[ص 1]

رسالة في جواب الآخوند الملا مهدي الرشتي

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي خير خلقه محمّد و آله الطاهرٖين و لعن اللّه اعدائهم اجمعٖين .

امّا بعد فيقول العَبْد الفقٖير الحقٖير الفاني الجاني كاظم ابن قاسم الحسيني الرّشتي انّ جناب الاكرم الاقدم المهتدي الآخوند الملّا مهدي هداه اللّه امر الدّارين و حباه بما تقرّ به العين قد سئلني عن بعض المسائل و انا في غاية الاشتغال و بلبال البال و تعارض الاحوال و لايمكنني مع ذلك الا اسعاف مطلوبه و انجاح مأموله علي حسب المقدور اذ لايسقط الميسُور بالمعسور فجعلت كلامه سلّمه اللّه متنا و جوابي كالشرح ليطابق كل جواب بسئواله كما هو عادتي في اجوبة المسائل و لا حول و لا قوّة الّا باللّه العليّ العظٖيم .

قال سلمه اللّه تعالي : الحمد للّه ربّ العالمٖين و صلي اللّه علي اشرف الانبياۤء و المرسلٖين و افضل الاولياۤء و الوصيين محمّد و علي و آلهما الطّيبٖين الطاهرٖين اما بعد فقد سنح بخاطري الفاتر ان اسئل عن بعض المجهولات التي اوجبتُ عليّ سؤالها و استدعي من جنابكم تبيين اسرارها المقدور ابرازه بقدر فهمي و استعدادي و لاتكتم عنّي بعض الخبايا فاحسن الي احسن اللّه اليك جعلنا اللّه معكم في الدّنيا و الآخرة و زاد اللّه في عمركم و كثّر في الدّنيا امثالكم .

مسئلة - لم كان بعض الامزجة سوداويّا و بعضها بلغميّا و بعضها دمويّا و بعضها صفراويّا و لم خصّ اللّه سبحانه بعض الانسان ببَعْضها فان قيل [ص 3] بقابليّته نقول انّها مخلوقة بالعرض لانه شيء و اللّٰه خالق كل شيء و لم كانت المحبة في السّوداوي اشدّ و اكثر بالنسبة الي غيره و كذا غيره بالنسبة اليه و غيره و هكذا .

اقول اعلم انّ اللّه سبحانه اجري عادته ان يجٖيب المضطرّٖين السائلٖين الواقفٖين ببابه اللائذٖين بجنابه في عالم الجواز و الامكان و رتبة الاعيان الثابتة في العلم الحادث علي مقتضي مسئولهم و وفق مقترحهم و مأمولهم بعد ان جعلهم سائلين و لعطاياه و مزاياه آملٖين اللّهمّ انّي ادعوك كما امرتني فرخّصهم في السّئوال و بسط لهم من جوده و كرمه عظايم النّوال علي حسب شهوتهم في السئوال و لو اراد ان يجبرهم و يأخذ عنهم ما منحهم اياه او لم‌يعطهم اوّلا او يعاملهم علي مقتضي فعله لا مقتضي طلبهم و سئوالهم لفعل انه علي كل شيء قدٖير و لو شئنا لنذهبنّ بالّذي اوحينا الَيْك فاقتضت هذه الحكمة ان يجري الاشياۤء بالاسباب و جعل لهذه الاسباب مبادي و علل تنشاء عنها و يجري عليها الحكم بها و تلك المبادي الكلية هي الافلاك و العناصر في ( في كل خ‌ل ) عالم من العوالم الغيبية و الشهودية فخلق في العالم الجسماني العرش و هو بلسان الظاهر فلك الاطلس و فلك المحدد و فلك الافلاك و هو مطرح الفيوضات و الامدادات الالهية الواردة النازلة علي القوابل الارضية و الفلكية لكنه علي الوجه الكلي و جعل الله سبحانه عنده جميع الطبايع و القوي الفعالة في العالم الجسماني و هو المحيط بكل الاجسام احاطة ظاهرية و باطنية لحكم التدبير و جريان التقدير ثم خلق بعده الكرسي الذي وسع [ص 4] السموات و الارض و هو بلسان الظاهر فلك الثوابت و فلك البروج و المنازل و جعله سبحانه بلطيف صنعه بابا للعرش و تفصيلا للمجملات المستجنة المفاضة علي العرش فظهرت فيه العلل و القوي الفعالة التي هي الكواكب و امتازت فيه الطبايع و جواهر العناصر و ظهرت علي منطقتها التي هي محاذي مركزه التي ليس اوسع منها مقام في الفلك علي السطح الظاهر منه البروج و قسمت علي اثني‌عشر لتمام ظهور الاركان الاثني‌عشر للاسم الاعظم و علي ثمانية و عشرين لظهور يداه المبسوطتان اللتان ينفق بهما كيف يشاء و يضرب الله الامثال للناس و ما يعقلها الا العالمون فترتب الطبايع الاربع علي البروج و المنازل علي طور محكم متقن يطول بذكره الكلام و هذه هي العلل و المبادي في الكون الجسمي و كل هذه كليات ثم لما كان تمكين القابلية للاستفاضة من تمام ظهور اثر العلة خلق الافلاك السبعة لتنضج بها بنية القوابل الجسمانية و تتمكن و تستأهل لتلقي الفيوضات و الواردات العرشية و الكرسية فجعل فلك الشمس مربيا للمواد الجسمية بما فيها من طبايع الاركان الاربعة للعرش من النور الاحمر و النور الاخضر و النور الاصفر و النور الابيض و من ظهورها بالحرارة و اليبوسة اللتين ( اللتان خ‌ل ) هما طبيعة الفاعل كما ذكرنا في كثير من مباحثاتنا و اجوبة المسائل و المنسوب الي الفاعل ليس الا المادة فكانت الشمس هي المدبرة للمواد و هي مرادنا بالوجود الثاني اذا قلنا ان الشمس تدبر الوجود الثاني و جعل فلك القمر مربيا للصور الجسمية لكونه الظاهر بالبرودة و الرطوبة [ص 