قال سلمه الله تعالي : ثم يا من هداني الله بنبذة من شعاع فضلك ما معني قول الحكماء و ما مرادهم في قولهم ان الفلك حي في ذاته كامل في صفاته عليه و به تكوين ( تكرير خ‌ل ) الكون من السفلي و مداد العلوي نور الله ابصارنا و بصائرنا بالهداية الي ما تشرفنا به .

اقول اعلم ان كل شيء خلقه الله سبحانه و تعالي جعل فيه الحيوة و الشعور و الادراك كما فصلنا بيانه و اوضحنا برهانه في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا الا ان الاجسام السفلية و المتولدات الكونية لتصادم العناصر و تخالفها و عدم ظهور نضجها و اعتدالها تختل اوضاعها و نسبها و تخفي الحيوة الحقيقية فيها فاذا تصفت عن الغرايب و الاعراض و اعتدلت عن غلبة الاخلاط و الامراض عادت الحيوة كما كانت و تبقي مستمرة ثابتة دائمة باقية بلا زوال و لا اعراض و لما كان الفلك غير مختلط بالعناصر السفلية بلغت كينونتها في النضج و الاعتدال الي الغاية القصوي في الكينونة الدنيوية فانتفي الاختلال و انعدم التصادم الموجب للفساد فلا مانع لاظهار الحيوة فهو حي دائما ثابتا مستقرا لايعتريه موت و لا زوال الا عند نفخة الصعق فقولهم ان الفلك حي في ذاته مرادهم ان الله سبحانه خلقه علي كينونة اعتدالية في ذاته تقتضي الحيوة [ص 49] فالحيوة عين ذاته بجعل الله سبحانه و تعالي فيكون حياته بذاته لغيره لا انها بذاته لذاته ليستلزم الاستقلال و القدم في ما شأنه الاضمحلال و العدم كما ذهب اليه من ليس له في العلم الالهي و الحقيقي قدم فاذا ثبت ان الفلك حي في ذاته بريء عن الاخلاط و الغرايب المعوجة لفطرته و كينونته فيكون كاملا في صفاته معتدلا في مقتضياته نافذا آثاره و حيث كان هو المبدء في الاجسام السفلية و المحيط المهيمن علي الاجساد الدنيوية و الاركان و الطبايع العنصرية فعليه ظهور الامدادات الالهية و هو حامل الافاضات القدسية و به تكوين الكون من السفلي و به مداد العلوي الذي هو نفسه اذ ليس اعلي من الفلك في العالم الجسماني شيء اصلا و مبدؤه العرش و منتهاه فلك القمر فيمد الله سبحانه و تعالي الفلك بنفسه و يكونه به بمباديه العالية و يكون الاجسام السفلية و يمدها بالفلك بمراتبه فبالعرش يكون القلوب و بالكرسي يكون الصدور و بزحل يكون العقول و بالمشتري يكون العلوم و بالمريخ يكون الاوهام و بالشمس يكون الحرارة الغريزية و بالزهرة يكون القوي المتخيلة و بعطارد يكون القوي المتفكرة و بالقمر يكون الحيوة اي الحركة الارادية و هكذا بمقارنات هذه الافلاك بمحاذاة من الاجسام السفلية يكون حقيقة من الحقايق و ذاتا من الذوات فافهم او انه يراد بالفلك الذي هو حي في ذاته فلك الولاية المطلقة اي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و من آثارها الماء الذي كان العرش عليه قبل خلق السموات و الارض و به حيوة كل شيء فهي ( فهو خ‌ل ) اولي بان تكون ( يكون خ‌ل ) حية بالذات ( في الذات خ‌ل ) و معني حياتها بالذات [ص 50] هو ما ذكرنا لك من حيوة الفلك الجسماني لا انها مستقلة في ذاتها غير مستندة الي غيرها بل الله سبحانه و تعالي اقامها بنفسها و امسكها بظلها و اقام الاشياء بها و احياها بفاضل حياتها فتدبر .

قال سلمه الله تعالي : ما المراد بالعلم الذي اعطاه الله آدم هل هو الاسماء علي العموم كما قال تعالي او الرمل او علم النجوم و نقل عن آصف انه يقول علوم الاسماء فروع هذا العلم و علم الفلك زمام له و علم الرمل استنباط فلكي و علم الحروف هو العلم القويم و الصراط المستقيم فما المراد من كلام آصف و ما المراد من العلوم الثلاث و هل اوسطها معتبر عندكم او لا و علي تقدير اعتبار فاي دائرة هي المعتبرة بزدح او ابدح او دائرة سكن و هل المعتبرة عندكم منه تصعيد النقطة او ملاحظة الطالع او ملاحظة بيت الحاجة او الشكل الحال فيه افدنا مولاي فماتكلمت بمثل هذا الكلام تقريبا من اثني‌عشرة سنة او ازيد فلاتحرمنا لمعة من انوار علمك و السلام بدوا و ختما .

