قال سلمه الله : و ان كان المراد ان نظام العالم كان مقتضيا للايجاد علي جهة الاختلاف فالاختلاف منوط به فهو جبر محض .

اقول هذا الكلام يحتمل وجهين احدهما صحيح و الآخر فاسد اما الاول فبان يقال ان فعل الله سبحانه يجري علي احسن النظام و احسن النظام في العالم ان لايخلقوا علي جهة الجبر و الاضطرار و الاختيار ليستلزم ( يستلزم خ‌ب‌١ ) تعدد الجهات و هي لتستلزم ( تستلزم خ‌ب‌١ ) الاختلاف باختلاف الميولات و الاقتضاءات علي ما ذكرنا سابقا مفصلا فان اريد هذا المعني فهو صحيح لا شك فيه و يشهد عليه قوله نظام العالم كان مقتضيا فان ( فان هذا خ‌ب‌١ ) الاقتضاء يرجع الي نظام العالم لا الي ارادة الله سبحانه فكان الاختلاف من اقتضاء الغير و ان كان بالله فلو كان محض ارادة الله لقيل ان الله سبحانه جعل العالم مقتضيا فحينئذ يستلزم الجبر و الظلم و اما اذا قيل بان الله وجد ( اوجد خ‌ب‌١ ) الاختلاف باقتضاء نظام العالم حسب القابلية ( القابليات خ‌ب‌١ ) كما فصلت ( فصلنا خ‌ب‌١ ) سابقا فهو الحق [ص 31] الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه و اما الثاني فبان يقال ان العالم كالبيت كما ان البيت يحتاج الي اوضاع مختلفة لايستقيم بدونها كذلك العالم يحتاج الي عال و سافل و شريف و وضيع و طيب و خبيث فخلق الله الخلق علي ذلك الاقتضاء و هذا القول فاسد باطل كما ذكرت سابقا مشروحا فراجع و ما قال سلمه الله فهو جبر محض صحيح في هذا الشق الثاني و في الشق الاول اختيار محض .

قال سلمه الله : سؤال - المعروف من كلمات شيخنا ادام الله ظلاله ( اطال الله بقاه خ‌ب‌١ ) ان الاختلاف انما كان في الصورة يعني في الذر الثاني فان الذر الاول اعني عالم العقول المتكون من ماء الوجود و ارض الجرز المشروط بالاكوان هيولي الاولي للانسان و فيها معاني الاشياء متمايزة بحسب المعني و هو المقام الذي اشار اليه سبحانه كان الناس امة واحدة و الذر الثاني ايضا مسبوق و مشروط و متوقف علي ما يتوقف علي ( عليه خ‌ب‌١ ) الذر الاول من الماء و ارض القابلية و الاكوان الا ان هذا جميعا من فاضل ما يتوقف عليه الذر الاول و هذا هو الخلق الثاني المشار اليه في الحديث السعيد من سعد في بطن امه و الام عبارة عن صورة الاجابة التي خلقت الاشياء و منها ظهرت و عنها برزت ما هو الكامن فيها في الخلق الاول و مثال ( منازل خ‌ب‌١ ) الاول المداد المركب من صمغ و سواد و زاج و عفص و ملح و صبر و نبات و آس فكلما ( فكما خ‌ب‌١ ) ان المداد من حيث هو صالح للاسم الشريف و الوضيع و انما يتميز منها بالصورة الثانية اي الكتابة بهيأتها و هي الماهية الثانية فسئلهم لعلمه بهم حين سئلوه ان يسئلهم الست بربكم .

[ص 32] اقول اعلم انا لانتصدي لشرح عبارات شيخنا و استادنا اطال الله بقاه المنقولة و لو اردنا ان نتصدي لذلك لطال بنا الكلام لما في كل كلمة و عبارة من الحكم و الاسرار و العلوم و الانوار مما لايكاد تحتمله القلوب و الافكار و تستطيع لمشاهدة نورها الاعين و الابصار بل نقتصر علي بيان موضوع ( موضع خ‌ب‌١ ) السؤال و نتجنب من تطويل المقال لما في قلبي من دواعي الملال و ما انا عليه من اختلال الاحوال و اعلم انا قد ذكرنا لك ان الواحد البسيط الشامل الكامل الذي لا ثاني له اشرف و احسن من الكثرات و الاختلافات و من الواحد الذي له ثاني و قد ذكرنا ايضا ان فعل الله سبحانه يجري علي اكمل الوجوه و احسن النظام فكان اول متعلق فعله واحدا بسيطا اضافيا لا ثاني معه ثم لما ابطلنا الجبر و جهة الوحدة يستلزمه ( تستلزمه خ‌ب‌١ ) جعل الله سبحانه فيه صلاحية المتعلق ( التعلق خ‌ب‌١ ) بالكثرات و الظهور باطوار التعينات و هذا اول التركيب من جزء من اليبوسة و اربعة اجزاء من الرطوبة لشدة العموم و الشمول و كثرته و خفة الخصوص و الجمود و قلته و ذلك هو معني اللابشرط و المعني الاطلاقي عند اهل الاصول و الكلي الطبيعي عند اهل المنطق و الاحد الساري و الواحد الساري في الاعداد عند اهل العدد ( الاعداد خ‌ب‌١ ) و الالف اللينية الظاهرة بالالف المتحركة القائمة السارية في كل الحروف عند اهل الحروف و المثلث الغير المتفق ( المضيق خ‌ب‌١ ) بالبيوت عند اهل الاوفاق و المصدر المشتق عن ( عنه خ‌ب‌١ ) الاسم الفاعل و الاسم المفعول و ساير المشتقات او مع الافعال كلها علي الخلاف عند اهل الصرف و هو اللفظ ( اللفظ الساري خ‌ب‌١ ) في الكلمة السارية في الاسم و الفعل و الحرف [ص 33] بمتعلقاتها و احوالها و اوضاعها عند اهل النحو هو ( و هو خ‌ب‌١ ) النقطة الواحدة الظاهرة في النقاط الاربعة الظاهرة في الاشكال و البيوت الستة‌عشرة ( الستة‌عشر خ‌ب‌١ ) عند اهل الرمل و هو الحق المخلوق به و الوجود المطلق اللابشرط عند اهل الاشراق و هو امر الله و نور الله و كلمة الله و آدم الثاني و الاصل القديم و الفرع الكريم و الاب المطلق و الهيولي الاولي و النفس الرحماني بفتح الفاء الثانوي و دلالة الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و مادة المواد و اسطقس الاسطقسات و الفؤاد و المداد و بحر المزن و الصاد و منشأ تولد القابليات و معني الاسماء و الصفات و مظهر الانوار و التجليات الواقف علي الطتنجين الملتقي للعالمين اي الحاوي ( للعالمين الحاوي خ‌ب‌١ ) لاسرار النشأتين و رحمة الله الواسعة و قدرته الشاملة و نعمته الوازعة و صراطه المستقيم و نوره القويم و حكمته البالغة عند اهل المعرفة و هو المسمي بالوجود المقيد اي مبدءه و منشأه و اصله ثم لما خلقه الله سبحانه اقامه في ظله فخر ساجدا تحت عرش ربه الف سنة ثم رفع راسه و قال اللهم انت اكرم الاكرمين و ارحم الراحمين اجعلني برحمتك و فضلك اشاهد اسماءك و صفاتك و اري انوار قدرتك و بهائك و اتقلب في جلال عظمتك و اتغوص في بحار آلائك فاجاب الله سبحانه دعائه لانه تعالي لايرد سائليه و لايخيب آمليه فبعثه سبحانه الي بلد الكثرات و ارسله الي مقام تفاصل ( تفاصيل خ‌ب‌١ ) الآثار و الافعال من الذوات و الصفات لينال بذلك مطلوبه و يصل الي مأموله فنزل من سماء الاطلاق الي ارض التقييد و من علو الوحدة الي ارض الكثرة و هي ارض الجرز و هي عبارة عن المشخصات [ص 34] الستة المذكورة المستدعية للمشية و الارادة و القدر و القضاء و الاذن و الاجل و الكتاب فتحدد بالحدود و تشخص بالقيود فكان ذائبا فانجمد و لكن لما كان هذه الحدود اول التعين و اقرب التعينات و الحدود الي الوحدة البسيطة لم‌يكن تشخصه تشخصا محضا بحيث و لايقبل ( بحيث لايقبل خ‌ب‌١ ) الشمول و الاحاطة و ( و انجماده خ‌ب‌١ ) انجمادا بحيث لايقبل ( لم‌يقبل خ‌ب‌١ ) السيلان بل انجماده اضافي و كتشخصه ( اضافي كتشخصه خ‌ب‌١ ) و انما هو واحد سار شامل لكنه لا كسريان الاول و جريانه و هذا هو الوجود بشرط لا و هو العام عند اهل الاصول اي العام الاستغراقي بحيث عنده ذكر جميع تلك الكثرات و ملاحظة كل تلك الافراد لكنها ليست ممتازة ظاهرة بعضها عن بعض و انما هو كالمداد المركب من الصمغ و السواد و العفص و الملح ( الزاج خ‌ب‌١ ) و الصبر و النبات و غيرها لكنه شيء واحد مذكور فيه جميع الحروف المكتوبة بجميع انحائها لكنها غير متميزة باشخاصها و هذا هو العالم بجميع ( العام يجمع خ‌ب‌١ ) اقسامه عند اهل الاصول و الكلي العقلي عند اهل المنطق و الواحد المبدء للاعداد كلها عند اهل الاعداد و الالف المتحركة القائمة عند اهل الجفر و التكسير و ساير اهل الحروف و هو الشكل المثلث المتساوية الاضلاع المستخرج عنه الشكل المستدير و المربع عند اهل الهندسة و اهل الاوفاق و هو الفلك الاعظم و محدد الجهات عند الطبيعيين و اهل النجوم و هو الكلمة المنقسمة الي الاسم و الفعل و الحرف عند اهل النحو و هو الفعل الماضي المشتق عنه الافعال كلها عند اهل الصرف علي مذهب البصريين و هو شكل الطريق عند اهل الرمل و هو العقل الاول عند المشائين القائلين بالعقول العشرة [ص 35] و هو العقل الكلي عند اهل الاشراقيين ( عند الاشراقيين خ‌ب‌١ ) و هو العقل و الروح و القلم و المصباح و النفس الرحماني الثالثي و العرش الاعظم و آدم الثالث و ابو الوجودات المقيدة و روح القدس و الروح من امر الله و الملك الذي له رؤس بعدد رؤس الخلايق مما وجد و ما سيوجد الي انقضاء الازمنة و الدهور الغير المتناهية و هو آكل الباكورة في جنان الصاقورة و هو العمود من النور و هو الحجاب الابيض من الدرة البيضاء و غيرها من الاسماء الالهية عند اهل المعرفة من شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و هذا هو الذر الاول اذ فيه ذكر الاشياء و وجودها الذكري علي نهج التفصيل لكن لا امتياز بينها و لا صورة ( صور خ‌ب‌١ ) معينة مشخصة و ان كانت هناك حدود معنوية كلية ثم لما جعله الله سبحانه في هذا العالم اي عالم العقول و عالم الجبروت بقي قائما بين يدي الجبار و قائلا سبوح قدوس ربنا و رب الملائكة و الروح الف سنة ثم استدعي الظهور باستدعاء القابليات و الكينونات المستجنة فيه الغير الظاهرة كصور الحروف المكتوبة ( المكنونة خ‌ب‌١ ) في المداد و هنا مقام كان الناس امة واحدة اذ لا اختلاف هناك و لا تعدد في الظاهرة ( الظاهر خ‌ب‌١ ) و انما هو شيء واحد صالح للتعين بكل تعين و التصور بكل صورة ثم قال يا رب ارني عظمتك و قدرتك التي استطلت بها علي كل شيء فاجاب الله سبحانه دعاءه و اخرج تلك الاعيان و تلك النسمات في عالم التشخص و الظهور الخارجي فخرجت تلك الذوات متمايزة باقتران القوابل و الماهيات متكثرة مختلفة و ذرات متمايزة كل واحد منها يصلح لكل شيء ثم اقتضت الفيوضات و الامدادات و الرزق و [ص 36] الاجل و البقاء و الفناء و الدوام لبقاء كينونتها و اثبات انيتها و حقيقتها و لما كان الجبر محالا علي الله و تلك الاعيان بقوابلها ماتقتضي الاجبار فلو كان الله يعطي الكل علي حد سواء لماقبلوا لو خليوا و طباعهم بما فيهم من تلك الحدود و الاقتضاءات المختلفة المتفاوتة حسب دواعي الانيات و الكينونات علي ما ذكرت سابقا و اجبارهم خلاف المشية الحتمية و لو انه تعالي يمدهم و يعطيهم علي التفاوت من غير سبب خارجي لكان ذلك موجبا لعدم ابلاغ الحجة فكلفهم الله سبحانه في العالم الثاني اي الذر الثاني ذر النفوس فسئلهم سبحانه تعالي لما سئلوه تعالي المدد و الفيض علي جهة الاختيار لا الجبر و الاضطرار و كان ذلك لايمكن الا ان يكلفهم و سئلهم ( يسئلهم خ‌ب‌١ ) ما يريدون و ما لايريدون فسئلوه تعالي ان يسئلوهم ( يسئلهم خ‌ب‌١ ) و هذا معني عبارة مولينا اطال الله بقاه فسئلهم لما سئلوه ان يسئلهم الست بربكم الخ ، و