و ما الناس ( الخلق خ‌ل ) في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع

و لكن يذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماء و الامر واقع

ام لا فان كان الاول لم‌ينطبق مع قوله الثاني و كلما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و هو صريح في ان العبودية آية و دليل و مظهر و الحدود حجاب و مانع و مبعد فلايصح ان تكون جهة الحدود و انما هي جهة الذات و هي تلك الربوبية الظاهرة كالقائم في القيام و القاعد في القعود و كزيد في المرآة و الربوبية التي فيها ما فقد في العبودية هي الربوبية الاصلية التي نظرت اليها بمرآة ذاتك و هي مرآة ذاتك و هي مرئية في ذاتك الا انك حين نظرك هذا ذاهل عن ذاتك فافهم فقد كررت العبارة و رددتها لسهولة التفهيم فان خفي لك بعد هذا فاعلم انه لصعوبة المسلك و دقة المأخذ لا لقصور في فهمك ثم استشهد عليه السلم لقوله من ان حقايق الخلق امثال و آيات لمعرفة الله سبحانه لا ذات مستقلة بقوله تعالي تأكيدا للامر و توضيحا للحق فقال عليه السلم و روحي فداه قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكفي بربك انه علي كل شيء شهيد اي موجود [ص 33] في غيبتك و حضرتك و هذه الآيات هي تلك الربوبية التي جعلها الله في الآفاق في حقيقة العالم و في انفس الخلايق حتي يتبين للخلق انه الحق وحده و لا سواه و بها تظهر الآثار عن الخلق كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في شأن الملأ الاعلي فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و بذلك المثال حيي الخلق و صدر عنهم الفعل و لما كان المثال مثاله كان الفعل فعله و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم انا الآمل و المأمول فلنقبض العنان فللحيطان آذان و انما جمع الآيات لان تلك الصفة التي هي الربوبية آية توحيد الذات و آية توحيد الصفات و آية توحيد العبادة و آية توحيد الافعال و آية معاني الصفات كالبهاء و الجلال و الجمال و العظمة و القدرة و العلم و الرحمة و الكرم و الجود و العطاء و الكلمة و الاسم و السلطان و الفخر و الملك و المجد و الكبرياء و امثالها من معاني الصفات و قد اشير الي نوع بيانها في دعاء السحر من شهر رمضان المبارك اللهم اني اسألك من بهائك بابهاه و كل بهائك بهي الدعاء ، و مجموع هذه الخمسة هي كلمة التوحيد في عالم الفرق و التمييز ( التميز خ‌ل ) اذ كل كلمة لاتتم الا في اربع مراتب الاولي النقطة و هي آية توحيد الذات لان النقطة عارية عن جميع الاضافات و النسب و الكثرات لكونها لاتقبل القسمة بجهة من الجهات و حيثية من الحيثيات الثانية الالف و هي امتداد النقطة و ظهورها بشؤنها و اطوارها و هي آية توحيد الصفات لان الصفة كما قدمنا ظهور الذات المنبئ عنها قال اميرالمؤمنين عليه السلم الاسم ما انبأ عن المسمي الثالثة الحروف [ص 34] المقطعة من الالف لغاية التأليف في الكلمة و هي آية توحيد الافعال لان تعدد الظهور الاسمي و انما هو بالاثر و مبدءها الافعال و مبدء الافعال الاسماء و في الدعاء و باسمك الذي اشرقت به السموات و الارضون و باسمك الذي صلح به الاولون و الآخرون و مع هذا كله فالاسم مشتق من المصدر و هو مشتق من الفعل و هو مشتق من نفسه بالله عز و جل فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و الرابعة الكلمة التامة و هي آية توحيد العبادة لتأخرها عن الافعال و قد قال تعالي فخلقت الخلق لكي اعرف و اما مقام معاني الصفات و هي دلالة الكلمة فالاولي هي النقطة في بسم الله الرحمن الرحيم و الثانية هي الباء فيها و الثالثة هي الاسم الله و الرابعة هي مقام الاسم الرحمن و الخامسة هي مقام الاسم الرحيم فلما تنزل الكتاب التكويني الي الكتاب التدويني صار البسملة هي اول هذا الكتاب علي طبق ذلك و هذه المراتب هي الآيات المستودعة في كل الذرات و لما كان مرجع الكل الي امر واحد كانت آية واحدة فالربوبية في الحديث هي معني الآيات في القرآن و اما كيفية ارائة هذه الآيات في المخلوقات مع كمال تركيبها و حدوثها فكما تري في الكتاب التدويني فان كلمة لا اله الا الله مع كونها الفاظا حادثة مشتملة علي معني حادث الفها الله سبحانه تأليفا اذا قلتها تدلك علي توحيده تعالي و تنزيهه من ( عن خ‌ل ) كل صفات المحدثات فكذلك خلقك و الفك علي هيئة و صفة تدل بذاتك علي توحيده و تنزيهه عن كل صفات المحدثات مع انك محدث فانت كلمة لا اله الا الله في التكوين كما ان هذه الكلمة كلمة التوحيد في [ص 35] التدوين و التشريع فافهم و اما كيفية وصفه سبحانه نفسه لك بك فبان وصف نفسه لك بلسانك التكويني و هو قوله تعالي شهد الله انه لا اله الا هو فشهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد بنفسه هو عين نفسه و شهادته لغيره بنفسه عين غيره فحقيقة ذلك الغير هي تلك الشهادة فتلك الحقيقة شهادة و شاهدة و من شهد له مثاله ايضا في الكتاب التدويني فانك حين تقرأ القرآن لسان الله سبحانه فهو يخاطبك بلسانك و لذا اذا قرأت قوله تعالي اني انا الله لا اله الا انا فاعبدني و اقم الصلوة لذكري ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي لايلزم منه كفر لانه حينئذ قول الله عز و جل بلسانك و من هذه الجهة وردت الاخبار بان القاري اذا وصل الي قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا يقول لبيك و سعديك ففي المرة الاولي لسان الله و خطابه لنفسه و في المرة الثانية قابل و مخاطب فالاولي فيها سر كن و الثانية فيها سر فيكون و الظاهر علي طبق الباطن و التكوين علي وفق التدوين و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا سبحان من هو امره واحد و حكمه واحد و قوله واحد و صراطه واحد و وليه واحد و نبيه واحد و دعائه واحد لانه واحد و لما كانت العبودية كنهها الربوبية لا ظاهرها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك اتي سبحانه بالسين الاستقبالية لبيان ان تلك الآيات ليست مشرعة لكل خائض و منهلا لكل وارد و انما هي لمن قطع المسير و قطع مسافة الزمان و يسير في الدهر و يسبح في لجة السرمد ليصل الي لجة بحر الاحدية و طمطام يم [ص 36] الوحدانية و ذلك لايكون الا بكشف السبحات و ازالة الحجب و الانيات علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في الحديث المشهور عن كميل بن زياد النخعي (ره) و قد سئله عن الحقيقة قال ما لك و الحقيقة قال اولست بصاحب سرك قال عليه السلم بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني قال اومثلك يخيب سائلا قال عليه السلم كشف سبحات الجلال من غير اشارة قال زدني بيانا قال عليه السلم محو الموهوم و صحو المعلوم قال زدني بيانا قال عليه السلم هتك الستر لغلبة السر قال زدني بيانا قال عليه السلم جذب الاحدية لصفة التوحيد قال زدني بيانا قال عليه السلم نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا قال عليه السلم اطفأ السراج فقد طلع الصبح و من اراد ان يطلع علي حقيقة الامر في هذا الحديث فليطلب ما كتب شيخي جعلني الله فداه في شرح هذا الحديث الشريف و قد شرحته ايضا بالفارسية في اجوبة المسائل الاصفهانية و قوله عليه السلم في تفسير قوله تعالي اولم‌يكف بربك انه علي كل شيء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك معناه ان الشهود التام هي الاحاطة و ( الاحاطة و ان الاحاطة خ‌ل ) هي الاستدارة التامة بحيث تكون جميع النسب متساوية بين المحيط و المركز و لاتكون بينهما جهة تختلف بها النسبة او تكون لكل واحد منهما جهة خارجة عن الحد الآخر و لما كان الخلق بادين عنه تعالي بالاستدارة الصحيحة التامة و عائدين اليه كذلك و مستمدين منه كذلك و مقبلين عليه كذلك فكان هو سبحانه محيطا بهم بالقيومية ناظرا اليهم بسر الصمدانية و مطلعا [ص 37] عليهم بعزة الوحدانية فكانوا ابدا بين يديه سبحانه بمرأي منه و مسمع و هو قوله تعالي و ماكنا عن الخلق غافلين فالخلق سواء كانوا حاضرين اي متوجهين اليه تعالي بالتشريعي و مقبلين عليه او غائبين عن وجدانهم و غافلين عن ربهم في خواطرهم و سرائرهم فلايفوتونه ( فلايفوته خ‌ل ) سبحانه في حال من الاحوال كما قال عز و جل ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون فهو سبحانه موجود و حاضر و ناظر اليك في حضرتك اي ما دمت حاضرا و متوجها اليه و غيبتك اي ما دمت غافلا و ذاهلا عنه تعالي و معني اخر ان كل شيء حاضر عنده كلما هو تحت ذاته و ما هو فوق ذاته غائب عنه و ظهوره سبحانه محيط و ثابت و موجود في حضرتك اي مراتب ذاتك و تنزلاتها و ظهوراتها و غيبتك اي المراتب التي هي اعلي من رتبة ذاتك و حقيقتك فكلما يغيب عنك و عن احد من المخلوقين لايغيب عنه سبحانه اذ كل شيء في ملكه و هو علي كل شيء محيط و لم‌يكن خلوا من الملك قبل انشائه فافهم و لهذا الحديث وجوه اخر تركت ذكرها ( تركناها خ‌ل ) خوفا للتطويل و صونا عن اصحاب القال و القيل ،

