق ( اوسط الحلق خل ) الذي هو [ص 7] اعلي الغيب و الباء حرف من عالم الشهادة و لذا كان محمد صلي الله عليه و آله حبيبا و ابراهيم خليلا مع ان الحب عشرة و الخل ستةمائة و ثلاثين فافهم الفرق ان كنت من اهل الجمع و ارق الي مقام التمكين و ان سكنت مع اصحاب التلوين و لايسع الكلام الا هكذا و ليس وراء عبادان قرية .
( قال ) سلمه الله تعالي : مسئلة - ما معني حديث ابيالاسود الدئلي الذي بعضه : الكلام كل ( كله خل ) اسم و فعل و حرف فالاسم ما انبأ عن المسمي و الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و الحرف لما ( ما خل ) انبأ عن معني ليس باسم و لا فعل و اعلم يا اباالاسود ان الاشياء ثلثة ظاهر و مضمر و شيء ليس بظاهر و لا مضمر ، الي آخره و قد تلقته العلماء رواية و دراية حتي الراوي نفسه اساسا لعلم النحو و ان الاسم فيه حروف و اصوات قولية كزيد فحسب و ان الفعل منبئ عن حركة الفاعل كقام و ان الحرف رابطة لهما في اصطلاح التخاطب فما الدليل علي الاستدلال بالحديث علي غير ذلك .
( اقول . خل ) - الكلمة عند اهل البيت عليه السلام كالكلام علي قسمين كلمة تدوينية و كلمة تكوينية و قد نطق بهما الكتاب و السنة اما الاول ( الاولي خل ) فظاهرة بينة لا خلف فيها و لا نكر يعرفها كل احد و لاينكرها عاقل و امرها معلوم و حكمها مفهوم و ليس السؤال عن ذلك و اما الثانية فقد نطق بها القرآن و قال عز من قائل بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم فسماه سبحانه و تعالي كلمة و هي ( هو خل ) عين من الاعيان و حقيقة من الحقايق و ذات من الذوات و قال تعالي فتلقي آدم من ربه كلمات و قد طرق سمعك الاخبار الكثيرة الواردة في ان الكلمات هم الائمة السادات [ص 8] عليهم سلام الله ( السلم خل ) من رب البريات و هم اعيان الوجود و ذوات الحقايق من اهل الغيب و الشهود و قال تعالي و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله قال مولانا و سيدنا الكاظم عليه السلام في جواب سؤال يحيي بن اكثم قاضي بغداد ان الابحر السبعة ( سبعة خل ) عين اليمين و عين الكبريت و عين الطبرية و عين افريقية و جمة ماسيدان و جمة فاجروان ( ناجروان خل ) و اما الكلمات فنحن الكلمات التي لايستقصي فضلنا و لايستحصي ، و قال تعالي و اذ ابتلي ابرهيم ربه بكلمات فاتمهن و قد استفاضت الاخبار و تواردت ( تواترت خل ) ان الكلمات هم الائمة السادات سلام الله عليهم ما دامت الارضون و السموات في جميع اطوار المقبولات و القابليات و ابتلي الله سبحانه ابرهيم عليه السلام بولايتهم فاتمهن اي اتي بما كلف به من طاعتهم و الخضوع لهم و الانقياد لامرهم و المتابعة ( لحكمهم الي ان يبلغ في الطاعة و الانقياد و المتابعة خل ) و المشايعة الي ان خصه الله سبحانه بين جميع الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين بل جميع الخلق اجمعين و سماه شيعة ( شيعته خل ) في قوله عز من قائل و ان من شيعته لابرهيم اي من شيعة علي اميرالمؤمنين عليه السلام و قال تعالي و لقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون اي وصلنا لهم الامام بعد امام و ماقطعنا الحجة و مااخفينا الحجة بل وصلنا الامامة ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها و قال تعالي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه و القول هو اطوار الخلق و احسن القول ( هو خل ) آلمحمد عليهم السلام فالذي يتبعهم فيتبع احسن القول و قال تعالي و حق عليهم القول و المراد به العذاب باتفاق [ص 9] من المفسرين و ليس العذاب صوتا مصاغا علي هيئة الالفاظ و قال تعالي و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون و لا ريب ان هذا القول الواقع ليس هو اللفظ و العبارة بل هو حقيقة ذات ولاية و قد اشار اليها الله سبحانه بقوله الحق سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج و قد ورد عن ( طريق خل ) اهل البيت