اري الاحسان عند الحر دينا و عند النذل منقصة و ذما

كقطر الماء في الاصداف در و في بطن الافاعي صار سما

و عندي هذا الكلام ليس علي تمام الحكمة بل هذا الماء ظل ذلك الماء العذب و هو ظله كظل الشمس لنور الشمس فان الظل قد صعد من السجين كما ان النور قد نزل من العليين و ذلك في خلق الثاني فمن انكر بقابلية المتحصلة من الحدود المذكورة بالمرجحات الخارجية و قال بلي بلسانه و قلبه منكر مستهزئ خلقه الله سبحانه في الخلق الثاني من هذا الماء الجاري علي الارض الملعونة التي هي قابلية الانكار و طينة الاشرار و ذلك الجريان كان في سبعة ايام بلياليها و هي يوم الشقاوة و يوم الالحاد و يوم الطغيان و يوم الشهوة و يوم الطبع و يوم العادات و يوم الممات و هي يوم الاحد و الاثنين و الثلثا و الاربعاء و الخميس و الجمعة و السبت في الظل المنكوس و المؤلفة من هذا الماء و الارض المسقاة في السبعة الايام المذكورة هي طينة خبال جهنم ● و هي طينة الاعداء و ذوات الاشقياء و هي طينة لاتقتضي الصورة الانسانية و لا ما تقتضيه تلك الصورة الطيبة لكمال المناقضة و المنافرة بين الاقتضائين في الحقيقة و لكن الله عز و جل لما امر العقل بالادبار فاخذ ينزل في المراتب السفلية و امر الجهل بالادبار فاخذ يصعد فالتقيا في التراب حين نزول العقل و صعود الجهل ثم امر الله سبحانه العقل بالاقبال فاخذ [ص 60] يصعد و امر الجهل بالاقبال فاخذ ينزل فالتقيا في هذه الدنيا و هنا حصل اللطخ بينهما و المناسبة العرضية جرت احد الطرفين الي الميل الي الآخر و اما المعصومون عليهم السلم فقد بقوا علي ما هم عليه من كمال المنافرة و عدم الميل و اما المنافقون من المعاندين فهم و ان كانوا علي كمال المنافرة لكنهم دخلوا بطن الحية باعانة الطاووس ليدخلوا الجنة و يخرجوا آدم و ذريته منها و الجنة هي صورة الانسانية و المرتبة ( الرتبة خ‌ل ) الانسانية فانها هي الجنة حقيقة و ما تجد يوم القيمة كله ظهور نور هذه الصورة الطيبة و الطاووس هي العناصر الاربعة المشتملة علي الالوان المختلفة و الحية هي الحيوة الواردة علي هذه العناصر من جوزهر القمر و الجوزهر هي الحية التي لها رأس و ذنب فتصوروا بهذه الصورة بالعرض ليتمكنوا من اغواء الشيعة الذين اصلهم الجنة و خلقوا فيها و لها نعم ذلك يستلزم خروجهم من الجنة الا انهم سيعودون اليها و يتوبون عما اقترفوا باغواء اولئك الطغاة البغاة و خروجهم منها عند عصيانهم و رجوعهم اليها اذا تابوا عنها و هو قوله عز و جل و الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون و اخوانهم يمدونهم في الغي ثم لايقصرون و حكم شيعة هؤلاء الاعداء ضد حكم شيعة الائمة عليهم السلم حرفا بحرف كما ذكرنا فقايس حكمهم علي حكمهم المذكور و هنا مقامات عجيبة و اسرار غريبة طويت ذكرها لكمال الاستعجال و بلبال البال و قد ذكرت فيه ما يكفي للمؤمن المنصف اذا ( الذي خ‌ل ) خرج عن حد التقليد و ايده التسديد .

[ص 61] المسئلة الرابعة : في بيان سر الامر بين الامرين .