اقول العلم الذي اعطاه الله آدم هو ما اخبر الله سبحانه عنه في القرآن المجيد بقوله و علم آدم الاسماء كلها اتي بالجمع المحلي باللام لافادة العموم الاستغراقي ثم اكدها بكل تأكيدا للعموم و تثبيتا لهذا المفهوم الا ان الاسماء المعلمة تدور علي نقطة تستخرج منها فان تعليم الخصوصيات فردا فردا و ان كان يمكن الا انه لايكشف الحقيقة و لايوصل الي الواقع و يوصل الي الصور و الحدود الجامدة و تحجب عن مشاهدة النقطة في الهوية فوجب ان يكون التعليم علي طبق سر الخليقة ليصح ان يشهده [ص 51] الله سبحانه خلق السموات و الارض و خلق نفسه فان مشاهدة الشيء اذا لم‌تكن كما هي لم‌تكن مشاهدة بل كذب و زور و بهتان و غرور فوجب التعليم علي مقتضي الايجاد فان العلم عين المعلوم في الحوادث الامكانية فابان الله سبحانه لآدم حين ما اراد تعليمه عن سر النقطة الاولية و هي النقطة التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة و هي انبسطت الفا و انعطفت الالف الي ثمانية و عشرين فاظهرت في ثمانية و عشرين جزء في ثمانية و عشرين ورقة ذات صفحتين اليمني و اليسري و كل صفحة في ثمانية و عشرين سطرا و كل سطر في ثمانية و عشرين بيتا و كل بيت فيه اربعة احرف الاولي لبيان الجزء و الثانية لبيان الورقة و الثالثة لبيان الصفحة و الرابعة لبيان البيت و بها تمام الوجود و تمايز الشهود و جميع الذرات الوجودية كلها قد ذكرت في هذه الحروف باجزائها و اوراقها و صفحاتها و سطورها و بيوتها فالبيت قيد السطر و السطر قيد الصفحة و الصفحة قيد الورقة و الورقة قيد الجزء و الجزء قيد الحروف و الحروف قيد الالف و الالف قيد النقطة و النقطة ايس الايسات و اسطقس الاسطقسات و اصل الاصول و هيولي الهيولات ليس ورائها مرتبة اذ ليس وراء عبادان قرية و هذا هو العلم الذي علم الله سبحانه آدم عليه السلام لا علم دون علم و هي مجمع العلوم و منبع الرسوم و ما سواه فروعه و شعبه و قشوره و اشعته و انواره و اضوائه و شعاع الشعاع و نور النور و هكذا الي ما لا نهاية له و الي ما ذكرنا اشار السيد الجليل آصف بن برخيا علي نبينا و آله و عليه السلام بقوله علوم الاسماء فروع [ص 52] هذا العلم ان اريد بالاسماء هي اللفظية و ان اريد الاسماء علي الاطلاق من اسماء ساير الموجودات كما هو الظاهر من سياق الآية الشريفة في قوله تعالي انبئوني باسماء هؤلاء فلا ريب ان استخراج هذه الاسماء و معرفة مسمياتها من فروع هذا العلم و شعبه و تفاصيله لانها انما تتألف من هذه الحروف بتأليف حقيقي و نظم طبيعي و حيث دلت الادلة القطعية علي ان الاسماء لها مناسبة مع مسمياتها فاذا الفت علي النظم الطبيعي و النسبة الاعتدالية دلت علي مسمياتها مما يناسبه و تلك النسبة الخاصة الحاصلة عند الوضع و الهيئة المشخصة هي الدلالة الوضعية اللفظية فظهرت المسميات بمناسبة الاسماء بوضع العليم الحكيم علي هيئات معتدلة مترابطة متناسقة فعلمها آدم عليه السلام بتعليمه سبحانه فكانت معرفة الاسماء و المسميات فرعا لعلم النقطة الذي هو الاصل علي ما عرفت مجملا و ان اريد بالاسماء الاسماء المعنوية فهي ايضا متالفة ( مؤتلفة خ‌ل ) متركبة من الحروف المعنوية علي هيئات متناسقة متناسبة تدل علي مدلولاتها مما يراد بها منها اما توحيده تعالي او عظمته او قهاريته او جبروته او سعة قدرته او عموم علمه او شمول رحمته او ظهور كبريائه او بروز كينونته او ساير الشؤنات العامة او الخاصة و هي ايضا فرع الحروف الكونية المعنوية التي هي فرع الالف الغير المعطوفة التي هي فرع النقطة الكونية و ان اريد بالاسماء الاسماء العظام كما هو مدلول بعض الروايات فكذلك ايضا لانها مؤلفة من الحروف النورانية المؤلفة من انعطاف الالف اللينية التي هي حرف العلة المؤلفة من نقاط ثلثة [ص 53] المنتهية الي النقطة الالهية الاولية و هي و ان كانت اسما لكنها بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ بريء عن الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور و هي غير صقع الاسماء المتكثرة المختلفة الكلية و الجزئية المتعلقة المرتبطة المتآلفة و المتخالفة كما هو الظاهر و لما دلت الادلة القطعية ان كل عالم له ثلاث مقامات علوي و سفلي و متوسط و العلوي هو الفلك و قد افردنا رسالة في ان العلوي في كل عالم هو الفلك و انه يتشعب الي تسعة و اصولها اثنان العرش و الكرسي و علي اصطلاح القوم محدد الجهات و فلك الثوابت و هما التاسع و الثامن و باقي التسعة اي السبعة هي المعدات بحراكاتها و قراناتها و نظراتها و درجاتها و وجوهها و مثلثاتها و ساير احوالها و السفلي معاكس للعلوي في جميع ما له و عليه من الادوار و الاكوار و المتوسط ذو وجهين ( جهتين خ‌ل ) باحدهما و هو الاعلي مرتبط بالعلوي الفلكي و مستمد منه و بالآخر و هو الاسفل مرتبط بالسفلي و مقترن به و مستمد منه و لما كان المستمد متقوما بالممد فكان الممد اصلا له آخذا بناصيته و مظهرا له علي مشاكله قل كل يعمل علي شاكلته فكان العلوي علي هذا البيان التام زماما لمن دونه و المستمد منه و اليه اشار السيد الجليل و الامام النبيل السيد آصف برخيا بقوله الشريف و علم الفلك زمام له و يريد بالفلك العلوي و هو الجاري علي ما ذكره علماء الهيئة و النجوم لانا قد بينا في تلك الرسالة ان مقتضي العالم العلوي الظهور بهذه الافلاك [ص 54] و الكرات المحيطات و التداوير المعلقات و