قال سلمه الله تعالي : و ما المراد بمجموع كلام السيد آصف بن برخيا و دقايق جزئياته حيث [ص 25] يقول ان الاشكال مقناطيس لارواحها متي صور شكلا جذب روحه اليه فيهبط و يستعد للتحريك لساعته و هذه اول مقامات هذا العلم الذي يكون منه اتصال الاعلي بالادني و هذا اقوي دليل علي تولية عالم الانساني علي التصرف في الموجودات و جذب العلويات للسفليات و استخدام الجميع في العمليات ( العليات خل ) فالاحرف فاعلة لا محالة في الوقت و انما بقي طريق التهذيبات و التركيبات فهذا الاتصال الروحاني في مقام كن و التهذيب و التركيب في مقام فيكون فيفعل ما يشاء و يحكم ما يريد بقدرة الله و فيضان الارواح علي الاشكال من اربع جهات نور قلبي بما من الله به عليك ( علينا خل ) جعلني الله وقاك من كل مكروه يصدر اليك .
اقول اراد عليه السلام ان يبين في هذه الكلمات ربط العلويات بالسفليات و سر الامر في الاحكام العمليات ( احكام العليات خل ) و منه يظهر الامر في النواميس الالهية و حقيقة الشرعيات و علة التأثير في الاوفاق ( الاوقات خل ) و الاعداد و الاشكال من المثلث و المربع و المخمس و امثالها و كذا علة التأثير في الحروف اللفظية و النقشية الرقمية و الفكرية و العددية و سر ان الاثر و المؤثر كل منهما في رتبة ذاتهما و حقيقتهما لايخرج كل منهما عن مقامهما و يقع التأثير بينهما و احكام الرؤيا فانها علي ما عبرت و الاختلاف في طبايع الحروف و صحة عمل كل من المختلفين علي اختلاف اعتقاداتهم فهاء كالباء مثلا فان جماعة زعموا انها باردة يابسة و الاخري زعموا انها حارة رطبة نقيض الاولي و كل من الفريقين يستعملها علي حسب معتقده فيها فتؤثر مع ان القولين نقيضان و الواقع واحد و الحاصل انه [ص 26] عليه السلام احل في هذه الكلمات الموجزة مشكلات و رفع بها معضلات و اشار الي آيات بينات فقال ان الاشكال مقناطيس لارواحها فاذا تحقق شكل اي الهيئة و الصورة بقرانات اجزاء معتدلة مؤتلفة او غير مؤتلفة تناسب روحانيا من الروحانيات فتتعلق اشعته ( اشعة خل ) بها فتكون حياتها بذلك التعلق اذا استقرت المقابلة كما اذا قابلت الشمس مرايا مختلفة متعددة فكل منها تجذب شعاعا يظهر فيها علي حسبها و يحكم عليه بها و يؤثر علي حسبها في صفاء المرآة و كدوراتها و اعتدالها و اعوجاجها و بياضها و احمرارها و اصفرارها و ضعفها و قوتها و انجذابها و تساوي سطوحها كل منها تجذب من ذلك النور ما يناسبه و كذلك كل شكل من الاشكال جاذب بشعاع حقيقة من الحقايق العلوية و السفلية لان النور الرحماني لايزال منبسطا فاذا حصلت قوابل ظهوره ظهر و الاشكال و الصور هي القابليات و هي الماهيات ( الماهية خل ) التي لازمة للوجودات علي ما هو التحقيق و لذا كانت صور الطاعات و الاعمال الشرعية جواذب للخير و النور تظهر آثارها لمن له عينان و في البرزخ و يوم القيمة لكل احد و كذلك صور المعاصي جواذب الآثار ( آثار خل ) السجينية مع ما عليها من انواع الآلام و الاسقام علي حسب مناسبة تلك الصورة لتلك الظلمة و كذلك الاشكال في علم الاوفاق فان الشكل اذا تحقق علي كمال الاعتدال جذب شعاع روحاني علي حسب مقابلته و حكايته بخلاف الجارية علي خلاف الاعتدال و علي خلاف القوانين المعتبرة عندهم في ترتيب الاشكال و ان كانت اشعة الروحانيات موجودة لكنها ليست قابلة للحكاية كما مثلنا لك بالشمس و اشراقها علي [ص 27] المرايا و علي البلور و علي الاحجار الغاسغة حرفا بحرف فالفيض الالهي موجود و الصور و الاشكال الواقعة علي نهج القرانات المتناسبة مظهرة و حاملة جاذبة لافعاله بالقاء مثاله و قابليته لحمل القاء ذلك المثال كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلام فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فالمثال دائم الوجود و الهوية القابلة لالقاء المثال هي تلك الصورة و الهيئات و لذا تري الحكماء ذكروا ان الذي يريد ان يكون له ولد علي هيئة و صورة خاصة يريدها يتصورها عند الجماع فانه اذا قدر الله له ولدا يكون علي تلك الهيئة و الصورة و قد جذبت تلك المادة لما تحققت و استقرت و استدامت و كذلك اهل الجنة كلما تصوروا شيئا حضر عندهم علي حسبها لان الجاذب المقتضي موجود و المانع من خلاف الاعتدال مفقود فوجب الظهور علي هيئة التصور و كذلك الرؤيا اذا عبرت علي وجه انتقشت صورته في الخيال و رسخت فاستمدت و جذبت شعاع الارواح علي حسبها فوقعت و وجدت كما تصورت و هكذا الحروف اذا تصورت علي الهيئة الاعتدالية جذبت الروحانيات و وقع التأثير في الآن و لذا قال عليه السلام و متي صور شكلا جذب روحه اليه فيهبط اي ذلك الروح بشعاعه لا بذاته فانه لايخرج عن مقامه كما مثلنا لك بالمرآة فانك اذا قابلت مرآة جذبت بصفائها شعاع وجهك اليها ما