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان

فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني

حفظه في الصدور اولي من ابرازه في السطور .

المسئلة الثانية : في شرح ما روي عن جابر ما معناه انه سئل النبي صلي الله عليه و آله عن اول ما خلق الله قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق [ص 38] الله نور نبيك يا جابر و كان يطوف حول جلال القدرة فلما انتهي الي جلال العظمة بعد ثمانين‌الف سنة خلق الله نور علي عليه السلم فكان نوري يطوف حول جلال العظمة و نور علي يطوف حول جلال القدرة ، الحديث .

اقول الكلام في هذا الحديث الشريف يتم ببيان امور الاول ما معني جلال القدرة و جلال العظمة الثاني ما معني طوفه حول جلال القدرة و انتهاؤه الي جلال العظمة الثالث كيف كانت المدة بين الجلالين و ما معناها الرابع ما الوجه في خصوص الثمانين‌الف الخامس ما معني هذا التقديم بهذه المدة المتطاولة مع ان الاخبار و الآيات دلت علي انهما عليهما السلم حقيقة واحدة و طينة واحدة السادس ما معني طوف النبي صلي الله عليه و آله بعد خلق علي عليه السلم حول جلال العظمة مع انه اشرف مع انها انزل و العكس كذلك السابع هل هذا التفاوت كما ثبت بينهما صلي الله عليهما ثابت بالنسبة الي ساير الائمة عليهم السلم ام لا و لكل من هذه الامور السبعة بيان ظاهري و بيان باطني و شرح غيبي و شرح شهودي و ذلك اربعة‌عشر و هي عدد الحروف النورانية و المنازل النورانية و لذا قلنا ان المسائل الخمس تشتمل علي اسرار فاتحة الكتاب فالمسئلة الاولي كانت مشتملة علي اسرار البسملة بتمامها كما اشرت الي مجمل بعض انواعها كذلك هذه المسئلة مشتملة علي اسرار الحمد لان البسملة اذا عددتها كانت تسعة‌عشر و اذا استنطقتها كان الواحد و هو عدده تسعة‌عشر و الواحد حرفه الالف و اذا كررتها كان الباء و اذا كررت [ص 39] الباء كانت الدال و هي اصل الحمد و اذا كررتها كانت الحاء و هي الفرع و اذا كررت الحاء خمس مراتب كانت الميم و هي النتيجة منهما و هو تمام الحمد و لذا افتتح الكتاب الكريم به فمادته مربعة و صورته مثلثة فاذا جمعت بين الثلثة و الاربعة كانت سبعة و اذا ثنيتها كانت اربعة‌عشر و هذه الاربعة‌عشر هي المبدء الذي يدور عليه العالم من الاصول و الفروع ثم زادوا الميمين علي الحمد ليكون محمد و ليكون اشارة الي هذه المراتب المذكورة في هذا الحديث الشريف و بيان هذه المراتب صعب يحتاج الي تمهيد مقدمات ليقرب الي الاذهان و تقبله العقول و الاحلام الا اني لضيق المجال و كثرة الاستعجال اشير الي كل مقام اشارة اجمالية لانها الميسور و الي الله ترجع الامور اما الاول فاعلم ان الجلال مقام القهر و الغلبة و الاستيلاء و التمنع و الجمال مقام الانس و المشاهدة و المحبة و قد يطلق احدهما علي الآخر كما يظهر لمن تتبع في الاخبار و الادعية و اذا اجتمعا افترقا و لما جعل في الجلال حرف من اسم علي عليه السلم دل علي القهر و الغلبة و جعل في الجمال حرف من اسم محمد صلي الله عليه و آله دل علي الانس و الايتلاف سيما الميم التي لها مخرج الربع الحاكي عن الشكل المربع المقرون بالاتحاد و الايتلاف و اللام التي لها مخرج الثلث الحاكي عن الشكل المثلث الذي هو شكل الفناء و الافتراق فافهم و اما القدرة فهي اول ما يظهر من القادر من الفعل الاولي الذي به يصدر جميع افاعيله و آثاره و شئونات اسمائه و هو قوله عليه السلم اللهم اني اسألك بقدرتك [ص 40] التي استطلت بها علي كل شيء و كل قدرتك مستطيلة فالقدرة و العلم هما اول ما يظهران من الكامل و كل الصفات دونهما فتكون جلال القدرة هي الولاية المطلقة الاولية و هي التي استطال الله بها علي كل شيء و هو مقام الربوبية اذلامربوب عينا لا ذكرا و هي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و النور الذي استضاء منه كل شيء و الرحمة التي وسعت كل شيء و العلم الذي احاط بكل شيء و اليد التي في قبضتها السموات و الارض و ملكوت كل شيء و آخذة بناصية كل شيء و اما العظمة فهي تحت القدرة و بها قد حصلت و مقامها الكثرة و مقتضاها الخوف و هي مقام الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا و هنا محل ظهور النبوة الظاهرة المعروفة عند العوام التي هي تحت مقام الولاية فالقدرة محل ظهور المشية و العظمة محل ظهور الارادة و القدرة مقام الكاف و العظمة مقام النون و القدرة مقام الاجمال و العظمة مقام التفصيل و القدرة مقام الاختراع و العظمة مقام الابتداع و القدرة الاصل القديم و العظمة الفرع الكريم و اما الامر الثاني فاعلم ان الحضرة المحمدية صلي الله عليه و آله هي اول ظاهر باول ظهور خلقه الله سبحانه في ظل كينونته و اقامه بنفسه و طوافه استدارته علي جلال القدرة التي هي باطنه اي استدارة ظاهره بباطنه و علانيته بسره و هذه الاستدارة استمدادية و جلال القدرة يستدير عليه استدارة امدادية و لما كان بكل الجهات مستمدا و مقبلا و متوجها الي وجه المبدء اي القطب الذي هو الواسطة بينه و بين المفيض كان ( و ذلك خ‌ل ) القطب هو نفسه لان الله عز و جل اقامه بنفسه و امسكه بظله [ص 41] فاستخلصه في القدم علي سائر الامم اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء و انتهاؤه الي مقام العظمة هي عبارة عن انتهاء