النجوم المضيئات و ساير احكام الاحاطات و العلم بهذه الاحوال و الاطوار زمام للعلم بالكينونات المتوسطة و الذوات المستمدة و الزمام هو المقود الذي به ينقاد الشيء و لا ريب في انقياد المستمد للممد و السافل للعالي و لايظهر فعل و لا اثر في السافل الا باتصاله بالعالي و جذبه مثاله و لما كان ظهور العالي بالسافل كان العلم بالعالي مأخوذا من العلم بالسافل و لذا يتوقف العلم بالتأثيرات الحرفية و التدبيرات التدوينية علي علم الافلاك و اوضاعها و نسبها و قراناتها و نسبة كل حرف الي متعلقها من الاوضاع الفلكية ليقابل ذلك الوضع و يجذب بما يناسبه مثاله فتظهر منه افعاله فعلم الفلك ايضا مستخرج من علم النقطة الظاهرة بالحروف الثمانية و العشرين استخراج الاصل من فرعه او اللب من قشره او المراتب و الجهات من الجامع فباعتبار الثاني اصل و الاول فرع حامل للاصل و هو ايضا يرجع الي الثاني لان المجموع من الاصل و الفرع اصل بالنسبة الي الاصل و الفرع بانفرادهما فافهم و لما كان علم الرمل علم النقاط في عالم الكثرات و هي من حيث قربها الي الوحدة متصلة باحوال العلويات و احكام الفلكيات و مستخرجة من تلك المقارنات و الصفات و الاضافات كان استنباطه من عالم الافلاك و ما يتبعه من العناصر و اليه الاشارة بقول السيد الجليل المذكور و عالم ( علم خ‌ل ) الرمل استنباط فلكي مأخوذ من القرانات الفلكية و الاوضاع العلوية و منتسب الي تلك الدرجات و المقامات كما هو المعلوم عند اهل هذا الفن و المفصل عند اهل هذا الشأن و لانطول الكلام [ص 55] بذكر تلك الاحوال لان المقصود حل العبارة بلطيف الاشارة لا تفصيل المقال بشرح الحال فقد تبين و وضح ان العلوم الالهية المودعة فيها الاسرار الغيبية المنبئة عن الاطوار المخفية التي هي عبارة عن علم الفلك و علم الرمل و علم الاسماء الحاوية لجميع العلوم و الاحكام كلها متفرعة و مستخرجة عن علم الحروف المفصلة من النقطة التي علمها الله سبحانه و تعالي آدم عليه السلام فكان هذا العلم الشريف و السر اللطيف هو العلم القويم و الصراط المستقيم الذي هو الدليل علي كل علم و السبيل الي كل رسم و المستخرج منه كل باطل و حق و نور و ظلمة و لذا قال السيد المكرم و الامام المعظم علي نبينا و آله و عليه السلام و علم الحروف هو العلم القويم و الصراط المستقيم لان الحروف بتكونيتها و تدونيتها اصل كل علم و مبدء كل رسم و علة كل تأليف و تركيب و سبب تأصل كل وضيع و شريف و منها بدت الحروف و اليها ختمت و عنها صدرت و بها تأصلت و بحدودها و رسومها تشخصت و بحامليتها للمبادي العالية اثرت و تاثرت و فصلت و تفصلت و اظهرت و ظهرت و استقلت و اضمحلت و تباينت و ائتلفت و احيت و حيت و اماتت و ماتت و اعلت و علت و اسفلت و سفلت و انضجت و نضجت و قربت و قربت و بعدت و بعدت لانها الصراط المستقيم الظاهرة باعطاء كل ذي حق حقه و بالسوق الي كل مخلوق رزقه بحامليتها و محموليتها فهي فاعلة بالاعتبار الاول و مفعولة بالاعتبار الثاني الاتري كلام النحاة في تقسيمهم الكلمات المؤتلفة من الحروف العاليات بانها تعمل و لايعمل فيها و تعمل و يعمل فيها و [ص 56] لاتعمل و لايعمل فيها و هذه هي حدود ما ذكرنا آنفا فافهم و تبصر فان شرح هذا الكلام طويل و القلب كليل فبما ذكرنا و اوضحنا و شرحنا و فصلنا تبين المراد من كلام السيد آصف و المراد من العلوم الثلثة المذكورة و قولكم و هل اوسطها اي علم الرمل معتبر عندكم نعم هو المعتبر عندنا و كيف لايعتبر و هو علم آدم عليه السلام علمه جبرئيل عليه السلام لما تفرقت اولاده و اراد آدم عليه السلام استخبار احوالهم و معرفة ( معرفة احكامهم خ‌ل ) اماكنهم و ازمانهم و ما يجري عليهم سأل الله سبحانه و تعالي عن ذلك فعلمه سبحانه بواسطة جبرئيل قاعدة كلية و قانونا الهيا يستنبط بها جميع الاحوال الغيبية و الاطوار المخفية من العلوية و السفلية و يكون علما مستقلا له و لعقبه و نسله حتي يفوزوا بهذه السعادة و يحظوا بنيل هذه الدرجة العلية و لئلايكون مختصا به عليه السلام كما لو اخبره او اشهدهم اياه فنزل جبرئيل عليه السلام و جعل نقطة في الارض بجناحه ثم نقطة اخري تحتها ثم اخري ( احرف خ‌ل ) تحتها و هذا الرابع ( الواقع خ‌ل ) تحت الثالثة فارتفع جبرئيل الي محل القدس و حرم الانس فنظر آدم عليه السلام الي هذه النقاط الاربع المرتبة فعرف ان النقطة الاعلي الاولي النار و الثانية نقطة الهواء و الثالثة نقطة الماء و الرابعة نقطة التراب و هو شكل الطريق عند اهل هذا العلم ثم لما كانت الحوادث الكونية و الحقايق الوجودية من الشهودية و الغيبية انما تأصلت و تحققت بضم هذه العناصر بعضها علي بعض و نسبة بعضها الي بعض فضرب آدم عليه السلام هذا الشكل في نفسه فاستخرج من هذا الشكل ستة‌عشر شكلا و نسبها الي مباديها التي [ص 57] هي الافلاك و البروج و المنازل و ساير القرانات و نسب بعض هذا الشكل الي الآخر نسبة طبيعية اعتدالية فاستخرج منها بملاحظة هذه الجهات جميع الاشياء المعينات و الطبايع و الذوات و الصفات و الجواهر و الاعراض و المجردات و الماديات و ساير المخبيات استخراجا حقيقيا و علم بها بما كتب الله في لوح هذه الاشكال علي النسبة الاعتدالية علما قطعيا واقعيا فعرف بها احوال اولاده و احفاده و ساير الكون باستمداده و امداده و قد اظهر هذا العلم غاية الاظهار و ابرزه في قالب المشاهدة دانيال النبي صلي