القيت مثالك فيها و اظهرت آثارك منها علي مقدار حملها لمثالك و يستعد ذلك الشكل بما حمل من مثال ذلك الروحاني بالقاء مثاله فيه الذي هو روحه للتحريك ( للتجريد خل ) لساعته لان العلويات حيوة كله لا موت فيها فاذا ظهر في شيء [ص 28] يظهر آثار الحيوة التي هي الحركة في ذلك الشكل في الآن لوجود المقتضي و ارتفاع المانع ثم قال عليه السلام و هذا اول مقامات هذا العلم الذي يكون منه اتصال الاعلي بالادني يعني هذا اي معرفة ان الاشكال مقناطيس الارواح و ان الصورة السفلية جاذبة للحقيقة العلوية و اشراقها و نورها او بجمودها و قشرها و معرفة هذه الامور اول مقامات هذا العلم اي علم الحروف و علم الاوفاق و الاعداد لانها مبنية علي هذا الاتصال و تأثيرها منوط علي القاء هذا المثال و هذا الاتصال لايكون الا علي الوجه المناسب علي نهج الاعتدال فان مباين الشيء لايتصل به و الغير المعتدل لايظهر فيه نور الاعتدال الذي هو شأن العلويات فاول مقامات هذا العلم الذي يكون منه اتصال الاعلي بالادني و يظهر منه التصرفات العجيبة الغريبة في العالم الاسفل معرفة هذا الجذب و النسبة و كيفية الاتصال و علة الانفصال و فساد التدبير لعدم ظهور التأثير ثم التصرف علي حسب النسبة الطبيعية و جذب تلك الارواح العلوية بحسب قرانها بالمقامات السفلية ثم اراد ان يبين علة تصرف الانسان في الموجودات و جذب العلويات الي السفليات و ان ذلك التصرف من هذا الاتصال لان الانسان بصورته الانسانية علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام مجمع صور العالمين و المختصر من اللوح المحفوظ فكل صورة من تلك الصور و كل شكل من تلك الاشكال و كل هيئة من تلك الهيئات جاذبة روحانية من العلويات و بذلك يقع التأثير بحكم العزيز القدير كالبلور المقابل لنور الشمس المحرق لما يقابله بما جذب [ص 29] من حرارة النور و لما كانت الصور في العالم الانساني لاتحصي كثرة و عددا كان التصرفات التي يقع للانسان في مطمورة المكان و الزمان في مقامات الدهر لاتحصي و لذا قال عليه السلام اشارة الي هذه اللطيفة الشريفة و هذا اقوي دليل علي تولية العالم الانساني علي التصرف في الموجودات و جذب العلويات للسفليات و استخدام الجميع في العمليات كما عرفت بيانه و حققت برهانه مما ذكرنا لك من سر التدبير و التقدير و صنع العزيز الخبير ثم ذكر عليه السلام تفريعا للمقدمات السابقة بقوله فالاحرف فاعلة لا محالة في الوقت لانها اشكال بسيطه بحسب الاضافة معتدلة علي كمال الاعتدال فالقيت فيها امثلة الجمال و الجلال فكانت عاملة فاعلة كل حرف بما حملت من ذلك المثال لما تقرر ان الاشكال مقناطيس للامثال فتكون فاعلة في الوقت من غير تراخ و لما كان هذا التأثير و الفاعلية لمتظهر في الغالب مع ان مقتضي دليله و برهانه ان يكون كل حرف فاعلة ظاهرة بالتأثير للمقدمة المذكورة و المشهود المرئي خلافه اراد عليه السلام ان يبين علة التأخير و وجه التخلف فقال و انما بقي طريق التهذيبات و التركيبات يعني ان الاحرف و ان كانت فاعلة بمقتضي المقدمة المذكورة الا ان فاعليتها لاتظهر الا بقابل مناسب فحيث لمتكن لمتظهر الفاعلية كما اذا لمتوجد البلور لميظهر احراق الشمس في العالم السفلي مثلا فالحروف ايضا كذلك فلا بد من اصلاح قابليتها لظهور تأثير حقيقتها و اصلاح القابلية تكون بطريق التهذيب و التركيب من ملاحظة النسب و القرانات و تعديل الامزجة و الاتصالات و [ص 30] وزنها بالموازين القويمة المستقيمة و تركيبها مما يناسبها و يعادلها بالميزان الطبيعي و طرح غرايب الطبايع و اخذ غرايزها و ربط امزجتها و ملاحظة نسبة علوياتها بنظراتها و مقارناتها و ملاحظة قواها و اعدادها و اعداد انفسها و اعداد قواها و ملاحظة احكام الفكرية و العددية و اللفظية و النقشية و ملاحظة نسبة بعضها ببعضها و ملاحظة نسبتها مع الكواكب بان يعرف طبايع الحروف و طبايع الكواكب و البروج و منازل القمر و طبايع الدرجات فيطلب الكوكب المناسب لذلك العمل و يطلب اتصالات ساير الكواكب المعينة له علي ذلك العمل ثم يجمع كلما يناسب ذلك الكوكب من الاطعمة و الالوان و غيرها ثم يتخذ تمثالا علي صورة العمل من الجوهر المناسب لذلك الكوكب المناسب لذلك الحرف ثم يكتب صورة ذلك علي كاغذ او رق مناسب ثم يضع علي العضو الذي يريد احداث العمل فيه دواء مناسبا ثم يلفه و يضعه في باطن تلك الصورة ثم يلحظها بادوية تناسب المطلوب ثم يدخنها بدخان مناسب و هكذا ساير الاحوال المودوعة ( المودعة خل ) في الكتب المتكفلة لبيانها المودعة في صدور اهلها فاذا حصل التهذيب و التركيب علي النظم الطبيعي فيقع التأثير في الحال ثم اراد عليه السلام ان يبين ان هذا التأثير و التدبير ليس من نفسها و انما هو من حيث حامليتها