مراتب الكاف و اول ظهور التعلق بالنون و هو اول مقام ظهور علي عليه السلم لانه القمر الذي عليه العدد و الحساب و معني انتهاء المراتب ان المقام الاول الذي هو مقام الولاية المطلقة و مقام الالوهية بل و مقام الهوية علي ما اعرف من الاخبار له مراتب و اقلها ثلثة مقام المقام الاعلي و الاوسط و الاسفل و الاسفل هو اعلي مقامات العظمة و لذا جرت الكاف علي ثلثة احرف كالنون في كن فيكون و ان كان كل شيء علي هذا النمط ( بنمط خ‌ل ) الا ان المقامات تختلف من ملاحظة التفصيل و عدمه و ملاحظة التفصيل في الاجمال او العكس و ملاحظة الاجمال في التفصيل و شواهد ما ذكرنا في الكتاب و السنة و علم الحروف موجودة تركت ذكرها لضيق المجال و اغتشاش البال و اما الامر الثالث فاعلم ان كل شيء بدأ من فعل الله سبحانه اقتضي كل شيء من جهة ظهور اللانهاية في اطوار النهاية فاذا تعقب شيء شيئا و كان بينهما ترتيب لايظهر بل لايوجد الشيء الثاني الا بعد تمام الشيء الاول بجميع مراتبه و ان كان لا مراتب هناك بنظر العقل و انما المراتب هناك بتزييل الفؤاد فالمراد بالمدة هي المراتب المتوسطة التي هي بين مبدء الشيء و منتهاه و هي شيء واحد تختلف احواله و اطواره بحسب الحدود اللاحقة و العوارض السانحة من جهة اقباله و ادباره اذ لايكمل الشيء و لايكمل غيره الا بعد قطع الاسفار الاربعة السفر من الخلق الي الحق و السفر في الحق بالحق و السفر عن [ص 42] الحق الي الخلق و السفر في الخلق بالحق و كل شيء ذو هوية لا بد له من هذه الاسفار الاربعة و ان اختلفت بحسب سرعة سير السالكين و بطؤهم و قصر المسافة و طولها و هذه المراتب هي المدد و كل مرتبة مدة لانها حد الشيء في استمرار كونه فيها و ليس المراد من المدة هي الزمان السيال الغير القار علي ما هو المعروف اذ ليس ذلك المقام مقام المضي و الحال و الاستقبال و لا مقام التصرم و الفناء و التجدد و ان كان لايخلو من الفناء و التجدد مخلوق حادث بل كل شيء ما سوي الله هالك فان مضمحل محتاج فقير كما يرشد اليه قوله تعالي بل هم في لبس من خلق جديد الا ان فناء تلك الرتبة العالية و تصرمها عين البقاء و الاستقلال بالنسبة الي غيرها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في وصف النبي صلي الله عليه و آله استخلصه في القدم علي سائر الامم اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار ( الافكار الي خ‌ل ) ان قال عليه السلم اذ لايختص من يشوبه التغيير ( التغير خ‌ل ) و قال ايضا عليه السلم اني لاتقلب في الصور كيف شاء الله و لولا ذلك لقيل انه لم‌يزل و لايزول انتهي ، و في وصف الله لهم غني عن وصف الواصفين حيث قال في الشجرة المحمدية انها لا شرقية و لا غربية اي لا حادثة كساير الحوادث و لا قديمة يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار فاين المدة الزمانية و الانتقالات الدهرية هناك فافهم و اما الامر الرابع فاعلم ان الله سبحانه لما ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و كل شيء بدء من فعله تعالي تحققت له ثلث جهات جهة الي الاعلي و جهة الي الاسفل [ص 43] و جهة متوسطة بينهما و لا شك ان الطفرة لما بطلت يستمد الاسفل بواسطة الاعلي و الاعلي لما نظر الي نفسه و نظر الي امداده للاسفل كان تسعة لانه كان واحدا فبالنظر الاول تطور في ثلثة و هي لما نظرت الي نفسها ظهر اول مجذورها و هو التسعة فكانت هي الافلاك المدبرة فصار مبدء الاكوان عشرة و هي الافلاك التسعة و الارض و ما يتعلق بها و هي الوجه الاسفل في نفسه و باعتبار استمداده من الاعلي و امداد الاعلي اياه بالنظر اليه و بايجاد المدد من الله عز و جل فيه و لهذا كانت العناصر اربعة و الشيء انما تشيء بقران هذه الاعالي بالاسافل و اتصال الاسافل بالاعالي بنزول الاعالي ( الاعلي خ‌ل ) بتطوراتها الي اعلي مراقي الاسافل فكان اصل مبدء وجود الشيء من عشر قبضات كما ذكرنا لك و تلك القبضات ظهرت في عالم الاجسام بهذه التفاصيل المعروفة من العرش و الكرسي و الافلاك السبعة و لاتكمل هذه المبادي الواقعة علي الارض الميتة و البلد الطيب الا بعد تمام اربعة ادوار فالدورة الاولي علي مقتضي نفس السافل البرودة و اليبوسة و هي المسماة بالدورة الجمادية و قد ظهرت في عالم الحس و الاجسام علي ذلك المقتضي من غلبة البرودة و اليبوسة كما يشاهد في الجمادات و الدورة الثانية علي مقتضي ميل السافل الي العالي البرودة و الرطوبة و هي المسماة بالدورة النباتية كما هو المعلوم و الدورة الثالثة علي مقتضي ميل العالي الي السافل الحرارة و الرطوبة و هي المسماة بالدورة الحيوانية و الدورة الرابعة علي مقتضي نفس العالي الحرارة و اليبوسة و هي المسماة بالدورة الانسانية و لو اردنا شرح [ص 44] ( ان نشرح خ‌ل ) حدود هذه الكلمات لاحتجنا الي بسط في المقال و ليس لنا الآن ذلك المجال لكنك اعلم ان مرادنا بهذه الطبايع النوع و ان اختلفت الاشخاص فافهم و هذا تمام الاربعين و لما كان لكل شيء غيب و شهادة و في كل مرتبة تمام هذه المراتب فيكون مراتب وجود كل شيء ثمانين فاهل الزمان انتهاء مراتبهم في ثمانين سنة و اهل الدهر في ثمانية‌آلاف ( ثمانين‌آلاف خ‌ل ) سنة و اهل السرمد في ثمانين‌الف سنة و هو قوله تعالي و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون و محمد و اهل بيته الطاهرون عليهم السلم هم عند الله عز و جل فيكون اليوم عندنا الف سنة عندهم و قد قال مولينا الصادق عليه السلم في تفسير قوله تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار و لايفترون قال عليه السلم نحن الذين عنده و اما الامر الخامس فاعلم ان الاخبار و الآيات و اجماع الفرقة المحقة و ان دلت علي انهم عليهم السلم نور واحد و طينة واحدة و حقيقة واحدة الا ان الاخبار دلت علي تقديم بعضهم لبعض و ذلك يعرف من جهة الافضلية و عدمها اذ لا شك ان النبي صلي الله عليه و آله افضل من علي عليه السلم و هو افضل من ابنيهما الطيبين الطاهرين صلي الله عليهما و علي جدهما و ابيهما و امهما و ابناهما و هما افضل من باقي الائمة عليهم السلم و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم انا عبد من عبيد محمد صلي الله عليه و آله و قال صلي الله عليه و آله تاسعهم قائمهم افضلهم و في رواية اخري اعلمهم و افضلهم و معني هذا التقدم كما قال عليه السلم انا من محمد كالضوء من الضوء و [ص 45] لا شك ان السراجين من طينة واحدة و حقيقة واحدة الا ان الاول مقدم و الثاني قد اشعل منه و اليه الاشارة بما في الحديث المشهور عن النبي صلي الله عليه و آله في كيفية خلقهم الي ان قال عليه السلم كنا نورا واحدا ننتقل ( انتقل خ‌ل ) من الاصلاب الطاهرة الي الارحام المطهرة حتي انتقلنا الي صلب عبد المطلب فجعل ذلك النور نصفين فقيل لنصف كن محمدا و للنصف الآخر كن عليا الحديث ، و لايصح العكس بان قيل لنصف كن عليا و للنصف الآخر كن محمدا صلي الله عليهما و آلهما و كتقدم العرش علي الكرسي مع انهما حقيقة واحدة الا ان العرش اول ما تعلق به الفعل و الكرسي بالعرش و هما بابان من العلم مقرونان و هما اخوان و كتقدم النقطة علي الالف فان الالف انبساط النقطة و ظهورها باطوارها و احوالها و كتقدم المشية علي الارادة و الاختراع و ( علي خ‌ل ) الابتداع و الكاف علي النون و المجمل علي المفصل و العقل علي النفس و القلب علي الصدر و بهذا التقدم ادرك مقاما من التوحيد لايدركه علي عليه السلم و بذلك وسع الحق سبحانه كما قال سبحانه في حديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و هو صلي الله عليه و آله العبد المؤمن الذي وسع قلبه جميع مظاهر الحق و بذلك كان قائما مقام الله كما في الحديث المتقدم اقامه مقامه في ساير عالمه في الاداء و كون حقيقتهم واحدة لاينافي تقديم بعضهم علي بعض مثل السموات و الارض حقيقتهما واحدة لانهما انشعبا من البحر المنشعب من الجوهرة و ذلك واضح ظاهر و محصل الكلام ان لهم عليهم السلم [ص 46] مقامان احدهما مقام نسبتهم الي ما سواهم من المخلوقين و كلهم في هذه النسبة سواء و عليه يحمل الاخبار الدالة علي ان امرنا ( مرادنا خ‌ل ) واحد و حكمنا واحد و علمنا واحد و ثانيهما مقام نسبتهم الي ربهم في الاجابة و تقدمها و تأخرها و ذلك مختلف فمن تقدم في الاجابة و التلبية كان افضل فكان علمه بالله اعظم و اشد و من تأخر كان اقل بنسبة تأخره ففي معرفة الله مختلفون و في معرفة الخلق كلهم متساوون لانفرق بين احد منهم و نحن له مسلمون و هم سلام الله عليهم كلمة التوحيد و كلمة الله العليا و قد ذكرنا ان الكلمة انما تتم في اربع مراتب الاولي مقام النقطة و هي مقام الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و الثانية مقام الالف المنبسطة من النقطة و هي مقام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم و الثالثة مقام الحروف العاليات و هي مقام الائمة الاحدعشر عليهم السلم و الرابعة مقام الكلمة التامة الجامعة الحاوية للمراتب كلها فهي اللب و هي قشرها و هي مقام فاطمة الصديقة صلوات الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها و لذا قال عز و جل حم و الكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم فحم هو محمد صلي الله عليه و آله في كتاب هود و الكتاب المبين هو علي اميرالمؤمنين عليه السلم و هو انبساط المجمل و انتشار الوحدة و ظهور المفصل انا انزلناه اي عليا عليه السلم في ليلة مباركة و هي فاطمة الزهراء عليها السلم فيها يفرق كل امر حكيم اي يمتاز كل امام حكيم بعد امام حكيم و اما السادس فاعلم ان الولاية لله كما قال عز و جل هنالك [ص 47] الولاية لله الحق و لما كان ذات الله سبحانه لاتباشر الاشياء لتكرمها و قدوسيتها فيكون التعلقات انما هو بالظهورات الفعلية فكل من هو اقرب اليه سبحانه بكمال التوجه الكوني و الشرعي هو اولي بهذه الولاية و كل من اشتد مقامه في القرب من التكويني و التشريعي يكون سر ظهور القدس و الجلال و التنزه و الوحدة و البساطة اكثر و اشد و ذلك بعينه يستلزم تعاليه و تقدسه عن التعلق بالحوادث الكونية و التأخر ( المتاخر خ‌ل ) عن هذه الرتبة لما ظهر فيه سر الكينونة مع تراكم اطوار التنزل النوري الانية المسلمة النورانية التي هي حجاب الزبرجد استقرت فيه تلك الظهورات و تحققت به تلك النسمات انظر الي النار فان لها القيومية و التأثير بالنسبة الي آثارها اذا تعلقت بالهواء لم‌يكن لها ظهور ابدا لكمال صفاء الهواء و تنزهها عن الكدورات لم‌يستقر له ( لها خ‌ل ) الظهور فانه فرع الانية و هو قد شابهها فلا فرق بينها و بينها كما قال الشاعر :

رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا و تشابه الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

و لما تعلقت هذه النار بالدهن الزيتوني من الشجرة المباركة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار مع كونها ( كونهما خ‌ل ) في الزجاجة التي كأنها كوكب دري و كون الزجاجة في المشكوة يظهر منها ضياء عظيم و اشعة قوية و آثار عجيبة و ذلك لصفاء قابلية الدهن و كثافتها بالنسبة الي الهواء و حفظها اثر النار و لا شك ان النار من دون توسط الهواء لاتتعلق بالدهن فالنار مثال ولاية الله سبحانه و الهواء [ص 48] مثال حقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و الدهن الصافي علي ما وصفه الله سبحانه في كتابه مثال الحقيقة العلوية فولاية الله هي الربوبية اذلامربوب لا ذكرا و لا عينا و ولاية النبي صلي الله عليه و آله هي الربوبية اذمربوب ذكرا و ولاية علي عليه السلم هي الربوبية اذمربوب عينا فكان بذلك حامل اللواء فجلال القدرة التي هي الولاية الحقيقة للنبي صلي الله عليه و آله لكنها قد ظهرت في علي عليه السلم كما ظهرت الكواكب المدبرات و البروج و المنازل و ساير المبادي في الكرسي دون العرش مع انه اعظم فالكرسي حينئذ طائف حول جلال القدرة في عالم الظهور لان الفيوضات الواردة في العالم و المنتشرة في اقطار الارض كلها من الكرسي و ان كان الكرسي لايستمد الا من العرش فمحمد و علي صلي الله عليهما نسبتهما في عالم الباطن نسبة العرش و الكرسي لكن العرش صمت اي لم‌يسمع كلامه احد و الا قد نطق بخلاف الكرسي فانه قد نطق و قد سمع كلامه كل احد و لذا تري الناس قد غلوا في علي بين قائل بانه هو الله و قائل بانه اشرف من رسول الله صلي الله عليه و آله و ماغلوا في محمد صلي الله عليه و آله اذ لم‌يظهر منه ما ظهر من علي عليه السلم من المعجزات و خوارق العادات و اظهار تلك الخطب التي تذهل عندها العقول مثل خطبة الافتخار و خطبة البيان و الخطبة الطتنجية و حديث طارق و امثالها مع ان ما ظهر من علي عليه السلم انما كان من محمد صلي الله عليه و آله و لولا ان عليا عليه السلم قال انا عبد من عبيد محمد صلي الله عليه و آله و لولا انه [ص 49] عليه السلم اظهر له صلي الله عليه و آله من الخضوع و الانكسار و التذلل و لولا ما قال انا من محمد صلي الله عليه و آله كالضوء من الضوء لم‌يعرف الخلق محمدا صلي الله عليه و آله و لم‌يشكوا بان عليا عليه السلم افضل منه صلي الله عليه و آله بل لايجدون بينهما نسبة كما ان الكرسي فلك الثوابت و افلاك الكواكب السيارة لو لم‌تتحرك بخلاف التوالي و لم‌تتبع العرش في حركاته و لم‌تظهر له الانكسار و الخضوع بمتابعتها اياه علي خلاف مجراها و اظهار عجزها عن الانفراد عنه لم‌يعرف احد ان الفلك الاعظم هو العرش و ان هنا فلكا يحيط بهذه الافلاك الثمانية يدبرها و يسخرها فظهر في جلال القدرة اميرالمؤمنين عليه السلم و حمل ولاية الله الظاهرة للخلق بمحمد صلي الله عليه و آله فسمي عليا لانه اسم تلك المرتبة و لذا كان ذكر السجدة التي تحكي تلك الرتبة سبحان ربي الاعلي فباطنهما صلي الله عليهما كما مثلنا لك مثل العرش و الكرسي و ظاهرهما في عالم الظهور مثل الشمس و القمر فالشمس تستمد من الكرسي و لذا كانت لا عرض لها لان فلكها الخارج المركز في سطح منطقة البروج و لم‌يفارقها و القمر يستمد من الشمس فالنبوة الظاهرة تستمد من الولاية الظاهرة في الخلق كما ان الولاية الظاهرة التي هي الباطنة تستمد من النبوة الباطنة و الامامة الظاهرة من النبوة الظاهرة فعلي عليه السلم في مقام الظهور جري عليه حكم البطون و محمد صلي الله عليه و آله جري عليه حكم الظهور و هو ابطن البطون و اغيب الغيوب ،

