قال سلمه الله تعالي : مسئلة - قد دلت الاخبار علي ان الذي يريد الانتباه في الليل يقرء الآية التي في آخر الكهف اذا اوي الي فراشه لم صارت هذه الآية الشريفة مخصوصة بهذا الامر دون غيرها و لم يتخلف في بعض الاوقات و يوافق في اخري .

اقول اعلم ان القرآن وجه من وجه الله سبحانه و مظهر من مظاهر فعله كما قال مولينا الصادق عليه السلم ما معناه ان الله تجلي لخلقه بكلامه و هذا المظهر الكلي و الوجه الاقدس الالهي قد تعين باعتبار المتعلق فتحققت الوجوه و الرءوس فكل وجه باب و رابطة بين المحتاج الواقف بذلك الباب اللائذ بذلك الجناب و بين الغني المفيض المبدء فيفيض من بحر الجود و الغني علي ارض الفقر و الاستحقاق بقدر مقابلته لذلك الجناب و وقوعه للباب علي مقتضي ذلك الحجاب فان كان وقوفه علي الحجاب الابيض يفاض عليه من النور الابيض و ان ( فان خ‌ل ) كان علي [ص 26] الحجاب الاصفر يفاض عليه من النور الاصفر و ان كان علي الحجاب الزمرد يفاض عليه من النور الاخضر و ان كان علي الحجاب الياقوت يفاض عليه من النور الاحمر و هكذا فاذا عرفت هذا فاعلم ان القرآن هو ظهور فعل الله سبحانه المتعلق ( المتعين خ‌ل ) بالتعلق الخاص فكل آية وجه من ذلك الكلي و رأس منه يخص بشيء حسب تعينه بذلك المتعلق و هو قوله عز و جل لاتسئلوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم و ان تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم لانه يتعين بذلك المتعلق فيظهر مشروحا مبينا و مفصلا هذا هو الحكم الكلي في كل الآيات القرآنية و اما هذه الآية الشريفة و هي قوله عز و جل قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا فهنا ( فهناك خ‌ل ) وجوه كثيرة لخصوصية انتباه النائم حسب مذاقات العارفين و الوجه الظاهر منه لاهل المجادلة بالتي هي احسن هو ان هذه الآية الشريفة مشتملة علي توحيد العبادة لقوله و لايشرك بعبادة ربه احدا و علي الغاية المتفرعة علي هذا التوحيد الذي هو لقاء الله سبحانه الذي هو غاية الغايات و نهاية الطلبات و هو لقائه بوجه ظهوره له به و علي شرح هذا التوحيد و بيان كيفيته و هو العمل الصالح و هو الخالص عن الشوايب الغيرية و هذا الخلوص لايحصل الا عند الاعتزال عن الخلق و هو و ان كان امرا قلبيا لكنه اذا طابق القلب الظاهر و اللب وافق القشر لا شك انه احسن و اولي و ادخل في الخلوص و الاعتزال الحاصل الظاهري يحصل بالليل الذي هو اللباس يغشي ابصار الخلايق و [ص 27] يشتغل الناس بانفسهم عن غيرهم و يسكنون و الي اوكارهم يأوون و الي منازلهم و قطع ارتباطاتهم يسارعون و الاعتزال الآخر الظاهري بالنسبة الي نفسه و قواه و مداركه و مشاعره و احواله و اطواره و اوطاره و شئوناته و روابطه المانعة عن ملاحظة الوحدة في العبادة و ذلك الاعتزال الظاهري انما يحصل بالنوم الظاهر الذي يسكن معه كل القوي و الآلات و الحركات و موانع الاصابة و لذا شرع الشارع عليه السلم عن الله عز و جل صلوة الليل في السحر لان ذلك وقت برد الهواء و سكون كل الحركات الخارجية ( الخارجة خ‌ل ) و الحرارات اليومية الباقية في اوايل الليل و عند السحر تسكن كل الكثرات و تبطل كل الاضافات و بالمنام ايضا سكن الحواس و بطل الاضافات الزائدة فان لم‌يكن الشخص منغمسا في بحر الشهوات و غريقا في لجة الكثرات فالمنام يمنع الاختلالات العرضية و الاختلافات البدنية الظاهرية فاذا قعد عن نومه فهو بارد الفؤاد حار الاستعداد ساكن خالص عن شوب الكثرات و القرانات الخارجية و الداخلية فهناك يصح توجهه الي خالق السموات و بارئ المسموكات و يناجيه بسر الدعوات فيلبيه سامع الاصوات و ربما يسمع نداء الحق له بلسانه في الخلوات في تلك الساعات فيصل اليه اللقاء و يذهب عنه الشقاء فتهيج ريح المحبة فيستأنس في ظلال المحبوب فيؤثر محبوبه علي من سواه قال الله سبحانه تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا و مما رزقناهم ينفقون و هذا هو مفاد الآية الشريفة في ظاهرها فاذا نام الرجل ليقوم لطاعة الله سبحانه و هو يخاف الغفلة فيتوضأ عند [ص 28] المنام وضوء سابغا مع الادعية مع التوجه متفكرا في نفسه و حلول رمسه و اصداره عن ربه و مستعينا عنه لطاعته و قارعا بابه بدعائه و متوجها اليه بكلامه الذي هو تجليه له به و قاصدا وجه مطلوبه الذي هو مفاد هذه الآية الشريفة فيقرئها بكمال الاقبال في لفظه و معناه و يتحرز عن الغلط و اللحن فيخلق الله سبحانه بنور التفاته و توجهه الي الله سبحانه ملكا فيوقظه الوقت الذي اراد ليقوم بامر الله و اذنه و من فعل الذي ذكرنا فهو لا بد ان ينتبه في تلك الساعة التي اراد الا ان يشاء الله الا ان العاملين مختلفون حسب صفائهم و كدورتهم فمنهم من ينتبه من غير سماع و لا رؤية و منهم من ينتبه و يحس صوت الملك الذي يوقظه و منهم من يشاهده و تختلف هنا الاحوال و الاوضاع ،