الله عليه و آله كما ان اسمه علي عدد نقاط الرمل و قد كان هذا العلم معجزته و اظهر به نبوته و دعا به رعيته فآمنوا به و اجابوا الي دعوته و قصته مشهورة و هو علم شريف لم‌يزل الانبياء يستعملونه و الاولياء يتعاطونه الي ان دخل فيه من ليس له باهل و نظر فيه من لم‌يطلع علي حقايقه و رسومه و دقايقه و رموزه فكان يخبطون الغث بالسمين و يخلطون الرخيص بالثمين و لم‌ينظروا الي اعتدال نسبها و لا الي موازين طبايعها فخبطوا خبط عشواء و بقوا في هذا الوادي حياري يصيبون مرة و يخطؤن الفا و قولكم و علي تقدير اعتباره فاي دائرة هي المعتبرة بزدح او ابدح او دائرة سكن ، جوابه ان طريق الاستخراجات كثيرة و جهاتها غير عديدة و هذه الدوائر و غيرها مما ذكره اهل هذا الفن و ما لم‌يذكروه كلها موصلة الي المطلوب و مؤدية الي المقصود الا ان بعضها اقرب بالنسبة الي غيره بالاضافة الي بعض الطبايع و الافهام دون الآخر فيختص بها و يرجحها [ص 58] علي غيرها زعما منه انها هي الموصلة دون غيرها حيث لم‌يطلع علي تلك الجهة الاخري بالنسب الاعتدالية الموصلة الي المقصود المطلوب و اما الناظر الي النقطة الاصلية التي عنها ( منها خ‌ل ) نشأت هذه النقاط التفصيلية فيشاهد تلك الجهات و يحيط بتلك الطرق و يرعي كلها موصلة اذا وضعت علي النسب الحقيقية بامتزاج العلوية و السفلية و الكل صحيح موصل و الكل مؤد مباح الا ان بعضها اقرب من البعض و ذلك ايضا بحسب مناسبة بعض الافهام فالكل يناسب الكل و قريب عند الكل و اما المحيط الناظر فالكل عنده علي حد سواء و هذه المقدمة التي ذكرناها هي بعينها جواب قولكم و هل المعتبرة عندكم منه ( فيه خ‌ل ) تصعيد النقطة او ملاحظة الطالع او ملاحظة بيت الحاجة او الشكل الحال فيه فان هذه الوجوه كلها معتبرة و مؤدية الي المطلوب و التفاوت بجهات الملاحظة بحسب الموافقة و تفصيل هذه الطرق يطلب في كتب اهل هذا الفن فانا لسنا بصدد بيانه و لا المقصود منا تبيانه و برهانه فافهم فهمك الله ثم انه سلمه الله تعالي قد الحق المسائل المذكورة بهذه المسائل :

قال سلمه الله تعالي : مولاي ما المراد من تأثيرات الكواكب السيارة في الاجسام و النفوس علي الانفراد او الجمع بينهما .

اقول اعلم ان الله سبحانه حيث اجري عادته ان يجري الاشياء باسبابها جعل الكواكب بحركاتها في افلاكها و تبدل اوضاعها سببا لنضج الكاينات و المكونات السفلية لان الكواكب قبسات نور كانت مستجنة في نيران مستجنة في زبد البحر الذي ارتفع منه الدخان فخلق الله سبحانه منه [ص 59] السماوات السبع و هو قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فالكواكب قوي الافلاك و مهابط الفيض الالهية في العالم الجسماني و هي احد الخزائن التي قال الله سبحانه و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و هي من الخزاين الجسمانية قد جعل الله سبحانه و تعالي فيها مواد الاجسام السفلية و امداداتها و قواها و هي تترجم لك المواد بما يصلح القوابل السفلية من المتولدات و كاينات الجو و توصل اليها بايقاع اشعتها الحاملة لتلك المواد الصالحة المناسبة للمكونات العرضية فتكون كل الكاينات بايقاع اشعة تلك القبسات بتربيتها بكر الافلاك و ملاحظة الملئكة المدبرات و هذا هو المراد من تأثيرات الكواكب و هي حاملة الفيض و يد المفيض كالبلور الحامل لحرارة الشمس و الجامع لها الموصل الي غيره بالاحراق و الاشراق فالمحرق و المشرق انما هو الشمس و البلور آية و يد و سبب و معد و هكذا الكواكب حملة لآثار الفيض و موصلة الي محله و مواقعه بالترجمة فليست الاجسام السفلية آثار منفصلة للكواكب كاشعة الشمس بالنسبة اليها و القيام و القعود بالنسبة اليك و انما هي واسطة الفيض و مصلحة لقابلية السفليات للاستفاضة من العلويات كالوالد للاولاد كالمعلم للمتعلم فمن انكر تأثير الكواكب ان اراد استقلالها في التأثير و تأصلها و ينكر استنادها الي قيوم قاهر عليها كالدهرية و اضرابهم ( احزابهم خ‌ل ) فحق صواب اذ لا استقلال لاحد الا لله وحده و ان اراد علي جهة التفويض و رفع ( دفع خ‌ل ) اليد حين التأثير فكالاول ايضا و ان اراد علي ما قررنا و فصلنا من الوساطة و السببية و كونها يدا للحكيم و مظهرا لقدرة [ص 60] العزيز العليم فكلام باطل و قول مجتث زائل و كأنه مصادمة للضروري و مزاحمة للبديهي فان تأثير الكواكب في العالم اظهر ظاهر و اوضح واضح الاتري الشمس فانها في العالم العلوي و السفلي اما في العلوي فلان القمر يزداد نوره و ينقص بسبب قربه و بعده عن الشمس بل نور ساير الكواكب ايضا مقتبسة من الشمس و اذا ظهرت اخفت بشعاعها و نورها جميع الكواكب و اما تأثيرها في السفلي فمن وجوه منها انها اذا طلع الصبح ظهرت في الاجساد الحيوانية انوار الحيوة و كلما كان طلوعه اكثر كان ظهور قوة الحيوة في الابدان اكثر و ما دامت الشمس في الارتفاع حركتهم في الزيادة و اذا مالت عن وسط السماء اخذت حركاتهم في الضعف الي الغروب فتسكن بالليل بما يشبه الموت و هو النوم و منها ان كل موضع بعيد عن الشمس مثل تحت القطبين فلايكون هناك حيوان و لا نبات للبر و يكون النهار و الليل هناك اشهر و ربما اذا بلغ الارتفاع اي ارتفاع القطب تسعين درجة كان النهار ستة اشهر و الليل مثله و منها اختلاف الناس في اجسامهم و طبايعهم انما هو لاختلاف حركة الشمس لان الذين يسكنون خط الاستواء الي محاذاة رأس السرطان يسمون