هذا المجمع المحشر ( و المحشر خ‌ب‌١ ) الذي اجتمعت فيه ارواح الخلايق و امتاز بعضها عن الآخر بالصورة الخاصة به علي حسب الاجابة و الانكار هو عالم النفوس فمن اجاب و اقر مخلصا خلقه الله تعالي من صورة الاجابة و هو ( هو الصورة خ‌ب‌١ ) الانسانية و ساير هياكل التوحيد و من لم‌يقر و انكر خلقه الله من الصورة الخبيثة الحيوانية السبعية و ساير هياكل الشرك و من لم‌يقر و لم‌يجحد لم‌يخلقه و ابقاه علي ابهامه حتي يقر او ينكر فالشقي شقي في بطن الام و هو الصورة الشيطانية و السعيد سعيد في بطن الام اي في الصورة الانسانية و قبل الاجابة و السؤال كان كل واحد منهم صالحا للآخر مثاله الخشبة فانها في نفسها صالحة للسرير و الصنم [ص 37] فاذا صنعته سريرا او ضريحا للقبور المقدسة المنورة كانت بتلك الصورة سعيدة بحيث يقبلها الانبياء و المرسلون و الملائكة المقربون و ان صنعته صنما كان بتلك الصورة خبيثة لم‌يقربه المؤمنون و الملائكة و هو محل ورود الشياطين و الملاحدة و يجب كسرها فصارت السعادة و الشقاوة في صورة الاقرار و الانكار و اما اطلاق الام علي الصورة فمن جهة العقل و النقل و الاشارة اليها توجب التطويل و اما الاشارة الي النقل فمن قول مولينا الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نور ( نوره خ‌ب‌١ ) و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة الحديث ، فكان الخلق ممتازين مصورين في ذلك العالم و جعل الله سبحانه و قدر لهم بحسب اجابتهم و انكارهم الرزق و الاجل و العزة و الفقر و الغنا و ساير الاحوال الجارية عليهم في هذه الدنيا و غيرها من البرزخ و العقبا فبقوا في ذلك العالم ما شاء الله حتي اماتهم الله بلطيف حكمته و اذهب امتيازهم و تشخصهم و رجعهم الي الطين طين الطبيعة ثم احياهم في هذه الدنيا ثم يميتهم ثم يحييهم و هو قوله تعالي و كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون و كون الاشخاص باختلافاتها في عالم النفوس مثل كونهم في هذه الدنيا حرفا بحرف الا ان ذلك الطف و اشرف و انور و لذا قال عليه السلام في الروح انه جسم لطيف البس قالبا كثيفا فافهم فقد اسمعتك تغريد الورقاء بفنون الالحان علي اغصان سدرة المنتهي و شجرة الطوبي ( طوبي خ‌ب‌١ ) .

[ص 38] قال سلمه الله تعالي : فيلزم من ذلك اولا كونه منافيا لكلامه السابق في الجملة و ثانيا ان يكون عالم العقول مخلوقا اولا قبل عالم النفوس فيلزم التعطيل مع انه خلاف المعروف من الاخبار الواردة عن الائمة الاطهار عليهم السلام .

اقول اما منافاة هذا الكلام لكلامه السابق فحاشاه ان يكون كذلك و لا منافاة بين كلماته بوجه من الوجوه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و ما ذكره اطال الله بقاه ( و جعلني في كل محذور فداه خ‌ب‌١ ) كله من عند الله سبحانه لانه المحسن و الله مع المحسنين لانه المجاهد في الله فالله هداه سبل علومه و اسراره بل كلماته في كمال التوافق نعم لما كان غواصا في بحر الصاد و آخذا من ذلك المداد و هو يصلح لكل شيء فجري ( فيجري خ‌ب‌١ ) كلامه امده الله تعالي علي انحاء شتي تبعا لائمته عليهم السلام ( السلام كما ان لهم ع خ‌ب‌١ ) بابا ترد ( يرد خ‌ب‌١ ) الاختلافات الواردة في كلمات العترة الطاهرة عليهم السلام الي امر واحد و حكم غير مختلف و هو القرية الظاهرة للسير الي القري المباركة عليهم السلام كذلك لخواص شيعتهم يجب ان يكون بابا يعرف مصدر كلامهم و مورده و يجعل كل شيء في محل ( محله خ‌ب‌١ ) فان وجدت ذلك الباب فعليك بملازمته ليعرفك الخطاء من الصواب و يدلك الي الطريق الاقصد الارشد و الا فاياك و الخوض في هذه الكلمات الغامضة و الاشارات الفائقة لا فدع ( الفائقة فدع خ‌ب‌١ ) عنك بحرا ضل فيه السوابح و لولا ما انا عليه من الكسل و الملل و ضعف البنية و توافر ( توفر خ‌ب‌١ ) الاشغال لبينت لك من اسرار كلماته و تلويحات اشاراته ما تتحير فيها العقول و علمت صدقي في دعواي و ساوضح ذلك انشاء الله [ص 39] في رسالة منفردة ان مدني الاجل ،

و هب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

و مما ذكرنا و فصلنا ظهر لك وجه عدم المنافاة فلانعيد و اما قوله و ثانيا ان يكون عالم العقول مخلوقا قبل عالم النفوس فيلزم التعطيل مع انه خلاف المعروف من الاخبار فاعلم انه لا شك و لا ريب ان عالم العقول مخلوق قبل عالم النفوس و الاخبار الدالة عليه كثيرة بعد دلالة العقول الصحيحة المستنيرة ( المنيرة خ‌ب‌١ ) كما ذكرنا مجملا منها سابقا و منها قوله عليه السلام ان الله خلق العقل و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فقوله عليه السلام اول خلق صريح في ان ما سواه بعده في الوجود و قوله عليه السلام اول ما خلق الله عقلي و نوري و امثالها من الاحاديث كثيرة اما التعطيل فيلزم لانه انما يلزم اذا كانت القبلية و البعدية زمانية و اما اذا كانت ذاتية كقبلية السراج و تقدمه علي الاشعة فلايلزم التعطيل و انما ذلك محض الافاضة علي انحاء مختلفة و اطوار متعددة اظهارا لكمال قدرته تعالي و ابانة عن ظهور جلال عظمته و المراد بالقبلية الذاتية ان لايكون البعد في رتبة ذات القبل بل كان في مقام قشره و قشر قشره و قشر قشر قشره و هكذا او في ( في مقام خ‌ب‌١ ) صنعه و اثره و ظهور صفته و مثاله فالنفس للعقل بمنزلة الاول فهما دفعة في الزمان و احدهما مقدم علي الآخر في الدهر و هو اوسع من الزمان بل الزمان و الزمانيات كلها بالنسبة الي الدهر كالنقطة في وسط الدايرة ( الدايرة و خ‌ب‌١ ) كالدرهم بين يديك فالتقدم [ص 40] الدهري لاينافي المساوقة الزمانية كما ان الوحدة النوعية لاتنافي و لاتضاد الكثرة الشخصية فنقول حينئذ ان الله تعالي خلق العقول قبل النفوس بمأتي‌الف عام كما ورد ان الله خلق نور محمد صلي الله عليه و آله قبل نور علي عليه السلام بثمانين‌الف سنة و انه قد دلت الاخبار المتظافرة بل المتواترة بين الفريقين انه صلي الله عليه و آله قال انا و علي كنا نورا واحدا ننتقل من الاصلاب الي الارحام حتي انتقلنا ( انقلنا خ‌ب‌١ ) الي صلب عبدالمطلب فافترقنا و قيل للنصف ( لنصف خ‌ب‌١ ) كن محمدا صلي الله عليه و آله و للنصف الآخر كن عليا عليه السلام و الجمع بين الامرين حديث و انا ( حديث انا خ‌ب‌١ ) الشجرة و علي اصلها و فاطمة فرعها الحديث ، فان الشيء من حيث الاجمال و الوحدة مقدم عليه في مقام التفصيل و الكثرة في ذاته و ان كانا معا في ظهوراته و كما ورد ان الله سبحانه خلق آل‌محمد عليهم السلام قبل خلق الخلق بالف دهر و كل ( كل دهر خ‌ب‌١ ) مائة‌الف عام او باربعة‌عشرالف دهر و هكذا من المقادير مع انه قد وردت الاخبار الكثيرة ان الانبياء من شعاع ( الانبياء شعاع خ‌ب‌١ ) انوارهم خلقوا كشعاع الشمس بالنسبة اليها و قالوا عليهم السلام و ان انما ( السلام انما خ‌ب‌١ ) سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع انوارنا و الانبياء عليهم السلام كلهم من شيعتهم عليهم السلام و ان من شيعته لابرهيم و الضمير يرجع الي اميرالمؤمنين عليه السلام فان كان قوله سلمه الله مع انه خلاف المعروف من الاخبار الخ ، مراده ان التعطيل خلاف المعروف من الاخبار فصحيح عندنا و ان كان بعض العلماء جوزوا تعطيل ( تعطيل الفيض مستندا خ‌ب‌١ ) ببعض الاخبار كقوله عليه السلام كان الله و لم‌يكن معه شيء [ص 41] و امثاله و هو قول فاسد لايعبؤ به بل المعروف من الاخبار ان الانقطاع ( ان لا انقطاع خ‌ب‌١ ) لفيضه تعالي و يدل عليه العقل المستنير و لايحتاج ذلك الي البيان لكمال الوضوح و الظهور و ان كان المراد ( المراد ان خ‌ب‌١ ) تقدم عالم العقول علي عالم النفوس خلاف المعروف من الاخبار فهو باطل لما ذكرنا لك و الاخبار في هذا المضمار كثيرة و الاشارة كافية لاهل الفهم و الدراية .

قال سلمه الله : و ايضا ما المراد بعالم العقول التي كانت ( كانت فيها خ‌ب‌١ ) معاني الاشياء متمايزة بحسب المعني و ما مكانه .

اقول هذا العالم قد شرحت لك ( لك اصل خ‌ب‌١ ) تكوينه و مكانه و محله ( محله في خ‌ب‌١ ) الخلق الاول و الذر الاول و معني ذكر معاني الاشياء فيه و عدم تمايز بعضها عن بعض و ازيدك بيانا اعلم ان العقل نور الهي بدا ( برا خ‌ب‌١ ) من الاختراع الاول جوهر مجرد عن المادة الملكوتية و الجسمانية و الشبحية البرزخية و عن المدة المقدارية المثالية و المدة الزمانية اول نور مشرق من صبح الازل و آدم الثالث و اول ولد تولد من آدم الثاني الذي هو الوجود المقيد اعني الماء النازل من سحاب المشية الذي به كل شيء حي و من حوائه ارض الجرز ارض القابلية اي الماهية الاولي خلقه الله سبحانه من اربعة اجزاء من رطوبة ماء بحر الصاد اول المداد و جزء واحد من يبوسة ارض القابلية الارض الطبية ( الطيبة خ‌ب‌١ ) ثم مزج بينهما باسمه الحي ثم عقدهما باسمه القابض ثم اخذ من هذا المجموع جزوين ( جزءين خ‌ب‌١ ) و مزجهما مع جزء واحد من ارض الجرز و الارض المقدسة ثم عركهما بحرارة اسمه النور مع الرطوبة ثم عقدهما بذلك الاسم مع قوة اليبوسة ثم قام قائما [ص 42] مسبحا بحمد ربه و ذلك هو العقل و هو اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو القلم في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو عبد من عباد الله قائم في طاعة الله صورته هيكل التوحيد و صفته الرضا و التسليم و مقامه الركوع و طبيعته البرودة و اليبوسة في ظاهر ذاته و عمله البرودة و الرطوبة في ظاهر فعله و الحرارة و اليبوسة في اصل ذاته و ادراكه المعاني الكلية و مخزنه كل الوجود بالذكر كالانسان المذكور عنده جميع الافراد و الجزئيات الغير المتميز في رتبة مقامه و دليله الموعظة الحسنة و سبيله اليقين و طريقه ( طريقته خ‌ب‌١ ) التقوي و علم الطريقة و صفته الاستقامة و ذكره سبوح قدوس ربنا و رب الملائكة و الروح و معرفته اسماء الله الحسني و صفاته العليا و نفي الاضداد و الانداد و معرفة الصفات الثبوتية و السلبية و شغله العبادة فلايتوجه الا الي المعبود الحق وحده لا شريك له و ثمرته العصمة عن الخطاء فطوبي لمن لاحظ حرمته و قوله لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و حكمه الاحتياط لتحصيل اليقين و مكانه كل الممكن لان العقل اول شيء برز في الوجود لمشية الله سبحانه و مادة امره الكوني و خطابه الشفاهي فلم‌يبق في الامكان الكوني مكان الا و قد وسع نوره و ظهر ظهوره و الاشياء كلها خفت ( خفيت خ‌ب‌١ ) و اضمحلت عند سطوة جبروته و لذا سمي عالم الجبروت و نسبة كثرة الاشياء الموجودة الظاهرة