اقول قد تقدم الكلام فيما مضي ما يشير الي هذا المعني و هذه المسئلة لما كانت فوق العقول و الاحلام اذا صرحنا بالامر يفهم منه خلاف المرام و لكنك اذا اتقنت ما تقدم من سر كن فيكون من ان كن هو الوجود و هو امر الله الكوني و فيكون هو كن مع زيادة الواو التي هي الايام الستة و الحدود الستة المذكورة و تلك الحدود انما وجدت مساوقة لذلك الامر بحيث ماتحقق امر كن الا بيكون و ماتحقق يكون الا بكن لان تلك الحدود اوجدها الله سبحانه بمقتضي الوجود الذي هو الامر اي امر كن و الوجود اقتضي ذلك بما جعله الله سبحانه فيه و انما جعله الله كذلك ليخلقه علي ما هو عليه و ليكون الاثر اثرا و المؤثر مؤثرا فاقتضي الوجود الحدود و اقتضت الحدود الشهود و الوجود في الحدود اقتضي من الله سبحانه الحكم الخاص و ذلك الحكم موكول و متعلق بمشية الله سبحانه و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه فالمشية للوجود و الارادة للحدود و القدر للنسب و القضاء للاتصال و الاذن للتحقق و رفع الموانع و الاجل للحد المنتهي اليه و الكتاب للحفظ عن الدثور و الفناء و هو قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فلولا فعل الله سبحانه لماتحقق الوجود و هو الامر و القدر المفعولي في كلام علي بن الحسين عليهما السلم ان القدر في افعال العباد كالروح في الجسد فلولا الروح لم‌يكن للجسد حراك و لولا الجسد لم‌تظهر آثار الروح انتهي ، و ذلك القدر هو الوجود امر الله الذي به قامت [ص 62] السموات و الارضون و صلح به الاولون و الآخرون فلولاه لم‌يكن الحدود و لولا الحدود لم‌يظهر الوجود بل لم‌يوجد و لولا اقتران الوجود بالحدود لم‌يختلف حكم من الاحكام و لو لم‌يحفظ الحق سبحانه كل هذه المذكورات كل شيء في مكانه و حاله علي ما هو عليه لفسدت و بطلت و عدمت و اضمحلت و لولا انه سبحانه يفعل بهذه الامور لانتفت حكمته و لم‌تظهر معدلته بل ماكان يمكن الايجاد علي ما نعرفه فالله الحافظ و العبد الفاعل و الجنة و النار المأوي و كما اوجد سبحانه ذوات الاشياء ( الاشياء بالاشياء خ‌ل ) كذلك اوجد افعالها بها لا فرق في الحالين و امره سبحانه كما ذكرنا انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و هذا السر هو الجاري في كل ذرة من الذرات من الافعال و الصفات و الذوات لان امره واحد و حكمه واحد و فقر الخلق الي الله سبحانه علي نمط واحد و لايقوم الخلق من غير المدد في آن واحد انظر الي المرآة اي نفس الصورة فانها لاتقوم الا بك و لاتتحقق الا بتجليك و ظهورك لكنها لاتجري دائما علي ما تحب و تلك الامور الباعثة علي عدم جريانها علي ما تحب لاتتوهم انها امور ثابتة من غير المرآة و لاتتوهم ان ثبوتها كان بغيرك اذ لا غيرك و لاتتوهم ان ثبوتها بك انما هو ( كان خ‌ل ) بقصدك الاولي الذاتي فان ( و ان خ‌ل ) ما منك اولا و بالذات هو نفس التجلي و الاشراق و ذلك التجلي من حيث الحدود المتحققة عند التجلي المتقومة به اختلف حكمه بالنسبة اليك فباقي ( فما في خ‌ل ) الحدود من نور التجلي فهو لك و اليك و ما