رسالة في جواب محمدرحيم خان
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و اللعنة علي اعدائهم اجمعين .
اما بعد فيقول العبد الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب المفخم المعظم ذا الصفات الجليلة و السمات الجميلة اللوزعي الالمعي طالب الحق و الرشاد و سالك مسلك الهداية و السداد المغمور في عواطف الملك المنان محمدرحيم خان امده الله بالتوفيق و السداد و ايده بالهداية و الرشاد و وفقه لمعرفة المبدء و المعاد قد اتي بخمس مسائل كل مسئلة منها مفتاح باب من غوامض ابواب التوحيد و شرح لغاية ( لغات خل ) مراتب التفريد و التجريد و ان كانت ابواب التوحيد لا حصر لها الطرق الي الله بعدد انفاس الخلايق و ان كان بيت التوحيد لا باب له التوحيد ظاهره في باطنه و باطنه في ظاهره الا ان في مقام الفرق ظهر في خمسة مقامات و منها استنطقت الهاء فصارت مبدء هو بالاشباع و التأكيد فكان هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم و هو العلي العظيم و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و مرد تلك المسائل الي هذه الوسائل يا هو يا من هو يا من لا هو الا هو و طلب ايده الله تعالي بصنوف تأييداته من الحقير بيانها و كشف نقابها علي ما هو الامر في الواقع الاولي و قد كان ذلك لمثلي في غاية التعسر لكمال اختلال البال و تعارض الاحوال و معاناة السفر بالحل و الارتحال و مع ذلك كله ما كلما اعرف اقدر علي التعبير عنه و ذلك علامة عدم الاذن [ص 3] للاظهار و لا كلما اقدر علي التعبير عنه يتحمله الناس و قد قال مولينا الصادق عليه السلم ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ، و لكن لما كان سلمه الله تعالي من اهل الاجابة ما امكنني رد مسئوله و اني آت ان شاء الله تعالي بما هو المقدور لانه لايسقط بالمعسور و ملفق بين التلويح الي صريح الحقيقة و الاشارة الي ما عليه اصحاب الطريقة و التصريح علي ما عليه العامة علي الحقيقة ليعلم كل اناس مشربهم و لينال كل احد مطلبهم و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم ان حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش فانبذوا الي الناس نبذا فان عرفوا فزيدوا و الا فامسكوا ، و قد رتبت المسائل في الذكر و البيان باجوبتها علي ما رتب الله سبحانه عليه الوجود و تم به التوحيد و الشهود و ظهر العابد بالركوع و السجود .
و ها انا اذكر قبل الشروع في المقصود امورا يعينك علي فهم المسائل و امورا كثيرة مما عداها و ان كان لايخلو شيء منها .
اعلم اولا ان اختلاف مشاعر الانسان دليل اختلاف مداركه و هما دليلان علي اختصاص كل ادراك بما يناسبه من المشعر الخاص به فلاتطلب اذن الابصار بحاسة السمع و العكس مادمت في هذه الدنيا و لا ادراك الغيوب بالحواس الظاهرية .
و ثانيا ان الله سبحانه سار بخلقه كرما منه و عطفا عليهم في الف الف عالم بكمال صنعه المتقن و حكمه المبرم و جعل في كل شيء نسخة من كل عالم فكل شيء يصف كل شيء بما جعله الله سبحانه فيه من صفة كينونة ذلك الشيء علي طبقه فلايطلب معرفته الا بصفته المستودعة في ذات العارف او [ص 4] الدليل و ظهور هذه الجامعية في الانسان علي الوجه الاكمل فلاتطلب اذن صفة كل عالم من صفة عالم آخر فانه حجاب و قد قال مولينا الباقر عليه السلم علي ما في الخصال ان الله خلق الف الف عالم و الف الف آدم انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين و قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم :
دوائك فيك و ماتشعر و دائك منك و ماتبصر
و تزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و قال ايضا عليه السلم علي ما في الغرر و الدرر ما معناه ان الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه الله بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غائب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار و قال الله عز و جل و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و ما تري في خلق الرحمن من تفاوت و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة اجمع بين هذه الآيات و الاخبار لتفوز بالاسرار و تجد صحوا بلا غبار ان في ذلك لذكري لاولي الابصار .
و ثالثا ان ادركت الشيء بذاته فلاتحتاج الي الدليل و اذا ( ان خل ) احتجت اليه فليس لك الي ذاته حينئذ سبيل لان العبث لمتجر به كينونة الحق سبحانه فلاتجري به كينونة الخلق لانها صفة تلك الكينونة و اسمها و الاسم ما انبأ عن المسمي كما قال [ص 5] اميرالمؤمنين عليه السلم فما فهمته بالدليل من المدلول فهو ما ظهر لك في الدليل فهو اذن عين الدليل اذ لو كان غيره لما عرفته به و الشيء لايعرف الا به اذ الالتفات اليه حال الالتفات الي غيره مستحيل و معرفتك للشيء توجهك و التفاتك اليه فاذا ( فلو خل ) تخلل بينكما غيره فقد التفتت الي الغير و احتجبت عن الاصل فاذا توجهت الي الاصل و التفت اليه فمانظرت الي الغير و ماعرفته حينئذ فقد عرفت الشيء به فالمدلول هو ما ظهر لك في الدليل بعين الدليل مثاله انك اذا نظرت في المرآة و رأيت المقابل فحين التفاتك الي المقابل في المرآة انت ذاهل عن خصوصية المرآة و كونها دليلا للمقابل و غاية نظرك الي المقابل لكن ما عرفته من المقابل هو ما ظهر لك في المرآة و ذلك نفس المرآة و كذا ربما تصف المقابل الظاهر في