بالسودان لان الشمس تمر علي سمت رؤسهم في السنة اما مرة او مرتين فتحرقهم و تسود ابدانهم و الذين مساكنهم اقرب الي خط الاستواء الي محاذاة رأس السرطان كالزنج و الحبشة فالشمس لقوة تأثيرها تحرق حتي شعورهم و تسود ابدانهم و تجعل شعورهم جعدة و اخلاقهم وحشية و الذين مساكنهم اقرب الي محاذاة رأس السرطان الي محاذاة [ص 61] بنات النعش الكبري لاجل ان الشمس لاتسامت رؤسهم لا جرم الوانهم متوسطة و اخلاقهم حسنة كالصين و الترك و الخراسان و العراق و الفارس و الشام و من هؤلاء من كان اميل الي ناحية الجنوب كان اتم في الذكاء بقربه من النقطة و من كان اميل الي ناحية المشرق فهو اقوي نفسا و اشد تذكيرا اذ الكواكب تظهر من المشرق و اليمين اقوي و من كان الي ناحية المغرب فهو الين نفسا و اشد ثباتا و اكثر كتمانا لان هذه الناحية منسوبة الي القمر و الذين مساكنهم محاذية لبنات النعش و هم الرؤس فانهم لكثرة بعدهم عن ممر البروج صار البرد غالبا عليهم و الرطوبة الفضلية و لذا صارت الوانهم بيض ( بيضاء خ‌ل ) و طباعهم باردة و اخلاقهم وحشية و منها الفصول الاربعة التي هي السبب في تولد النبات انما هو من الشمس و تأثير الشمس في النبات ظاهر و كذا وجود بعض النبات في بعض البلاد دون بعض فان النخل ينبت في البلدة الحارة و كذا وجود بعض الحيوانات في بعض البلاد دون بعض كالفيل و الكركدن و قد يوجد بعضها في البلدة التي هي اشد حرارة من الهند فان الفيل توجد ( قد يوجد خ‌ل ) في بلاد السودان اعظم جسما و اطول عمرا و اما انعقاد الاجسام السبعة من الفلزات و ساير المعادن الغير المنطرقة و المنطرقة و الاحجار فمعلوم ان السبب فيها بخارات تتولد في باطن الارض بسبب تأثير الشمس و هكذا غيرها من امثالها فان بالبيان يطول الكلام و مرادنا الاشارة باقصر العبارة و اما القمر فله ايضا تأثير عظيم الا ان تأثير ( تاثير الشمس ظاهر خ‌ل ) في الحر و البرد اكثر و تأثير القمر في الرطوبة و الجفاف [ص 62] اقوي لما هو المعلوم من ان البحار يأخذ في الازدياد من حين تفارق القمر الشمس الي وقت المقابلة ثم يأخذ في الانتقاص و لايزال يستمر بحسب نور القمر حتي ينتهي الي غاية نقصانه عند حصول المحاق و من البحار ما يحصل فيه المد و الجزر في كل يوم و ليلة مع طلوعه و غروبه كبحر فارس و هند و ذلك انه اذا بلغ القمر مشرقا من المشارق ابتدأ البحر في المد و لايزال كذلك الي ان يصير القمر الي وسط السماء في ذلك الموضع فعند ذلك ينتهي المد منتهاه فاذا انحط القمر من وسط السماء جزر الماء و رجع البحر و لايزال راجعا الي ان يبلغ القمر مغربه فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه فاذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدء المد هناك في المرة الثانية و لايزال زايدا الي ان وصل القمر وتد الارض فحينئذ ينتهي المد منتهاه ثم يبتدء بالجزر ثانيا حتي بلغ القمر افق المشرق لان الماء كروي محيط و كلما تحرك القمر صار موضعه افقا لموضع من مواضع البحر فصار ذلك الموضع وسط السماء لموضع آخر و مغربا لموضع و هكذا فيحصل احوالا ( احوال خ‌ل ) مختلفة و من جملة تأثير القمر زيادة لبن الحيوانات في زيادة القمر و سرعة النبات و غلظته ايضا و كذلك بياض البيض المنعقد في اول الشهر ازيد و الانسان اذا قعد او نام في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء و يهيج عليه الزكام و الصداع و كذلك الاشجار ان غرست و القمر زائد النور كبرت و نشأت و العكس بالعكس و كذلك القمر من الاجتماع الي الامتلاء يكون البقول و الرياحين اكثر نشوا و ازيد نموا و كذا القرع و القثاء و الخيار و [ص 63] البطيخ ينمو نموا بالغا عند ازدياد النور حتي في الليلة الرابعة‌عشر يظهر التفاوت في ليلة واحدة و لا كذلك غيره من الكواكب فانا نجدها اذا اتفق لبعضها قران مع بعض او احتراق او غير ذلك فانا لانري لذلك ظهور اثر في يوم القران و الاحتراق فاما ان كان القمر ساقطا في وقت القران او الاحتراق عن جزء القران او الاحتراق فانا نري له اثرا بينا في عالمنا و انما كان تأثير القمر ازيد لقربه و سرعة سيره و اما ظهور التأثيرات من ساير الكواكب فنري صيفا احر من صيف و شتاء ابرد من شتاء و ليس سببه الا انه متي قارن الشمس كوكب حار كان الصيف حارا او بالعكس و علمنا بالاستقراء تأثيراتها و مثاله ان تأثير الزهرة في هذا العالم الشبق و العشق و الباه و الالفة فاذا رأينا رجلا نكح امرأة و الزهرة في الحوت و القمر يسدسها في الثور او يكون القمر في السرطان و الزهرة في الثور او يكون القمر مقارنا للزهرة في بعض المواضع المذكورة و لايكون احد النحسين ناظرا اليها فان الزوجة تكون موافقة و يتفق بينهما من المحبة ما لايمكن شرحه و من تزوج و الزهرة محترقة في السنبلة او الحمل او العقرب و المريخ يقابلها او يربعها و زحل يقارن الزهرة او يقابلها في بعض المواضع المذكورة و المشتري ساقط عنها فانه يكون النكاح في غاية الردائة من التباغض و اذا قارن القمر الزهرة في الثور و شرب في ذلك اليوم مسهلا الذي جرت العادة به عشرين مجلسا فانه لايسهل ذلك اليوم سبع مجالس بل اقل و ذلك لان القوي الطبيعية حينئذ في غاية القوة لقوة القمر بكونه في شرفه و مع الزهرة و كذلك اذا كان المشتري [ص 64] في السرطان و القمر مقارنه فان الطبيعة في غاية القوة و من زرع او غرس و القمر في الجدي او الدلو او