فيها من نفسها من جهة الاختلاف بك و ليس اليك و ان كان الامران [ص 63] لايشذان عنك و ما به الاختلاف هو الحدود الستة التي هي الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و ليست هذه الامور ( امورا خ‌ل ) متحققة قبل ظهورك و تجليك و انما هي امور و حدود ذاتية للشيء و عرضية للنور احدثتها به حين وجودها بطلبه فكانت المرآة بذلك معوجة و مستقيمة و حاكية لك علي ما هو الواقع كما تحب و حاكية لك بخلاف ما هو الواقع كما تبغض و هي تتحرك بتلك الاحوال التي لا قوام لها الا بك و انت ساكن فانت الحافظ لها في كل احوالها و اوضاعها عند موافقتها لك و مخالفتها معك فانت اولي بالنور و الاستقامة و الاعتدال الثابت فيها منها لان النور و الاعتدال صفتك و منك و اليك و ان كان لم‌يظهر الا في تلك الحدود فلها المدخلية في الظهور و الثبوت و هي اولي بالاعوجاج و الظلمة و عدم الاستقامة منك و ان كان لايمكن ثبوتها باطوارها الا بك فانت في الحالتين تمدها اما بالاستقامة و النور و اما بالاعوجاج و الظلمة و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا ، و قوله تعالي في الحديث القدسي يا بن آدم بنعمتي قويت علي معصيتي الي ان قال و ذلك انا اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني و لايمكن ظهور فعل من الافعال و اثر من الآثار الا بمشيتك الظاهرة بنور تجليك في حقيقتها في احوالها كلها و هو قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و قوله تعالي ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و المرآة هي نفس الصورة لا الزجاجة فاذن ظهر حقيقة المقال في قوله عليه السلم لايكون شيء في [ص 64] الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر و في رواية اخري فقد اشرك فافهم و ابن امرك عليه و استعن بالله في فهمه و لاتنظر الي المفاهيم الذهنية و انظر في الآيات و الامثال الوجودية فانك لن‌تجد ذرة من الذرات الا و قد وجد بسر الامر بين الامرين و لو لم‌اخف من الجهال لبينت صريح المقال في توحيد الافعال و لكن الامور مرهونة باوقاتها قال اميرالمؤمنين عليه السلم في الشعر المنسوب اليه :

و في النفس لبانات اذا ضاق لها صدري نكتت الارض بالكف و ابديت لها سري

فمهما تنبت الارض فذاك النبت من بذري .

المسئلة الخامسة : في الاشارة الي حقيقة المعاد و حشر الارواح و الاجساد .

اقول قال الله سبحانه كما بدءكم تعودون و اذا جعلنا ما في كما مصدرية يكون المعني كبدءكم تعودون و اذا جعلنا المشبه عين المشبه به في القرآن و الاخبار كما ذهب اليه العارفون المحققون يكون المعني بدءكم عودكم اعلم ان الله سبحانه كامل علي الاطلاق فيجب ان يجري فعله علي الكمال علي الاطلاق مما يناسب رتبة الامكان و لما كان ظهور فعله بمفعوله ( بمفعوله وجب ان يكون مفعوله خ‌ل ) كاملا علي الاطلاق و الكمال علي الاطلاق ان يكون جامعا مملكا ليكون حاكيا لكمال تملكه سبحانه و جامعيته لجميع مراتب الكمال و لايكون كذلك الا ان يكون حاويا لجميع المراتب و جامعا لجميع المقامات