المرآة بخلاف ما هو عليه اذا ( اذ خل ) كانت خارجة عن حد الاعتدال فلو عرفت المقابل الحقيقي في المرآة لما خالف وصفك اياه فماعرفت الا نفس المرآة و هي نفس المقابل للمرآة في المرآة و هذا معني اتحاد الدليل و المدلول و معني تخالفهما فافهم و نزيدك بيانا ان شاء الله تعالي فاذا فهمت هذا فاعلم ان العالم عالمان عالم النهاية و عالم اللانهاية و الثاني علي قسمين احدهما اللانهاية بحسب الاستمرار و الوجود و الدوام و يشترك فيه كل من ذاق ثمرة الكون و الوجود و دخل بيت الله الحرام فان من دخله كان آمنا لان فيه آيات بينات مقام ابرهيم فهيهات من بر و هام في محبة الملك العلام ان يطرء عليه الاعدام فان الحبيب لاينفي حبيبه و الخليل لايطرد [ص 6] خليله ففناؤه حينئذ في بقائه ففناؤه بقاء و وجود اذ ليس له بقاء حتي يكون معدم فان و انما هو في بيداء الحب هائم و بمحبوبه بار دائم و من البر بالمحبوب ان يتجاوز عن الشهود فاذن لاتندرس مقاماته و معالمه و لاتنطمس آثاره و مراسمه فمن دخل بيته الذي فيه مقامه امن من كل الاذيات و ثانيهما اللانهاية بحسب الذات و الوجود و هذا علي قسمين احدهما اللانهاية بحسب سريان نور الظهور بان يكون صالحا للظهور بكل طور و التشأن بكل شأن و لاينتهي الي حد لايتصور له طور اعلي او اسفل او في المتوسطات كالواحد الساري النازل في مراتب الاعداد بحسب الشئون و التطورات لكن لاتجد حدا الا و تري الواحد قبله و بذلك يكون منشأ مرتبة و يظهر فوقه اي تحته و يكون منشأ مرتبة اخري و هكذا في المراتب السافلة الي ما لا نهاية له و مرادي بالمراتب النازلة الآحاد الي العشرات الي المآت الي الالوف الي اللكوك الي الكرور الي الشئون الي الارادب و هكذا الي ما لا نهاية له و كذلك اذا صعد في المراتب العالية في النصف و الثلث و الربع و الخمس الي ما لا نهاية له و هذا القسم من اللانهاية له علي قسمين قسم لا نهاية له بحسب التطور في الصفات و التعين بالحدود و الانيات و خلع صورة و لبس اخري و ظهوره في كل الجهات و قسم لا نهاية له بحسب الظهور في الصفات الفعلية و التعلقات العرضية و ثانيهما اللانهاية بحسب التنزيه عن كل الحدود و التجريد عن جميع التعين فلا له حد ينتهي اليه من اقتران و اتصال و انفصال و ايتلاف و اختلاف و تميز و افتراق و نسبة و ارتباط [ص 7] و اسم و مسمي و اطلاق و تقييد و وحدة و كثرة و بساطة و تركيب و صفة و موصوف و اصل و فرع و استدارة و استقامة و امثالها من الامور التي تنتهي الي جهة و توصل الي حد و ان كان في الصفات الذاتية او الفعلية او الحقيقية او المجازية و هذا غاية سير الامكان و ليس قرية وراء عبادان و اما عالم النهاية فهو عالم الحدود و مقامات القيود و هي مجموع دائرة الواو كما ان عالم اللانهاية مجموع دائرة الهاء و بهما ظهر هو فكان هو العلي العظيم و هذه الستة تدور علي ثلثة ( ثلثة اشياء خل ) اولها و هو اعلاها عالم العقول و اصلها و منشأها العقل الكلي و النور المحمدي صلي الله عليه و آله و هذا العالم علي ثلثة اطوار و ادوار اعلاها و اقصاها العقل المرتفع و هو بالنسبة الي عالم النهاية كمحدب محدد الجهات الي عالم الاجسام و اوسطها العقل المستوي و به ينكشف سر الباطن و اثبات الحقايق و نفي المجازات اي بان لا مجاز و منه رجوع الكثرات الي الواحد و هو الكلي الطبيعي الساري في افراد الموجودات اما بذاته او بظهورات ذاته و به يعبد الله سبحانه و يكتسب الجنة و اسفلها العقل المنخفض و هذا بالنسبة الي ذلك العالم كفلك القمر الظاهر في فلكه الجوزهر بالنسبة الي عالم الاجسام و منه منشأ الكليات التي ذكرها اهل المنطق علي تقدير صحتها و صحة بعضها و ثانيها و هو اوسطها عالم النفوس و يسمي عالم الملكوت و لها ايضا ثلثة اطوار و ادوار و نسبتها الي عالم النهاية كنسبة العناصر الي عالم الاجسام و ثالثها و هو اسفلها عالم الاجسام و ذكر احوالها و شرح احكامها لايناسب [ص 8] هذا المقام فليطلب من ( في خل ) ساير رسائلنا و هذا الذي ذكرنا لك عليه مدار علم العلماء طرا فلايخلو منها علم من العلوم و رسم من الرسوم و كل هذه المراتب قد اوجدها الله سبحانه بلطيف صنعه في كل المخلوقات و قد خص الانسان بظهور مواقعها و مراتبها المتمايزة فيه منا منه و كرما حيث حكي الكينونة بسر البينونة ( الكينونة خل ) فتشرف بالشرف الاقدم و الكرم الاعظم فالانسان بمراتبه الممتازة هو مواقع النجوم اي العلوم الالهية الناشئة من سماء الفيض و الجود و الكرم فاذا اردت نحوا من انحاء العلوم فاطلب موقعه فيك حتي تجده فان طلبته من غيره فلنتجده فان كان من علوم اللانهاية فاصعد الي ذروة وجودك و حقيقة ذاتك فاعرفها بها و ان كان من احكام البواطن و الاسرار و معرفة اغصان سدرة المنتهي بجميع الاوراق و الثمار فالتفت الي جانب العقل و هو النور الذائب المتعلق بالعرش الراكع الخاضع لعظمته سبحانه فالتمس منه نيل مطلوبك خاضعا لله تعالي و خاشعا و هو ملي بالاجابة و يفتح لك الباب و مراتب العقل عند الالتفات علي حسب مراتب العلم كما اشرت اليه آنفا و ان كان من احكام الظواهر فارجع الي النفس فانه شيخ كبير قاعد علي كرسي من الدم فيفتح لك الباب اذا اراد الله سبحانه ملهم الصواب و هنا تفصيل غريب لايسعني الآن بيانه و هذا العلم الظاهر في الحقيقة الاولية و هو الآن عند ابناء هذا الزمان من اغيب الغيوب و ابطن البواطن .