العقرب و كان القمر مقابلا لزحل و لاينظر الي المشتري فانه لايثمر و لاينمو و لايفلح ذلك و من اتخذ طيبا و القمر يقارن زحل او يتصل به من بعض بيوت النحسين و لاينظر الي الزهرة او الزهرة غير قوية فلايكون لذلك الطيب رايحة طيبة و هذه و امثالها من التأثيرات بينة ظاهرة لايمكن انكارها بالنوع و ان كان في بعض الخصوصيات يتفاوت الفهم في ادراكه و قد نص مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام علي ذلك و صرح بان الروح الحيوانية من تأثير قوي الافلاك فاذا كانت الروح الحيوانية من الافلاك فمظاهرها و مواقعها و مهابط افعالها بالطريق الاولي لانها فروع تابعة للاصل و الاطناب في هذا المقام كأنه غير لازم لظهور الامر الا علي الوجه الذي ذكرناه من القوي بان التأثير بالاستقلال او بالتفويض الذي يلزم منه نوع الاستقلال و اما علي الوجه الذي ذكرناه فليس الحكم فيه مختصا بالكواكب بل كل شيء سبب لشيء و مسبب عن شيء و دليل علي شيء و مدلول شيء و جوهر لشيء و عرض لشيء و اثر لشيء و مؤثر في شيء و كتاب لشيء و قلم لشيء و يد لشيء و قدرة ( مدبرة خ‌ل ) لشيء و هكذا اطوار الوجود قد ابتلي بعضها ببعض و قال تعالي و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا و لينصرن الله من ينصره و اما الشبه ( الشبهة خ‌ل ) الواردة في هذا المقام من منع تأثير الكواكب في العالم فهي اوهن من بيت العنكبوت و انه لمن اوهن ( لاوهن خ‌ل ) البيوت و لا بأس بان نشير الي بعضها [ص 65] تنبيها للغافلين و ارشادا للمسترشدين فنقول انهم ذكروا في منع تأثير الكواكب وجوها : منها انه لو كان وقوع الممكنات او لا وقوعها متعلقين علي حركات الكواكب لصارت هذه الممكنات اما واجبة او ممتنعة فيرتفع الاستخارة و الشور و جوابه بعد الاغماض عن حل ما عقدوا او نقض ما ابرموا خوفا للتطويل نقول لو كان هذا هو المانع من التصرف فيجب ان لايكون الله ايضا متصرفا و مؤثرا لانه العالم بوقوع الاشياء او لا وقوعها حتما فيرتفع الاستخارة و الشور فما هو الجواب لكم هو الجواب لنا عليكم و منها انه لا سبيل الي معرفة طبايع البروج و الكواكب و امتزاجاتها الا بالتجربة و اقل التجربة مرتين و ذلك متعذر اذ الفلك اذا وقع علي شكل معين لايعود مثله الا بعد الوف سنين و منها ان علم الاحكام مبني ( منبئ خ‌ل ) علي معرفة درجة الكواكب و تحصيل هذه غير ممكن اذ في آلات الرصد قد يكون خلل و لذا وجدنا موضع كوكب درجة معينة بحسب زيج غير تلك الدرجة في زيج آخر لانهم يسامحون في الثواني و الثوالث و منها ان هذه الاحوالات التي دلت علي وقوعها اما انها لا بد و ان يقع ام لا فان كان الثاني بقي الامر في محل الشك فلايكون في علم الاحكام فائدة و ان كان لا بد و يقع فلا فايدة في تقدم العلم بها و لايفيد العلم الا زيادة في الغم و لذا قيل كلياتها لاتدفع و جزئياتها لاتعرف و ما فيها الا تقديم هم و تأخير مهم و جواب هذه الوجوه امر واحد لان مرجعها الي المنع من معرفة تلك التأثيرات علي الوجوه الخاصة و الحدود المعينة و عدم الفايدة في معرفتها كثيرا و ليس هذا هو المراد [ص 66] فانا نقول بموجبه و نمنع من معرفتها الا لمن اشهده الله خلق السماوات و الارض و خلق انفسهم و احاط بجزئيات العالم العلوي و كلياته و عرف حدود الكواكب و قراناتها و نسبها و اوضاعها و اضافاتها و خواصها و تأثيراتها من حيث الافراد و من حيث الامتزاج و حقيقة الامر الاعتدالي بعد ملاحظة التفاضل و التفاوت بين الطبايع و اني لساير الناس غير الملهمين من امر الله المؤيدين بروح القدس و معرفة هذه الجهات و الاعتبارات لان ( ان خ‌ل ) هؤلاء المنجمين ماضبطوا امر السيارات الا السبعة المعروفة و من الثوابت الا كواكب البروج و المنازل و معدودا من سايرها و هذا المقدار لايكفي في معرفة التأثير و الحكم بوقوع شيء او لا وقوعه لان جميع الكواكب لها نسب خاصة الي هذه البروج و المنازل و للسيارات ( السيارات خ‌ل ) و تختلف الاحكام باختلاف ملاحظة تلك النسب و الاضافات و لذا ورد عنهم عليهم السلام في علم النجوم ان قليله لاينفع و كثيره لايوجد عندهم و قولهم ان المنجم كاذب و رب الكعبة و ذلك اذا حكم حكما بتا لا ما اذا قال الذي يظهر لي مما اعرف من قرانات هذه الكواكب التي اعرفها وقوع امر كذا و كذا فانه ليس بكاذب ان كان صادقا مع ان الوجه الاخير من ادلة المنع يرجع الي القول الاول و جوابه جوابه علي انا نقول الاتصالات الفلكية كالاسباب الفاعلة و الاستعدادات الارضية كالاسباب القابلة او الاثر محتاج الي السببين فالمنجم اذا اخبر عن اتصال فلكي فان كان خيرا سعي الانسان في تحصيل المنفعلات الارضية حتي يكمل الحصول و ان كان شرا سعي في دوافع [ص 67] الارضية حتي لايحصل فان تلك الاتصالات امور اقتضائية و يرفع حكمه او في مانع و الموانع الارضية كثيرة اعظمها الدعاء فانه يدفع البلاء و قد ابرم ابراما و التوسل و الالتجاء بالكرام و اللواذ بالمشاعر العظام و الاتيان بالعبادات بقلب تقي و صدر نقي و بدن زكي و توجه من الاغيار بريء و هي لعمري من اعظم الموانع لمنع تلك الاتصالات عن اقتضائها ان كان شرا و مقابلاتها ان كان خيرا فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني القول بان زحل يؤثر اثرا طبيعيا في الاجسام و في الارض بردا و يبسا و تجمدا و يؤثر في النفوس الاستعداد لقبول الخيال و الوهم و تعقل الامور .