حيث امتنعت له رتبة القدم حتي يشمل الكل بلا كيف و لا جهة فلما صح فيه التركيب فيشغله جهة عن الاخري فلايكمل الا باجتماع المراتب فيه و [ص 65] الجهات عنده و لما كانت الادوات انما تحد انفسها و الآلات انما تشير الي نظايرها فلايمكن ادراك عالم الا بوجود نوع ذلك العالم فيه و من هذه الجهة اقتضت حكمة الحكيم جل شأنه ان يكون في كل شيء معني كل شيء و لما كانت المراتب متفاوتة في النزول في القرب و البعد و الشرافة و الكثافة و التجرد و المادية و الخفاء و الظهور و لما كان المخلوق في الخلق الاول في اشرف المواضع و اجلي الفسحات و كان ذلك وجها واحدا اقتضت الحكمة ان ينزله الي المقامات السافلة ليأخذ نصيبه منها و يعود و هو يحكي جلال الربوبية و هيمنة الالوهية حتي يعود فعله سبحانه و خلقه علي احسن الاطوار و اشرف الاحوال لتنادي السنة الكينونات بكل الجهات تبارك الله احسن الخالقين فلذا لما خلق الله سبحانه ذلك النور الرباني و السر الصمداني و النقش الفهواني و الخطاب الشفاهي امره بالادبار فادبر و دخل بلد الهوية و منه سافر الي بلد الالوهية و منه الي المأوي ( ماوي خ‌ل ) الاسماء الكلية و منه ( فيه خ‌ل ) الي مسكن الصفات النوعية و الشخصية و منه الي معدن المعاني اي معاني الصفات كالجلال و الجمال و الكبرياء و منه الي مقر اهل المحبة و اصحاب الذوق و المودة و منه الي مقام دليل اهل الحكمة و ينبوع الاسرار الذوقية و منه الي مقام قاب قوسين و منه الي رتبة العقل المرتفع ثم منه الي المستوي ثم منه الي المنخفض ثم منه الي مقام السدرة المنتهي و تغرد علي اغصانها باوراقها اذ يغشي السدرة ما يغشي ثم منه الي مقام الروح ارض الزعفران ثم منه الي شجرة طوبي ثم منه الي الجنة العليا ثم الي الرفرف [ص 66] الاخضر و منه الي مقام النفس و محل الانس و رتبة الايتلاف و هيهنا مبدء الذر الاول و الثاني و الثالث و هناك محل الاختلاف ثم الي مقام الطبيعة الكثيب الاحمر ثم الي رتبة الهيولي و المواد الجسمانية ثم الي عالم المثال و جنة هورقليا و جابلقا و جابلصا ثم الي العرش محدب محدد الجهات ثم الي مقعره ثم الي فلك الكرسي ثم الي فلك البروج ثم الي فلك المنازل ثم الي فلك زحل ثم الي فلك المشتري ثم الي فلك المريخ ثم الي فلك الشمس ثم الي فلك الزهرة ثم الي فلك عطارد ثم الي فلك القمر و اما الذي عندنا ثم من فلك المنازل الي فلك الشمس ثم منه الي زحل و القمر ثم منه الي المشتري و عطارد ثم منه الي المريخ و الزهرة ثم منه الي كرة النار ثم منه الي كرة الهواء ثم منه الي كرة الماء ثم منه الي كرة الارض بمراتبها الثلث و هذا نهاية الادبار و لما كان مقام الادبار عن النور فلا شك ان مقام التنزل يورث الظلمة و هي تحدث البرودة و اليبوسة و ضعف بها الحرارة و الرطوبة شيئا فشيئا الي ان تغلب البرودة و اليبوسة فتخفي المراتب كلها في التراب و تموت فيه و لذا كان الاسم المربي لهذا العالم اسم الله المميت و لما كان سر التنزل كون الشيء جامعا مملكا من جهة اظهار الاسماء و الصفات و العظمة و الكبرياء و ذلك