و رابعا اعلم انك قد نزلت من المكان العالي الفسيح من العالم اللانهاية حتي مررت في نزولك بالعقل الفعال فامرت بتبعيته بالادبار [ص 9] فنزلت بالادبار مدبرا و مقبلا الي غاية مقامات الادبار و هو التراب فتعلق بك اسم الله المميت فاماتك و هو قوله تعالي و كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون ثم ناداك الله سبحانه بالاقبال اليه و الادبار عما سواه و سبب لك الاسباب بان القاك في السحاب ثم في المطر ثم في السنبلة ثم في الشجر ثم في صلب ابيك ثم في رحم امك بداعي الشهوة الحيوانية ثم في النطفة ثم في العلقة ثم في المضغة ثم في العظام ثم في الهيكل التام الصورة فظهرت الروح بعد كمال الجسد ثم انزلك الي هذه الدنيا بعد كمال قواك و مشاعرك و اعضاك و جوارحك و لكن لما كانت ضعيفة غير ناضجة بقيت الي مضي خمسةعشر سنة فكملت القوي وجودا و قواما و نضجا و اعتدالا فكما بلغ جسدك و نضج بدنك و كمل بشريتك و وصلت الي اكمل المقامات و المراتب و اعدل الامزجة و صلح البدن لان يكون مركبا للروح لسيرها في مقامات كمالاتها بتنقلات اطوارها و بلوغها الي رتبة الكمال الانسانية كالبدن سبب الله سبحانه لها اسباب صعودها الي ذروة شهودها و تهيئة تلك الاسباب هي تمكين قابليتها لاستماع خطاب اقبل القار المستمر الثابت الدائم ابد الابد فالناس بحسب تعلقها بتلك الاسباب اختلفت مقاماتهم و مراتبهم في الصعود فمنهم من لميصعد و بقي في مقام الابهام كالارض و هم المستضعفون الذين لايجدون حيلة و لايهتدون سبيلا و منهم من صعد اي اقبل الي الله سبحانه فحدثت فيه الحرارة الغريزية المعنوية فعرف بذلك الرب في الجملة لضعف [ص 10] الحرارة ثم ظهر اسرافيل فنفخ في روعه نفخة من ريح الجنوب فعرف بذلك النبي صلي الله عليه و آله ثم رماه التقدير الي الارض المقدسة فعرف هنالك الولي ثم مال الي مصر فانغمس في النيل فعرف نفسه انه من الرعايا التابعين ثم لميزل نظر الي نفسه فغلبت عليه اليبوسة بجمود القريحة و كثرت الرطوبات الفضلية الناشئة من الميل الي الخلق فضعفت الحرارة و غلبت اليبوسة و خفيت الرطوبة المعنوية لكونها من الميل الي السوي مما يرجع الي نفسه فانجمد و ركد فصار مقامه مقام الجماد و بقي لايدرك و لايفهم شيئا من الاسرار الدقيقة مما يرجع الي العليين او الي السجين الا ما يلتذ به جسمه و يبقي به لحمه و دمه فتوجه عليه ( عليهم خل ) التعبير من العلي الكبير ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة فشبههم بالحجارة و هي رتبة الجماد فتجري عليه كل احكام الجمادات او انهم عين الحجارة حقيقة بناء علي ما ذهب اليه المحققون من اهل المعرفة ان المشبه في القرآن و احاديث اهل البيت عليهم السلم عين المشبه به و هؤلاء الذين همتهم ما يدخل في بطونهم فيكون مقدارهم ما يخرج عن بطونهم كما عن النبي صلي الله عليه و آله و منهم من لميقف بل صعد و حصل له نضج آخر بتكرار الرياح الاربع كما ذكرنا و بقي واقفا في رتبة النبات و هم الذين اشار اليهم الباقر عليه السلم نحن و شيعتنا الناس و ساير الناس غثاء ، و قال عز و جل و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة و هؤلاء همتهم اكل لطايف الاغذية و الاحتراز [ص 11] عن كثايفها و مرادهم التفكه و تجري عليهم احكام النبات من الامور الخاصة لها حرفا بحرف اذ لا فرق بينها و بينهم في هذه الصفة و منهم من صعد عن هذا المقام و وصل الي مقام الحيوان و شابه مزاجه مزاج باطن جوزهر القمر بزيادة النضج و كثرة الطبخ فبقي واقفا في هذا المقام و هو الذي يحوم حول نفسه علي احد الوجوه و هؤلاء شأنهم الظلم و الغشم و محبة الجماع و محبة الصور الجميلة و العشق و محبة الغناء و محبة الرياسة و الاستيلاء و امثال ذلك من الامور التي تشترك فيه الحيوانات انظر الي شهوة الدب و مكر الارنب و عشق القرد و تغني البلبل و تراس الاسد و غضب الكلب و سلطنة الزنبور و امثالها مما هو متفرق في ساير الحيوانات لضعف بنيتها عن حمل الصورة ( الصور خل ) الجامعة بخلاف الحصة الحيوانية العرضية التي في الانسان فانها انضج بنية و اعدل مزاجا و اقوي قواما و دواما فلما كان همهم انفسهم نكست رؤسهم و نظروا الي الاسفل و اعرضوا عن الاعلي فصاروا لايدركون شيئا من الحقايق و لايعرفون الدقايق و لايستنشقون رايحة الاسرار و لاينظرون الي عالم الانوار و هم الذين قال الله تعالي فيهم ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال عز و جل و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الغافلون و هؤلاء هم الاغلب و لذا قال مولينا الباقر عليه السلم الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل ، [ص 12] و هم الذين قال عليه السلم المؤمن اعز من الكبريت الاحمر و هل رأي احدكم الكبريت الاحمر ( الاحمر و هكذا اي احدكم الكبريت الاحمر خل ) ، فلا حظ لهؤلاء من علم الاسرار و لا لمشاهدة الانوار و منهم من صعد الي الرتبة الانسانية المعنوية فصار ظاهره طبقا لباطنه و باطنه وفقا لظاهره و هو من اهل الجنة حقا و علامة هؤلاء ظهور النفس المطمئنة فيهم كما قال عز و جل يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و هؤلاء هم القليلون كما قال عز و جل و قليل من عبادي الشكور ، و قليل ما هم ، و ماآمن معه الا قليل ، فشرب منه الا قليل و الاسرار تظهر من هؤلاء الانوار و هم اهل بيت العلم و معدن الحكمة و الحلم ابدانهم مع الناس و قلوبهم معلقة بالمحل الاعلي و لهم مراتب كثيرة و مقامات عديدة حسب تفاوت مراتبهم في الجنة فمنهم من هو واقف علي الكثيب الاحمر في الجنة و منهم من هو واقف في مقام الرفرف الاخضر و منهم من هو في ارض الزعفران و منهم من هو في مقام الاعراف و منهم من هو في مقام الرضوان و لهم هناك مقامات و احوال و درجات و اطوار يقصر اللسان عن بيانها و الجنان عن حملها ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
و هؤلاء هم حملة الاسرار و هم الابواب الذين اليهم تشد الرحال و اياهم تقصد الرجال فان كنت من سنخهم و صقعهم فهنيئا لك و ان لمتكن منهم فاستمسك بعروة محبتهم و اعتصم بحبل مودتهم فانهم الابواب الي الائمة الطاهرين و هم القري الظاهرة التي اعدت للسير الي [ص 13] القري المباركة ليالي و اياما آمنين و قال الباقر عليه السلم نحن القري التي بارك الله فيها و القري الظاهرة شيعتنا و هم الذين قال الصادق عليه السلم انظروا الي رجل قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا و لميقبل منه فكأنما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا الراد علي الله و الراد علي الله علي حد الشرك بالله و لكن لاتغرنك الاباطيل و لاتضلنك الاضاليل و لاتغتر باقوال اهل السوء فان المدعين لهذا المقام كثير سيما في هذا الزمان و الصادقين قليلون قال الشاعر و نعم ما قال :
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
اذا انبجست دموع في خدود تبين من بكا ممن تباكي
و امر الله سبحانه ظاهر و حجته بالغة و دلايله واضحة و جعل لاهل الحق و الباطل و الامتياز بينهما ادلة و علامة ليميز الله به الخبيث عن الطيب و قد استوفينا الكلام عن هذا المرام و ذكر العلامات و الدلائل الفارقة في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل خصوصا في الجلد الثاني من شرح الخطبة الطتنجية و جواب مسئلة اتانا من ارض الغري علي مشرفها آلاف التحية و الثناء من الرب العلي فمن اراد ان يظهر له حقيقة الامر فليراجع هناك و لو اردنا ان نذكر شيئا منها في هذا المقام لفات عنا المقصود لضيق المجال و كوني علي اهبة السفر و كذلك السائل اطال الله بقائه .