5] اللتين ( اللتان خ‌ل ) هما طبيعة القابل و لذا كانت المياه منسوبة اليه و جعل فلك العطارد مربيا للقوي الفكرية ظاهره في ظاهره و باطنه في باطنه و هو الظاهر بالبرودة و اليبوسة و الباطن بالحرارة و الرطوبة و جعل فلك الزهرة مربيا للقوي الخيالية ظاهره لظاهرها و باطنه لباطنها الظاهر بالحرارة و الرطوبة و الباطن بالبرودة و اليبوسة و جعل فلك المريخ مربيا للقوي الوهمية ظاهره لظاهرها و باطنه لباطنها الظاهر بالحرارة و اليبوسة و الباطن بالبرودة و الرطوبة و جعل فلك المشتري مربيا للقوي العلمية ظاهره لظاهرها و باطنه لباطنها الظاهر بالبرودة و الرطوبة و الباطن بالحرارة و الرطوبة و جعل فلك زحل مربيا للقوي العقلية ظاهره لظاهرها و باطنه لباطنها الظاهر بالبرودة و اليبوسة و الباطن بالحرارة و الرطوبة ثم قدر سبحانه لكل فلك حركة خاصة من سرعة و بطؤ و اوج و حضيض و اقتران و اتصال و انفصال ليقدر بها اقوات الارض و مزاج الخلق الجسمي ثم جعل فلك الاطلس صاحب التسخير فسخر هذه الافلاك باذن الله يحركها في كل يوم و ليلة لتتم المحاذاة لاجزاء الارض و يتكرر عليه وقوع اشعة الكواكب ليحصل النضج التام اذ بدوام الحالة الواحدة كان مايحصل النضج اما تحترق القوابل الارضية لو كان ابدا نهارا و صار لاتنبت شيئا ان كان ابدا ليلا و كذا لو كان مدة طويلة كما نشاهد الآن و هو قوله تعالي قل ان جعل عليكم النهار سرمدا الي يوم القيمة من اله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه افلاتبصرون قل ان كان جعل عليكم الليل سرمدا الي يوم القيمة من اله غير الله يأتيكم بضياء [ص 6] افلاتعقلون و جعل سبحانه الافلاك الاخر صاحب التقدير يقدرون اقوات الارض بحركاتها الخاصة و الا لم‌يختلف الاشياء و لم‌يستنطق مستجنات البواطن من انواع المعادن و النبات و الحيوان فبهما تمت الاسباب و ظهرت العلل مشروحة مبينة ثم ان الله سبحانه جعل الارض تستمد ( يستمد خ‌ل ) من السماء بمقابلتها اياها و محاذاتها لها فبقدر المقابلة و صفائها تتلقي الفيض من خالق السموات و بارئ المسموكات و المقابلة و المحاذاة في كل الاحوال ثابتة الا ان انحاء المقابلات مختلفة و بها اختلفت المتولدات اذ بالمحاذات تقع اشعة الكواكب عليها و تستجن فيها ثم بالرطوبات المائية الحاصلة من الحركات القمرية و الادخنة و الابخرة المستجنة في ذلك الجزء من الارض يتهيج ذلك الجزء بالحرارة المستجنة فيه باعانة كر الافلاك و اشعة الشمس فالحرارة يهيجه و الرطوبة تنضجه و البرودة تجمده و اليبوسة تمسكه فيصير شيئا واحدا مركبا تقتضي خاصية و حكما ثم ان كانت الحرارة فيه غالبة بان كان ذلك الجزء انما حاذي الشمس مثلا حال كونها في برج حمل ( الحمل خ‌ل ) و مقترنة بالمريخ و لم‌يكن هنا مانع آخر من قران آخر منافي او قرب ذلك الجزء من الماء الكثير او صب الاشياء الباردة فيه او غير ذلك من الموانع تغلب الحرارة في ذلك المركب و يكون من العقار الحار ففي اول التركيب جماد غير ناضج ثم ان بقي علي هذه الحالة من عدم وصول المانع و كرت ( كرر خ‌ل ) عليه اشعة الكواكب و الافلاك يزداد نضجه و تقوي بنيته و يكثر صفائه الي ان تظهر فيه اللطيفة الغيبية الاولية و هي النفس النباتية و هنا ترقي المركب الي مرتبة اصفي [ص 7] حسب ما كان مستجنا فيه من المرتبة العليا من مراتب المثل الاعلي ثم ان هذا الشيء لايبلغ رتبة الانسانية او الحيوانية الا اذا بلغ كمال التصفية و التنقية و يشبه اوايل جواهر العلل و هو لايكون الا باسباب و شرايط و معاون و مقوي فاذا اراد الله ذلك جعله غذاء للحيوان من البهايم او الانسان حتي بالمجاورة و اشتداد الحرارة الكونية الوجودية و الحرارة الغريزية البدنية و التعفينات الكيلوسية و الكيموسية و العروقية تصفي الغرايب عنه و تظهر فيه الروح القديمة و اذا اراد الله ان يربيه من غير تغذية الحيوان فعل كما فعل في خلق ابينا آدم عليه السلم و امنا حوا عليها السلم و قد يكون في بعض الاماكن تجتمع فيه الشرايط فيحصل الحيوان من غير العادة المستمرة كما كان في جزيرة الواق‌واق بنات تحملهن الاشجار لكنهن غير ناضجات و غير تامة في الاعتدال الطبيعي و لذا لايبقين اذا قطعن من الشجرة و بالجملة فالنضج التام و الاعتدال الذي يحصل به القوام لايكون الا عند اغتذاء الحيوان او الانسان فاذا اغتذي به الانسان مثلا فان كان ذلك الشيء هو الغالب عليه الحرارة و اتفق ان الرجل المغتذي به تغلب في طبيعته الحرارة او يضم معه في الاكل اغذية حارة اخري فان الحرارة فيه تشتد سيما بعد ما تصفي من ثفل الكيلوس و الكيموس و تصفي في العروق اذ هناك تقوي الحرارة لزيادة النضج و اللطافة و تحملها