في عالم النفوس و غيرها اليه بنسبة ( نسبة خ‌ب‌١ ) الوحدة الشخصية الي الوحدة النوعية الشمولية و وقته الدهر و هو الوقت الثابت المستمر الذي جمع ( يجمع خ‌ب‌١ ) المختلفات [ص 43] و يفرق المجتمعات الزمانية و لونه البياض في صفته و السواد في ظاهر ذاته و الحمرة في باطن حقيقته مقبل علي الله عز و جل مطيع لامره و نهيه اذ لايجد في مقام ذاته ما يصرف ( تصرف خ‌ب‌١ ) نظره عن الله تعالي اذ عداه ( ما عداه خ‌ب‌١ ) كله باطل و ذكره لايقاوم تاصل الذات فلايمكن التوجه الا اليه تعالي فلما خلقه الله قال له اقبل فاقبل فاظهر الله باقباله الذي هو عين ادباره عنه خلايق ( حقايق خ‌ب‌١ ) الاكوان و مستجنات عيوب الاكوان ( غيوب الامكان خ‌ب‌١ ) ففي كل مرتبة نازلة اقبل اليها اظهر قشره و قشر قشره و هكذا فكان اول اقباله و نزوله الي عالم الارواح اي عالم الرقايق ثم الي عالم النفوس ثم الي عالم الطبايع ثم الي عالم المواد الجسمانية ثم الي عالم المثال ( المثال ثم الي عالم خ‌ب‌١ ) الاجسام ثم الي ( الي عالم خ‌ب‌١ ) العرش ثم الي ( الي عالم خ‌ب‌١ ) الكرسي ثم الي فلك المنازل ثم الي فلك البروج ثم الي الشمس ثم الي فلك الزحل و القمر منها ( فلك البروج ثم الي فلك الشمس ثم منها الي زحل و القمر ثم منها خ‌ب‌١ ) الي المشتري و عطارد ثم منها الي المريخ و الزهرة ثم منها الي كرة النار بمراتبها ثم الي كرة الهواء كذلك ثم ( ثم الي خ‌ب‌١ ) كرة الماء ثم الي كرة التراب الي هنا نهاية الادبار فامره الله سبحانه بالاقبال فاقبل اليه تعالي و تراكمت للطبايع بعضها مع بعض فاول ما صور ( صعد خ‌ب‌١ ) الي المعدن ثم الي النبات ثم الي الحيوان ثم الي الجن ثم الي الملائكة ثم الي الانسان ثم الي الجامع عليه السلام الي ان وصل الي مركزه و دار مستديرا علي وجه مبدئه فيمد ( فيمد الله خ‌ب‌١ ) سبحانه به العالم و عليه جري نظام بني آدم من الف‌الف آدم في الف‌الف عالم علي ما روي عن الباقر عليه السلام رواه الصدوق في الخصال و عالم العقول عالم الوجود ( الوحدة خ‌ب‌١ ) و البساطة الاضافية فالعقل الكلي هو الاصل و هو عقل نبينا صلي الله عليه و آله ( آله و اولاده الطاهرين خ‌ب‌١ ) و عقول ساير [ص 44] الخلق من الانبياء و المرسلين منبعثة منه انبعاث النور من المنير و الاشعة من الشمس و الكلام من المتكلم فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

قال سلمه الله : اذ كل شيء لايجاوز وقته و لايوجد الا فيه و لا ذكر له قبل ذلك و كل ذي وقت فوقته مساوق ( مساوي خ‌ب‌١ ) لمكانه و كونه لان الوقت و المكان و الكون متساوقة اذ كل واحد شرط للآخر و كذا باقي التعينات و التشخصات فيلزمها التضايق ( التضايف خ‌ب‌١ ) و اي دليل دل علي ذلك .

اقول قوله سلمه الله و اي دليل دل علي ذلك ، يحتمل علي وجهين ( يحتمل وجهين خ‌ب‌١ ) احدهما ان يكون ذلك اشارة الي كون عالم العقول و النفوس و الذر الاول و الثاني و يريد الدليل علي اثبات هذا المدعا كما ذكر شيخنا اطال الله بقاه و هذه الارادة هو الظاهر من عبارته حيث اتي بعد ذلك بالدليل المصدر بقوله اذ كل شيء الخ ، و الدليل لايجوز ان يكون مجهولا فيكون طلب الدليل لاصل مدعي الشيخ و لاثبات ان العقل ( للعقل خ‌ب‌١ ) مكانا و طلب انه اين و ثانيهما ان يكون اشارة الي هذا المطلب المذكور اي لزوم كون كل شيء ذا مكان و وقت مساوقان لوجود و ان اتي ( لوجوده و اتي خ‌ب‌١ ) بهذا الكلام بصورة الدليل لكن هذه العبارة لما كانت بعينها عبارة شيخنا و مولينا حرسه الله تعالي سئل الدليل عليه و نحن نذكر الوجهين انشاء الله و اما ( اما خ‌ب‌١ ) الاول فلما ذكرنا من ان مبدء الوجود يجب ان يكون احسن و اشرف ما يتصور و يتعقل لعموم قدرة الله سبحانه و علمه و حكمته و غنائه و عدم افتقاره و لا شك ان اشرف ما ندرك و نتعقل هي الوحدة الغير المشوب بشيء من [ص 45] الكثرات و الاضافات و هو الاحد و الطفرة لما بطلت فوجب ان يكون اول الخلق و الوجود واحدا بكل الاعتبارات حسب ما ندرك اذ كل ما ندرك فهو مخلوق مثلنا مردود الينا و هذا الواحد المخلوق اولا قبل كل شيء لا قبلية زمانية بل قبلية سرمدية او برزخية هو المعبر عنه عندنا بالفؤاد و نور الله و هو صفة معرفة الله تعالي و آية توحيده و مثل توصيفه و تعريفه للخلق و هو المثال في قول اميرالمؤمنين عليه السلام فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، ثم لما كانت الاعداد لا بد من ابرازه و تحققه من الاحد و الكثرات و الاقتضاءات حسب ما بينا سابقا لا بد من نشوها من ذلك الامر الواحد و الطفرة لما كانت باطلة و الكثرة لما كانت قسمين كثرة معنوية ككثرة الاجناس و الانواع في ذاتها قبل تعينها بالحدود و المشخصات و كثرة شخصية جزئية كالافراد المنشعبة من الاجناس و الانواع و لما كانت الكثرة المعنوية اشرف و اعلي من الكثرة الشخصية الجزئية المختلفة لقربها الي الوحدة بالنسبة الي الشخصية و كلما كان اقرب الي الوحدة كان اشرف لتشبهها بصفة المبدء لا بذاته وجب ان تكون تلك الذات التي فيها الكثرات المعنوية كالانسان بالنسبة الي جزئياته و كالمركب المداد بالنسبة الي الصورة ( الصور خ‌ب‌١ ) المكتوبة مقدمة في الايجاد و الاحداث علي الذوات المتكثرة بالتشخصات