عليهم السلام و اظن ان جنابك رأيته في تفسير علي بن ابراهيم بن هاشم القمي انه عليه السلام قال العذاب الواقع هو مولانا القائم ( عليه السلم و خل ) عجل الله فرجه و هو العذاب الواقع علي الكفار ( الكافرين خل ) و المنافقين من الله سبحانه و هو القول الواقع الذي يتعقبه خروج دابة الارض ، و قد ورد مستفيضا كما هو المعلوم بالبراهين القطعية من العقلية و النقلية ان دابة الارض اميرالمؤمنين عليه السلام روحي له الفداء و هو الذي يتحرك و يدب في ارض الامكان لا سواه و حركة كل متحرك بفاضل حركته او بنورها و شعاعها و هذا هو السر في هذا التعبير و الا كان يمكن ان يعبر باحسن منها الا ان التعبير بغيرها يفوت المراد لفهم اهل الاستعداد الناظرين بالفؤاد فافهم فما اسعدك لو وفقت لفهمها ، و قال عليه السلام في الزيارة اشهد انكم كلمة التقوي و باب الهدي ، و قال عليه السلام ما معناه نحن الكلمة العليا و المثل الاعلي و الاسماء الحسني ، و بالجملة اطلاق الكلمة علي الذوات الحقيقة النورية في القرآن و في احاديث امناء الرحمن اكثر من ان يسطر و اجلي من ان ينكر و قد ذكرت لك شرذمة منها و دللتك عليها فاذا تعينتهما ( تعينتها خل ) وجدت [ص 10] الامر عيانا كالشمس في رابعة النهار ، ( و خل ) كذلك الكتاب علي قسمين تكويني و تدويني ، اماسمعت قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا كتاب الله الناطق و قال تعالي و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و كتاب الله في هذه الاية اميرالمؤمنين عليه السلام كما وردت به الرواية و قوله تعالي و كل شيء احصيناه كتابا و قال تعالي و كل شيء احصيناه في امام مبين . فاذا تبين لك ما ذكرنا من الدلائل الواضحات و الآيات المحكمات ان الكلمة تطلق علي الذوات و ان هذا الاطلاق هو الغالب في تعبيرات ( اهل البيت خل ) الائمة عليهم السلام فحينئذ يصرف الكلام الي المعنيين و الاطلاقين و لا ضير في ذلك و لميبق هناك الا القول بعدم جواز اطلاق المشترك في اكثر من معني واحد و قد ذكرنا في كثير من رسائلنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل جواز ذلك و انه هو الاصل لوجود المقتضي و ارتفاع المانع فاذا كان كذلك و قد تبين لمن تتبع كلماتهم عليهم السلام و تصفح اطلاقاتهم ان كلماتهم لها وجوه كثيرة و جهات عديدة كلها مرادة لمن يفهم لغاتهم كلا ( كل خل ) بحسبه فلايراد لمن لميطلع علي معني ذلك المعني الا بعد البيان فاذا كان اللفظ له اطلاقات كثيرة و ورد و لمتكن هناك قرينة معينة يحمل علي جميع المعاني كما هو الاصل في القرآن و كلمات امناء الرحمن الا ان ينصوا علي مقصودهم و يبينوا مرادهم فيتعين و من هذه الجهة تجد اختلاف التفاسير منهم عليهم السلام علي اختلاف الجهات و الكل هو المراد و قد قال عليه السلام [ص 11] اني لأتكلم بكلمة و اريد منها احد ( و خل ) سبعين وجها لي لكل منها المخرج .
فاذا تبين لك ما ذكرنا و وضح لديك ( لك خل ) ما سطرنا تبين لك ان المراد من الكلام في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام برواية ابيالاسود الدؤلي ما هو الاعم من الكلام التكويني و التدويني ، و الاسم و الفعل و الحرف اعم من الاسم التدويني اللفظي و الاسم التكويني المعنوي و الفعل التدويني اللفظي و التكويني المعنوي و الحرف كذلك ابقاء للكلام علي عمومه فان الكلام اعم من المصطلح عليه عند النحويين من انه ما تضمن كلمتين بالاسناد و من الكلام اللغوي الذي ما يتلفظ به الانسان اذ لو حمل علي الكلام الاصطلاحي ماصح القول بان الكلام كله اسم و فعل و حرف بل هذا التقسيم للكلمة لا للكلام فان الكلام مركب من كلمتين مخصوصتين لا مطلقا فاذا حمل الكلام علي ما هو المعروف عند العوام يلزم التجوز و هو خلاف الاصل لاسيما في مقام التعريف و التقسيم اللذين مبناهما علي التوضيح و التبيين كما هو المعلوم عند اصحاب العلوم من اهل الحقايق و الرسوم .