الرطوبة المعتدلة او اليبوسة علي اختلاف الاقتضاءات فاذا كملت التصفية و بلغ مقام النطفة انتقل بداعي الشهوة الي رحم المرأة و امتزج بمنيها فاذا لم‌تكن في طبيعة المرأة من [ص 8] البرودة و الرطوبة الطبيعية او الفضلية ما تعارض حرارة مني الرجل و تضعفها و تقللها يبقي علي حاله فان غلبت علي المرأة الحرارة علي حسب مقامها في الذاتية او الفضلية او اغتذت في تلك الاوقات بالاغذية الحارة يؤثر في المنيين سيما اذا اتت الحمي لمعاونة الحرارة الغريزية لتعفين النطفتين و عقدهما بعد حلهما فتؤثر الحرارة فيها اي النطفة المنعقدة و كذا اذا كانت في بلد تغلب عليه الحرارة كعراق العرب بالنسبة الي عراق العجم و النجد و الحجاز و امثالها من البلدان فاذا اعتدلت اغذية المرأة و اكلت الاغذية اللطيفة المقوية و المعتدلة و اجتنبت عن اكل الاغذية الكثيفة و الغليظة و الاشياء الغير المعتدلة من المآكل و المشارب و الادوية المقوية مع الحرارة المعتدلة فان تلك الاغذية تلطف الطفل الجنين و تعتدل ( تعدل خ‌ل ) خلقته بامر الله سبحانه و تحسن صورته و تجود تركيبه و تكمل فطنته و ادراكه سيما اذا كانت التربة التي يموثها الملك بين النطفتين اكثر من نصف نطفة الرجل الي ان يتولد الطفل و يتربي باغذية حارة و اتفق ان تكون اكثر غذاءه من غير مانع من جهة الهواء و المكان و غيرهما فان هذه الامور المذكورة و امثالها من الاسباب الالهية الجارية علي الكينونات البشرية الحاملة لتأثير جريان المشية الحتمية تكون علة لغلبة المرة الصفراء التي هي القوة الجاذبة في الانسان و آية الكرة الاثيرية و مهب ريح الدبور و محل نظر جبرائيل و انما كانت الصفراء مع ان الطبيعة تقتضي بحكم الله سبحانه ان تكون حمراء لان الحمرة اذا اختلطت مع الرطوبة تحدث عنها الصفرة و لذا تري [ص 9] نور الشمس اصفر و شعلة السراج و النار صفراء و علي هذا القياس ايضا علة غلبة الدم الا ان العلة في ذلك استيلاء الحرارة و الرطوبة في المراتب التي ذكرنا و كذلك حكم غلبة البلغم الا ان العلة في ذلك استيلاء البرودة و الرطوبة و كذا السوداء الحاصلة من غلبة البرودة و اليبوسة و تفصيل القول في هذه الامور يؤدي الي التطويل و هو لايمكن الآن و هذه الجملة هي ( هو خ‌ل ) السر في صفراوية بعض الامزجة و سوداوية الاخري و ذلك حسب زيادة مقابلة الكينونة البشرية الجسدية بطبيعة من الطبايع العلوية الفلكية بلا حجاب و واسطة كمقابلة جزء الارض باشعة الكواكب عند مقارنة الكواكب النارية مع البروج و المنازل النارية او الكواكب المائية و الهوائية و الترابية مع البروج و المنازل كذلك او بواسطة مكتسبة من غذاء الاب و طبيعته و الام و طبيعتها و الهواء و الماء و المكان و امثال ذلك من الامور و قد يكون الشخص الواحد يتقلب عليه الطبايع ففي وقت تغلب عليه الصفراء اذا غلبت عليه الحرارة و اليبوسة اما بالاغذية و المآكل او بالحركة الشديدة او العطش الشديد و امثال ذلك و في وقت آخر ينعكس الامر بتكثير الاغذية الباردة و الرطبة و هكذا غيرهما حرفا بحرف و اما سر اختصاص البعض ببعضها دون بعض فهو ما قلنا لك ان الله سبحانه اجري عادته بفضله ان يجري الاشياء علي الاسباب و الاقتضاءات فخلق الافلاك و جعلها مدبرة بامره و تقديره للسفليات و خلق الارض و جعلها قابلة علي العموم فكل جزء من الارض اذا حاذي جزء من الفلك بدورانه اجري عليه تلك الاحكام باعتبار [ص 10] تلك المقابلة و الله سبحانه انما جعل الارض قابلا علي جهة العموم و اما هذه الخصوصيات فمن جهة خصوصيات المقابلة الجزئية فيجري الله سبحانه عليه الحكم حسب تلك المقابلة الخاصة حكمها و آثارها من الحرارة و الرطوبة و اليبوسة و البرودة و تلك الخصوصيات انما هي من جهة المشخصات التي هي الزمان و المكان و الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوضع و امثالها و هذه الامور انما تتحقق مساوقة لوقوع اشعة الكواكب علي الارض و لانعني بالقابلية و حدودها الا هذه الامور و هي قبل وقوع اشعة الكواكب التي هي جهة الفاعل و الاثر الحاصل من تأثير العلة لم‌تكن شيئا فحين ما وقعت الاشعة وقعت مساوقة بهذه ( لهذه خ‌ل ) الامور الستة او السبعة او الثمانية فجري عليها مقتضاها باجراء الله سبحانه و هذا معني اقتضاء القابلية و اما قولكم ان القابلية مخلوقة لله سبحانه بالعرض فهو يبطل الجبر و يرفع الاشكال فان المقصود بالعرض فرع و تابع للمقصود بالذات فهو انما اتي به للغير فلو لا الغير لم‌يؤت به و هذا دليل علي ان الجاعل و الفاعل لم‌يرد هذه الاختلافات و الكثرات اولا و بالذات و انما ارادها بالعرض لاقتضاء نفس المادة و الاثر الذي هي جهة الفاعل