الخارجية الوجودية و الا لكانت الطفرة الممتنعة المستحيلة عند ذوي العقول السليمة و لايقبح ( لايصح خ‌ب‌١ ) تساوق الذاتين في الرتبة لان الثانية تخصيص الاولي و تعينها كما ان زيدا تعين الانسان فلايجتمع مع الانسان في رتبة واحدة [ص 46] و الا لم‌يكن فردا منه كما هو الظاهر المعلوم و الذات الواحدة المتكثرة بالمعني هي العقل و عالمه عالم العقل و لما كان العقل الاول واحدا هو عقل محمد و اهل بيته الطاهرين و انبعثت من ( منه خ‌ب‌١ ) الاشعة و الانوار مختلفة ( الانوار فخلقت خ‌ب‌١ ) منها عقول الخلق علي صفته و هيئته سميت ذلك العالم بعالم العقول و العالم الثاني اي رتبة المتميز ( التميز خ‌ب‌١ ) و الافتراق و الحدود و الكثرات الوجودية الخارجية يجب ان يكون مخلوقا بعد عالم العقول لما ذكرنا و هو عالم النفوس الذر الثاني باعتبار و الذر الاول باعتبار و الذر الثالث باعتبار آخر و قد شرحت الذر و كيفية عالمه و حقيقته ( حقيقة خ‌ب‌١ ) المراد منه و كيفية اقامة الخلق في ذلك العالم و السؤال منهم و خلق طينة العليين و السجين بما لا مزيد عليه في شرحنا علي الخطبة الطتنجية في المجلد الثاني منه و من اراد الاطلاع علي ذلك فليطلبه اما الامر الثاني فاعلم ان الاشياء اما ان تكون متمايزة ام لا و الثاني خلاف المفروض و المراد و الاول فالتمايز لايخلو اما ان يكون ذاتيا ام عرضيا و الاول بان يكون احدهما علة و الآخر معلولا و احدهما مؤثرا و الآخر اثرا كالكلام و المتكلم و كالنور و المنير و كالصورة في المرآة و المقابل الخارجي و امثالها فان ذات الاثر و حقيقته معدومة في رتبة ذات المؤثر و انما وجودها تحت مقام فعل المؤثر فالتغاير حينئذ يكون ذاتيا لان البينونة بينهما بينونة صفة لا بينونة عزلة فافهم و الثاني بان يكون كلا منهما معلولا لعلة اخري ( اخر خ‌ب‌١ ) يعني تكون حقيقة واحدة اختلفت بالامور الحاجبة ( الخارجية خ‌ب‌١ ) لا بالمغايرة الذاتية و تلك الامور لاتكون الا بهذه الحدود الستة لان التمايز [ص 47] لايخلو اما ان يكون بصفة و هيئة تختص بواحد مغايرة للصفة الاخري للآخر فذلك هو الكيف او بمقدار منقسم روحاني او جسماني بحسبهما يخالف مقدار الآخر و هو الكم او بفراغ يخص باحاطة مخالفا ( باحاطته محاطا ظ خ‌ب‌١ ) للفراغ المختص بالآخر و هو المكان الي ( اي خ‌ب‌١ ) البعد المجرد الموجود او بجهة من الجهات الست في كل عالم بحسبه تخالف الجهة الاخري او بنسبة و اضافة مع الآخر و هو الوضع او باستمرار ( باسرار خ‌ب‌١ ) وجودي يخالف بالآخر ( الآخر خ‌ب‌١ ) و هو الزمان و كلما عداها يرجع الي هذه الستة و لايمكن الاختلاف و التمايز الا بهذه الستة لانها العدد التام و هو تفصيل الثلثة التي هي شكل المبدء الفعلي و اما وجه التساوق فلان الشيء اذا وجد انوجد و لايصح ظهور الوجود الا بالانوجاد اذ لو لم‌ينوجد لم‌يوجد كما انه لو لم‌ينكسر لم‌يكسر و كذا لو لم‌يوجد لم‌ينوجد و لو لم‌يكسر لم‌ينكسر و الانوجاد ليس الا كتنات ( اكتناف خ‌ب‌١ ) هذه الحدود الستة لان الانوجاد جهة نفس الوجود و هي لم‌تحصل الا بجهة غير الجعل الاولي و هي ليست شيء الا باقترانه بهذه الحدود و اما ان كل شيء لايوجد الا في وقته و لايجاوزه فلان الوقت هو استمرار وجود الشيء بحيث يوصف بالقبلية و البعدية و التقدم و التأخر و الاستمرار صفة ذاتية للوجود فمهما وجد وجد و مهما انتفي انتفي فاذا انتفي الاستمرار انتفي وجود الحادث فلا ذكر له قبله نعم يبقي حينئذ صفة القديم و كذلك المكان لان المكان هو الفراغ و البعد الموجود الذي يشغله الشيء الحادث بالكون فيه و هو محيط به لازم لوجوده و دليل لفقره و كونه محاطا فلايفارقه فما دام الحادث موجودا هو محاط بالمكان [ص 48] فاذا انتفي المحاطية انتفي الحدوث و احاطة الباطنة ( الاحاطة الباطنية خ‌ب‌١ ) لا بد لها من دليل و ظهور في عالم الوجود الخارجي و ذلك الدليل هو المكان فلاينفك الشيء عنه و لاينفك ( لاينفك عنه خ‌ب‌١ ) الا عند طلب معرفة الحق سبحانه فحينئذ يقطع الالتفات عنه في الوجدان لا في الوجود و لذا كانت الثلثة الكون و المكان و الزمان يساوقه ( متساوقة خ‌ب‌١ ) لان المكان هو المحيط و به يظهر ( تظهر خ‌ب‌١ ) صفة الاحاطة و هو ( هي خ‌ب‌١ ) بدون المحاط لاتتعقل و لاتتصور لكونها من الاضافيات الحادثة و اما القديم فمتعال عن ذلك فافهم و كذا الاستمرار لايتصور بدون ( بدون الشيء خ‌ب‌١ ) الذي يوصف به و اما الكون فلايوجد الا بشيء يحيط به استدلالا علي حدوثه و فقره و ذلك من شان نفس الشيء الحادث و لايوجد ايضا الا باستمرار اثباتا لاستغنائه و بقائه بالمدد من المبدء فالمكان هو قوله عليه السلام الهي كيف استعز و في الذل اركزتني ( اذكرتني خ‌ب‌١ ) و الزمان هو قوله عليه السلام و كيف لااستعز و اليك نسبتني ، فلا الشيء يفارق هاتين الصفتين و لا هما تفارقان الشيء الحادث فبينها ( فبينهما خ‌ب‌١ ) تساوق و تحاو ينتهي كل واحد من هذه الثلثة الي الاخر و ينتهي الاخر اليه و قد اشرت لك الي لب العلم و حقيقته بعبارة مختصرة فما اسعدك لو وفقت لفهمه و لو كان لي مجالا ( كان مجالا خ‌ب‌١ ) و للقلب توجها و اقبالا لفصلت شقوق هذه المسئلة و ذكرت الاسرار المودعة فيها لكن فيما ذكرنا كفاية للعاقل المسترشد .