اقول اعلم ان الحكماء و المنجمين و ساير العلماء من اهل المعرفة قد اتفقوا ان للكواكب تأثيرا في العالم الارضي خصوصا السيارات و قد اتفق المنجمون علي نسبة كل كوكب الي اثر خاص معين و عرفوا بالتجربة ظهور ذلك الاثر منه و جعلوا لكل واحد منها طبايع و صور و سعادة و نحوسة و ذكورة و انوثة و كونه ليليا او نهاريا و امثال ذلك مما سنذكر شطرا منه ان شاء الله تعالي و لكنهم تحيروا في الدليل المقتضي لهذه النسب الخاصة و الحدود المعينة و تخصيص كل الي كل فاستندوا تارة الي التجارب و تارة الي الاستقراء و تارة الي ظهور الالوان و تارة الي ظهور الطبايع و تارة الي سرعة الحركة و بطؤها و كل هذه وجوه ( الوجوه خ‌ل ) لايسمن و لايغني من جوع لايلتفت اليها العاقل اللبيب و لايعرج اليها العالم [ص 68] المصيب لانها امور واهية لاتفيد ظنا فضلا عن العلم بل انما هي اوهام فاسدة و احلام كاسدة نعم الاصل في هذه الامور كلها تلقيهم عن الانبياء الذين اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و قولهم هو الحجة و الصواب و لايعتريه شك و لا ارتياب و حيث انهم عليهم السلام لايقولون الا عن حجة و لايتكلمون الا ببينة يجب علينا الفحص عن تلك الحجج الواضحة و البراهين اللائحة و هو قوله تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر و قوله تعالي لم‌يكن الذين كفروا من اهل الكتاب و المشركين منفكين حتي تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة و الذي يختلج ببال الحقير الفقير المعترف بالقصور و التقصير هو الذي اقتبسته من انوار اهل بيت العصمة و الرسالة و معدن الحكم و النبوة الذين هم سر الانبياء و عنصر الاولياء فاستمع لما يتلي ان هو الا وحي يوحي و هو ان العالم الاسفل بمجموعه دليل علي العالم الاعلي كما نطق عليه قوله تعالي و قول مولينا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فيكون العالم الاسفل دليلا علي العالم الاعلي علي حسب مقامه و مرتبته في الدلالة و لما كان الوجود علي عالمين عالم الغيب و عالم الشهادة و كان عالم الغيب اصلا لعالم الشهادة و عالم الشهادة هو عالم الاجسام و عالم الغيب هو عالم العقول و النفوس و الطبايع و المواد و الاشباح و ظهور الاصل ( الاصلي خ‌ل ) الاعلي انما يكون في الوجه الاعلي من العالم الاسفل و لما كان مبادي العالم الاجسام و اشرف ما فيها الافلاك كانت مظهر تلك المراتب الغيبية و لما كان ظهور عالم الغيب في الغيب علي [ص 69] قسمين احدهما ظهور الاجمال و التفصيل من حيث هما و ثانيهما ظهور مراتب التفصيل يجب ان يكون في مبادي العالم الاسفل الجسماني حكاية لهذين الظهورين و لما كان ظهور الاجمال و التفصيل مقدما علي ظهور المراتب المفصلة وجب ان يكون المظهر الاول في هذا العالم الاسفل مقدما فخلق الله سبحانه العرش و الكرسي ليكونا حاكيتين عن عالم الاجمال و التفصيل و هما اصلان عظيمان مخزونان لجميع ما يحتاج العالم الجسماني ثم اراد الله سبحانه و تعالي ان يخلق مظهرا للمراتب المفصلة ليكون بيانا لكيفية تشعب الآثار عن تلك العوالم و كيفية استمداد اهل كل مرتبة من اعلاها مع انحفاظ قاعدة قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم فخلق الافلاك السبعة المعبر عنها بالسموات السبع ليكون كل سماء دليلا علي مرتبة من مراتب الغيب و لما كان عالم العقول اول المراتب المفصلة من تفاصيل عالم الغيب كان مظهره من السموات اولها و اعلاها المحيط بها و لما كان عالم النفوس تحت عالم العقول وجب ان تكون السماء الثانية مظهرا للنفس و لما كان عالم الطبيعة تحت عالم النفوس وجب ان يكون مظهرها السماء الثالثة و لما كان عالم المواد تحت عالم الطبايع كان مظهرها من السموات الخامسة و لما كان عالم الاشباح و الاظلة تحت عالم المواد كان مظهرها من السموات السادسة و لما كان الصور الجسمية و الحدود الشخصية الجسدية تحت عالم المثال يجب ان يكون مبدء ظهورها و منشأ كينوناتها السماء السابعة و لما كانت هذه المراتب الغيبية و الشهودية و الكرات الصحيحة الاستدارات [ص 70] لها قطب جامع و سر كامن في كمونه ظاهر تدور عليه تلك الكرات و الدوائر و كان القطب في الوسط لقوله تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس كان مظهر هذا القطب و محل هذا اللب في وسط هذه الافلاك و السموات و هو السماء الرابعة فانتظمت الافلاك و السموات و دل كل فلك و سماء علي ما هو المظهر و الدليل عليه و اثر كل منها بالقاء مثال ظاهر فيه افعاله في المراتب السفلية و لما بينا و فصلنا في شرحنا علي الخطبة الشريفة الطتنجية في ذيل قوله عليه