لايمكن الا بهذه الاطوار و الا اما ان يكون السافل عاليا و العالي سافلا او يكون الممكن بسيطا و كلاهما محالان او لم‌يكن كل شيء فيه معني كل شيء و قد اقمنا براهين قطعية علي بطلان هذه الشقوق كلها في محلها فلما تحققت المراتب و غلبت الكثرات و خفي [ص 67] ذلك النور اراد الله سبحانه امضاء ما اراد و اظهار ما احكم و ابرام ما اتقن امره بالاقبال و لما كان سبب التنزل اثبات المراتب فيجب ان لايكون الصعود علي طريق النزول و الا لكان النزول خاليا عن الثمرة اذ بصعوده كل مرتبة يعدم مرتبة الي ان يعود الي ما كان و لم‌يترتب ثمرة علي ما كان فوجب ان يصعد بحيث تكون المراتب كلها محفوظة و يعود كل مرتبة الي صفاءها الاصلية فاخذ في الصعود بما يحفظ به المقامات فاول صعوده كان في مقام الجماد و المراتب كلها مجتمعة فيه غير متميزة بل متهيئة للظهور بالقوة البعيدة ثم ترقي الي مقام النبات باسباب حركات الافلاك و تعاقب الليل و النهار و وقوع اشعة الكواكب و نضجه بالحرارة المعتدلة و الرطوبة السائلة و البرودة الحافظة و لو اردنا ان نشرح كيفيتها لطال بنا الكلام ففي هذه المرتبة ظهرت العناصر الاربعة التي كانت كامنة مستجنة فيه بآثارها فالحرارة و الرطوبة التي هي الهواء مالت به الي النضج و الهضم و التعفين و التقطير و البرودة و الرطوبة التي هي الماء مالت به الي دفع الغرائب و الاعراض و الفضلات فالماء يدفع الفضلات الغريبة و النار لطفت الاجزاء و صعدت بها الي الاعلي و الهواء دبر الاجزاء و ناسب بين احوالها الي ان جعلها صالحة للغذاء و ان يكون جزء للبدن و الارض حفظت الاجزاء و ماسكتها عن الاضمحلال و الدثور و بهذه الاسباب وجد النبات و ظهرت العناصر معلنة بآثارها و بقيت المراتب الاخر في مقام الخفاء و الاستجنان ثم بعد النضج الآخر صعد الي مقام الحيوان و اعتدلت الطبايع و نضج البدن حتي شابه جوهر [ص 68] جوزهر القمر ظهر سر الحيوة و ظهرت فيه ما كان كامنا و مستجنا فيه من قوي الافلاك و الكواكب و السيارات و الثوابت و العرش و الكرسي ثم صلح البدن بكثرة النضج و الطبخ في بطن الام الي ان خرج منها و قوي التأثير بتدبير الشمس و القمر بمعونة الحرارة الغريزية و عمل الملائكة المدبرات كل ذلك باذن الله تبارك و تعالي الي ان كمل و ظهر العقل في الجملة فخرجت النسمات معلنة بالثناء علي خالق السموات و تميزت المراتب و الدرجات الا ان ظهور تلك المراتب صارت بالسنة الطلبات و القابليات و لذا اختلفت في الظهور في الاعتدال و عدمه و غلبة طبيعة من الطبايع علي حسب تلقيها لتلك الاسباب لكن هذه النسمات لما خرجت من الكثافات و الظلمات الادبارية جهلت ما تقتضي كينوناتهم من التمسك بالاسباب الموصلة الي مقاماتهم الاصلية من الدرجات و النكبات حسب قبولهم و انكارهم في الذرات فكلفها الله سبحانه بالتكاليف التي هي الاسباب الموصلة كالشمس و القمر في الوصول الظاهري ( الظاهر خ‌ل ) و تلك الاسباب هي الشريعة المعروفة و الاخذ بها سبب الوصول كالاعراض عنها فلما نالوا نصيبهم من الكتاب و تمت هياكلهم بتلك الاسباب