[ص 50]

و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم

و لي في هذا المقام كلمات غريبة و اسرار عجيبة لم‌تذكر في كتاب و لم‌تجر في خطاب و قد ذكرت شرذمة مما يمكن اظهاره في هذا الباب في شرح الخطبة و من اراد الاستبصار فعليه بتهذيب مسالك تلك القواعد فانها منتهي المطلب و اما السابع فاعلم ان هذا التفاوت ثابت في كل من ثبتت له الفضيلة بالنسبة الي غيره و هم سبعة اولهم محمد صلي الله عليه و آله ثم علي عليه السلم لانه خير الخلق لقوله صلي الله عليه و آله الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فاثبت لهما الفضيلة علي كل الخلق لان اهل الجنة خير من اهل النار و كلما في الجنة شباب اذ ليس فيها كهل فسيدهم خيرهم ثم استثني عليا عليه السلم فقال و ابوهما خير منهما ثم الحسن عليه السلم كما في الدعاء العديلة المنسوب الي اميرالمؤمنين عليه السلم ثم من بعده سيد اولاده الحسن بن علي ثم اخوه السبط الدعاء ، ثم الحسين عليه السلم لانه سيد شباب اهل الجنة ثم القائم المنتظر عجل الله فرجه لقوله صلي الله عليه و آله قائمهم افضلهم اعلمهم ثم من بعده الائمة الثمانية صلي الله عليهم اذ لم‌يتبين لنا من الاخبار ما يدل علي فضيلة بعضهم علي بعض و ليس لنا ذلك المقام حتي ندرك التفاضل بينهم بعقولنا و احلامنا فنرجع الي تساويهم في الرتبة ثم من بعدهم الزهراء الصديقة صلي الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها لان الرجال في كل رتبة اشرف من النساء فيها و هؤلاء يحتمل ان يكون هذا التفاوت ثابتا بينهم بل لا بد ان يكون كذلك اذ كل [ص 51] واحد من الآخر كما علي من محمد صلي الله عليه و آله و اشهد ان انواركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و علي من يفهم الكلام السلام .

المسئلة الثالثة : في شرح احاديث الطينة .