فذلك المقصود بالعرض ناظر الي نفس المقصود بالذات من حيث هو لا من حيث مبدئه و الا لم‌يكن بالعرض بل كان بالذات فمن حيث نظره الي نفسه المجتثة انقطعت عن مبدئها ( مبدئه خ‌ل ) الذي هو جهة الوحدة و الايتلاف و عدم الاختلاف فتحققت الكثرة و الاختلاف فاقتضي بزمانه و مكانه و وضعه و اقترانه بالآخر و كمه [ص 11] و كيفه حكما من الاحكام و اقتضاء من الاقتضاءات فلزمه ذلك الحكم ما دام تلك الصورة باقية فاذا تغيرت اما الي الانسانية او الشيطانية لزمها حكمها بكسر جديد و صوغ مثله فلايزال هذا الكسر و هذا الصوغ الي ان يختم له اللهم اختم لنا بخير و هو قوله عز و جل ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قوله عز و جل افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد فالمواد من حيث نفسها لا حكم لها الا الصلوح فلما اقترنت بالقابلية التي هي الصور حصل الاقتضاء و الاثار علي مقتضي تلك الصورة التي هي القابلية و هذه الصورة هي الزمان المعين و المكان المعين و الجهة المعينة و الوضع المعين و الرتبة المعينة و هذه الامور تقتضي الكيف المعين و الكم المعين و باقتران المادة بها يحدث حكم معين و هو اما الاقبال او الادبار او الصفراء و الدم او البلغم و السوداء بعد ما كان في الاول متساوي النسبة في الامرين فافهم فانه دقيق و اما قولكم و لم كان المحبة في السوداوي اكثر الخ ، قد ظهر جوابه مما قررنا من ان المحبة هذه هي محبة الحتم التي هي مشية الحتم التي هي عبارة عن عدم الجبر و الظلم و اجراء الاشياء علي مقتضي اسبابها و عللها و شرايطها و اوضاعها و قراناتها و امكنتها و ازمنتها و غير ذلك من الامور التي هي من متممات القابلية .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما المراد بان الفؤاد هو وجه الانسان من جهة ربه و ليس للرب جهة لا عقلا و لا وهما و لا غيرهما و علي ما يفهم انه قديم بمعني انه كان مع بقاء الرب ازلا و ابدا و يؤيده الآية [ص 12] الشريفة كل شيء هالك الا وجهه حيث قال هالك و لم‌يقل سيهلك .

اقول الكلام في هذا المقام يطول بالبيان لانه ميدان لايجول فيه الا اهل المعاني و البيان الا انا نشير اليه اشارة اختصارا اقتصارا و اعتمادا علي فهمه الشريف فنقول اعلم ان الشيء اذا وجد انوجد و حقيقة الشيء انما تحققت بهذين فلولاوجد لم‌يكن و لولاانوجد لم‌يكن وجد فهما متساوقان و الضمير الفاعل في وجد يرجع الي الله سبحانه و الضمير في انوجد يرجع الي الشيء نفسه فهو مجمع الامرين و ملتقي البحرين اذ من حيث وجد جمع ضمير الفاعل و من حيث انوجد جمع ضمير فاعلية نفسه و بهما تحقق و ذاته عبارة عنهما قال الله تعالي خطابا لآدم علي ما في الكافي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي و اذا ثبت هذا فاعلم ان هذا الروح و الضمير الفاعل الذي قلنا مستتر في وجد لايجوز ان يكون هو الذات القديمة لاقترانه بانوجد و المقترنان حادثان للارتباط المقتضي للتركيب المقتضي للتجزية المقتضية للانفعال المقتضي للحدوث و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع عن الازل الممتنع عن الحدث فيجب ان يكون ذلك الضمير ظهور فعله في ذات مفعوله و لما كان الفعل هو الذي قام به كل مخلوق و مفعول مما وجد و مما سيوجد لم‌يجز ان يكون ذلك الظهور الجزئي في فرد من افراد الموجودات و المخلوقات هو عين الفعل الكلي فيكون ذلك الظهور الالهي الذي تقوم به ذلك المخلوق وجه من وجوه الفعل الكلي الذي هو المشية الكلية و لما كان ذلك [ص 13] الوجه اي ذلك التعلق و التوجه و الالتفات في ذلك الشيء انما هو بذلك الشيء حين ايجاده كان ذلك الشيء حاملا لذلك الظهور و حاكيا لذلك النور و لما كان الشيء مركبا من الجهتين جهة ايجاد و جهة انوجاد و نعبر عن جهة الايجاد بالوجود و عن جهة الانوجاد التي هي جهة نفسه و انيته بالماهية و كان جهة الوجود هو متعلق الايجاد الذي هو وجه خاص للمشية الكلية كان لايحكي و لايظهر فيه الا ذلك الوجه فالوجود في الشيء هو المسمي عندنا بالفؤاد و هو بمنزلة الحديدة المحماة بالنار فان النار الظاهرة في الحديدة ليست هي عين النار الموجدة المؤثرة فيها هذا التأثير بالضرورة لظهور تلك النار في حديدة اخري و غيرها غيرها لكن هذه النار الظاهرة التي هي اثر تأثير النار الاصلية الحقيقية مثال لها و آية و دليل لمعرفتها و وجه به يتوجه العارفون اليها اي الي النار الاصلية من عرفها اي الظاهرة في الحديدة فقد عرفها اي النار الاصلية لا فرق بينها و بينها في التعريف و التعرف و المعرفة الا انها عبدها و خلقها فتقها و رتقها بيدها بدؤها منها و عودها اليها فالفؤاد بمنزلة الحديدة المحماة ليس الا ظهور الله له به بفعله فحقيقة ذات الشيء مع قطع النظر عن حيثية نفسه من احكام الاضافات و القرانات و التمييزات مما يدركه العقل و الخيال و الحس المشترك و الحس الظاهر هو وجه الله اي آية معرفته و دليل تفريده و توحيده و بيان تنزهه عن مجانسة المخلوقين و عن ان ينتهي اليه الادراك و هناك يظهر سر سبحان ربك رب العزة عما يصفون [ص 14] و هذا الوجه ظهور للغير فظاهرية الغير التي هي فاعليته و ليس في حقيقته الا ذكر الغير لكنه ماتنتهي الي ذلك الغير بل ينتهي الي نفسه و يحوم حول مركزه و هو يريد الصعود الي العلو فيقع في رتبة ذاته قال الشاعر :

قد طاشت النقطة في الدائرة و لم‌تزل في ذاتها حائرة

محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة

و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم انتهي المخلوق الي مثله و الجاه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود فالمراد بالوجه الذي هو الفؤاد و هو دليل المعرفة الالهية علي قدر الطاقة الامكانية بنسبة مقامه و ليس هذا هو ذات الله تعالي و لايشار به اليها حاشا و كلا تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا و انما هو جهة الظهور و مقام النور علي الطور و مرادنا بجهة الرب هو آية معرفته و دليل توحيده و هذه الجهة التي هي الآية ليست عقلية و لا وهمية و لا فرضية و لا اعتبارية و لا حقيقية و لا مجازية و لا كلية و لا جزئية و لا ذاتية و لا عرضية و لا جنسية و لا فصلية و لا مجردة و لا مادية و لا فلكية و لا عنصرية و لا غيرها من الاحوال الخلقية و المقامات الامكانية بل هي عين الهية منحك اياها بفضله و كرمه لتشاهد ظهوراته و صفاته اللايقة له بتلك العين و هي عين حادثة كالصورة في المرآة فانها دليل معرفة المقابل و آية تجلي ظهوره لا ذاته فان ذاته لاتري و لاتدرك بالابصار و الظهور الذي ظهر منه في المرآة هو عين المرآة اي الصورة فان مرادنا بالمرآة حيث [ص 15] ما نطلق نريد به الصورة و هذه الصورة تحكي المقابل مع انها حادثة به الا انك حين مشاهدتك المقابل فيها لاتلتفت الي الجهة الفعلية و رتبة المغايرة فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فان هذا هو المقام الذي ضل من ضل و اهتدي من سبقت له من الله العناية و هو ( هي خ‌ل ) بحر عميق قد غرقت فيه سفن كثيرة و لا حول و لا قوة الا بالله و اما قولكم و علي ما يفهم انه قديم فاعلم انه آية القديم سبحانه و دليله و مقام توحيده في الحدوث و هو مساوق للخلق بل هو عين الخلق و نفسهم من جهة ربهم قال اميرالمؤمنين عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال عليه السلم و هو الصادق صلوات الله عليه اعرفوا الله بالله و ان الله اجل ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به و قال اميرالمؤمنين عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و في الزيارة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم موالي لااحصي ثنائكم و قالوا عليهم السلم نحن وجه الله للخلق و هم الذين لايهلكون لقولهم عليهم السلم نحن السائلون و نحن المجيبون و هذا الوجه الذي عندنا و نسميه فؤادا انما هو وحي الهي و خطاب شفاهي خاطبنا الله اياه بهم عليهم السلم و التابع من حيث هو تابع يلحقه حكم المتبوع كما في قولك جائني زيد القائم فان القائم مرفوع بجاءني الا انه بتبعية زيد فافهم ضرب المثل يقول الشاعر :

و مستخبر عن سر ليلي اجبته بعمياء من ليلي بلا تعيين

يقولون خبرنا و انت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين [ص 16] 

فلولا خوفي من اشباه الناس لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان و بينت امورا عجيبة غريبة الا ان للحيطان اذانا و الله المستعان و اما القديم الازلي الابدي فهو الواجب الحق سبحانه و تعالي و ما سواه كائنا ما كان و بالغا ما بلغ كله حادث مخلوق مربوب و اما في قوله تعالي كل شيء هالك الا وجهه فالعدول عن اتيان السين الاستقبالية يدل علي هلاك ما سوي الوجه في كل حال و آن و زمان بخلاف الوجه فانه دليل الحق و آيته و هو الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها فهو متمسك بحبل الله لا انفصام لها ظاهرا و باطنا سرا و علانية و هذا الوجه عند ظهوره في مقام الاسماء و الصفات هو السلطان و الملك اي التملك و القدرة في دعاء علي بن الحسين عليهما السلم في الصحيفة عز سلطانك عزا لا حد له باولية و لا منتهي له بآخرية و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لم‌يبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين فاثبت ان هذا