قال سلمه الله تعالي : سؤال - المعروف من الاخبار و من كلمات امناء الله الابرار ان المؤمن خلق من عليين و الكافر من سجين و لاادري معناه و لا مدعاه فان كان زيد خلق قبل ان يؤمن من العليين و الكافر من [ص 49] السجين قبل ان يكفر فهو جبر محض اذ كل مقتض مقتضاه فلايكون الكمال للمؤمن و لا النقصان للكافر مع ان اطلاق المؤمن الذي هو المشتق حقيقة فيما تلبس به المبدء دون ما سيتلبس فانه مجاز فيه كما كتبنا في كتابنا الاصول مستقصي و ان كان المراد ان المؤمن بعد الايمان خلق من العليين فهو ايضا غير صحيح كما لايخفي اذ بعد الخلقة و قبول الايمان لايبقي شيء حتي يخلقه الله سبحانه منه و ان كان المراد انه خلق المؤمن من العليين حين الايمان كما هو الظاهر ففيه ان الايمان انما يكون في ذلك العالم لا سواه اذ لم‌يكن المخلوق شيئا مذكورا بل اخترع الله سبحانه و خلق حصته ( حصة خ‌ب‌١ ) من الوجود فان اخترع زيدا مع الايمان و عمرا مع الكفر فهو جبر .

اقول المعروف من الاخبار و من كلمات امناء الله الابرار ان الله سبحانه خلق في الخلق الاول من ( عن خ‌ب‌١ ) يمين كلمته بحرا تحت العرش اسمه الصاد و المزن و ن كما جاء في القرآن و ذلك البحر في اللون ابيض من العاج و الثلج و في الطعم احلي من العسل و في اللين الين من الزبد و في الرايحة اطيب من المسك و في السعة لا ساحل له و في العمق لايحاط به علما نعم في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و ماويه جهنم و بئس المصير لان ذلك هو سر الاسم المكنون في علم الغيب عنده لايطلع عليه سويه و هو الاسم الواحد الاعظم الذي استاثره و اختص به دون الخلق و منه يمد الائمة عليهم السلام و عنه [ص 50] يستمدون و يستزادون العلم كما في قوله تعالي قل رب زدني علما اذ طلب القديم محال قبيح و تحصيل الحاصل اقبح ثم خلق الله سبحانه بتلك الكلمة تحت ذلك البحر ارضا طيبة صالحة فاجري ذلك البحر علي تلك الارض فمزجهما و صلصلهما و عركهما بيده حتي جعلهما شيئا واحدا ثم خلق سبحانه بشمال كلمته بحرا في السجين من الماء المالح الاجاج امر من الصبر و انتن من الجيفة و اسود من القار و هو البحر اللجي الذي في الظلمات يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يكد يريها و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور ثم خلق ( خلق الله خ‌ب‌١ ) سبحانه بتلك الكلمة فوق ذلك البحر ارضا خبيثة منتنة نجسة و صعد بخار ذلك البحر اليها فجعل ماءا مالحا اجاجا ثم مزج بينهما و عركهما و صلصلهما حتي صارا ( صار خ‌ب‌١ ) شيئا واحدا خبيثا في غاية الخباثة ثم مرج ( مزج خ‌ب‌١ ) سبحانه بلطيف حكمته و بحسن صنعته بين الاثنين الزوجين ( المزدوجين خ‌ب‌١ ) اي العليين و السجين فخلط بينهما و عركهما و صلصلهما حتي صار ( صارا خ‌ب‌١ ) شيئا واحدا سمي ( يسمي خ‌ب‌١ ) اسما واحدا مع بقاء كل منهما علي صرافة تاثيره و شدة تدبيره ذلك تقدير العزيز الحكيم و هو قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين اي الاربعة فكل شيء مركب من اربعة اشياء في الجعل الاول الماءان و الارضان و بها تحقق الاختيار و الادراك و الشعور و كل منها مبدء ميل الي احوال فالماء الطيب مبدء ميله اي معرفة الاسرار الالهية و الاطوار القدسية و التوحيد و معرفة الحق بالحق ( بالحق و الخلق بالحق خ‌ب‌١ ) و الارض الطيبة مبدء ميله الي الذوات الطيبة و الحقايق النورية [ص 51] و الاعمال الصالحة و الافعال الحسنة و ملاحظة الحق في الحق في الخلق ( ملاحظة الحق في الخلق خ‌ب‌١ ) اي آثاره في حقايقهم و هياكلهم و الماء الخبث ( الخبيث خ‌ب‌١ ) المالح مبدء ميله الي معاندة الله و جحوده و انكاره و ادعاء اني انا الله و الارض الخبيثة المالح مبدء ميله الي الاعمال الخبيثة الباطلة الفاسدة و الي الذوات النجسة الملعونة و بهما اي ( الي خ‌ب‌١ ) انكار الله سبحانه و الاعمال القبيحة و بالاربعة تحقق الايتلاف و تقوم الكون و الوجود و ظهر اسم الله الحكيم و صار الشيء جامعا مملكا مختارا يصلح للصعود باعماله الي الدرجات العالية التي ما فوقها درجة في رتبة مقامه و الي الدركات السفلية التي ما دونها دركة بحسب مقامه و مرتبته ( رتبته خ‌ب‌١ ) فخلق الخلق كلهم اهل كل سلسلة عرضية من هذه الاربعة و اقامهم في الذر الاول ثم كشف لهم عن باطن فلك الكرسي و اراهم الجنة و صور الطاعات و الحسنات و المثوبات و اقصي الغايات و منتهي النهايات ثم قال لهم و رضوان الله اكبر ثم كشف لهم عن الطمطام باطن النور ( الثور خ‌ب‌١ ) و اراهم جهنم و حياتها و عقاربها و عفاريتها و شدة هيجان نيرانها و قال لهم ان هذه لمن عصاني و اعرض عني و عن طاعتي ثم اراهم الدنيا بزينتها و زخرفها و زبرجها و قال من اغتر بزينتها و زخرفها فليس له نصيب في الآخرة و الذي يريد الله و الدار الآخرة يجب عليه الاعراض عنها ثم اجج لهم نارا فامرهم بالدخول فيها فلما قربوا اليها و شاهدوا وهجها و احسوا بحرارتها فمنهم من صبر علي امر الله و دخل فيها لطاعته و لم‌يبال بالحرارة فهم المؤمنون و هم اصحاب اليمين فلما دخلوا النار كانت عليهم بردا و [ص 52] سلاما و ماشاهدوا الماء و لااحسوا ( ماشاهدوا و لمااحسوا خ‌ب‌١ ) بحرارة و منهم من لم‌يصبر علي الحرارة و هابها و لم‌يدخل النار فقال يا رب انك خلقتنا لتحرقنا و تعدي عن حكم الله و اغتر بزبرج الدنيا و زينتها و راحتها و نعمتها ( نعيمها خ‌ب‌١ ) لقربها فهو و من تبعه هم اصحاب الشمال و هم الكفار الفجار الاشرار ثم خلق الله المؤمنين بايمانهم من طينة عليين من الجنة و هي هيكل التوحيد و الصورة الانسانية الحقيقة ( الحقيقية خ‌ب‌١ ) و قدر لهم المزيد من فضله و نواله و جعل لهم الارزاق الطيبة و الاعمار المحمودة فلما راي اصحاب الشمال ما اعطي الله المؤمنين من الكرامة و الذخر و الدرجة الرفيعة و خلقهم علي احسن هيكل و هو هيكل التوحيد و الصورة الانسانية قالوا ( قالوا يا خ‌ب‌١ ) ربنا اقلنا لندخل النار مرة ثانية فنفوز بما فاز به المتقون من المؤمنين فاقالهم الله سبحانه و اعطاهم الاذن بالدخول في النار مرة ثانية فلما قربوا منها و احسوا بحرارتها و وهجها فهابوها و امتنعوا من الدخول فردوا عنها و دخلها المؤمنون مرة ثانية فزادهم الله بالعطايا و الحبايا ( بالعطا و الحباء خ‌ب‌١ ) فلما راي اصحاب الشمال ذلك قالوا يا ربنا اقلنا حتي ندخلها فاقالهم الله اتماما للحجة عليهم و اكمالا للنعمة علي المؤمنين و امرهم بالدخول في النار المؤججة فلما قربوا منها هربوا و امتنعوا من الدخول فغضب الله عليهم و طردهم و خلقهم في الخلق الثاني من طينة سجين اي صورتهم ( صورهم خ‌ب‌١ ) علي صورة الغضب و هي هيكل الشرك و النفاق و الصورة الشيطانية و هي صور البهائم و حشرات الارض فكان راسهم الي الارض البيان ( لبيان خ‌ب‌١ ) انهم ناكسوا رؤسهم عند ربهم و انهم المعرضون و لو شئنا [ص 53] لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا و الانسان راسه الي الاعلي لبيان انهم المقربون ( المقرون خ‌ب‌١ ) و الناظرون و المتوجهون الي المبدء الاعلي فما تجد من اسم الخلق في احاديث الطينة من العليين او السفليين ( السجين خ‌ب‌١ ) فالمراد به هو الخلق الثاني علي حسب مقترفهم ( مقترحهم خ‌ب‌١ ) و مسؤلهم بالنسبة ( بالسنة خ‌ب‌١ ) اجاباتهم و طلباتهم خلقهم قال عز و جل بل طبع الله عليها بكفرهم و بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه و غيرها من الآيات و قال عز و جل في حق المؤمنين يهديهم ربهم بايمانهم و لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم او ابناءهم او ازواجهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه فعلي هذا يصح ان تقول ان الله خلق المؤمن من العليين بعد الايمان في النظر الظاهر و قوله سلمه الله غير صحيح ، غير صحيح و تعليله عليل اذ قوله اذ بعد الخلقة و قبول الايمان لايبقي شيء فاسد لان المراد بالخلقة هي الخلقة الاولي و الايمان انما كان بتلك الخلقة بقي الخلقة الثانية يخلقها الله سبحانه حسب ايمانه علي مقتضاه و حسب كفره كذلك مثاله ان الله لما اراد ان يخلق السرير و الصندوق و الباب و العمود و امثالها خلق العناصر الاربعة اولا ثم هيئتها ( هيئها خ‌ب‌١ ) و ركبها و خلق من تركيبها خشبة و هي مادة لها صورة نوعية تناسب جميع تلك الصور و ضرورتها ( صيرورتها خ‌ب‌١ ) تلك الذوات ثم كلفها سبحانه ان فرض لها شعور هل اصنعك سريرا او صنما فيسئل السرير به ( السريرية خ‌ب‌١ ) [ص 54] باجابتها و قبولها امر سيدها و موليها فيخلق سبحانه له صورة السريرية و هي هيكل التوحيد مثلا و طينة عليين و بضد ما ذكر ان سئل الصنمية و هذا هو الخلق الثاني و كذلك الحق سبحانه خلق الخلق في العالم الاولي ( الاول خ‌ب‌١ ) هيولي قابلة لكل صورة ثم كلفها و خلقها في الخلق الثاني علي مقتضي شهوته و ما ربك بظلام للعبيد و قولي بنظر الظاهر اشارة الي ان ذلك ليس بنظر الدقيق و اما بالنظر الدقيق فالمختار هو الشق الاخير اي خلق المؤمن من العليين حين الايمان بضد الكافر حين الكفر ( الكفر كما يشير اليه قوله عليه السلام لكنه حين كفر خ‌ب‌١ ) كان في ارادة الله ان يكفر و قوله سلمه الله ان الايمان لايكون الا في ذلك العالم لا سواه اذ لم‌يكن المخلوق شيئا مذكورا ، فيه هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا و قد كان مذكورا في العلم قبل ان يكون مكونا و قد كان مذكورا في الكون قبل ان يكون معينا و قد كان مذكورا في العين قبل ان يكون مقدرا و في هذا الذكر طلب السعادة و الشقاوة ثم حكم عليه بواحد منهما في القدر قبل القضا ثم في القضا ثبت عليه و خلق عليه فلا بداء و هو قوله تعالي الذي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك فالخلق مقدم علي التسوية و التعديل مقدم علي التركيب في اي صورة ما شاء الله و في هذا التركيب كان الخلق من العليين او السجين و طينة اوليين هي صورة ( طينة العليين هي الصورة خ‌ب‌١ ) الانسانية و ضدها ضدها فافهم فان هنا مقامات عجيبة و اسرار غريبة تركت ذكر اكثرها و رمزت الي قليل منها و اما التفصيل فكتمانه في الصدور خير من ابرازه في السطور و الله خليفتي عليك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .