و ما الوجه الا واحد غير انه اذا انت عددت المرايا تعددا
او كاخلاف الشئ الواحد في الوجه الذاتي و الوجه الظاهري و الوجه الفعلي و الوجه الارتباطي علي ما مثلنا لك في العقل الكلي او كاختلاف المركب باختلاف الطبايع اجزائه و ظهورها عند صفاء اعتدالها بصرافة طبايعها قبل الخلط و المزج بالاعراض الغريبة و الطبايع الفاسدة فيوصف ذلك المركب بكل من تلك الطبايع و الجهات عند انفرادها و لقد اجاد في المقال صاحب شذورالذهب في هذا المعني فقال و نعم ما قال :
و محمومة طبعا عدلت مزاجها الي ضدها لما علت زفراتها
بجنية انسية ملكية هوائية نارية نفحاتها
جنوبية شرقية مغربية شمالية كل الجهات جهاتها
فافهم و ربما نوضح لك بعض هذه المعاني في ما بعد ان وجدت لنفسي اقبالا و لكني في سعة مع من اخاطب فانه بدقة فهمه و غامض علمه يطوي [ص 29] التلويحات بلطايف الاشارات و لايحتاج الي تكرير العبارات و ترديدها في الرقوم و الكلمات .
اما الجواب عن الثاني اي السؤال عن سر التقديم و التاخير في الحروف المستلزم بتقديم الفرع علي الاصل و المعلول علي العلة و الولد علي الوالد و تاخير العلة عن معلولها و الاصول عن فروعها و الآباء عن ابنائها بعد اثبات ان في الحروف ترتيبا باحد الوجوه الثلاثة فاعلم ان عالم الحروف عالم مستقل مطابق لعالم الذوات حرفا بحرف لما قد دلت عليه الادلة القطيعة من العقلية و النقلية من تطابق الكتابين و توافق العالمين كيف لا و قد قال عز من قائل ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير و قال عز و جل و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قد حققناه في ساير مباحثاتنا و رسائلنا فاذا صح التطابق فلنبين بعض الترتيبات المختلفة الفاصلة في الكتاب التكويني الذي كتبه الله بيده و رتبه بحكمته و اتقنه بكلمته لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و تعرف بالمقايسة حكم الكتاب التدويني استدلالا علي الصفة بالموصوف بالدليل اللمي فنقول اعلم ان الكرة الكونية الوجودية تنقسم الي قوسين قوس نزول و قوس صعود الاول ينقسم الي قسي كثيرة كلياتها عشرون قوسا مرتبة مقدما للاعلي علي الاسفل و الاصل علي الفرع و للعلة علي المعلول لانه ترتيب تكويني انوجادي ظهر فيه سر الاسم الاعظم من المبدأ الفياض المستمد من فوارة القدر بامر مستمر و جري مستقر علي [ص 30] قوابل الهياكل الصورية الاشرف فالاشرف لبطلان حكم الطفرة و اكمال الحجة و اتمام النعمة و اقتضاء سر الخليقة في حقيقة (ظ) الكينونة و ان اردت ان تعرف مجرد التسمية في تلك الحقايق المترتبة بالترتيب الطبيعي علي نحو تقديم الاعلي علي الاسفل و الاصل علي الفرع و العلة علي المعلول و الوالد علي الولد فاولها الوجود و هو الساري في كل غايب و مشهود و موجود و مفقود و به امتاز العابد من المعبود و هو باوصافه محقق الركوع و السجود لانه وجه الرب العطوف الودود ثم العقل مصدر النقل و المخترع الاول من الفعل في مراتبه الثلثة من العقل المرتفع و المستوي و المنخفض ثم الروح صاحب القباء الاصفر الماشي علي الارض بالتبختر ثم النفس محل الرمس بمراتبها الثلاثة في المقامات السبعة من الامارة و الملهمة و اللوامة و المطمئنة و الراضية و المرضية و الكاملة ثم الطبيعة المرتدية بالعباء الحمراء و الماشية في الارض البيضاء و الحاكية للحقيقة العليا ثم المادة الجسمانية جوهر الهباء و الذر الاعلي في المقام الادني ثم المثال عالم الاشكال و مبدء الانفصال و محقق الاتصال ثم الجسم جسم الكل الشجرة الكلية الظاهرة السارية في جميع الاغصان و الاصول و الفروع و الافنان ثم العرش المجرد عن النقش و مصدر الفرش ثم الكرسي مقر العلم اللدني و مركز الكوكب الدري ثم فلك المنازل و مصدر القوابل و مظهر الهياكل ثم فلك الشمس ثم فلك زحل و القمر ثم فلك المشتري و عطارد ثم فلك المريخ و الزهرة ثم كرة النار ثم كرة الهواء ثم كرة الماء ثم كرة التراب الي هنا منتهي [ص 31] قوس النزول و الترتيب في هذه القوس تقديم الاعلي علي الاسفل و الاصل علي الفرع كما عرفت مما ذكرناه و اما قوس الصعود فهي تنقسم الي قسي كثيرة كلياتها ايضا عشرون قوسا و الترتيب عكس النزول و يقدم الاسفل علي الاعلي و الفرع علي الاصل و الولد علي الوالد و اولها السحاب المثار من شجر البحر و هو اضعف الاشياء تركيبا و اسرعها تحليلا و اضمحلالا