فاذا عرفت ما سطرنا و ذكرنا تبين لك اشياء [ص 14] كثيرة لايمكن التفوه بها خوفا من اشباه الناس و علمت ايضا ان الذين يعرفون الحق الذي اراد الله عز و جل في المسائل النظرية من الامور الظاهرية من عالم النهاية قليلون فما ظنك في المسائل الحقيقية من عالم اللانهاية و حيث ظهر لك ان دليل كل شيء من سنخ ذلك الشيء بل عين ذلك الشيء فمن كان في عالم النهاية من الرتبة الانسانية لايسعه ادراك ما في عالم اللانهاية من تلك الرتبة الا اذا صعد اليها و لايمكن للعالم ان يعرفه الا ان يصعد به الي تلك الرتبة و ذلك لايمكنه دفعة واحدة لعدم نضج القابلية و تهيئة الاستعداد و انما ذلك شيء فشيء بالتدريج الي ان يوصله الي مقام اوائل جواهر العلل انظر الي الحكيم المدبر كيف يدبر هذا الحقير الذليل الموضوع علي المزابل الذي لايلتفت اليه احد و يرقيه بالتدريج الي ان يوصله الي رتبة الاكسير حتي يحيي العظام و هي رميم فيصبر علي النار و يثبت له القرار نعم علي العالم ان يثبت المسئلة و يحققها بحيث يتبين تحققها كالشمس في رابعة النهار و ليس عليه ان يعرفها كما انك اذا بينت ( قلت خل ) للاعمي و قررت له ان الشمس طالعة و اوضحت له حتي عرف و قطع بوجودها و ليس عليك ان تريها اياه و لايمكنك ذلك الا اذا كنت تبرئ الاكمه الاتري ان العلماء حكموا بان الحسن و القبح عقليان فترد عليه مسائل من الاحكام الفقهية لايعرفون حقيقتها و لا اصلها و لايدركون شيئا منها يقرون بها و يعتقدون انها مما يحسنها العقل و يقبحها و ان لميدركها و يدرك حقيقتها و كذلك الكلام علي القول بالمناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني و حقيقة الامر ان [ص 15] كل سافل دليل علي العالي و الدلالة علي قسمين دلالة الوجود و دلالة المعاينة و الشهود فدلالة الوجود اقرب الي الكينونات من دلالة الشهود و لذا تجد الخلق كلهم يقرون بان لهم خالقا و لكنهم مختلفون في معرفته و صفاته و كينونته فمن قايل بانه جسم و هم فيه ايضا مختلفون و من قايل بانه مثال و صورة و من قايل بانه مادة و هيولي و من قايل بانه طبيعة و دهر و من قايل بانه نفس و روح و حيوة و من قايل بانه معني من المعاني و من قايل بانه ليس كمثله شيء فمااختلفوا في الوجود و انما اختلافهم في العيان و الشهود و ان كان ذلك الباب مسدودا فاذن فاعلم ( فاعلم ان خل ) في كل مسئلة مقامان احدهما مقام الاثبات و الثاني مقام الفهم و المعرفة و الاول لايستلزم الثاني كما ان الثاني يستلزم الاول فلاتطلب الثاني الا بعد ان حققت الاول فاذا حققته فابن امرك عليه و استعن بالله في معرفته فان عرفك فله الفضل و المنة و الا فلاتفسد عليك رأيك بانكار المسئلة حيث لمتعرفها و من جهة اشتباه اكثر الطلاب هذه الدقيقة وقعت في افهامهم اضطرابات و الله الموفق و المعين .
و خامسا اعلم ان كل شيء له ثلث جهات الجهة الاولي وجهه الي الله سبحانه و هو بهذا الوجه خير و نور و المراد بهذا الوجه جهة تلقيه المدد من الله سبحانه و قبوله الافاضة و كونه محلا لتعلق فعل الله الخاص به و حيث ان الفعل من حيث الذات واحد و الاختلاف انما هو بالعرض من جهة التعلق يكون اختلافه العرضي علي حسب اختلاف المتعلقات فتكون الاحوال الثابتة في المفعول علي جهة التركيب و التعدد [ص 16] و الاختلاف ثابتة في الفعل من جهة الوجه المتعلق بالمفعول علي جهة الوحدة و البساطة و الشرافة فالناظر الي هذه الجهة ناظر الي كل الجهات و الاحوال علي جهة التفصيل من حيث استنادها الي القادر المتعال و اضمحلالها عند جلال قدرته و فنائها عند ظهور سطوع نوره و للناظر الي هذه الجهة مذاقات و عادات فمرة ينظر اليها من حيث انها اشعة آثار فعله و تشعشع ظهور جماله فينادي بلسان حاله و مقاله لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و مرة يشاهد الحق سبحانه بآثار فعله باضمحلال تلك الاثار من حيث نفسها فيقول ليس الا الله و صفاته و اسمائه كما عن الرضا عليه السلم و مرة ينظر الي فنائها و بطلانها و عدم تحققها و تذوتها عند ظهور الجمال الاعظم فيقول ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك كما عن الحسين عليه السلم و مرة ينظر الي ان الخلق آثار و معلولات و الاثر لا قوام له الا بالمؤثر بل ظهور الاثر بفاضل ظهور المؤثر فيقول ما رأيت شيئا الا و رأيت الله قبله و بعده و ( او خل ) معه كما عن اميرالمؤمنين عليه السلم و مرة ينظر الي ان الخلق فيض من الله سبحانه و الكريم لاينقطع جوده و لاينفصم عطيته و لا كرمه معلول من غيره حتي يتوقع وجوده فيقول سبحان من هو ملكه دائم لايزول اللهم اني اسألك باسمك العظيم و ملكك القديم و لميكن خلوا من الملك قبل انشائه كما عن الباقر عليه السلم و مرة ينظر الي ان بالخلق ظهرت عظمة الله و كبريائه فحقايقهم تلك الحكاية اذ بينهم و بين خالقهم بينونة صفة [ص 17] لا بينونة عزلة فيقول سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و يري حينئذ ان الملئكة غذائهم التسبيح و التقديس و الانسان اعظم من الملائكة فيكون الخطب هنا اعظم و مرة ينظر الي ان الاشياء كلها واقفة بباب احسانه سبحانه و لائذة بجناب عزه و معتصمة بذمامه المنيع الذي لايطاول و لايحاول فتطلب منه المدد و تصفه بانه الحي القيوم الصمد فيقول يسبح الله باسمائه جميع خلقه كما في الزيارة الجامعة الصغيرة و مرة ينظر الي ان الاشياء في كل احوالها و اطوارها و اكوارها و ادوارها لاتقوم الا بمشية الله سبحانه فيقول ما من ذرة في الوجود الا و موكل عليه ملك من قبل الله عز و جل يدبره له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و امثال هذه الانظار الواقعية كثيرة و المراد الاشارة الي نوع المسئلة و بالجملة الناظر الي هذه الجهة لايفقد ربه ابدا بحال من الاحوال و لاينظر الي شيء من الاشياء و جهة من الجهات بجميع اطوار النظر الا و يجد ربه سبحانه ظاهرا بفعله فيه و يجعل مرد جميع العلوم مما يتعاطي به الناس و غيره كلها الي فيضه تعالي و هذا هو الذي يذكر اسم الله عند كل شيء و هو الممتثل ( المتمثل خل ) لقوله عز و جل و كلوا مما ذكر اسم الله عليه و المنزجر عن قوله عز و جل و لاتأكلوا مما لميذكر اسم الله عليه و انه لفسق و الاكل اعم من الاكل المعنوي الذي هو العلم و الاكل الصوري و قد روي عن الصادق عليه السلم في قوله تعالي افلاينظر الانسان الي طعامه قال عليه السلم اي الي علمه ممن يأخذ و هذا ذكر بعض احوال الجهة الاولي .
[ص 18] الجهة الثانية هي وجه الشيء من نفسه و هو حجاب الجهة الاولي و به يقول الانسان انا و انت و هو و نحن و ذلك حين تجد نفسك و تذهل عن ربك و هذه الجهة هي جهة الضيق و الحرج لانه مقام الاختلاف و الانجماد و البرودة و اليبوسة و منشأ الفساد و الضلال و كل ذلك منشأه الغفلة عن ذكر الله عز و جل لان النور انما يحصل بالله تعالي و الاقبال اليه اذا ادبروا عنه تعالي نسوا ذكره كان ظلمة غاسقة مدلهمة فمن لميجعل الله له نورا فما له من نور و ذلك مثل ما عند اهل النجوم و الهيئة و الحساب و ساير الرياضيين و علم الحروف و الاوفاق و علم السيميا و الهيميا و الريميا و الليميا و العلوم الادبية ( الآلية خل ) مما هو معروف عند الناس لا كما عليه اولئك الاشخاص السالمون عن شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس لانهم يبحثون عن كل العلوم لكن بعد ذكر اسم الله و ها انا امثل لك مثالا تعرف به نوع المراد مثلا اهل الهيئة يقولون في الليل و النهار ان الارض جسم كروي و الشمس ايضا كذلك فمهما تقابل الشمس جزء من الارض ينعكس الظل من الجانب الآخر فيحدث الظل المخروطي في المقابلة فالذي يحيط به الظل عنده ليل و الذي علي الجانب المقابل عنده نهار فلايزال نهار عند طايفة او بالنسبة الي مكان و ليل بالنسبة الي مكان آخر هذا محصل ما ذكروا و اما ما ورد عن ائمتنا الصادقين عليهم السلم في هذا المرام ان الله سبحانه خلق الشمس و وكل عليها سبعينالف ملك يجرونها بالكلاليب فاذا آن وقت الغروب سجدت الشمس تحت العرش و ينزع [ص 19] عنها النور فلما انقض الليل ينادي ( فنادي خل ) اولئك الملئكة يا ربنا هل نكسها ( نكسوها خل ) حلة النور ام لا فيأتيهم النداء بذلك ثم ينادون يا ربنا من اين نطلع بها امن مغربها او من مشرقها فيأتيهم النداء بالذي يريد سبحانه ثم يكسونها حلة من ضوء العرش علي مقدار طول ذلك اليوم و قصره نقلت معني الحديث انظر الآن الي هذا الكلام و كلام اهل الهيئة و المراد في ( من خل ) كلا القولين و المحصل واحد الا ان هذا الكلام قد ذكر عليه اسم الله بخلاف كلامهم فصار هذا بذلك نورا و ذلك ( ذاك خل ) بهذا ظلمة مع ان محصل الكلامين واحد يشتمل كلام الامام عليه السلم علي رموز غريبة و اسرار دقيقة يقصر اللسان عن بيانها و قد ذكرنا في المجلد الاول من شرح الخطبة بيانا لهذا الحديث و الاشارة الي بعض اسراره و من اراده فليراجع اليه و يكفيك ما ذكروا في الفرق بين الحكمة و الكلام ان الحكمة يبحث فيها عن احوال المبدء و المعاد عن ( من خل ) غير ملاحظة مطابقتها علي نهج قانون الاسلام بخلاف علم الكلام فاذن اي نور يرجي من هذا البحث و السر في ذلك هو ما ذكرنا لك من انهم انما نظروا الي الجهة السفلي للشيء و حكموا عليه بها و لذلك تشتت العلوم عندهم و اختلفت كلمتهم و صارت العلوم بعضها حجابا للآخر لان نظرهم الي الاختلاف و الله سبحانه يقول ما تري في خلق الرحمن من تفاوت ، و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فثبت ان الاختلاف خلاف محبة الله سبحانه و خلاف مشيته العزمية و اما اولئك الابرار فلميزل نظرهم الي الله و به يعرفون الاشياء و استدلالاتهم كلها لمية علي اصطلاحهم و [ص 20] مرجع العلوم كلها عندهم الي واحد و هو قول سيدهم و مولاهم اميرالمؤمنين عليه السلم العلم نقطة كثرها الجاهلون و هذا شرح بعض احوال الجهة الثانية .