و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول

فان لم‌يأت بما ذكرنا و لم‌يعمل الذي سطرنا و هذا قد ينتبه اذا صادف قرائته فتح باب السماء للافاضة الي اهل الدعاء فيصحبه به اذا لم‌يكن مانع اقوي و الا فلا سيما اذا كان بطنه مملوا من الطعام و الشراب فتصاعد ( لتتصاعد خ‌ل ) الابخرة الي الدماغ و تحيط بكل البدن فتكثر الرطوبة و تتراكم فتمنع الحرارة الغريزية التي هي حاملة للروح النفوذ الي كل الجهات ليستيقظ كالغيم المانع للشمس ان تظهر بنورها في اقطار الارض و الملك الموكل بالايقاظ محله الحرارة الغريزية و متعلق بها فافهم و من موانع الانتباه اختلال الحواس و اغتشاش القلب و تعلقه بالامور الكثيرة الشهوانية الجسدانية فتبقي النفس تشتغل بتلك الصور و تلتهي بتلك المثل فلايلتفت [ص 29] الي الجسد الا اذا كانت اهوالا منكرة فتستيقظ و هذه و امثالها هي السر للتخلف و حاشاه عن التخلف الا ان القاري حين القرائة لم‌يقابل فوارة النور الا انه تلفظ لفظا من غير قصد الي معناه و ان قصد مع اضطراب عظيم في القلب من دواعي الهوية ( الهوي خ‌ل ) فان الدواعي آية الشيطان و القرآن آية الرحمن فلايؤثر اذا مزج بسور الشيطان الم‌تر ان التربة الحسينية علي مشرفها آلاف الثناء و التحية اذا مسها الشيطان و الجان ( الجان و الشيطان خ‌ل ) فلايؤثر في شفاء المريض العليل و اطفاء نايرة الغليل فاذا ختمتها في الحضرة المطهرة هناك ليس للشيطان اليه سبيل يشفي العليل و يبرد الغليل باذن الله الملك الجليل و انت ايضا اختم قلبك في تلك الحضرة المطهرة لان قلبك من تلك التربة فهناك تأمن عن مس الشيطان فينكت في قلبك الرحمن و الله المستعان .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - اذا نام الرجل اين يذهب روحه و اي شيء سبب النوم .