السلطان لايوصف باولية و لا آخرية مع ان السلطان هو الولاية التي لله الحق سبحانه و اما الوجه الباقي الذي هو اعلي منه درجة و اسني منه مرتبة الذي هو آية الحق سبحانه كيف يوصف بالاولية و الآخرية و البداية و النهاية و الحركة و السكون و الا لعرفت الله بالاولية و الآخرية اذ من عرف نفسه فقد عرف ربه فمعرفة الوجه عين معرفة الحق لا عين الحق و ازال هذه الشبهة مولينا الحجة المنتظر عجل الله فرجه في دعاء شهر رجب و مقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من [ص 17] عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد فبهم ملأت سمائك و ارضك حتي ظهر الا اله الا انت فاذا كانت معرفة الوجه عين معرفة الحق الظاهرة للخلق فلايوصف بحد التمييز لان معرفة الله الظاهرة لاتوصف بالتمييز بالاولية و الآخرية فان التمييز بالحدود و هي تستلزم الانفعال و قد اشار الي ذلك مولينا علي بن الحسين عليهما السلم في دعاء الحريق و اشهد ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحل ما عدا وجهك الكريم فانه اعز و اجل من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي العقول كنه عظمته مع انا قد قلنا ان الوجه اعلي مقامات الشيء فالعقول و ما تحته كلها قاصرة عن ادراكه فاذا نفيت ادراك العقول فانف عنه كلما يدرك بالعقول و اعلي الحدود و اول التمييز في العقول و ليس فوقها حد و لا تمييز ( تميز خ‌ل ) فاعرفه بان لا حد له و لا تمييز ( تميز خ‌ل ) و هو مثال معرفة الحق للخلق و هو شهادة الملائكة و اولوا العلم في قوله عز و جل شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكة و اولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم فافهم السر الحق و الكبريت الاحمر فان فهمته فانت اعز من الكبريت الاحمر و الحمد لله رب العالمين .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - قول جنابكم ان الله تعالي خلق بفعله و فعله حادث ما معني الحادث هل المراد بالحدوث انه تعالي كان و لم‌يكن فعله فيلزم التعطيل و ان كان المراد به ان بقاء الفعل به تعالي [ص 18] كحركة اليد و المفتاح فيلزم الاضطرار في خلق فعله تعالي عن ذلك علوا كبيرا .

اقول هذه المسئلة بعينها قد كتبتها في كتابي اللوامع الحسينية عليه السلم و بينت جميع شقوقها الا اني اشير في هذا المقام اشارة لما في قلبي من الاغتشاش بدواعي الاعراض و الامراض ، اعلم انهم قالوا ان الحدوث هو الوجود بعد العدم و الحادث هو المسبوق بالعدم و نحن نقول هذا العدم الذي قد سبق الوجود اي شيء هل هو شيء او ليس بشيء فان كان الثاني فلايوصف بالسبق لانه امر وجودي لايعرض العدم الصرف فعلي مقتضي هذا يجب عليهم ان يقولوا ان الحادث ليس مسبوقا بشيء لا انه مسبوقا ( مسبوق خ‌ل ) بالعدم و هذا القول كفر صحيح الا ان يراد به السبق الاضافي و ان كان الاول فهل هو حادث او قديم فان كان الاول فما معناه فان عدتم عدنا و ان كان الثاني يلزم تعدد القدماء و قولهم في الحدوث الزماني انه يجب ان يكون زمان لايكون فيه خلق ليكون زمان فاصل بين الله و بين خلقه ليكون الله و لايكون شيء ثم يخلق الاشياء نظرا بظاهر الحديث كان الله و لم‌يكن معه شيء باطل لان الزمان الفاصل ان كان هو الله فما كان زمانا فمانفعهم اثبات هذا الزمان بشيء فعاد المحذور المتوهم عندهم و ان كان غيره تعالي فان كان قديما يتعدد القدماء و يقترن بالله و الاقتران كما قلنا سابقا علامة الحدوث فان كان حادثا فهل حدوثه بزمان فاصل ام لا فان كان الاول فهو حادث ام لا و هلم جرا الي ما لا نهاية له و ان كان الثاني فتحقق [ص 19] حادث لا في زمان مع ما يلزم من القول بفصل الزمان من التحديد و التكييف المستلزمين ( المستلزمان خ‌ل ) للتركيب المستلزم للحدوث و تعود الشبهة التي اوردها رئيس المشككين من ان الفاصلة لاتخلو اما ان تكون متناهية او غير متناهية فان كان الاول يلزم التحديد و التعيين و التمييز و ان كان الثاني يلزم ان لايوجد العالم المخلوق بعد و الا لكانت الفاصلة متناهية و كل هذه خرافات نشأت من القول بالفصل الزماني و لم‌يدروا ان الفاصلة متناهية كانت ام غيرها تستلزم التحديد و الا لم‌تكن فاصلا و يلزم ان لايكون حادثا و الا لا حاجة الي الفاصلة الاخري فيتم و لايكون قديما و الا لتعدد القدماء و لايكون شيئا و الا لكان حادثا او قديما و لا لاشيئا و الا لم‌تكن فاصلة و الذي قال بالزمان الموهوم فان اراد بالذي له اثر في الخارج فيجري الكلام فيه كما ذكرنا حرفا بحرف و ان اراد محض توهم النفس و تصورها من غير ان يكون له اثر في الخارج فليس الكلام فيه اذ الكلام في الامر علي حسب الواقع