و الجهة الثالثة هي الحقيقة بين الحقيقتين و الواقف بين الطتنجين و لما كان مرجعه الي الجهتين المذكورتين فمن كان الي جهة الثانية اميل فيجري ( فتجري خل ) عليه احكامها و كذلك الحكم بالعكس و معني كلامي انهم يريدون في اصل المسئلة وجه الله و لكن حين النظر و الاستدلال غافلون عنه تبارك و تعالي و ذلك كما يقولون في اصول ( اصل خل ) الفقه ان الامر مثلا حقيقة في الوجوب و الدليل عليه العرف لان السيد اذا قال لعبده افعل و لميفعل عد عاصيا و ذلك معني الوجوب و يرجع كلامهم هذا الي قول الامام عليه السلم حيث قال انا لانخاطب الناس الا علي ما يعرفون ، و لكنهم حين الاستدلال ليس في نظرهم ذلك و اما المقتصرون نظرهم الي الجهة العليا الاولي فعندهم ايضا ان الامر للوجوب و لكن لا لما قالوا بل لان الامر يحكي سلطنة الله و حكمه و سلطانه و حكمه لازم لان الامر عندهم هو قول كن في كن فيكون كما قال عز و جل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و الامر التكويني و التشريعي واحد لا اختلاف بينهما الا من جهة المتعلق لا بل من جهة الظهور لا بل من جهة الاجمال و التفصيل كما شرحناه و فصلناه في شرح الخطبة فعلي ما ذكرت ظهر لك مراتب العلماء و اقدارهم فاذا كان كذلك فلايجري نمط استدلالات الطايفة الاولي المقتصرين نظرهم علي الجهة العليا علي نمط استدلالات الآخرين بل بينهما فرق بين و تفاوت بعيد آه آه ،
[ص 21]شتان ما يومي علي كورها و يوم حيان اخي جابر
فاذا سمع الآخرون شيئا من ذلك النمط انكروهم و نسبوهم الي القول بغير الدليل و الله سبحانه يقول و اذ لميهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم ، بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و لذا تري ان كلمات الائمة عليهم السلم لمتجر علي ما جرت به كلمات اهل المنطق و غيرهم و انحاء استدلالاتهم و لميذكروا عليهم السلم في محاوراتهم مع الخصوم و غيرهم من المقدمات التي عندهم كالكليات الخمس و الكليات الست و الكبري و الصغري و المقدم و التالي و امثالها مما تداول عندهم و لميتفوهوا عليهم السلم بها و لميدلوا عليها لا لان كلما ذكر اهل المنطق و غيرهم من كيفية الدليل و الاستنباط و القواعد و القوانين باطل بل لان مقامهم عليهم السلم لايقتضي ذلك لانهم وجه الله و السفير بينه و بين خلقه فيجب ان لايغفلوا عنه في جميع محاوراتهم و استدلالاتهم و كلماتهم و ساير اوضاعهم في كل احوالهم في الفاظهم و معانيها الصادرة منهم عليهم السلم و علي الشيعة ان يتبعوهم و لايخالفوهم و لقد امر الله سبحانه بذلك حيث قال و لكم في رسول الله اسوة حسنة و قد اجمع الفرقة المحقة علي ان حكم الرسول و الائمة صلي الله عليه و عليهم واحد في كل الاحوال الا ما اختص به النبي صلي الله عليه و آله و ليس هذا من المختصات فاذا ( فان خل ) كان كذلك فلايطلب من الشيعة المخلصين الا اقتفاء آثارهم و سلوك منهجهم في الالفاظ و المعاني و لما كانت تلك القواعد و القوانين المعروفة عند اهل الرسوم مبعدة عن ذكر الحق [ص 22] سبحانه كما مثلت لك وجب علي المنصف المتدين صرف النظر في ما يذكره الله عز و جل اذ كل لذة بغير ذكره و كل راحة بغير انسه باطل فاسد مضمحل و كلما يشغلك عن ذكر الله فهو صنمك و مرادي بذكر الله ان يكون ذلك البيان و ذلك الاستدلال بصرافته يدل علي الله سبحانه لا من جهة الاصل و المنشأ بحسب الادعاء كما مثلت لك بقول اهل الاصول فانهم احسن استقامة من غيرهم و مع ذلك فهو كما تري فنحن ان شاء الله تعالي نجري كلامنا علي ما جري عليه النظام الطبيعي في خلق الله سبحانه في كل المسائل سواء كانت من عالم النهاية او عالم اللانهاية الا ان الكلام اذا كان من قبيل الاول يسهل تناوله و فهمه و اما اذا كان من قبيل الثاني فيصعب تناوله لانه سر و لايفيده الا سر و قد قال الصادق عليه السلم ان امرنا سر و سر لا يفيد الا سر و سر مستسر و سر مقنع بالسر ، و المسائل التي نحن بصدد بيانها كلها من قبيل الثاني لا الاول كما نبين ان شاء الله تعالي فمن استقام علي الفطرة و ترك العصبية و القي سمعه و هو شهيد ينال حظه الاوفي و الا فلا و نعم ما قال الشاعر :
و من حضر السماع بغير قلب و لميطرب فلايلم المغني
المسئلة الاولي : في شرح ما روي عن مولينا الصادق عليه السلم علي ما في مصباح الشريعة العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق او لميكف بربك انه علي كل شيء شهيد اي موجود في غيبتك [ص 23] و حضرتك ، الحديث .
اقول هذا اول المسائل و اول الوسائل و فيه تمام اسرار التوحيد بمراتبه كلها و هي و ان كانت ( كادت خل ) لاتحصي الا ان كلياتها مائة و ثمانية و عشرون و فيه شرح الاسماء و الصفات و جهات التعلقات و مقامات الواحدية و فيه شرح اسرار القيومية و ظهورات الرحمانية و فيه شرح اعرفوا الله بالله و فيه سر التكليف و وقوع العبادات و تحقق الارشادات ( الاشارات خل ) و فيه تمام سورة الحمد الا انها تتم علي التفصيل بتمام المسايل و اما ما يتعلق بهذا المقام هو بسم الله الرحمن الرحيم بل من هذه المسئلة يظهر سر المسائل الاخر كما قال مولينا الصادق عليه السلم ان الله اجل ان يعرف بخلقه و انما خلقه يعرفون به و شرح هذه الاحوال كلها يؤدي الي بسط في المقال و ليس لي الآن ذلك الاقبال مع ضيق المجال و الاشارة الي بعض الاحوال علي سبيل الاجمال هي ان الربوبية و ان كان لها معان و اطلاقات الا ان الاغلب يطلق علي ثلثة مقامات الاول مقام الربوبية اذلامربوب ابدا لا ذكرا و لا عينا و هو مقام الذات البحت التي انقطعت عنده الاشارات و العبارات بل و الدلالات كما قال عليه السلام له معني الربوبية اذلامربوب و معني الخالقية اذ لا مخلوق و حقيقة الالوهية اذ لا مألوه و ذلك مقام الاحدية و لايقع النفي هناك علي سبيل الاشارة و انما كان من غير اشارة كما قال عليه السلم في هذا المقام كشف سبحات الجلال من غير اشارة و هذا معني التنزيه الصرف عند العارفين بالله لا كما قالوا بسيط الحقيقة كل الاشياء الثاني مقام الربوبية اذلامربوب عينا [ص 24] لا ذكرا و هو مقام الواحدية و رتبة الامكان الراجح و مقام الفعل و متعلق الاعيان الثابتة العلمية الامكانية لا الازلية كما زعموا و مرتبة الفيض الاقدس و مقام الاسم الاعظم و هو اول الظهور باول الظاهر في اول المظهر و هو ذكر الاشياء في الفعل قبل التعلق بالمفعولات و هو قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا ، قال الصادق عليه السلم كان مذكورا في العلم و لميكن مكونا الثالث مقام الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا و هو مقام القيومية المطلقة الثانية و رتبة الرحمانية و مقام استواء الرحمن علي العرش و مقام اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و هو مرتبة تعلق الفعل بالمفعولات و المشية بالمشآت و بين هذه المقامات الثلثة مراتب كثيرة و درجات غريبة عجيبة و حيث ان المخلوقين باسرها من آثار فعله تعالي و لا شك ان الاثر لايلحق المؤثر في رتبة ذاته و الا لميكن اثرا هف فلايتأتي للاثر ادراك ذات المؤثر و لا ادراك فعله لكونه عندهما معدوما لا ذكر له هناك و انما وجوده و ذكره في الرتبة الثانية اللاحقة فاذا اراد الصعود الي الاعلي احترق و انعدم و هو معني قوله عليه السلم ان لله سبعينالف حجاب من نور و ظلمة و لو كشف واحد منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من الخلق فاذا امتنعت معرفة الخلق لذات الحق و فعله و لا شك انه سبحانه انما خلق الخلق لان يعرفوه كما قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و العبادة لاتتحقق الا [ص 25] بعد المعرفة فمابقي الا ان يعرفهم سبحانه و تعالي نفسه و يصف لهم معرفته حتي يعرفوه بما وصف لهم به نفسه و لما كان الوصف علي قسمين وصف حالي و وصف مقالي و الوصف الحالي لا شك انه اجلي من الوصف المقالي و الوصفان لا شك انهما اكمل من كل واحد منهما و لما كان امر الله سبحانه و فعله يجب ان يجري علي اكمل الاستقامة و احسن الاطوار بحيث لايمكن لاحد ان يقول لو كان كذا لكان احسن علي الواقع وجب ان يصف الله سبحانه نفسه لخلقه بالوصفين حتي تكمل نعمته و تتم حجته و تكون له الحجة البالغة و القدرة الشاملة و لما كان الوصف الحالي اجلي وجب تقديمه علي الوصف المقالي و لما كان الوصف للمعرفة و لا شك انه كلما كان اقرب الي من وصف له كان اكمل و اتم لتحقق كمال المعرفة و ليس شيء اقرب الي الشيء من نفسه اليه وجب علي الله سبحانه ان يجعل حقايق الخلق صفة معرفته و هيكل توحيده و بيان ربوبيته ففعل سبحانه و له المنة و الفضل و خلق صفة توحيده في حقيقة ذوات الخلق بحيث اذا وصلوا اليها عرفوا ربهم بما وصف لهم به نفسه و هو معني قوله عليه السلم يا من دل علي ذاته بذاته و قوله عليه السلم في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا انت لمادر ما انت اذ لولا تلك الصفة الالهية المستودعة فيك ماعرفته سبحانه و تلك الصفة هو الذي جعلها فيك لتعرفه بها فقد عرفته به كما قال الصادق عليه السلم اعرفوا الله بالله و تلك الصفة هي الربوبية الظاهرة للمربوبين و هي كنه ذات العبد و مثاله بالتقريب و لله [ص 26] المثل الاعلي المرآة فان المقابل اذا تجلي فيها القي في هويتها مثاله اي صفته و هذه الصفة هي صفة رسم حدثت بفعله فانت اذا نظرت الي المرآة عرفت المقابل بالصفة التي جعلها لك لتعرفه بها فلولا تلك ماعرفته و هذه الصفة لا فرق بينها و بين المقابل في التعريف و المعرفة الا انها عبده و خلقه فلا طريق لك الي معرفة المقابل عند عدم المواجهة حين المقابلة بالمرآة الا بتلك الصفة التي هي المثال فتعرفه بها مع انها غيرها بل لا شيء عندها و بينها و بين المقابل بينونة صفة لا بينونة عزلة و معني بينونة الصفة ان يكون الاثر صفة دالة علي المؤثر و المغايرة بينهما مغايرة الصفة و الموصوف اذ الصفة لا شك انها غير موصوفها و لما كانت هذه الصفات كلها صفات فعلية لاينافي ما ذكرنا قول اميرالمؤمنين عليه السلم كمال التوحيد نفي الصفات عنه فاذا فرضت نفسك الزجاجة المنطبعة فيها الصورة عرفت انك لنتعرف المقابل الا بتلك الصورة و اذا فرضت نفسك تلك الصورة كما ان الحق ان المرآة هي نفس الصورة لا الزجاجة علمت انك لنتعرف المقابل الا بمعرفة نفسك التي هي عين المثال و الصفة و هو قوله عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربه و هو قوله صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و في الانجيل يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا و الضمير هو الظاهر بالكلام لا الذات البحت و ذلك هو الذي تجلي لموسي علي الجبل و ذلك هو قول اني انا الله الذي حكي اميرالمؤمنين عليه السلم عن الله تعالي لموسي فالمتجلي لموسي هو نفس تلك الحكاية و [ص 27] هذا التجلي يكون لساير الرعايا لكنه حكاية الحكاية نسبة حكاية موسي عن اميرالمؤمنين عليه السلم حكاية الصدا عن الصوت و كذلك نسبته عليه السلام حين تلقيه عن الله عز و جل بواسطة النبي صلي الله عليه و آله فحكايته عليه السلم صدا ذلك الصوت لايسمع فيه صوت الا صوتك و لايري فيه نور الا نورك فافهم فقوله عليه السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية يريد بالعبودية حقيقة ذات العبد و لذا قال عليه السلم جوهرة و انما عبر عنها بالمصدر لبيان ان المصادر ذوات مستقلة و ان كانت معاني بالنسبة الي الفاعل و ان حقايق الخلق كلها اسماء معان بالنسبة الي فعله تعالي كما ان القيام اسم معني للقائم و القعود اسم معني للقاعد و العلم اسم معني للعالم و الحيوة اسم معني للحي و كذلك حقايق الخلق بالنسبة الي فعله تعالي كالقيام و القعود بالنسبة الي الشخص و القيام كنهه القائم و قد دلت الادلة العقلية و النقلية كما شرحناها و فصلناها في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل ان القائم في زيد قائم ليس عين ذات زيد و لايرجع ضميره اليها و الا لما كان قاعدا فان الصفة الذاتية لاتنفك عن الذات ما دامت الذات و الا لميكن ( لمتكن خل ) ذاتية و لاتتغير الذات بتغيير ( بتغير خل ) الآثار حتي تستحق عند ايجاد كل اثر اسما في ذاته لان الاسم القايم قبل القيام لميكن ثابتا في رتبة الذات فلما قام ثبت له اسم القيام فان كان هذا الاثبات في رتبة ذاته لتغيرت الذات حيث عرضها ما لميكن عندها و ذلك العروض انما كان باثرها و هذا قول لميتفوه به عاقل فضلا عن فاضل عارف حكيم فاذن مرجع هذه الصفات هي [ص 28] الظهورات فالقائم هو ظهور الذات بالقيام لا نفس الذات و القاعد هو الظهور بالقعود و لا شك انه حين القيام لا ظهور له الا نفس القيام و حين القعود لا ظهور له الا نفس القعود و لما كان جهة الظهور اعلي من جهة القيام كان الظهور باطن القيام و القعود و لما كان الظاهر انما هو في رتبة الظهور لا في رتبة الذات و الا لميكن