اقول ان احاديث الطينة مختلفة متشتتة من جهة المضمون و الدلالة الا اني اورد في هذا المقام اصعب الاحاديث و اغمضها في هذا الباب و اشير الي بعض بيانها لتبيين المقصود روي الصدوق باسناده الي اسحق القمي عن ابي‌جعفر محمد الباقر عليه السلم حديث طويل يقول فيه لما كان الله متفردا بالوحدانية ابتدء الاشياء لا من شيء فاجري الماء العذب علي ارض طيبة طاهرة سبعة ايام مع لياليها ثم نضب الماء ● عنها فقبض قبضة من صفاء ذلك الطين و هي طينة اهل البيت عليهم السلم ثم قبض قبضة من اسفل تلك الطينة و هي طينة شيعتنا ثم اصطفانا لنفسه فلو ان طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا لمازني احد منهم و لاسرق و لالاط و لاشرب المسكر و لاارتكب شيئا مما ذكرت و لكن الله عز و جل اجري الماء المالح علي ارض ملعونة سبعة ايام و لياليها ثم نضب الماء عنها ثم قبض قبضة و هي طينة ملعونة من حما مسنون و هي طينة خبال و هي طينة اعدائنا فلو ان الله عز و جل ترك طينتهم كما اخذها لم‌تروهم في خلق الآدميين و لم‌يقروا بالشهادتين و لم‌يصوموا و لم‌يصلوا و لم‌يزكوا و لم‌يحجوا البيت و لم‌ير واحد منهم بحسن خلق و [ص 52] لكن الله تبارك و تعالي جمع الطينتين طينتكم و طينتهم فخلطهما و عركهما عرك الاديم و مزجهما بالمائين فما رأيت من اخيك المؤمن من شر لواط و زناء او شيء مما ذكرت من شرب مسكر او غيره فليس من جوهريته و لا من ايمانه و انما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت و ما رأيت من الناصب من حسن وجهه و حسن خلق او صوم او صلوة او حج بيت الله او صدقة او معروف فليس من جوهريته و انما ذلك الافاعيل من مسحة الايمان اكتسبها و هو اكتساب مسحة الايمان اقول هذه المسئلة فيها سر اياك نعبد و اياك نستعين و هي تفضي الي سر القضاء و القدر و قد امر ائمتنا عليهم السلم في صعوبة هذه المسئلة مما لا مزيد عليه و السبب ان العقل يقصر عن فهم ادراكها علي الحقيقة لان العقل اول زوج تركب من الوجود المقيد فادراكه بعد تحققه و تحققه بعد تركيبه و تركيبه انما كان بالقضاء و القدر فاني له و ادراك ما هو وراء ذاته نعم من شتت جمعه و تركيبه و نثر نظمه و تأليفه و وقف في مقام البساطة الامكانية و نظر بعين الله و تكلم بلسان الله فهو ممن يعرف هذا الكلام و يطلع علي هذا النظام و علامته ان يدع عنه المفاهيم المنطقية و التصورات الذهنية و المقدمات الجدلية و الخطابيات الاستحسانية و القياسات البرهانية لانها كلها مما هو تحت العقل و ينظر الي العالي بعين نظره الي الداني و الي البعيد بعين نظره الي القريب و الي المجتمع بعين المتفرق و الي المتفرق بعين المجتمع و يجمع بين المختلفات و يفرق بين المؤتلفات المجتمعات و [ص 53] يعرف المراد من العبارة من غير اقتصاره علي العبارة و يصل الي التلويحات من غير الاشارة و يميز بين ادراك العقل و الفؤاد فهو ممن يفهم المراد و اما من سوي ذلك فليس له الي فهم هذه الدقايق سبيل و لايسوغ له التكلم فيها اذ المطلوب منهم ان يعتقدوا ان الله حكيم لايجور و لايظلم و لا استغناء للخلق عنه تعالي في حال من الاحوال فكل افعاله ( احواله خ‌ل ) تعالي مبنية علي وفق الحكمة و المصلحة و لايسئل عما يفعل لانه لايفعل الا الاحسن و هم يسئلون و لايجوز لهم ان يتوغلوا في اصل هذه المسائل و منشأها و مبدءها و الفقير احببت ان تأتيني هذه المسائل في غير هذا الوقت لاتفرع لها و ابسط في المقال بتقديم بعض المقدمات و تكثير الامثال و الآيات فاذا كثرت الشواهد و الامثال و كرر البيان يرجي فهم المرام و ان كان صعبا علي الافهام و لكن الآن جناب السائل وفقه الله ضايقني و الح علي تعجيل الجواب كتبت علي قدر المقدور و اختصر في العبارة و اقتصر علي الاشارة اعلم ان الله سبحانه يقول انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون هذا في الخلق التكويني و ضمير الخطاب في كن الي من يرجع و الضمير الفاعل في فيكون الي من يرجع ان قلت يرجع الي الله فقد اخطأت ضرورة انه لايرجع اليه و ان قلت الي المخلوق و لم‌يكن قبل و ان قلت كان مستجنا في غيب الهوية كما هو زعم طائفة فيلزم ما يلزم من الكفر كما قررنا في كثير من مباحثاتنا فان قلت ان هذا الكلام بظاهره لايراد قلت هل عبر الله تعالي عن هذا المطلب بتعبير غير هذا التعبير من الذي يوافق المراد و احد من الائمة [ص 54] عليهم السلم او اخبر الله و رسوله صلي الله عليه و آله ان ظاهر هذه الكلمات لايراد و لم‌يمكننا التعبير بغيرها فعبرنا بها و لو فرضنا ان هذا التعبير مايراد بظاهره هل يمكنك ان تتعقل غير هذا الست تقول انه هو و تشير الي المخلوق و تغفل عن الخالق فلو كان المفعول في كل احواله مستندا الي الله سبحانه لمادل ابدا الا علي الله لان الفرع دائما يدل علي الاصل و لو احتجب الاصل به في حال من الاحوال لم‌يكن في ذلك الوقت و تلك الحالة فرعا و انما هو اصل و ان كان بالادعاء و هذا لا شك فيه و حقيقة الامر ان الايجاد لايتحقق بدون الانوجاد كما ان الكسر لايكون الا بالانكسار و المراد بالانوجاد هو الانية التي بها يكون الشيء هو فان الاشياء من حيث صدورها عنه تعالي صدرت كعموم قدرته تعالي من غير تقييد و تحديد بجهة من الجهات فلايقال للشيء ( لشئ خ‌ل ) حينئذ هو و لايقال خلق و حادث لانه صرف الظهور و حقيقة النور فلايقال الا الله وحده لا شريك له و بالانية تحققت الشيئية و لذا يقال لها ماهية لانها ما به الشيء هو هو و هذه الانية التي هي القابلية التي هي المهية هي جهة الاختلاف لانه هو المفروض و لما نظرنا الي الاختلافات الواقعة في الوجود رأينا كلها منسوبة الي الصورة بعد ما وجدنا ان كل شيء مركب من المادة و الصورة و لما تتبعنا الصور و دققنا فيها النظر وجدنا انها اعراض اصلية لا قوام لها الا بالمادة و لما تفحصنا عن حقيقة الصورة وجدناها غير خالية عن الحدود الستة التي هي الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و وجدنا ( و وجدناها خ‌ل ) ان هذه الستة ليست بسايط [ص 55] لاتقبل القسمة بوجه كالمادة و انما هي متجددة سيالة متعددة متداخلة و وجدنا ان المادة تظهر في كل مقام عند المتعدد و المختلف علي حسبه و لما نظرنا