للمشية الكلية و الكلمة الالهية و الحروف العاليات و مقام رفيع الدرجات لئلايظن استقلال هذه الحروف في التأثير و لايظن التفويض اليها في هذا التدبير بل انما المؤثر هو الله سبحانه بفعله بالقاء مثال فعله في مفعوله فقال عليه السلام فهذا [ص 31] الاتصال الروحاني في مقام كن و التهذيب و التركيب في مقام فيكون يعني الروح المنجذب الي الشكل الحرفي اي القدرة الظاهرة فيه لايتوهم احد انه ( احداثه خل ) من القدرة الذاتية الالهية و انما هي روح منبعث من نور روح الله في مقام الفعل المعبر عنه بكن فهذه الحروف حملة لوجوه الفعل و حفظة لامثاله و اسمائه و صفاته و بهذه الحاملية حصل التأثير بحكم التدبير و التقدير و لما كان ظهور كن لايكون الا بيكون لانه جهة لقابلية و لولاها لمتظهر آثار الفاعلية و القابلية اذا ماصلحت ماحفظت القاء المثال الصادر من كن فاصلاح القابلية في الحروف لظهور ذلك المثال انما هو بالتهذيب و التركيب حتي يتحقق فيكون بعين قول كن فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال ثم اراد عليه السلام ان يبين ان العالم في كل حال محتاج الي المدد و في كل وقت يجري سر كن فيكون فقال عليه السلام تحقيقا لهذا المطلب الدقيق فيحصل بهم نفع العالم في مقامي كن فيكون اي يحصل بهذه الحروف و انما اتي بجمع المذكر لبيان ان هذه الحروف بحسب هذه الحاملية ذوات متأصلة متحققة ذو آثار عجيبة غريبة و لذا اتي بجمع المذكر العاقل فيحصل بهم نفع العالم اي نفع العالم بجميع اطواره و تغييراته و تبدلاته و ترقياته و تنزلاته و ساير مضاره و انما خص النفع بالذكر مع ان الحكم عام في الجميع لشرف النفع و انه الاصل الوجودي و غيره المجتث العدمي و انه يذكر معه بالمضادة تلويحا و انما لميذكرها صريحا لقوله تعالي نسوا الله فنسيهم فيكون هذا التأثير في مقامي كن فيكون [ص 32] بالتهذيب و التركيب فيفعل ما يشاء اي الانسان بتلك الحاملية و بما عنده من القوي الحرفية ما يشاء و يحكم ما يريد من انواع التصرفات و اظهار العجايب و الغرايب في الذوات و الصفات بقدرة الله و فيضان الارواح علي الاشكال من اربع جهات اي جهات العناصر الاربعة و الاسطقسات الاربعة و العوالم الاربعة اي اللاهوت و الجبروت و الملكوت و الملك خذ ما القينا اليك و الله خليفتي عليك .
ثم انه سلمه الله الحق بالمسائل المذكورة هذه المسائل :
فقال : مولاي ان من سوء الادب الاكثار في السؤال سيما بالنسبة الي خاص المقال ممن ليس له غير ما في اللوح مكتوب من الاتصال نسئل الله اتصال الرحم الروحاني منا بكم في مقام الصفا في العالم الانساني و هو اللطيف الخبير ما المراد مما ذكره ابنسينا حيث يقول لما انقسمت المخلوقات قسمين علوي و سفلي و العلوي روحاني و السفلي جسماني و العلوي لطيف و السفلي كثيف و العلوي مضيء و السفلي مظلم و العلوي معقول و السفلي محسوس هذا في باب الايجاد و التركيب و اما في باب الفعل و الترتيب فالعلوي فاعل و السفلي مفعول و ضده باب الاتصال فان العلوي مطلوب و السفلي طالب و في باب الجذب العلوي مرغوب و السفلي راغب فهذا الكلام بظاهره يعاكس ما ذكره السيد آصف بن برخيا من ان الاشكال مقناطيس الارواح فالارواح علي هذا مجذوبة و في كلام ابنسينا جاذبة فكيف التوفيق .
اقول ما ذكره ابنسينا كلام متين رزين حق لا شك فيه و لا ارتياب و لاينافي [ص 33] ما ذكره السيد آصف بن برخيا لان الاشكال جاذبة يعني طالبة راغبة و الارواح مجذوبة يعني مطلوبة مرغوبة فان السافل لميزل يطلب العالي بكله و لا التفات للعالي الي السافل الا ببعض الوجوه و اما الجذب و كيفية كون الارواح مجذوبة للاشكال فقد شرحناها و بيناها في السؤال المتقدم فلانعيده و اما معني الضدية في باب الاتصال ان في مقام الفعل كان يشتق للعلوي اسم الفاعل و اما في باب الاتصال ( الاتصال في مقام الترتيب خل ) يشتق اسم المفعول فيقول للعلوي مطلوب و السفلي طالب و العلوي مرغوب و السفلي راغب و العلوي مجذوب و السفلي جاذب و لا ريب ان العلوي هو المطلوب و السفلي يجذب شعاع نوره اليه لاستمداد بقائه و حفظ وجوده و كينونته و حيوته و هذا ظاهر ان شاء الله تعالي و اما ما ورد عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل جذب الاحدية لصفة التوحيد فبظاهره و ان كان يدل علي ان العلوي هو الجاذب لكنه لا منافاة ايضا في المقام فان جاذبية العلوي انما تكون عند ظهوره بقهاريته و هيمنته علي السفلي فيفني عن نفسه و يغيب عن شخصه و يتوجه الي العلوي بكله كظهور النور علي جبل طور المستدعي لاندكاكه و موت بنياسرائيل و غشيان موسي فالعلوي جاذب بهذا المعني و مجذوب بالمعني الذي ذكرنا و السفلي مجذوب بهذا المعني و جاذب بالمعني الذي ذكرنا فافهم راشدا .