اراد الله سبحانه كشف الغطاء عن بصائرهم و ابصارهم ليرون مقامهم و اطوارهم و احوالهم و درجاتهم و ما خلقوا لاجله و ما بلغوا اليه بالاسباب التي اعد الله سبحانه لهم و لما كانت تلك الحجب و الاغشية و الكثافات الخارجية تمكنت لاجل ادبارهم في كل مراتبهم من اجسادهم و اجسامهم و ارواحهم و نفوسهم و عقولهم و رسخت في كل ذرة من ذرات [ص 69] وجودهم و اخراج تلك الكدورات و الحجب لايمكن الا بذوبان كل الاجزاء ليحترق الفاسد و يبقي الاصل الثابت كما قال عز و جل و اما الزبد فيذهب جفاء و اما ما ينفع الناس فيمكث في الارض فالخلق بعد بلوغهم رتبة التكليف اما الي الجنة و اما الي النار الا ان بينه و بين ادراك ملاذها و آلامها حجاب يمنعه عن الالتفات و ذلك الحجاب هو تلك الاوساخ الراسخة في مراتبه و ذاتياته فالله سبحانه يكشف ذلك الغطاء فيجد نفسه في القيمة قبل التصفية البالغة عن الخلط و اللطخ فيجد حينئذ الصراط و الميزان و تطاير الكتب فاذا خلص عن ذلك كله يجد نفسه اما الي الجنة و اما الي النار نستجير بالله من النار و هو قوله تعالي فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد و قوله تعالي كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين و قوله تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين و قوله تعالي الذين يأكلون اموال اليتامي انما يأكلون في بطونهم نارا ، و قال الصادق عليه السلم لمن قال اللهم ادخلني الجنة انتم في الجنة فاسئلوا الله ان لايخرجكم منها فاذا وجب كشف الغطاء و ذلك لايمكن الا بذوبان الاجزاء كالذهب المغشوش و كاللبن اذا ارادوا ان يستخرجوا منه الزبد و الدهن وجب كسر الصيغة في كل من فيه خلط و كدورة خارجية و ذلك الكسر هو عبارة عن الموت و لما كانت المراتب متمايزة فمن تمايزت مراتبه كلها في هذه الدنيا ينكسر اولا جسده و جسمه لانه الادني و كل ادني في القوس الصعودي يظهر اولا فتنكسر صيغة هذا الجسد و تنهدم بنيته و [ص 70] تبقي الروح في عالم المثال ساهرة لاتنام اما الي النعيم او الي الجحيم و يبقي الجسد مندكا منهدما لان يطهر من الاوساخ و يعود الي اصله الذي كان قد برء منه من الصفاء و النورانية و يكون اصفي و الطف و اقوي من جسم العرش محدد الجهات و اما الروح فتبقي في عالمها منعمة او معذبة و ذلك هو عالم البرزخ و شرح احواله يطول به الكلام و هي كذلك الي ان يأتي اوان تصفية الروح و ساير المراتب و ذلك يكون كليا عند نفخة الصور عند موت العالم الكلي فانه ايضا رجل عبد لله ( الله خ‌ل ) مكلف لا بد له من التصفية و هو لما كان اقوي بنية و انضج طبيعة يكون كسر جسده مع كسر ارواح ساير المخلوقات ممن لم‌يدركوا زمان الرجعة و دولة الكرة فاذا نفخ في الصور فصعق من في السموات و الارض و مات الخلق كلهم من النفوس و الارواح و العقول فبقي لا حس و لا محسوس الا من شاء الله و هم الذين لم‌يتطرق في ذواتهم و لا في مراتبهم الاصلية من اجسادهم و ارواحهم و عقولهم خلط و لطخ و كدورة و اعراض و ظلمة فلا موجب حينئذ لكسر بنيتهم و اهدام صيغتهم