فعلي هذا البيان تبين انه وجب حمل الكلام علي حقيقة ايراد ( حقيقته و يراد خل ) العموم من ماهية اللفظ و القول بان الكلام موضوع للفظ الموضوع بشهادة اهل العرف و اهل اللغة كما صرح به جنابك السامي بقولك و قد تلقته العلماء رواية و دراية حتي الراوي نفسه اساسا لعلم النحو الي آخره ، يعني ان هذا المعني هو المتبادر عندهم حتي عرفوا ذلك من كلامه ضعيف جدا و باطل قطعا لان التبادر احد العلامات الدالة علي الوضع و الامور التي يثبت بها الوضع الالهي اللغوي ليست منحصرة في التبادر [ص 12] و عدم صحة السلب بل قالوا انها عشرة و عدوا منها العقل و لكنهم ذكروا ان مذهب سليمان بن عباد من القول بالمناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني لما كان باطلا ماجاز اثبات اللغة بالعقل المحض فعلي قولهم لو صح مذهب سليمان جاز اثبات اللغة بالعقل مع انهم في مسئلة الوجود انه في اطلاقه علي الله سبحانه و علي غيره هل هو بالاشتراك اللفظي او المعنوي او الحقيقة بعد الحقيقة او الحقيقة و المجاز و غيرها تمسكوا بادلة كلها عقلية فمن قائل بان الوجود لو كان مشتركا معنويا يلزم التركيب في الله سبحانه و من قائل بان الاشتراك لو كان لفظيا يلزم ان يكون الله معدوما سبحانه و تعالي و ان يكون البينونة بينه و بين خلقه بينونة ( عزلة لا بينونة خل ) صفة و من قائل لو كان الاطلاق علي الحقيقة و المجاز يلزم العلاقة و المرابطة الموجبة للتحديد في ذاته سبحانه و غيرها من اقوالهم التي يطول الكلام بذكرها و جنابك السامي احاط بها علما و لميستند احد في هذه الاحوال الي التبادر و الاطراد و عدم صحة السلب و الاستصحاب و العقل الملفق بالنقل و امثالها من الامور التي يتمسكون بها عند اثبات اللغة ، و كذلك كلامهم في لفظ الجلالة انه موضوع لامر كلي ينحصر في الفرد او امر جزئي علم لذات الله سبحانه و تمسكوا في احتجاجاتهم بادلة عقلية و لميستندوا الي الامور التي جعلوها مستندا عند اثبات اللغة مع انهم ينكرون المناسبة الذاتية و ينكرون اثبات اللغة بالعقل .
و لنا في هذا المقام تحقيق شريف اوضحناه في كثير من مباحثاتنا و مصنفاتنا و رسائلنا و ذكرنا ان الممتنع من اثبات اللغة بالعقل [ص 13] هو ادراك العقل بان اللفظ الفلاني موضوع للمعني الفلاني اقتراحا من عنده من غير ما سمعه و عرفه من اطلاق اهل اللسان في الاصطلاح الذي يقع به التخاطب و هذا لايتأتي لغير المعصوم عليه السلام و من اشهده الله خلق السموات و الارض من اتباعه و اوليائه المخصوصين بامداداته و فيوضاته و ان قلنا بالمناسبة الذاتية فان وجوه المناسبات عديدة و العلة الداعية للوضع من المناسبة المرجحة لايعلمها الا واضعها او من له اطلاع علي علم الغيب و اما اذا كان الواضع هو الله سبحانه كما هو الحق في المسئلة عند اهل التحقيق من علماء الاصول و غيرهم فالعقل له طريق الي اثبات اللغة بملاحظة الحكمة فانه سبحانه حكيم يضع الاشياء في مواضعها و بفتح هذا الباب يفتح له في المقام الف باب و من كل باب الف باب فيعلم بالبديهة