قال سلمه الله تعالي : و اخذ ابنسينا في تقسيم الحروف ثم قال بعد و كل هذا ليتمكن العالم الانساني في هذا العلم ( العالم خل ) و يقبض الزمامين و يجمع تحت دائرة وجود الامرين و هذا حد السعادة الانسانية اذ يفيض عليه روح القدس [ص 34] اسرار الاحرف التي بها سمي خليفة ما المراد بقبض الزمامين و ما كيفية جمعهما و ماذا عني بالامرين و كيف افاضة روح القدس الاسرار و ما معني تسميته ( تسمية خل ) خليفة اعرب لنا من خفي ما اريد بهذه الفقرات بصريح ما يفهمه السائل .
اقول اعلم ان مرادهم بقبض الزمام بسط الكلمة و حلها و تفكيكها و وضعها في بيوت الطبايع و تعديلها و ازالة الاعراض و الغرائب عنها الي ان يتصفي و يطلب كل جزء مناسبة و ينطق كالاول و هو قوله تعالي كما بدأكم تعودون فهذا العود الذي هو عين البدو و هو الزمام و به التمام و كثيرا ما يستعملونه في المطالب الجفرية لاستخراج المجهولات مثاله في اسم محمد صلي الله عليه و آله
فالزمام هو الاصل الذي تركب بعد التصفية و تحقق باتمام الاسفار الاربعة و لما كان العالم عالمين عالم الغيب و عالم الشهادة فيكون الزمام زمامين غيبي و شهودي اجمالي و تفصيلي علوي و سفلي مجردي و مادي ( محوي و حاوي خل ) فالمراد من هذه العبارة ان العالم الانساني في مراتب الحروف الكونية اخذ في النزول و كلما نزل حصل مرتبة و كدورة من لوازم الادبار فلما بلغ الي غاية مراتب النزول اخذ في الصعود الي ان وصل الي البدو المعبر عنه باخذ الزمام بعد ازالة الغرايب و كسر الكينونة لتصفيتها من الاعراض و الامراض و صوغها ثانيا بصفايا الجواهر تلك العناصر الغير المختلطة بشيء من الغرايب و هناك تمام الامر في عالم الدهر فاذا حصل التمام و الصفاء العام في العالمين المذكورين يحصل الجمع بينهما بالضرورة لوجود المقتضي الذي [ص 35] هو المناسبات الحقيقية و الروابط الذاتية بين العالمين المقتضي لاظهار ما في العالم الاعلي في العالم الاسفل و ظهور العالم الاسفل علي كينونة العالم الاعلي و حصول المشابهة بهذا الجمع و رفع الاضداد مع اوائل جواهر العلل و السبع الشداد و المراد تمام الاسفار الاربعة التي هي السفر من الخلق الي الحق و في الحق بالحق و هو الزمام الاول و السفر من الحق الي الخلق و في الخلق بالحق و هو الزمام الثاني و الجمع بين الزمامين اتصالهما بحيث يظهر آثار الحق سبحانه باسمائه الثمانية و العشرين في مرايا الخلق فانه محل الاسماء و الامثال العليا و بها يظهر التجليات و انحاء ظهورات جواهر القدسيات و يقف علي فوارة القدر بامر مستقر و لا مغير له عن هذه الغاية و هذا هو حد السعادة الانسانية و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في الفلسفة من اعتدل مزاجه قوي طباعه و من قوي طباعه ظهرت آثار النفس فيه فصار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان و قد دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الحالة مغير و هو الكمال التام و الصفاء العام و قوله و يجتمع تحت دائرة وجود الامرين معناه ما ذكرنا في قبض الزمامين فان المراد من الامرين العالمين عالم الاسماء و عالم متعلقاتها و عالم الامر و عالم الخلق و الجمع بينهما جعل السافل بمراته بعد تصفيته و تخليته عن الغرايب و الاعراض و رجوعه الي مبدئه كيوم وجد من المبدء الفياض فيحكي عالم الامر و تظهر فيه اسرار الاسماء و يكون فعالا متصرفا في الاشياء فكان قائما مقام المبدء الاعلي في التصرف و [ص 36] التدبير و حاملا للولاية الكبري في التصوير و التقدير كما في الخطبة في ساير عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و هي الخلافة الكبري بل ولاية العظمي و لكل احد علي حسب كينونته في قطعه لمقامات عالمه الثمانية و العشرين و ظهور الاسماء الثمانية و العشرين بحسب الفرعية و التبعية و الجزئية خلافة ظاهرة و براهين قاهرة بحسب ما القي الله في هويته مثاله فاظهر منها افعاله و هذه الخلافة انما كانت بافاضة روح القدس الملك الاكبر الذي هو خلق اعظم من جبرئيل عليه السلام و ميكائيل و اسرافيل عالمه النور و محله السرور و مقامه فوارة القدر و مرتبته الافاضة الي الاشياء منها بامر مستقر بواسطة الاسرار الاحرف النورانية في الحقايق العلوية و الذوات النورية و الاحرف الظلمانية في الحقايق السفلية و المركبات المسخوطات الظلمانية فافهم فقد تبين لك من هذا البيان معني قبض الزمامين من انهما عود العالمين الي مبدئهما و ظهورهما بصورتهما الاصلية النورانية و كيفية جمعهما يجعل السافل مرآة مقابلة مستقرة مطمئنة صافية غير مشوبة للعالي و استنارته بنوره و اشراقه من فاضل ظهوره و حمله لمثاله و جريه علي منواله و الامرين بعالم الامر و عالم الخلق بعالم الاسماء و عالم المتعلقات و كيفية افاضة روح القدس بالاشراق بتلك المجالي و المرايا و اظهار آثاره فيها كاشراق الشمس علي البلورة و اظهار الاحراق به و هذه هي الحروف التكوينية و الحروف التدوينية علي طبقها حرفا بحرف و هي مفصلة في كتب القوم من ارادها فليرجع اليها و لكن من غير [ص 37] قبض الزمامين في الحروف التكوينية لايتمكن من قبضها في التدوينية و ان تمكن في بعض الوجوه فلاينتفع بها كل الانتفاع فافهم ضرب المثل و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون .
قال سلمه الله تعالي : ثم ما المراد مما ذكره السيد آصف بن برخيا يقول لقد مدت لنا الاحرف النورانية حجبا نورانية و سرادقات جلالية و كل حجاب له باب و عليه حجاب و كل منهم ينادي بلسان حاله داعيا لوصاله فالباب الاول انهاني الي ما لا معول عليه و الثاني انهاني الي الافلاك و الثالث انهاني الي الاسماء و تلك قد ادركناه فهما و رسما و كل واحد منهم ممره الي ساحل المحيط و لمازل كذلك حتي وصلت بابا مغلوقا و قفلا موثوقا فافتتحت ذلك بذلك فوجدت الآلات و الاسفار و مراكب الايسار فانتهيت لها الي الفياض الاكبر و المحيط الاعظم و رقيت المؤمنين و اردت ما ورائها فقالا لي لاتتعداه فنحن النهاية انتهي كلامه فما معني مدها حجبا و سرادقات و ما المراد بالباب و الحجاب و من المنادي و باي كيفية نداؤه بلسان حاله و ما المراد من انهاء الباب الاول الي ما لا معول عليه و ما معني فهمه ما انهاه اليه الباب الثاني بالادراك و ما الاسماء التي ادركها فهما و رسما و ما معني ممر كل واحد منها علي ساحل المحيط و ما الباب المغلوق و القفل الموثوق و ما معني الافتتاح و ما المراد بالمفتوح و المفتاح و ما الآلات و الاسفار و المراكب و اي شيء الفياض الاكبر و من المحيط الاعظم و ما معني ارتقائه المؤمنين و اي شيء اراد وراء مقامهم و من القائلان لاتتعداه و باي معني هما النهاية تلطف علي بيان ذلك و السلام عليكم [ص 38] مقدار ما انتم اهله .
اقول اخذ عليه السلام في بيان سيره في مراتب ذاته و مسافات سره ( سيره خل ) فقال عليه السلام و قد مدت لنا الاحرف النورانية و هي متي اطلقت يراد بها احد معان الاول المرتبة الثالثة من مراتب الكلمة الاولي العليا التي انزجر لها العمق الاكبر الثاني الحروف المثبتة في عليين كتاب الابرار و هي و ان اشتملت علي علوية و سفلية و مجردية و مادية و فلكية و عنصرية الا انها كلها تجمعها حروف نورانية و مبادي الهية و حوامل قدسية علي اختلاف مراتبها و حينئذ يعبر عن سفلياتها و مادياتها و عنصرياتها بالظلمانية و الا فهي نورانية و يقابلها الظلمانية المكتوبة في السجين كتاب الفجار الحروف المعكوسة من الثمانية و العشرين و كلها ظلمانية الا ان بعضها ظلمات فوق بعض و هذا القسم تكوينية و تدوينية الثالث الاربعةالعشر من الحروف التي يجمعها قولك صراط علي حق نمسكه و هي حروف اوائل السور و هي ايضا تكوينية و تدوينية فالاقسام اذا ستة و المراد من الاحرف النورانية في كلام السيد المذكور وجوه المشية اي الكلمة الكلية التي هي مظاهر تلك الحروف التي هي الرتبة الثالثة منها و هي حوامل الفيوضات الالهية و مبادي الوجودات التكوينية و بها يمد الله سبحانه و تعالي الخلق من باطنها و ظاهرها و لما كان هذا السيد الكريم من المتمسكين بالعروة الوثقي و الواقفين علي باب الولاية الكبري و الغير المايلين و المنحرفين عن محاذاة النقطة الاولي كان استمداده نوريا فكان امداد الله سبحانه و تعالي [ص 39] اياه بالاحرف النورانية حجبا نورانية و سرادقات جلالية و هذه الحجب و السرادقات عبارة عن اطوار الوجودات ( الموجودات خل ) في قوسي الصعودي و النزولي فمن جهة ان كل مرتبة منها كان حجابا لله و بابا للافاضة الي المرتبة السفلي بحيث لولا ذلك الحجاب اي الواسطة و الباب لاضمحل هذا السافل عند ظهور سطوع نور المبدء الاعلي و هو قوله عليه السلام ان لله سبعينالف حجاب لو كشف واحد منها لاحترقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من الخلق فالواسطة تسمي حجابا و لذا ورد في الزيارة الرجبية و صلي الله علي محمد المنتجب و علي اوصيائه الحجب و قد يطلق الحجاب ( الحجب خل ) علي ضد ما ذكرنا و هو المانع و الظلمة و قد وقع التعبير عنهما في كلام اهل البيت عليهم السلام الا ان المراد هنا المعني الاول فتكون الاطوار الوجودية له عليه السلام حجبا نورية من جهة وساطة الافاضة و من جهة ان كل مرتبة منها محيط بجميع ما لها من الاجزاء و الشرايط و اللوازم و المتممات و المكملات كالممثل المحيط بالمتممين تسمي كل مرتبة من تلك الاطوار الكونية سرادقا و جميعها سرادقات و من جهة هذا الاستيلاء المذكور و الهيمنة المزبورة وصف بالجلال و قال سرادقات جلالية و نسب النور الي الحجب لدفع توهم انه بالمعني الآخر و هذه الحجب و السرادقات ثمانية و عشرون كما ذكرنا من قبل عند ذكر الاسماء و الحروف المفيضة و في كل منها عشرة مراتب و هي القبضات العشر التي هي من الافلاك