الي تلك الحدود وجدنا ان لا استقلال لها الا بالمادة و هي لا استقلال لها الا بفعله تعالي و مشيته فالمادة من حيث هي هي تصلح للسعادة و الشقاوة و الحدود الخارجية التي هي الزمان و المكان و غيرهما مما ذكرنا اسباب لظهور تلك المادة علي نهج السعادة و الشقاوة مثلا لما خلق الله سبحانه الخلق الاول فلا شك ان له زمانا و مكانا و رتبة فظهر ذلك النور علي مقتضي تلك الحدود بالله سبحانه و في الزمان الثاني و في المكان الثاني و الجهة الاخري يقتضي ( تقتضي خ‌ل ) ظهور ذلك النور بطور آخر كما هو المحسوس المشاهد و تلك الحدود المقترنة بتلك المادة هي الطينة و بعبارة اخري ان الله سبحانه خلق الخلق بفعله فتحقق شيئان فعل و مفعول و الفعل له ارتباط بالمفعول و المفعول له ارتباط بالفعل فتحققت اربعة اشياء و لما ان الله سبحانه لايحب ان يجبر العباد و ان يخلق علي جهة الظلم و لما اراد ان يخلق الخلق لا بد ان يفرق بين المفعول و الفعل و لما فرق بينهما لا بد ان يعرف الفعل المفعول و المفعول الفعل و هذا التعريف يستدعي ان يخلق فيهما شيء يرتبط به احدهما بالآخر فخلق اربعة اشياء فعل و مفعول و ارتباط الفعل بالمفعول و ارتباط المفعول بالفعل فخلق لانتظام وجود هذه الاربعة اربعة اخري و هي الطبايع الاربع فخلق من الفعل الحرارة و اليبوسة لان الفعل اشرف لكون انتسابه اليه تعالي اكثر من انتساب المخلوق [ص 56] المفعول به لان انتساب المفعول بالفعل و قد يحتجب الفاعل بالمفعول بخلاف الفعل فالحكمة تقتضي ان يخلق الحرارة التي هي اشرف من الفعل و خلق الحرارة و الرطوبة من ارتباط الفعل بالمفعول اما الحرارة فلانتسابه الي الفعل و اما الرطوبة فلميل الفعل المقتضي للسيلان و الرطوبة و خلق من المفعول البرودة و اليبوسة لانه محل وقوف ( توقف خ‌ل ) الفعل و هو سكون المكون و هو منشأ البرودة و لحفظه فعل الفاعل و اثره و خلق من ارتباط المفعول بالفعل البرودة و الرطوبة اما البرودة و الرطوبة فلانتسابه الي المفعول و اما الرطوبة فلمكان الميل فاذا لوحظت هذه الاربعة في تلك الستة ظهرت اربعة و عشرون و علي نهجها دارت ساعات الليل و النهار و هي العوالم و باقي المراتب و العوالم خلقها الله سبحانه باقتران هذه الجهات بعضها مع بعض فاذا ظهر ذلك النور الواحد الساري في هذه الحدود و اقترن بها بتقدير من الله عز و جل فيحدث الله سبحانه بمقتضي ذلك القران خيرا من الخيرات و ( او خ‌ل ) شرا من الشرور و بقران ذلك النور بذلك الليل الديجور حدث الاختيار العام ان كان القران العام و هو صلوح تصور ذلك الامر الواحد بالصور المختلفة من صور السعادة و الشقاوة و ذلك الاختيار العام يترجح بالاسباب الخارجية من القرانات القريبة و الموالفة و المناسبة و المخالفة و المباينة و امثالها من الاحوال و الاوضاع و الجهات و التعلقات فظهر لك ان الخلق خلقان الخلق الاول و الخلق الثاني ففي الخلق الاول خلق الله سبحان موادا صالحة شاعرة قابلة للسعادة و الشقاوة فكلفها سبحانه [ص 57] بمقتضي علمه بهم لما سئلوه ان يسئلهم باختيارهم فسئلهم بلسان حقايقهم و كينوناتهم الست بربكم قالوا بلي كل واحد علي حسب ما عنده من المرجحات من انحاء القرانات و الاوضاع فمن قال بلي مصدقا فهي القابلية الطيبة و هي الارض الطيبة و الماء العذب المذكور في الحديث السابق هو ذلك النور المطلق المفاض من اشراق صبح الازل و جريان ذلك الماء علي تلك الارض تعلق النور اي الوجود بتلك القابلية الطيبة و الايام السبعة هي يوم المادة و يوم الصورة و يوم اقتران المادة بالصورة و يوم اقتران الصورة بالمادة و يوم الاتصال و يوم الحكم و الاتمام و يوم التأثير و الاظهار مشروح العلل مبين الاسباب و هي يوم الاحد و يوم الاثنين و يوم الثلثا و يوم الاربعاء و يوم الخميس و يوم الجمعة و يوم السبت فلما تمت هذه الطينة الطيبة في الايام السبعة من ايام الشأن خلق الله سبحانه من صفائها طينة اهل البيت عليهم السلم و هذا يحتمل وجوها كثيرة كلها مرادة للامام عليه السلم و اني اكتم بعضها و اذكر البعض الآخر و هو ان الامام عليه السلم قد قال بلي و لم‌يكن خلق ابدا غيرهم و ليس معهم عليهم السلم غيرهم و الآن علي ما عليه كان فلما وجدوا و ظهر ذلك النور في اول الحدود و تحدد بحدود الموافقة استنارت تلك الطينة بنور الكينونة و ظهر فيها سر الربوبية تشعشعت منها الانوار و ظهرت عنها الآثار و تلك الانوار و الآثار المحدودة بحدود الاقبال هي حقايق طينة شيعتهم عليهم السلم و هو معني قوله عليه السلم في الحديث المتقدم ثم قبض قبضة من اسفل [ص 58] تلك الطينة و الاسفل هو الاثر كما ان الله سبحانه خلق قيامك و قعودك بك و لم‌يكونا شيئا في رتبة ذاتك و لا احد يعترض ان الله سبحانه لم خلق القيام بعد الشخص لانه لايساوي الشخص و لايذكر معه حتي يطلب الترجيح فاذا قلت لك من في البيت تقول زيد و لاتقول زيد و قعوده و شعاعه من اكله و شربه و نومه و يقظته و كذلك نسبة غير آل‌محمد سلام الله عليهم اليهم نسبة قيامك اليك فافهم و كن به ضنينا قوله عليه السلم في الحديث المتقدم فلو ان طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا يريد عليه السلم ان تلك الطينة شعاع لطينتهم النازلة الي رتبة اجسامهم و هم عليهم السلم و ان كانت حدود انيتهم مصفات من كل الكدورات لكنها بعد زبرجدي اللون فاذا تنزلت بشعاعها كانت الظلمة في شعاعها امكن منها فيها و لو كان علي صفاء الاصل كانت اياه و لم‌تكن اثرا هف و لذا ما تركت طينة الشيعة و ذلك الخلط علي حقيقة ما هم اهله الا ان الخلط فيها عرضي لا ذاتي و لذا يتفق بعض الشيعة لايعصون كما لم‌يعص الانبياء و كان يحصل منهم ترك الاولي و كذلك بعض من نزل في الرتبة الثانية و لما كانت تلك الطينة هي شعاع الطينة الطيبة الاصلية كانت بذاتها لاتقتضي ما لاتجانسها لكمال المناقضة فان المانع لايكون مقتضيا لما هو المانع عنه كما هو المعروف الظاهر لمن له ادني روية في العلم فافهم و قوله عليه السلم و لكن الله عز و جل اجري الماء المالح علي ارض الملعونة الخ ، هذا الكلام علي مذاق العارفين هو ان الماء واحد الا ان ملوحته من جهة وقوعه علي الارض الملعونة كما في قول الشاعر :

[ص 59]