ظاهرا هف اذ الذات من حيث هي اي في رتبة مقامها لمتكن ظاهرة و الا لمااحتجنا في ظهورها الي اثر هف لانها حينئذ اما عين ذاتنا او ظهور من ظهوراتنا كان الظاهر باطن الظهور و ذلك الظاهر هو انا في قوله و باطنك انا و هو الكينونة في قوله تعالي خطابا لآدم و طبيعتك خلاف كينونتي و هو الروح في حديث آدم روحك من روحي و بروحي نطقت و هو الربوبية في هذا الحديث المبارك لان الربوبية معني مصدري و هو صفة الرب و تلك الصفة هي حقيقتك و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم فالقي في هويتها مثاله اي صفته و تلك هي الربوبية في المقامات الثلثة كما بينا اعلم انك اذا نظرت في المرآة لك فيها ملاحظتان و نظران احدهما انها صفة و آية و دليل لمعرفة المقابل الخارجي و صفة استدلال عليه بوجه من وجوهه و ثانيهما مشاهدة المقابل فيها و الحكم عليه بها مع قطع النظر عن نفس المرآة و عن كونها آية و دليلا ففي النظر الاول يكون الحكم علي نفس المرآة التي هي الصورة من حيث اضمحلالها و فنائها و نسبتها الي الغير و في النظر الثاني يكون الحكم علي المقابل الخارجي من حيث هو من حيث استقلاله و تذوته فعند [ص 29] ملاحظة النظر الثاني يكون الاول نازلا منزلة الاثر او الظهور و لايبقي له مقام الظاهر و المؤثر و لما علم الامام عليه السلم ان بعض ( بعض اصحاب خل ) الضلال و اولي الافهام المغيرة بالنكراء و الشيطنة لتشيد باطلهم و تلبيس كذبهم و زورهم علي العوام يتشبثون بهذا الحديث لو اقتصر علي هذه الفقرة خاصة و يدعون ان كنه الخلق و حقيقتهم هو ذات الله عز و جل كما قال انا الله بلا انا و سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها و ان كانت هذه الفقرة وحدها ترد ادعائهم و تبطل دعويهم اذ الربوبية معني حدثي وصفي لايصح ان يكون عين الذات البحت لكنه اراد عليه السلم تثبيت الامر و تحقيق الحق و اكمال النعمة علي المؤمنين و اتمام الحجة علي الكافرين فقال عليه السلم ابانة لرفع الواهمة و دحضا للشبهة الباطلة و اثباتا للحجة البالغة و اعلاء للكلمة العالية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و هذه الربوبية هي المنظور اليها بالربوبية التي هي كنه العبد و ان كان النظر في هذه الربوبية و هي الربوبيات الثلث التي حقيقة العبد و كنهه تجليها و دليلها و العبودية حينئذ نفس حقيقة العبد التي ذكرنا انها الربوبية الظاهرة كما مثلنا لك بالمرآة و تعدد اللحاظ في النظر ( بالنظر خل ) اليها فالحكم حينئذ علي المقابل الخارجي الاصل الذي تلك الحقايق شئونات آثاره و ظهورات افعاله و لما كانت الربوبية التي هي كنه العبد التي هي نفس العبودية صفة و مثالا للرب الفاعل الخالق و كانت الصفة ليست الا محض الحكاية و الدلالة وجب ان يفقد فيها الاستقلال و التذوت و التحقق و الا [ص 30] لماكانت صفة بل كانت ذاتا فتكون البينونة بينونة عزلة لا بينونة الصفة فما فقد في الصفة من الاستقلال و عدم الاستناد و عدم الغناء و الحاجة و كونه منشأ للآثار و مهيجا للنار الكامنة في الاسرار مما دلت عليه الصفة التي هي العبودية و الا لكانت مستقلة كل ذلك موجود في الربوبية المنظور اليها بهذه العبودية فصارت هذه العبودية شبحا لا روح له و انما قوامه و تأصله و تحققه بغيره و هو قول مولينا الحسين عليه السلم لما سئله حبيب بن مظاهر اي شيء كنتم قبل خلق السموات و الارض قال عليه السلم كنا اشباح نور ندور حول العرش قال و ما الشبح قال عليه السلم ظل النور و في رواية آخر كنا ابدانا نورانية لا ارواح لها يريد عليه السلم بقوله هذا المعني الذي ذكرنا فقوله عليه السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية اشارة الي ما في الدعاء و مقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها اذ هذه الربوبية التي هي كنه العبد لا فرق بينها و بين الربوبية الحقيقية الالهية في التعريف و التعرف و المعرفة من عرف نفسه فقد عرف ربه و قوله عليه السلم فما فقد في العبودية الخ ، اشارة الي تتمة هذا الدعاء لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك و قد اثبت عليه السلم بكلامه هذا فيما نسب اليه الجمع بلا تفرقة زندقة و التفرقة بلا جمع تعطيل و الجمع بينهما توحيد فلو قال العبودية جوهرة كنهها الربوبية فاكتفي كان جمعا بلا تفرقة فاثبت الفرق روحي فداءه في قوله فما فقد اه و لو قال [ص 31] عليه السلم و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية من غير قوله العبودية جوهرة كنهها الربوبية كان تفرقة بلا جمع و الجمع هو الذي ذكره بقوله عليه السلم و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية اي الربوبية التي هي كنه العبودية فانها صفة و علامة تدل علي الخارج علي حسب مقامه انظر الي المرآة التي يسمونها بالفارسية آئينه جهاننما فانك اذا نظرت فيها وجدت بحار الهند مثلا و قصورها و ابنيتها و دورها و بساتينها و مزارعها و سواقيها و امثالها مما هو مخفي عنك و انت في بلاد العجم مثلا و لا شك ان الآثار المترتبة علي تلك الحقايق الموجودة الخارجة لاتترتب علي تلك الصور و الهيئات ( تلك الهياكل خل ) و كلها مفقودة فيها الا ان كلما خفي فيها من الاحوال و الاوضاع و الامور ظاهرة في هذه المرآة فحقايق العباد هي تلك المثل و الهياكل و تلك ( تلك هي خل ) الفطرة التي فطر الله الناس عليها و قال عليه السلم كل مولود ولد علي الفطرة و لكن ابواه يهودانه و ينصرانه و قد دلت الروايات ان المراد بها التوحيد فما خفي في الربوبية من الصفات و الاحوال الالهية من قيوميته و وحدته و الوهيته و رحمانيته و ساير صفاته كلها اصيب من الاصابة و هي الوصول و الاتصال في العبودية و هي تلك الحقيقة المثالية و الخطاب الشفاهي و النقش الفهواني و اما وجه بطلان قول القائلين بوحدة الوجود علي ما يزعمون في معتقداتهم من هذا الحديث الشريف فهو ان العبودية في قوله عليه السلم فما فقد في العبودية وجد في الربوبية لاتخلو اما ان تكون عين الربوبية المذكورة في هذه [ص 32] الفقرة ام لا و الاول باطل جدا لاستحالة الفقدان و الوجدان في شيء واحد سيما بالنسبة الي ذات الله عز و جل اذ لايصح نسبة فقدان شيء اليه ( اليها خل ) سبحانه و تعالي فوجب التغاير و هو الشق الثاني مح فما هذه العبودية هل هي جهات الحدود و العوارض و القيود علي ما يزعمون في الفرق بين الواجب و الممكن الاطلاق و التقييد كما قال شاعرهم :