التسعة و الارض في كل مرتبة ( مرتبة منها خل ) بحسبها و كل مرتبة منها يشتمل علي عشرة كاملة اخري و هي الامكان [ص 40] و الفؤاد و القلب و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و العرض و هذه العشرة اذا لوحظت مع تلك العشرة كانت مأة و هي في ثمانية و عشرين كان الحاصل الفين و ثمانمأة و هي عدد الحجب و السرادقات و هي لذلك الجناب حجب نورانية و سرادقات جلالية تستمد من المبدء الاعلي بالاحرف النورانية و لما كان كل مرتبة من هذه المراتب المذكورة مشتملة علي ثلاث مراتب الاعلي و الاوسط و الاسفل و كل مرتبة من حيث انها واسطة باب و من حيث انها مانعة عن الاتصال حجاب فجهة البابية غير جهة الحجابية و لذا اشار اليه بقوله علي نبينا و آله و عليه السلام و كل حجاب له باب و عليه حجاب فمجموع هذه الحجب و الابواب مع الحجب النورانية و السرادقات الجلالية ثمانيةآلاف و اربعمأة و هي كليات المراتب التي سافر عنها و اليها و لما كانت هذه المراتب مراتب وجوده و اطوار كونه و شهوده فلا ريب ان كلا منها يطلب وصاله و يحب الاتصال به و لذا قال علي نبينا و آله و عليه السلام و كل منهم ينادي بلسان حاله داعيا لوصاله و انما اتي بضمير جمع المذكر العاقل لبيان ان كل مرتبة منها ذات شعور و ادراك و انما قال بلسان حاله و لميقل بلسان مقاله مع انه يدعوه به ايضا لان اللسان المقالي اذا خالف اللسان الحالي فالاجابة للحال دون المقال لان بها حفظ الكينونة و بغيرها اعدامها ( امدادها خل ) كالمريض الصفراوي اذا طلب بلسانه عسلا فانه لايجاب و انما يجاب ما يدعو بلسان الحال من استعمال العقاقير الباردة فلسان الحال هو الاصل في المبدء و المآل و لسان المقال فرع تابع و لايلزم اجابته دائما و [ص 41] انما اللازم اجابة لسان الحال فمن هذه الجهة عبر عليه السلام بما يجب اجابته و لاتمكن مخالفته و اما ندائهم للوصال فان القشر لايستغني عن اللب و الظاهر لايسعه التخلف عن الباطن و المستمد لايزال يطلب الاتصال بباب مدده فلما نودي عليه السلام بلسان يجب ان يلبي فاخذ في الصعود اليها فاخذ في شرح بيان هذه المراتب المعبر عنها بالباب و الحجاب له الاعلي و الوسطي و السفلي فقال الباب الاول انهاني الي ما لا معول عليه لانه المرتبة السفلي و صاحب الهمة العليا لايعول علي السفلي و الثاني انهاني الي الافلاك و هي المرتبة الوسطي و هي الدوائر المحيطة الحاملة للفيض الي المرتبة السفلي و لما كان في نزوله حين امتثاله لقوله تعالي ادبر وصل الي هذه الرتبة و احاط بما فيها علما ثم لما نزل لمينس عليه السلام تلك المرتبة لقوة نورانيته و شدة تأصله و لما فيه من العصمة بخلاف غيره من الغير المعصومين فانهم نسوا ما عرفوا و لذا قال عليه السلام اشارة الي مقامه و ذلك قد فهمناه بالادراك يعني فهمناه حال نزولنا الي هذه المرتبة بالادراك اي بالاحاطة و الوصول و الاتصال و الثالث انهاني الي الاسماء و تلك قد ادركناها فهما و رسما فاشار الي المرتبة العليا و عبر عنها بالاسماء لبيان ان كل اثر يكون مبدء اشتقاق اسم لمؤثره و المشتق و ان كان فرعا للمبدء الذي هو المشتق منه الا انه اصل للدلالة علي الذات المبدء ( المبدء المؤثر خل ) فالاثر بوجهه الاعلي يدل علي المؤثر و لما كان الاسم هو المنبئ عن المسمي كما صرح به اميرالمؤمنين عليه السلام و الاثر هو الدال المنبئ عن مؤثره فكان [ص 42] اسما له فالاشياء الحادثة بجهاتها العليا هي الاسماء الحسني و الامثال العليا و لذا قال عليه السلام و الثالث انهاني الي الاسماء اي المرتبة الثالثة في المقام الصعودي فان الشيء له حالة من حيث نفسه و مقتضياته و اطواره و هو من هذه الحيثية حجاب و مانع عن مشاهدة المؤثر و له حالة من حيث اثريته و انفعاله و انصداره من مبدئه و هو من هذه الحيثية مصدر و مفعول مطلق دائرة مستديرة حول محورها و قطبها و لذا عبر عنها بالافلاك و له حالة من حيث دلالته علي مؤثره و ظهور مؤثره فيه باشراقه و جلاله و جماله و هو من هذه الحيثية اسم له و لما كانت دلالة الاسم انما هي بمتعلقه من الاثر المتقوم به لا بغيره و لذا لايدل القائم الا علي الظاهر بالقيام و لايدل علي العالم و الكاتب و القاعد و غيرها فكانت دلالة الاسماء دلالة الرسم لا دلالة العين و الاسم صفة الاستدلال لا صفة الكشف فكان ما ينهي اليه الاسم الرسم و الفهم ( الفهمي خل ) الرسمي كما قال السهروردي :
منتهي الحظ ما تزود منه اللحظ و المدركون ذاك قليل