و فعل ذلك يورث العبث و الفساد و الله سبحانه منزه عن ذلك و هؤلاء هم محمد و آله الاربعة‌عشر المعصومون صلوات الله عليهم و علي ارواحهم و اجسادهم و اجسامهم و ظاهرهم و باطنهم فيبقي الخلق امواتا غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون فيأتيهم النداء من الملك الاعلي اين الجبارون اين المتكبرون لمن الملك اليوم فيجيب نفسه لله الواحد القهار و في الحديث عن الصادق عليه السلم قال نحن السائلون و نحن المجيبون و [ص 71] بالجملة فالخلق ( و الخلق خ‌ل ) يبقون امواتا الي اربعمائة سنة و لما كانت الارواح و غيرها من المراتب تطرق الخلل فيها اقل فيكتفي بهذه المدة المعلومة بخلاف الجسم فان تطرق الخلل و الفساد فيه اعظم و قولي فمن تمايزت مراتبه كلها في هذه الدنيا مرادي ان من لم‌يتميز جميع مراتبه و ماحيي الا جسده من ساير المستضعفين فهؤلاء لهم ميتة واحدة فاذا مات جسدهم و كانت ارواحهم ميتة قبل فلايكون لهم برزخ و لايحيي ( فلايحيي خ‌ل ) هؤلاء الاشخاص الا بعد النفخة الثانية فبعد هذه المدة التي ذكرناها ينزل من البحر الذي تحت العرش و اسمه المزن و الصاد و النون ماء رايحته رائحة المني فيمطر اربعين صباحا بحيث يكون وجه الارض كله ماء واحدا فتنبت ( فينبت خ‌ل ) اللحوم المصفاة و الاجزاء المنقاة من كل كثافة و رذالة و هي صافية نقية لطيفة اصفي من محدب محدد الجهات بل اصفي من غيبه لان لبه و صافيه بالنسبة الي ظاهره كلب اجسامنا و صافيها بالنسبة الي ظاهر القشور فتذهب تلك الاعراض عن الجسد بكثرة الحل و الدك و البقاء في الارض كما تذهب الاوساخ بكثرة الدلك في الحمام و الماء الحار و يبقي الجسم الحقيقي الذي خلقه الله عليه ليصح قوله تعالي كما بدءكم تعودون و كذلك الارواح بعد ان يتصفي بذهاب الاوساخ عنها مما لحقتها في حال الادبار و التنزل فينفخ في الصور نفخة اخري فاذا هم قيام ينظرون فيرد كل روح و يتصل ببدنه اتصال المحب بالمحبوب و العاشق بالمعشوق فلا مفارقة بينهما و لا زوال لارتفاع الموانع و كشف الغطاء و وجود المقتضي و كون الترقي الي الاعلي فتحشر هذه الارواح [ص 72] الدنياوية في هذه الاجساد الدنياوية الا انها ( انهما خ‌ل ) علي كمال اللطافة اما في النورانية او في الظلمانية فلو لم‌تتلطف لم‌يكن فرق بين الدنيا و الآخرة و لماصح قوله تعالي فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد فافهم فظهر لك ان شاء الله ان العود لايكون الا بهذا الجسم و اما ما اوردوا في هذا المقام من شبهة الآكل و المأكول فعلي ما قررنا لك لايبقي لها ( لك خ‌ل ) مجال فان من اكل آدميا و صار غذائه و نبت لحمه و دمه منه فاذا رجع كل شيء الي اصله فرجع ما اكل الي التراب و اما الجسم الحقيقي لذلك الآدمي المأكول فليس بمأكول و لاتهضمه القوة الهاضمة الدنياوية فانها اعلي من صفو الافلاك فكيف تهضمه القوي المركبة من هذه العناصر الاتري ان الرجل اذا سمن سمنا زايدا عن الحد لايخرجه عما هو عليه من كونه ذلك الرجل و اذا هزل كذلك كذلك فصار المعلوم ان مدار الشخص الجسماني