السلام و زينها ( زيناها خ‌ل ) بالكواكب المضيئات ان الكواكب هي اصل الافلاك و سرها و قواها و وجه مبدئها و نسبتها الي افلاكها في المثال التقريبي نسبة المرارة و القوي الي ساير البدن فيكون ما هو المظهر له سره في كوكبه و لما كان زحل هو النجم الثاقب و مقره في السماء الاولي في القوس النزولي كان مظهرا للعقل و لما كان له روح و جسد كان روحه حاملا للمدد ( للجسد خ‌ل ) لتربية العقول الجزئية الظاهرة في المراتب الجسمانية و لما كان كل روح انما ظهر في محل خاص من الجسد لما بينهما من المناسبة الحقيقية و المرابطة الواقعية بروابط عالم المثال كان جسم زحل مربيا للمحل الظاهر فيه العقل من تجويف من تجاويف الدماغ و غيره من المراتب علي حسب ظهور العقل فيه و لما كان العقل اول عابد لله و خاضع له لسر ( بسر خ‌ل ) العبودية لانه اول خلق استنطقه الله فقال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فهو الظاهر بالاستكانة و الخشوع و الانقياد و التذلل لرب العباد فما هذا شأنه يكون طبيعته طبع التراب المناسب للمسكنة اماسمعت الله تعالي [ص 71] يقول او مسكينا ذا متربة و قد قال الصادق عليه السلام في كوكب زحل انه هو النجم الثاقب و انه يأمر بالزهد و افتراش التراب و لذا كان كوكب اميرالمؤمنين عليه السلام و هو ابوتراب فنسبت اليه البرودة و اليبوسة و لما كان كل ممكن له جهتان جهة انية و جهة الوجود و هو بجهته مؤثر في الموجودات نسب اليه صورة كل جهة و طبعه و مزاجه و عمله مما سنفصله لك ان شاء الله تعالي فكان زحل مربيا لكل ما يتعلق بالبرودة و اليبوسة اي الغالب فيه من المزاج و الصفات و الطعوم و الالوان و الاعضاء و الاماكن و الازمنة و في ساير ما غلبت عليه اليبوسة و الجمودة و يؤثر في النفوس بباطنه و روحه الاستعداد بحفظ القابلية بقوة البرودة و اليبوسة التي هي علة الامساك و القبول و حفظ ما يرد عليه من الافاضات و الامدادات و اذا ورد ان الله تعالي مابعث نبيا الا و هو صاحب مرة سوداء صافية و انما غلبت السوداء لقوة الماسكة و الحافظة لما يرد عليه من الافاضات و الامدادات الالهية و قولهم انه يؤثر في النفوس للاستعداد لقبول تعقل الامور صحيح لا شك فيه لما ذكرنا انه مرب للعقول و قد روي ان النبي صلي الله عليه و آله قال في ليلة المعراج لما صعدت الي السماء السابعة مامر بي ملك من الملئكة في تلك السماء الا و اوصاني ان آمر امتي ان يحجموا في القفاء لان الدم حار رطب و مزاجه يضاد العقل الذي هو بارد يابس فاذا قوي الدم ضعف العقل و اذا احتجموا علي القفا يجذب الدم الفاضل الغالب و تقوي اليبوسة المعتدلة مع البرودة كذلك و يتقوي العقل لذلك و اما قولهم يؤثر في النفوس [ص 72] الاستعداد لقبول الخيال و الوهم فوهم لان المربي للخيال هو الزهرة و للوهم هو المريخ و المناسب للخيال لاجل انه صورة البرودة و الرطوبة و المناسب للوهم الحرارة و اليبوسة كما سنذكره ان شاء الله تعالي و زحل بارد يابس فلايناسبه تربية هذه المحال الا ان يراد بالاستعداد مقدار ما يمسك و يحفظ هذه القوي فحينئذ يصح انتساب الاستعداد بالمعني الذي ذكرنا ثم اعلم انهم قالوا ان زحل كوكب نحس و هو النحس الاكبر لظاهر طبعه من البرودة و اليبوسة المفرطين اللتين هما طبع الموت و قد ورد عن ائمتنا سلام الله عليهم ان كوكب زحل كوكب اميرالمؤمنين عليه السلام و هو سعد اكبر فما يناسب اليه يكون في الغاية من السعادة و هذا ينافي ما اتفق المنجمون عليه من انه النحس الاكبر و رفع المنافاة بين قولهم و بين ما ورد عن ائمتنا عليهم السلام بان نقول انه نحس علي اهل الدنيا و سعد علي اهل الآخرة و نحس علي المخلدين علي الارض في الشهوات و المطموسين في بحر الطبايع و الماهيات و سعد علي المتخلفين عن اللذات و المستأنسين بمناجاة بارئ المسموكات و المعرضين عن الشهوات كما كان اميرالمؤمنين عليه السلام كذلك فانه نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو سور باب مدينة العلم الذي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و هو من الذين اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين و هو الماء الذي شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا فافهم المطابقة علي وجه الموافقة و تعيها اذن واعية فتبين لك من هذا البيان التام انه سعد لاناس و نحس لاقوام و من هذه [ص 73] الجهة ذكر اهل العلم ان له طبيعتين ظاهره برودة و يبوسة و باطنه حرارة و رطوبة فالظاهر موت و قلع و قمع و الباطن حيوة و وصل و جمع فافهم فقد اوقفتك علي ما لم‌يذكر في خطاب و لم‌يسطر في كتاب فاغتنم و كن من الشاكرين .