ان الاسم اللفظي علامة للمعني و الحكيم لايدع العلامة المناسبة و يعدل الي غيرها مع حصول الاختلاف فاذن لميجعل الاشياء في مواضعها و اتي بترجيح المرجوح او بالترجيح من غير مرجح فاذا كان الواضع حكيما لميجعل الاصل في المعني فرعا في اللفظ و لا الفرع في المعني اصلا في اللفظ و لميجعل المتساويين في المعني مختلفين في اللفظ بالتابعية و المتبوعية و الاصالة و الفرعية فاذا كان كذلك و اللفظ الواحد اذا اطلق علي معنيين فصاعدا يكون للعقل ( العقل خل ) طريقا الي التمييز بين الاطلاقين من الاشتراك اللفظي و الاشتراك المعنوي و الحقيقة و المجاز و الحقيقة بعد الحقيقة و يعرف ذلك بالمناسبات الحكمية التي تقتضيها حكمة الله سبحانه [ص 14] في خلق البرية فان امر الله واحد و حكمه واحد و صنعه متقن و امره محكم و له الحمد و له الشكر من رب ما اوضح امره و ابين حكمه له الحكم و اليه ترجعون فعلي هذا فلا ريب ان الطفرة في الوجود باطلة و الذوات اشرف من الالفاظ و الصفات التدوينية كما تقضي به الضرورة و تثبته قاعدة امكان الاشرف و لا شك ان الذات اصل و الصفات فرع فلو كان اللفظ الذي يطلق علي الذات مجازا و اللفظ الدال علي الصفات حقيقة لزم التخلف في الحكمة و كان الاصل في الحقيقة فرعا و الفرع اصلا و هذا محال علي الله سبحانه فوجب ان يكون اللفظ المطلق علي الاصل حقيقة قطعا و لو لمتتبادر اليه الاذهان و لو لمتدركه افهام عامة اهل اللسان فيكون سبيله سبيل الحقيقة المهجورة و المجاز الراجح فكم من معاني للالفاظ كانت مخفية في وقت و ظاهرة في وقت آخر و لو اردنا شرح حقيقة الحال و ذكر الامثال لبيان هذا المقال لأدي بنا الي التطويل مع ما انا عليه من قلة الاقبال و اختلال البال و لكنه يظهر لجنابك بادني تأمل فحينئذ وجب ان يكون اطلاق الكلمة و الكلام علي الذوات و الحقايق حقيقة و علي الصفات و الحدود اللفظية مجازا و لكن امارات الحقيقة حيث كانت موجودة في الاطلاق اللفظي تمنع عن مجازيته فيكون الاطلاق اما من باب الاشتراك اللفظي او المعنوي فحيث انه لا دليل علي الاشتراك اللفظي و هنا جهة جامعة للمعنيين و الوحدة اشرف من الكثرة و الواضع هو الله سبحانه و فعله سبحانه علي احسن الوجوه فوجب ان يكون الاشتراك معنويا لا لفظيا لوجود الجهة الجامعة [ص 15] و كونها هي الوحدة و الاصل عدم التعدد و الكثرة فوجب ( فوجد خل ) المقتضي و ارتفع المانع و لما كان الفردان ليسا متساويين بل بينهما فرق عظيم في القوة و الضعف وجب ان لايكون الاطلاق علي التواطي و لما كان الفرق ليس بالعلية و المعلولية و لا بالاثرية و المؤثرية لميكن الاطلاق من باب الحقيقة بعد الحقيقة لضرورة ان الالفاظ ليست آثارا و اشعة للحقايق و الذوات فلميبق الا القول بالتشكيك فتكون الكلمة تطلق علي الحقايق و الذوات من التكوينيات و علي الصفات و المعاني و سائر التدوينيات بالاشتراك المعنوي علي التشكيك فوجب حمل ما ورد من قوله عليه السلام في حديث ابيالاسود علي ما هو الاعم من الحقايق و الصفات اي الالفاظ التدوينية .
فعلي هذا البيان المحقق المكرر المردد ظهر ان الاسم كل ما انبأ عن المسمي ذاتا كان او صفة لفظا كان او معني فالشعاع اسم للسراج و نور الشمس اسم لها و القائم و القاعد و سائر الاسماء ( اسماء خل ) الفاعلين و المفعولين اي معاني هذه الالفاظ اسماء للشخص و لذا قال مولانا الرضا سلام الله عليه ( و آبائه و ابنائه خل ) الاسم صفة الموصوف ، و العجب كل العجب انه يمر علي مسامع الناس من الادعية و الزيارات و غيرها من الاحاديث المحكمات ما هو صريح فيما اقول و لكنهم لايلتفتون اليه و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون اماقرأوا في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام السلام علي اسم الله الرضي ، هل هو عليه السلام لفظ من الالفاظ او صوت من الاصوات أمايبصرون ام كيف يحكمون و قال مولانا الصادق ابوعبدالله جعفر بن محمد عليه و علي [ص 16] آبائه و ابنائه السلم نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها و قال عليه السلام روحي له الفداء في تفسير بعض فقرات خطب اميرالمؤمنين عليه السلام الي ان قال عليه السلام و هو المسمي و نحن اسماؤه و هو المحتجب و نحن حجبه و قال ايضا عليه السلام في حديث ما معناه نحن الاسماء الحسني و الامثال العلياء و النعم التي لاتحصي ، و هل ترخص نفسك ان تقول انهم سلام الله عليهم الفاظ و حروف و اصوات صيغت علي هيئات خاصة بالقرع و القمع و لايقول به جاهل من الجهال و لا مجنون من المجانين و قد ذكر رسول الله صلي الله عليه و آله ( في الدعاء الذي علمه ابنته الطاهرة الصديقة سلام الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها الي ان قال (ص) خل ) و بالاسم الذي خلقت به عيسي بن مريم من روح القدس و بالاسم الذي خلقت به العرش و بالاسم الذي خلقت به الكرسي و بالاسم الذي خلقت به الروحانيين و بالاسم الذي خلقت به الجن و الانس و بالاسم الذي خلقت به جميع الخلق و بالاسم الذي خلقت به جميع ما اردت من شيء و بالاسم الذي قدرت به علي كل شيء ، الدعاء و قال صلي الله عليه و آله في دعاء علمه جبرائيل عن الله سبحانه و بالاسم الذي ينشئ السحاب الثقال و يسبح الرعد بحمده و بالاسم الذي كشف به ضر ايوب و استجاب ليونس عليه السلام في ظلمات ثلث و بالاسم الذي به وهب لزكريا يحيي نبيا ، الي ان قال صلي الله عليه و آله : و بالاسم الذي تطوي له ( به خل ) السموات كطي السجل للكتب ، الي ان قال صلي الله عليه و آله : و بالاسماء التي رفع بها ادريس عليه السلام مكانا عليا ، الي ان قال صلي الله عليه و آله : و بالاسم الذي خلقت به جبلات الخلق كلهم ، و قال صلي الله [ص 17] عليه و آله : و بالاسم الذي سمي نفسه و استوي به علي عرشه فاستقر به علي كرسيه و خلق به ملائكته و سمواته و ارضه و جنته و ناره و ابتدع به خلقه ، الي ان قال صلي الله عليه و آله : و بالاسم الذي اشرقت به الشمس و اضاء به القمر و به جرت البحار و نصبت به الجبال و بالاسم الذي قام به العرش و الكرسي ، و قال صلي الله عليه و آله : و بالاسم الذي وضع علي الجنة فازلفت و علي الجحيم فسعرت و علي النار فتوقدت و علي السماء فاستقلت و قامت بلا عمد و لا سند و علي النجوم فتزينت و علي الشمس فاشرقت و علي القمر فانار و اضاء و علي الارض فاستقرت و علي الجبال فرست و علي الرياح فذرت و علي السحاب فامطرت و علي الملائكة فسبحت و علي الانس و الجن فاجابت و علي الطير و النمل فتكمت ( فتكلمت ظ ) و علي الليل فاظلم و علي النهار فاستنار و علي كل شيء فسبح و بالاسم الذي استقرت به الارضون علي قرارها و الجبال علي امكانها ( اماكنها ظ ) و البحار علي جدودها ( حدودها خل ) و الاشجار علي عروقها و النجوم علي مجاريها و السموات علي بنائها و حملت الملائكة عرش الرحمن بقدرة ربها . و امثال ذلك من الادعية و الاحاديث و الزيارات ما لايحصيه قلم الاحصاء و يمكن ( لايمكن خل ) ان يستقصي . و هل هذه الاسماء التي خلق الله بها حقايق الموجودات و ذوات الكائنات حروف هجائية صيغت عنها الفاظ من اصوات متولدة من جذب الهواء و ادخاله في جوف القلب ثم اخراجه نفسا و تقطيعه في الحلق و وسط الفم و الشفة حروفا و هل تجوز ان يكون هذا علة و سببا لخلق العرش و الكرسي و السموات و هل الهواء الا مخلوق من العرش [ص 18] و الكرسي و متفرع عن ( السموات و الكرة خل ) الاثيرية و اين هذا من ذاك ( ذلك خل ) و الا فجائت الطفرة و كان الخلق علي غير الرؤية ( روية خل ) و وجدت الموجودات علي خلاف احكام الصنعة ، و الضرورة تقضي بفساد التوالي و لايستريبه ذو فهم مستقيم .