اقول اعلم ان الروح قد اتت من مكان عال و فضاء وسيع فسيح الي هذا البدن المحبس الضيق الكدر المشوب بانواع البلايا و المحن و الكثافات كما قال الشاعر :

هبطت اليك من المحل الارفع ورقاء ذات تعزز و تمنع

محجوبة عن كل مقلة عارف و هي التي سفرت و لم‌تتبرقع

الي ان قال :

حتي اذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الاجرع [ص 30] 

علقت بها ثاء الثقيل فاصبحت بين المعالم و الطلول الخضع

تبكي اذا ذكرت عهودا بالحمي بمدامع تهوي و لم‌تتقطع

الابيات ، و هي في هذا البدن مشغولة بتدبيره و تصرفه بانحاء المعالجات من نضج الاغذية و طبخها و اخذ صافيها و دفع كثيفها و جريانها في العروق و غير ذلك من العلايق و العوايق البدنية و قد يلحقها ملال و انضجار عن ذلك فتلتفت و تتوجه الي عالم المثل الشبحية و الصور المقدارية عالم هورقليا و جابرسا و جابلقا و تنظر الي احوال ذلك العالم و يبقي وجهه الذي هي الحرارة الغريزية مجتمعا في القلب ساريا في اقطار البدن في الباطن و ماتري الروح عند التفاتها الي عالمها من الاشباح حسب ( حيث خ‌ل ) ما هي عليه من الصفات المكتسبة عند عروض التعلقات البدنية من الاحوال السعيدة و الردية هي الرؤيا و قد اجاب مولينا الحسن بن علي بن ابيطالب عليهما السلم عن هذه المسئلة بعينها لما سئله الخضر عليه السلم اين تذهب الروح قال عليه السلم و اما ما سألت من امر الانسان اذا نام اين تذهب روحه فان روحه متعلقة بالريح و الريح متعلقة بالهواء الي وقت ما يتحرك صاحبها لتيقظه فان اذن الله سبحانه برد تلك الروح علي صاحبها جذبت تلك الروح الريح و جذبت تلك الريح الهواء فرجعت و سكنت في بدن صاحبها و ان لم‌يأذن الله عز و جل برد تلك الروح علي صاحبها جذب الهواء الريح فجذبت الريح الروح فلم‌ترد علي صاحبها الي وقت ما يبعث الحديث ، و هذا الحديث الشريف يشير الي ما قلنا فان المراد [ص 31] بالروح هنا هي الروح المعروف عند عرف الاطباء و هو البخار الذي في تجاويف القلب اللحم الصنوبري الا ان الامام عليه السلم اطلق الروح علي الدم الاصفر الذي يتعلق به القلب و يتقوم به و هذا الاطلاق كثير في عرف الاطباء ايضا و المراد بالريح هو البخار اللطيف الكاين في القلب الذي يتقوم به ذلك الدم المتقوم به القلب و انما اطلق عليه الريح للمناسبة الظاهرية و الطبيعية فان الروح هو مزاج الهواء و لونه اصفر و لما كان ذلك الدم كثافة ذلك البخار ظهر اللون فيه دون البخار لكمال اللطافة و الا فهما في اللون واحد و كذلك في الطبيعة و المزاج فان طبيعة الروح من حيث هي حار رطب لكونها الرابطة بين الاجساد الكدرة و الانوار اللطيفة و بابا للافاضة و الاستفاضة فمن جهة الربط اقتضت الرطوبة و من جهة الوجه اقتضت الحرارة و ان كانت حاملة للحرارة و اليبوسة اللتان هما طبيعة الفاعل الظاهر بالتدبير للبدن ( بتدبير البدن خ‌ل ) في هذه الروح فهي حينئذ كالحديدة المحماة و انما اطلق علي ذلك البخار الريح لان الريح هو الهواء المتحرك فهي ظهور للهواء و تعين له و كذلك هذا البخار بالنسبة الي الروح الحيوانية الحسية الفلكية التي هي عبارة عن الهواء الذي هو الغيب و هو الروح القديمة التي في كلام مولينا علي بن الحسين عليهما السلم في قوله تعالي ثم انشأناه خلقا آخر فالروح الحيوانية الحسية الغيبية متعلقة بالبخار المنبث في القلب و ذلك البخار متعلق بالدم الاصفر الذي في تجاويف القلب و هو الروح في عرف الاطباء كما سبق فاذا التفتت الروح الي عالمها بعد ان يحصل [ص 32] لها ملال و انضجار عن هذا البدن و عن تدبير الاغذية و تصفيتها و تنقيتها و وزنها و نضجها و طبخها و تقديرها و دفع الفضلات الزايدة سيما اذا عرضت الغرايب في البدن كالرطوبات الكثيرة التي بالحرارة تتصاعد بخارا و تتراكم و تغلظ بالقوة السوداوية التي هي متخالفة ( مخالفة خ‌ل ) لطبيعة الروح فاذا لحقتها الغرايب تزيد في الملال و الضجر و تلتفت ( فتلتفت خ‌ل ) الي عالمها و تبقي تستريح مجتمعة في القلب و تقطع نظرها عن كل اقطار البدن و يبقي وجهها و شعاعها و هو الحرارة الغريزية و هي رابطة الحيوة فتظلم اقطار البدن و تبرد و تزيل و تسكن عن الحركة و الادراك الي ان تقل الموانع بتخفيف الرطوبات او بالتحريك لتلتفت الروح فان قدر الله علي الشخص الموت بتخلل الآلات الجسمانية و فسادها فتنجذب الروح الي عالمها و البخار ينجذب اليها بلطايفها و صافيها و كذا العلقة التي هي الدم و هي الحرارة الغريزية فيحصل البرد الكلي و الظلمة الحقيقية و لذا اذا مات الانسان لم‌يبق لذلك البخار الذي في القلب اثر و ان لم‌يقدر له الموت فعند التحريك تجذب الدم الاصفر البخار بصافي الامداد الذي يأتيه من صحة الآلات و العضلات و كذا البخار يجذب الروح القديمة كالدهن الذي يجذب الدخان المكلس و هو يجذب النار فيبقي السراج و ان تم الدهن و لم‌يبق داع و سايل و مقتض جذبت النار البخار الدخان و جذب الدخان تلك الاجزاء الدهنية القريبة للدخانية بتكليس النار فينطفئ السراج فالبدن كالدهن و الفتيلة في مثال السراج و الروح اي الدم الاصفر و الحرارة الغريزية بمنزلة تلك الاجزاء القريبة الاستحالة [ص 33] من الدخانية و هي التي تنش نشيشا و الريح اي البخار بمنزلة الدخان و الهواء اي الروح المدبرة المجردة بمنزلة النار فتدبر هذا المثال تجد الامر واضحا ظاهرا ان شاء الله تعالي فالموت هو الوفاة الكبري و هي الرجوع الاصلي للروح و اعراضها عن هذا البدن بذاتها و نظرها و وجهها و النوم هو الوفاة الصغري و هي الرجوع الالتفاتي لها و اعراضها بنظرها و ابقاء وجهها و تعطيل الآلات و العضلات و القوي و الحركات النفسانية و الجسدانية و هو قوله عز و جل الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت و يرسل الاخري الي اجل مسمي و علي ما بينا تظهر لك حقيقة النوم و علته و سببه و وجه كونه حدثا مستقلا و التفصيل يؤدي الي التطويل و عالم الروح الذي تذهب اليه حال النوم و بعد الموت هو عالم المثال و مقام هورقليا اما في سماء ذلك العالم لتشرق عليها الانوار الالهية المتنزلة الي الاشباح النورية و المثل الحقيقية في غيب السماء الثانية و تقابلها ( فتقابلها خ‌ل ) في غيب هذه الارض علي ما هي عليه من الصفاء و الكدورة و شدة الصفاء و ضعفه و كذا الكدورة او في ارض ذلك العالم لتتصاعد اليها الابخرة المتصاعدة من شجر الزقوم متمثلة بصور الشبهات و الاوهام الباطلة و الخيالات فتنطبع في مرآتها علي حسب ما هي عليه حال انتكاسها الي اسفل السافلين و هو معني ما ورد ما معناه ان النائم كلما يراه في السماء فهو حق و كلما يراه في الارض فهو باطل او لضعف بصرها و قلة نضجها و عدم حركتها تبقي في القلب من غير نظر الي السماء او الي [ص 34] الارض و هي كالتي لاتري شيئا في منامه في بعض الاحوال و ليست كلية فافهم فهمك الله .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما السر في ان بعض الناس ذكي المعي و بعضهم بليد نهاية البلادة و بعض آخر متوسط هل يقدر البليد ان يحصل الذكاوة ام لا .