لا علي المفاهيم الاعتبارية الكاذبة المزخرفة و الحق الحقيق بالتصديق هو ان الحادث علي اقسام حادث زماني و حادث دهري و حادث ذاتي و هو ينقسم الي قسمين حقي و حقيقي فالحادث الزماني هو ما حدث في الزمان من الاجسام و يعرف ذلك بطول بقاء القديم بالنسبة الي الحادث كالاب بالنسبة الي الابن و الحادث الدهري هو ما حدث في الدهر و هو مجموع العالم الجسماني من حيث المجموع فان اجزائه حادث في الزمان و اما المجموع فلا لان الزمان علي الظاهر المعروف عندهم هو الحركة الفلكية و في الحقيقة هو [ص 20] المدد الجسمية الحسية و بالحركة تظهر و لا شك ان تلك المدد جزء مساوق للجسم فلايتقدم عليه حتي يفرض فيه التقدم المعروف عندهم و كذا الارواح و المجردات من العقول و الاظلة و الاشباح كل ذلك حادث دهري لعدم تطرق الزمان الجسمي الذي هو من نوع الحركة الفلكية مع ان كل الزمان و الزمانيات نقطة واحدة في الدهر و الحادث الذاتي فالحقي هو صفة الحق و ظهوره و دليله و آيته و وجهه و الحادث الحقيقي هو فعله و مشيته و ابداعه و اختراعه الي المفعول المطلق الذي هو المصدر فالحادث الزماني يسبقه العدم الاضافي الذي هو عين وجود قديمه و الا فالعدم الصرف لايعبر و لايشار اليه و لايصف و لايوصف و لايوصف به و هذا الوجود لما كان ماديا ينتظر في تحققه و كونه و وجوده الي ( الي اجتماع خ‌ل ) الاسباب و المعدات و المتممات المكملة او المتممة المادية فيوجد عند تمامها و يعدم عند عدمها او اختلال احد اجزاء قابلياته او شرايطها او لوازمها في الحسية فقبل الاجتماع معدوم في الجسم و بعد ( عند خ‌ل ) الاجتماع يتحقق و يوجد و هذا هو السر في تجدد الاشياء و تغيرها و تبدلها و تقدمها و تأخرها و دليل سياليتها و اما الحادث الدهري فهو ايضا من جهة افتقاره الي الشرايط و الاسباب و ( و المتممات خ‌ل ) و المكملات النورية يتطرق فيه التقديم و التأخير و التوقف و التجديد و سبق العدم الاضافي الا ان ذلك ليس كالتقدم و التأخر الزماني المعروف بل علي نهج اعلي و طور اقوم و اشرف و اما الحادث الذاتي فلايتطرق فيه ما يتطرق في الاوليين ( الاولين خ‌ل ) لان ذلك في وجوده لاينتظر [ص 21] شرطا و سببا و لازما فلا فائدة اذن في تأخير ذلك مع ان الفياض علي الاطلاق دائم الفيضان لاينقطع جوده و لايقطع كونه فليس في هذا الحادث تقدم و لا تأخر و ليس بين هذا الحادث و محدثه فصل لما ذكرنا و لا وصل لانه يستلزم المقارنة و المجانسة في الملتقي و يلزم من ذلك ان يكون المؤثر من حيث هو اثر و بالعكس او يتخلل بينهما برزخ ليس باثر و لا بمؤثر فاذا توسط بين الاثر و المؤثر شيء غيرهما لم‌يكن المؤثر تاما في التأثير و الا لماافتقر الي غيره عند ايجاد اثره او لايمكن ان يصدر من الشيء ما هو من سنخه و اثره لان الصادر لايكون من جزء ذات المصدر بالضرورة فليس بينهما اتصال و لا انفصال و لا تباين لان البينونة جهة الفرقة و العزلة و عدم الانتساب الا بالتباين اذ لايستدل باحد المتباينين علي الآخر علي كمال التوصيف بخلاف الاثر لان الاثر ليس الا صفة المؤثر و دليله و آيته اذا عرفتها عرفت الموصوف كالصورة في المرآة و كالشعاع للسراج و مباين الشيء لايكون صفة له و لا تقارن و لا ارتباط لان المقارنة تستلزم الاتصال و الانفصال كليهما و قد مضي ما دل علي امتناعهما و لا تناسب لان النسبة برزخ بين المنتسبين فكل منهما له حالتان حالة ذاتية و حالة ارتباطية الي الآخر و لو كانت الحالة الذاتية عين الحالة الارتباطية فهل الآخر عين الاول ام لا فان كان عين الاول فارتفعت النسبة لكونها بين امرين فان كان غير الآخر هل له ارتباط و انتساب اليه ام محض التخالف فان كان ارتباط فجهة المرابطة لا شك انها غير جهة المغايرة فجاء الاختلاف و [ص 22] لو كان جهة المخالفة عين جهة المرابطة و المناسبة للزم ان ينسب ( ينتسب خ‌ل ) كل شيء بكل شيء و البديهة و الضرورة تقتضي بخلافه فمختلف الحالة ليس بقديم فلاتخالف و لاتوافق و لاتضاد و لاتوالف و لايتصور ( لاتتصور خ‌ل ) له اولية الا نفس مبدئه فيما لايتناهي لا لتناهيه الي مبدئه و الا لكانت اوليته نفسه او غيره و الثاني باطل بالضرورة و الاول هل اوليته بسبق شيء غير ( سوا خ‌ل ) مبدئه عليه ام لا و الثاني يثبت ما قلنا و الاول هل ذلك الشيء السابق وجود او عدم قديم او حادث عين مبدئه او غيره كما بينا فلانعيد فاذا كانت اوليته هي عين مبدئه و انتسابه اليه فان كان مبدئه لا نهاية له في بدئه و لا غاية فيكون هذا الحادث ايضا لا نهاية له في تكونه و وجوده في بدئه و عوده و ليست نهايته بدوا و عودا الا انقطاع وجوده و كونه و عينه و كل احواله عند مبدئه و الا