الذي تدور عليه روحه ليس الا تلك اللطيفة الصافية التي تبقي في القبر مستديرة و لاتراها الابصار و لاتغيرها الليل و النهار و هو الجسم الحقيقي اذ لايلزم ان يكون جسم كثيف الاتري الافلاك هي اجسام حقيقية و لا كثافة فيها و هذا جسم النبي صلي الله عليه و آله جسم حقيقي و لكنه الطف من الافلاك فلايكون له ظل اذا استشرق به الشمس و اما رؤية الخلق لذلك الجسم المطهر فهي انما كانت بارادة منه صلي الله عليه و آله اما بان يرقي ( يقوي خ‌ل ) الخلق و يقوي ابصارهم حتي يتمكنوا من النظر اليه او بان يتنزل الي مقامهم بحكم و للبسنا عليهم ما يلبسون فالجسم الحقيقي لكل شيء لايكون غذاء لشيء آخر فاذا اكل اجسام كل الناس ماصار [ص 73] جزء بدنه الاصلي شيء من تلك اللحوم و انما صار اعراضها جزء لاعراضه كما اذا تراكمت الاوساخ و التئمت و نضجت تحركت و صار لها روح جزئي عرضي الاتري الفئران المتكونة من الطين و تتفق ( يتفق خ‌ل ) ان تكون ( يكون خ‌ل ) النصف طينا و النصف الآخر فارة و كذلك العقارب تتكون ( يتكون خ‌ل ) اذا نديت اللبنتين و جعلت احديهما علي الاخري الاتري القمل و البراغيث و بالجملة تلك الاجزاء الاصلية تبقي غيبا في الاجزاء العرضية التي صارت جزء بهذه ( لهذه خ‌ل ) الاوساخ العرضية كبرادة الذهب في دكان الصايغ و لايفني و لايكون جزء لشيء الي ان تعود كما كانت و كيف ( فكيف خ‌ل ) يكون جزء للآخر و انه نزل من سدرة المنتهي بل كان نورا ذائبا كان في حجاب العز يسبح الله بالف لسان و في كل لسان الف لغة فلما استشعر بنفسه و شاهد عظمة ربه استبطن الخوف و غلبت عليه برد الخوف فانجمد ( فانجمدت خ‌ل ) فكان الماسا فانغمس في بحر الهيبة و تردي بالخشوع و تأزر بالخضوع فقام منتصبا للقيام بالخدمة فظهر له مقام القدرة و القهر فبكي من هيبة القهار اربعمائة‌الف عام دما عبيطا بقوة حرارة قلبه و مزجها ببرودة خوفه المتحصل منهما الدم العبيط حتي غرق في ذلك البحر و مات من شدة الوجد ثم افاق من غشوته دخل في حوصلة الطير الاخضر من طير القدس فطار به الي عالم الانس فلما استوفي حظه فخرج يطلب مركزه فالتقمه الحوت فصار به في ظلمات ثلث حتي اتي به الي ساحل البحر الاخضر اطلعه من بطنه فتناثرت اعضاؤه فصادته الطيور و لحقت ( لحقته خ‌ل ) به الي الطاير الاول الاخضر فرمي به في ارض الزعفران فتقوي و استقام فحكي صنع الملك العلام فظهر [ص 74] يحكي آية ( ان خ‌ل ) الله سبحانه في ملكه و ملكوته حتي ظهرت مفصلة في النفوس فظهرت في الافلاك و وجدت علي هيكلها و هذا هو حقيقة الشيء من روحه و جسمه فكيف يكون جزء لحقيقة اخري ( جزئي خ‌ل ) مثله مع ان تلك الحقيقة ايضا كاملة في نفسها و مكملة لقوسي الاقبال و الادبار و لكن لما انجمدت القرايح و الطبايع و غلبت البرودة و اليبوسة و الرطوبة و تولدت منها ( منهما خ‌ل ) الامراض المزمنة و ظهر المرض في كل جزء من اجزاء الاكوان الارضية السفلية فكانوا لايبصرون و لايعقلون و يتوهمون ان الآدمي حقيقة يكون غذاء لآدمي آخر و ذلك معلوم ان شاء الله تعالي و السلام علي تابع الهدي .