اقول اعلم ان الله سبحانه لما خلق الانسان من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب اقتضت الحكمة ان يجعل بين النطفتين تربة لتتم خلقة الولد بمتممات وجوده و الزكاوة و البلادة انما تنشأ من تكثير تلك التربة و تقليلها و الاشارة الي بيان هذه التربة هي ان نطفة الرجل حارة يابسة و نطفة المرأة باردة رطبة لكون الثانية طبع القبول كما ان الاولي طبع الفعل و الوجود فهما متضادان لايجتمعان و لما كان الله سبحانه اجري عادته ان يجري الاشياء علي نهج الاسباب و الاقتضاءات جعل لربط النطفتين و لحصول المزاج بينهما تربة من الارض التي يدفن فيها الولد اجابة و اغاثة للارض حيث استغاثت و انت و اشتكت الي الله سبحانه يوم الذي يقبض الملك التراب منها ليجعله بين النطفتين فاوحي الله سبحانه و تعالي اليها ان قري و اسكني فاني اجعلك مدفنا للولد لتعود تربتك اليك و هذه التربة في المزاج باردة يابسة فبالبرودة توافق نطفة المرأة و باليبوسة توافق نطفة الرجل فيصح المزج بينهما لاتمام النضج و هو القاضي الذي يشير اليهما بالتراضي و انما جعلت الواسطة التراب و لم‌يجعل الهواء لعدم الانعقاد لغلبة الرطوبة من الهواء و من الماء و ان [ص 35] كان الهواء ايضا يصلح للتوسط بل هو الواسطة بين الماء و النار فان المطلوب من العقد الثاني هو اليبوسة لكمال الانعقاد و الامتياز فلو زيد الهواء لغلبت الرطوبة و بطل التماسك و اما التراب فمن جهة يبوسته يؤلف ثم ان كانت التربة اقل من نصف نطفة الرجل تورث البلادة لقوة الرطوبة و غلبة مادة البلغم فكلما تزداد التربة يزداد الذهن و الفهم و الصفا الي ان تبلغ مقدار نطفة الرجل فهناك كمال مرتبة الزكاوة و الفهم و الكياسة و هو المرة السوداء الصافية علي ما قال الرضا عليه السلم ان الله ما بعث نبيا الا و هو صاحب المرة السوداء الصافية لانها طبع فلك زحل الذي هو فلك العقل و المعرفة و اليقين و البصيرة فاذا زاد عن ذلك خرج عن حد الاعتدال فتجمد القريحة و تبطل الفطنة و الكياسة هذا هو السر في زكاوة بعض الناس و بلادة الآخرين و الحالة المتوسطة و اما وجه الاختصاص فكما ذكرنا سابقا في وجه اختصاص بعض الناس بالمرة الصفراء و بعضهم بالسوداء فراجع تفهم ان شاء الله تعالي و اما قولكم هل يقدر البليد اه فجوابه انه قد يحصل بعض الامور و المعالجات و الاحوال و الاوضاع و الاعمال يزكي الذهن و يصفي الفهم و يبلغ البليد درجة الفطن الذكي و اسرع الامور في هذا الشأن تزكية النفس عن الرذايل و تحليتها بالفضايل و اخلاص العمل لله و الاعراض عما سوي الله و التفكر في خلق الله ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لآيات للموقنين الذين يذكرون الله قياما و قعودا و علي جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [ص 36] و قد كتبنا الاشارة الي الامور التي يزيد في العقل و الفهم ( الفهم و العقل خ‌ل ) و يزكي الذهن في تفسيرنا علي آية الكرسي فان فيه اشارة الي نوع جميع شقوق المسئلة و الآن ليس لي توجه شرح ذلك جعلنا الله و اياكم من المطمئنين الفائزين الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون .

قال سلمه الله تعالي : هل الشيطان اللعين من الجن او من الملئكة و ما يفهم من كلمات مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم في نهج البلاغة انه من الملائكة و ما يفهم من القرآن انه من الجن كيف الجمع و التوجيه بينوا و اخرجوا عبدكم من ظلمة الجهالة الي نور العلم ان الله لايضيع اجركم .

اقول نقل صاحب مجمع البحرين عن ابن‌عباس و قتادة و ابن‌جرير و الزجاج و ابن‌الانباري ان ابليس كان من الملئكة من طائفة يقال لهم الجن و كان اسمه بالعبرانية عزازيل بزائين معجمتين بينهما الف فلما عصي الله لعنه و جعله شيطانا مريدا و بالعربية الحرث و كان رئيس ملئكة سماء الدنيا و سلطانها و سلطان الارض و كان من اشد الملائكة اجتهادا و كان يوسوس ما بين السماء و الارض فيري بذلك لنفسه شرفا عظيما فذلك الذي دعاه الي الكبر فعصي و كفر فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا اقول الظاهر ان هؤلاء في قولهم هذا نظروا الي ظاهر الاستثناء في الكلام المجيد و الاخبار و ان الاصل في الاستثناء الاتصال و حملوا قوله تعالي فسجدوا الا ابليس كان من الجن علي ان الجن كانت طائفة من الملئكة كما قال الله سبحانه و جعلوا بينه و بين الجنة نسبا و لقد علمت الجنة انهم [ص 37] لمحضرون الآية ، فان الكفار قالوا ان الملئكة بنات الله و ما احد ادعي في حق الجن ذلك فصح ان الجن يطلق علي الملئكة فيجوز ان يكون المراد من قوله كان من الجن هذا المعني و يكون تلك الطائفة مخصوصين بهذا الاسم لئلاتتناقض الآيات هذا اقصي ما يقال لهم لكن لايخفي علي من له ادني معرفة ان الكفار الذين قالوا ان الملئكة بنات الله ماخصصوا طائفة دون اخري و فريقا دون آخرين و عمموا ( بل عمموا خ‌ل ) الحكم فاذن بطل القول بان الجن طائفة من الملئكة فاذا كان كذلك فاتجه الاستدلال علي كون ابليس من الجن بقوله عز و جل كان من الجن ففسق عن امر ربه فجعل كونه من الجن علة لفسقه و بيان ان الملائكة معصومون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و المعروف من مذهب اهل البيت عليهم السلم و طريقتهم ان ابليس ماكان من الملائكة و انما كان من الجن من كفارهم و متمرديهم و هو اعلي مظاهر الجهل الكلي و انما تشبه بالملئكة من حيث الصورة لا من حيث السيرة و كان يعبد الله سبحانه و تعالي في نهاية ( كمال خ‌ل ) الخضوع و الخشوع و الاستكانة الصورية المجتثة حتي ظنت الملئكة انه منهم و يجري عليه احكامهم و كانوا يعظمونه و يبجلونه فاذا اراد ( فاراد خ‌ل ) الله سبحانه ان يظهر خبث باطنه و يعرف قبح سريرته فامر