و لذا قال عليه السلام و الثالث انهاني الي الاسماء و تلك قد ادركناها فهما و رسما فان الاسم لايدل الا علي الظهور الخاص المتعلق بالامر الخاص فكانت دلالته رسمية لا كشفية عينية و ذلك معلوم ظاهر و لما ذكر احوال المراتب الثلثة لكل مرتبة اخذ في بيان باقي المراتب علي وجه الاجمال فقال عليه السلام و كل واحد منهم ممره علي ساحل المحيط يعني كل من هذه المراتب و علة تذكير الجمع قد ظهرت مما سبق و هذه المراتب المعدودة و غيرها مما في مطاويها ممرها اي مرجعها [ص 43] الي ساحل المحيط و بيانه ان الشيء له رتبتان رتبة ذوبان و رتبة انجماد و الاولي هي جهة الي مبدئه و هو الوجود اي الاثر و هو امر وحداني سار في جميع المراتب الظاهر بكينونة الوحدة الحافظة لها في كل مرتبة و الثانية مراتب التعينات و الماهيات ( المهية خل ) و مقامات ( المقامات خل ) التشخصات و مراتب الكثرات و جوامع الانيات و المقامات الحاصلة من النسب و الاضافات و ساير القرانات من العلل و المعلولات و الشرايط و المشروطات و الاسباب و المسببات و اللوازم و الملزومات و المتممات و المكملات و ساير انحاء الاطوار و الاكوار و الادوار و الاوطار و مراتب احكام الليل و ساعات النهار فالمرتبة الاولي يسمي بالبحر لذوبانه و الثانية يسمي بالبراري و القفار و الاحجار و الاشجار و المدن و الامصار و ساير المراتب بساير الاطوار و اول التعين اي تعين ( التعيين اي تعيين خل ) ذلك الامر الواحد بحدود الكثرات في مقام رقة الحجاب يسمي بالساحل و هنا ثلاث مراتب بر و ساحل و بحر و لما كانت الاشياء بجهة مبدئها امرا وحدانيا كان ذلك بحرا و بجهة انياتها كثرات متباينة كانت برا و لما كان العقل المعبر عنه بالقلب او القلب المعبر عنه بالنفس الناطقة المعبر عنها بانا اول التعينات و مبدئها و اول غصن اخذ من شجرة الخلد و اول كف غرفت من ذلك البحر فكان هو الساحل و جميع الموجودات بحذافيرها بجميع مراتبها و اقتضاءاتها و مقتضياتها مرتبطة بالقلب و متعلقة به و مستمدة عنه كالاوردة النابتة من الكبد و الشريانات النابتة من القلب و العرق الواحد ذي الثقبتين المتصل من الكبد الي القلب فيأخذ الحيوة من [ص 44] القلب و يوصلها الي الكبد و من الكبد الي الاوردة و من الاوردة الي ساير البدن و الروح البخاري في الشريانات متصلة بالاعضاء و الجوارح بها حيوتها فممر الاعضاء في سيرها لاستمدادها من مبدئها الي العروق و ممر العروق الي القلب منها بلا واسطة كالشريانات و منها بواسطة الكبد بواسطة ذلك العرق كالاوردة و كذلك مراتب الموجودات مرتبطة ( مرتبط خل ) بعضها ببعض و مستمدة بجميع احوالها من القلب و هو العقل الكلي و النور المحمدي الظاهر في الاشياء بالاشياء و هو ساحل البحر الاعظم المحيط المتعاظم و التيار المتلاطم و البحر هو الفؤاد و باب المراد و وجه الامداد ثم اشار عليه السلام بعد بيان احوال هذه المراتب و اتصالها بالقلب الذي هو محل الفيض الاقدس اي روح القدس اشار الي سيره عليه السلام الي تلك المقامات و عروجه الي تلك العرصات باسم الله رفيع الدرجات فقال علي نبينا و آله و عليه السلام و لمازل كذلك حتي وصلت بابا مغلوقا و مقفلا موثوقا اي لمازل اسير تلك المقامات و اقطع تلك السباسب و الفيافي برفيع الدرجات الي ان وصلت الي ساحل البحر المحيط فوجدت بابا مغلوقا و هذا الباب هو باب العقل المرتفع و هي بلدة بسم الله الرحمن الرحيم التي وصل اليها النبي صلي الله عليه و آله و هذه البلدة مقفول بابها بقفل وثيق للذي لميصل اليها و ساير في مراتب دونها فلما وصل اليها و استأنس بها و ذكر بسم الله الرحمن الرحيم فتحت تلك الباب للوصول الي ذلك الجناب و لذا قال عليه السلام فافتتحت ذلك بذلك اي بيت بسم الله الرحمن الرحيم المقفل بقفل [ص 45] بسم الله الرحمن الرحيم بمفتاح بسم الله الرحمن الرحيم فالبيت سرها و الباب وجهها و القفل قشرها و المفتاح كينونتها ففتح القفل بالمفتاح الذي هو القفل و لذا روي ان النبي صلي الله عليه و آله لما سأل جبرئيل عن مفتاحها فقال هو عندك و هو بسم الله الرحمن الرحيم فلما قرعها فتح الباب و دخلها فاذا هي بسم الله الرحمن الرحيم و تجري الانهار الاربعة من اركانها الاربعة فلما اتم سيره عليه السلام في القوس الصعودي حتي وصل الي مقام الساحل و هو مقام العقل اول التعينات و مبدء الكثرات و بدء ظهور الاختلافات فاليه انتهت مراتب الموجودات و هو بازاء مقام قاب قوسين بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله كل في مرتبته ( مرتبة خل ) و لما اتم سيره في مقام الانجماد اخذ يسبح في لجة بحر مراتب الذوبان و قد ذكرنا لك ان ذلك وجه مبدئه و لا ريب ان ظهور تلك الرتبة اي معرفة المبدء لايكون الا به لانه منزه عن اطوار الخلق و المقامات السفلية فاحتاج في السير في البحر المحيط الي مركب من سنخه و دليل من نوعه و آلات من مشاكله و اسباب من مماثله و لما كان تلك المعرفة انما يكون بالفعل اي فعل المبدء و هو آية التعريف و غاية التوصيف و لايمكن الوصول الي ذلك البحر المحيط الا بتعريفه و توصيفه كما قال عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و قال علي نبينا و آله و عليه السلام فوجدت الآلات و الاسفار و مراكب الايسار و كلها هي جهات التعريف و التعرف و اسباب للسير في ذلك البحر المحيط علي الوجه الاكمل و هو كشف سبحات الجلال من غير [ص 46] اشارة و محو الموهوم و هتك الستر و جذب الاحدية لصفة التوحيد فلما تمسك بتلك الاسباب بظهور ذلك الجناب تمكن من السير الي ذلك البحر و لذا قال فانتهيت اليها الي الفياض الاكبر و المحيط الاعظم اي فانتهيت حال كوني راكبا علي تلك المراتب اي سالكا سبيل الله ذليلا في جهات التعريف و التعرف الي الفياض الاكبر و المحيط الاعظم و هي نقطة وجه المبدء و ظهور المسمي بملاحظة الاسم و هي التي اشار الشاعر بقوله :
قد طاشت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة
سمت علي الاسماء حتي لقد فوضت الدنيا مع الآخرة
فالفياض الاكبر هي النقطة التي هي مبدء الوجود و اصل البروز و الشهود و غاية الوجود و الموجود منها و بها و لديها ينتثر الفيض و اليها يعود و هي آية التوحيد و مقام التجريد و علامة التفريد و هي المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و هي غاية مقصد الطالبين و نهاية سير المسافرين و محل المثال و اصل الجمال و الجلال و نور الحق اللايزال و المحيط الاعظم الفها اي ذوبانها اي اعطافها وجها ( وجيها خل ) و ظهور المحبة و بدء بروز المودة المقتضية للميل المقتضي للسيلان و الرطوبة و هنا مقام ظهور الفعل و اشتقاقه من المصدر و لما كان هذه الرتبة فوق المراتب و فوق العقل التي بها يمتاز ايمان المؤمن و كفر الكافر و بها تختلف مراتب المؤمنين و فيها مقام ظهور الايمان قال عليه السلام رقيت المؤمنين اي رقيت مرتبة المؤمنين الذين قال الله تعالي فيهم [ص 47] انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الآية ، و قال تعالي النبي الامي الذي يؤمن بالله و معني ارتقائه اليهم وصوله الي محاذاة مرتبتهم في الرتبة الشعاعية كما تقول ان القمر في برج الحمل و الحمل في الفلك الثامن و بينهما مسافة لاتحصي فمعني كلامه عليه السلام بيان اصل حقيقة المطلب اي و اني و ان بلغت في مقام التوحيد مقام الفياض الاكبر و المحيط الاعظم و وصلت مقام الفناء و الصحو و المحو الا ان حقيقتي و ذاتي من شعاع هؤلاء المؤمنين فاني مستغرق في بحر التوحيد بما ظهر لي بهم و لما لميكن التعدي عن هذه المرتبة و التجاوز عن هذه الدرجة و لما كان المؤمنون يراد بهم مقام النبوة المطلقة و الولاية المطلقة و هما مرتبتان لا جمعية فيهما ظاهرا و الجمع بظاهر لفظه لايؤدي التثنية ظاهرا اراد عليه السلام دفع هذا الاحتمال و دفع ( رفع خل ) هذا الداء العضال فقال و اردت ما ورائها يعني قصدت السير الي ما وراء هذه الرتبة التي هي مرتبة ذاتي و سر حقيقي و لما كان هما المعلمان و اليهما انتهي التعليم لقوله صلي الله عليه و آله في الحديث المشهور اراد تعليمه و تعريفه مقامه فقالا اي النبي و الولي صلي الله عليهما و علي آلهما لاتتعدي اي لايخطر ببالك التعدي و بجنابك التجاوز و الا فلايمكنه ذلك لاستحالة خروج الشيء عن مبدء ذاته فارادا ان يعرفاه نفسه و مقامه فقالا له لاتتعدي فنحن النهاية و الينا الغاية و هو قوله عليه السلام ليس وراء الله و ورائكم يا سادتي منتهي فكلما سويهم ينتهي اليهم و يبتدء منهم و يعود اليهم و الكلام في هذا المقام طويل و القلب لبيانه [ص 48] كليل لان الفهم عن ادراكه عليل فطيه اولي و الامساك احري و في ما ذكرنا الكفاية لاولي الفهم و الدراية و بما ذكرنا من البيان التام و التبيان الشامل العام تبين لك المراد من جميع ما سألت ما المراد و ما الشيء و اي شيء الي آخر كلامكم اسبغ الله نعمه عليكم و الله خليفتي عليك ( عليكم خل ) .