لكان فصلا و قد ظهر لك بطلانه بالبرهان العقلي مضافا الي قول اميرالمؤمنين عليه السلم علي ما في نهج‌البلاغة ليس بينها و بينه فصل و لا له عليها فضل فيستوي الصانع و المصنوع انتهي ، و هو كلام عقلي نقلي لمن فهم و تدبر و هذا معني قولنا ان الفعل حادث وفقك الله لمعرفته و ايدك لحفظه و اما قولكم هل المراد بالحدوث انه تعالي كان و لم‌يكن فعله فيلزم التعطيل فجوابه انا اذا قلنا كان الله و لم‌يكن معه شيء و اكتفينا بذلك و قلنا في الحديث ما فهم بعض الضعفاء من المتكلمين يلزم التعطيل و القبايح المتقدمة و ان قلنا كان الله و لم‌يكن معه شيء و هو الآن علي ما عليه كان كما دلت عليه النصوص من اهل الخصوص عليهم السلم فلايرد [ص 23] ما اوردتم لان المخلوق المصنوع عدم بحت و لا شيء محض في رتبة الوجوب و الازل نسبتهم هناك نسبة الشريك و الخلق انما خلقهم و جعلهم في مراتبهم من الامكان و الاكوان و الاعيان فلايلحقون رتبته و لايلزم من ذلك التعطيل و انقطاع الفيض لان فيضه في امكانه و خلقه بحر و تجري منه الخلجان و منها الانهار و منها المشارع و منها الجداول لا نهاية لهذا الجريان و لا غاية لهذا السريان اشار الي هذا المعني في الحديث القدسي لمن يفهم و يعقل كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و في الدعاء اللهم اني اسألك بملكك القديم و سلطانك العظيم و قال مولينا علي بن الحسين عليهما السلم في دعاء الصحيفة اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود و السلطان ثم فسر هذا السلطان بقوله عز سلطانك عزا لا حد له باولية و لا منتهي له بآخرية و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده هل يريد بالسلطان ذات الله سبحانه بعد مقارنته بالملك و هل يريد بالملك كل الخلق بعد قوله سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لم‌يبلغ ادني ما استأثرت من ذلك اقصي نعت الناعتين فتمحض ان المراد بالملك و السلطان مرتبة الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر فلا تعطيل للفيض ( في الفيض خ‌ل ) و مع ذلك كان الله و لم‌يكن معه شيء و لو لم‌نفسر الحديث بهذا المعني يلزم منه التغير لان كونه قبل الخلق و كونه بعد الخلق متغايران للاضافة فيلحقه ما لم‌يكن في ذاته سبحانه و تعالي عما يشركون ان قلت ان كان فعل الماضي يدل علي الزمان اما المتوهم او [ص 24] الموجود قبل الخلق قلت انهم سلام الله عليهم فسروا الماضي اذا استعمل في الازل سيما لفظ كان و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم ان قيل كان فعلي ازلية الوجود و ان قيل موجود فعلي تأويل نفي العدم انتهي ، فاين الزمان و الازل و لو جعل الازل شيئا غير الذات يلزم ان يحيط به سبحانه ففي حال قدمه مع ذلك يتعدد القدماء و يلزم التركيب و في حال حدوثه يلزم ان لايكون الله سبحانه في ذاته ازليا و كل ذلك ممتنع فبطلت هذه الفاصلة المتوهمة من المتوهمة و الموجودة و قال عليه السلم و لا كان خلوا من الملك قبل انشائه و لايكون منه خلوا بعد ذهابه و لاتتوهم من كلامي اني اقول بقدم العالم او بقدم المشية و الامكان بل اقول بحدوث كل ذلك لكن ليس حدوث العالم او الفعل و المشية من الله سبحانه كاللوازم الذاتية لملزوماتها و لا كالاشراقات الشمسية و السراجية و لا كالتوليدات الاستجنانية و لا كالاظلال و الاشباح المرآتية و لا كالامواج البحرية و لا كما يقوله ذوق المتألهين و لا كالصوفية الملحدين المتعسفين بل علي جهة الاختراع و الابتداع من غير نسبة و ارتباط و توافق و تخالف و تناسب و توالف و انما احدث المشية بنفسها و اقامها في ظلها فهي فاعلية نفسها بالله سبحانه و هي كالكاف المستديرة علي نفسها تنتهي الي نفسها قائمة بالله قيام صدور كالكلام بالمتكلم و ليس كحركة اليد و المفتاح علي ما يعرفون و لا علي الحقيقة لان بينهما اقتران و اتصال و لا كيف لذلك كما قال مولينا الرضا عليه السلم و انما ارادته احداثه لا غير لانه لايروّي و لايهم و لايفكر و انما يقول للشيء كن [ص 25] فيكون من غير لفظ و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له و انما قولكم يلزم الاضطرار فلايلزم ذلك لان الاختيار و المختار ليس شرط فعله ان يكون مسبوقا بالعدم او بوقت لم‌يفعل فيه بل المختار هو المتسلط الذي لا مانع له ان شاء فعل و ان شاء ترك و ان شاء محي ما فعل و غيره الي ما احب بخلاف المضطر الذي لايقدر علي شيء من ذلك و الله سبحانه لايتناهي كونه و لايحد و لا مانع له في ايجاد ما احب فاجري الفيض فيما لا نهاية له و بسط بساط الجود و الكرم فيما لا غاية له و هو مع ذلك فوق ما لايتناهي بما لايتناهي فافهم .