الملئكة الذين هو كان يحسب من جملتهم بل ربما يزعمون انه خيرهم بالعمل و الله سبحانه عالم بالسراير و ما اراد بذلك الا استنطاق مستجنات ضميره ليميز الخبيث من الطيب لان ولادة آدم اول مقام التمييز الذي هو التقطير من الحل الاول و الاخذ في العقد الثاني و الحل الثاني فتمرد عن [ص 38] امر الله و باء بغضب من الله فعلي هذا يصح ان تجعل الاستثناء متصلا لحكم الصورة و الظاهر و علي معتقد الملئكة انه منهم بالصفة اذ من تشبه بقوم فهو منهم و لك ان تجعله ايضا منقطعا و ان كان علي خلاف الاصل لكن لما دل الدليل القاطع فالمصير اليه اولي و اما كلام سيدنا و مولينا ( مولينا و سيدنا خ‌ل ) اميرالمؤمنين عليه السلم في نهج‌البلاغة ثم اختبر الملئكة المقربين ليميز المتواضعين عن المستكبرين فقال سبحانه و هو عالم بمضمرات القلوب و محجوبات الغيوب اني خالق الي ان قال عليه السلم فسجد الملئكة كلهم اجمعون الا ابليس اعترضته الحمية فافتخر علي آدم بخلقه و تعصب عليه لاصله فعدو الله امام المتعصبين الخطبة فهو لاينافي ما ذكرنا لان مولينا الصادق عليه السلم فسر هذا الاجمال و شرح كلام الله و قول جده المفضال عليهم سلم الله بالغدو و الآصال علي ما رواه علي بن ابرهيم باسناده عن جميل عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال سئل عما ندب الله الخلق اليه ادخل فيه الضلال قال نعم و الكافرون دخلوا فيه ان ( لان خ‌ل ) الله تبارك و تعالي امر الملئكة بالسجود لآدم فدخل في امره الملئكة و ابليس و ان ابليس كان من ( مع خ‌ل ) الملائكة في السماء يعبد الله و كانت الملئكة تظن انه منهم و لم‌يكن منهم فلما امر الله الملئكة بالسجود لآدم اخرج ما كان في قلب ابليس ( ابليس من الحسد خ‌ل ) فعلم الملئكة عند ذلك ان ابليس لم‌يكن منهم فقيل له كيف وقع الامر علي ابليس و انما امر الله الملئكة بالسجود لآدم فقال كان ابليس منهم بالولاء و لم‌يكن من جنس الملائكة و ذلك انّ اللّه خلق خلقا قَبْل آدم و كان ابلٖيس فيهم حاكما في [ص 39] الارض فعتوا و افسدوا و سفكوا الدّماۤء فبعث اللّه الملائكة فقتلوهم و اسروا ابلٖيس و رفعوه الي السّماۤء فكان مع الملائكة يعبد اللّه الي ان خلق اللّه تعالي آدم عليه السلم ه‍ ، فجاء هذا الحديث شرحا و بيانا لما تطلب و جمعاً بَيْن ما يتراءي من التناقض بين الاخبار و عدم المناسبة مع كلام اللّه و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم و صلي اللّه علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين .

و كتب مؤلفها و منشيها حامدا مصليا .