ثم المطر الجاري من البحر الساري الواقف بين السماء و الارض الآخذ بجهات الطول و العرض ثم الحل في التراب ثم العقد في النبات ثم المزج في الكيلوس ثم الانتقال الي الكيموس ثم التصفية في العروق ثم التخليص عن شوائب الفضول عند الاعضاء ليتكون مني يمني ثم الانتقال الي الرحم و الامتزاج مع منيها ثم العقد مع التربة المقبوضة القابضة الجاذبة لاتمام النطفة ثم العلقة الظاهرة طبعها انها الصفراء ثم المضغة المخلقة ثم العظام ثم اكتساء اللحم ثم انشاء الخلق الآخر بظهور الروح الحيوانية عند الولادة الجسمانية ثم الولادة الدنياوية ثم البلوغ في سن الخمسةعشر ثم التمام في سن الثلاثين ثم الكمال في الاربعين ثم الولادة الاخروية عند الموت اعاننا الله عليه فثبتنا بالقول الثابت لديه ثم في البرزخ بمراتبه و مقاماته ثم عند نفخ الصور لظهور سلطان الطبيعة و موت الخلق اربعمائة سنة ثم عند الحشر يوم القيمة ثم عند اكله من كبد الحوت ثم من كبد الثور ثم الشرب من السلسبيل ثم الاغتسال في عين الحيوان ثم الدخول في مقام الكثيب الاحمر ثم الانتقال الي الرفرف الاخضر ثم الوقوف في ارض [ص 32] الزعفران ثم الاقامة في مقام الاعراف ثم السباحة في لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية الذي هو مقام الرضوان و وراه مقام لايحيط به علمنا علي التفصيل الا علي وجه الاجمال و هذا الترتيب هو في قوس الصعود يقدم الاسفل علي الاعلي كما هو الشأن و الدأب في الصعود لان الصعود لايكون الا الي ما نزل منه فافهم و هنا ترتيب آخر مخالف لترتيب النزول و الصعود رتبته يد القدرة لاقتضاء الحكمة و هو ترتيب الظهور و هذا الترتيب ليست له قاعدة مطردة الا ما اقتضته الاسباب بالسوق الي مسبباتها و العلل بالاقتران الي معلولاتها و ذلك عند خروج ابينا آدم عليه السلام من الجنة و قتل قابيل هابيل مما استحكمته احكام عالم الذر من غلبة الظالمين و استيلاء الطغاة المفسدين و ما حتم الله عز و جل من اعلاء دعوته و اظهار كلمته من غير اكراه و اجبار و لا الجاء و اضطرار و بيان هذا الترتيب علي التفصيل لايسعه المجال الا اني اشير اليه اشارة اجمالية تنبيها للامر و تثبيتا للذكر فنقول ان القاعدة في قوس الصعود كما عرفت ان يكون كل عال مؤخرا عن السافل بعكس قوس النزول و قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان محمدا و آله صلي الله عليه و آله خلقهم الله قبل خلق الخلق و قبل الكان و المكان و قبل كل شئ ثم خلق من اشعتهم و فاضل نورهم الانبياء عليهم السلام ثم خلق من شعاعهم الرعية من الانسان ثم خلق منهم الجن ثم الملك ثم البهايم ثم النباتات ثم الجمادات ثم الاعراض و الصفات و الالوان و الهيئات و في رتبة الحقيقة المحمدية صلي الله عليها خلق اولا [ص 33] محمدا صلي الله عليه و آله ثم خلق اميرالمؤمنين عليه السلام ثم خلق الحسن عليه السلام ثم الحسين عليه السلام ثم القائم من آلمحمد عليه و عليهم السلام ثم الائمة الثمانية ثم فاطمة الصديقة علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها الصلوة و السلام و في رتبة الانبياء عليهم السلام خلق اولوا العزم قبل سايرهم لانهم عليهم السلام قطب رحي النبوة و عليهم تدور احكامها من ذواتها و صفاتها كما قال عليه السلام علي ما رواه الكليني (ره) و في اولي العزم خلق نوح اولا علي ما هو الحق ثم ابراهيم ثم موسي ثم عيسي عليهم السلام ثم الانبياء علي ترتيب شرفهم لان كل اشرف مقدم في الذات و الحقيقة قطعا و هكذا ساير اطوار الخلق غير ما ذكرنا مع ان في عالم الظهور ظهر ابونا آدم عليه السلام قبل الرعية من ساير الانسان مع ان القاعدة في قوس الصعود العكس و في قوس النزول تقديم نوح و ابرهيم و موسي و عيسي عليهم السلام عليه و تقديم محمد صلي الله عليه و آله علي الجميع مع ان الامر ليس كذلك فقد ظهر آدم عليه السلام ثم نوح بعد انبياء كثيرين ثم ابراهيم ثم موسي ثم عيسي ثم محمد صلي الله علي و آله ثم اميرالمؤمنين الي آخر مقامات ظهورهم علي التفصيل و هو لاينطبق علي شئ من القوسين كما عرفت و هذا الترتيب لاقتضاء الحكمة في الخلق الثانوي علي مقتضي الاسباب و جريانها حسب ميولات الاشياء و شهواتها اذ لا اكراه في الدين و هذا باب واسع لايسعني الكلام فيه اكثر مما ذكرنا و هكذا الكلام في ترتيب البروج فانه مخالف لترتيب العناصر جدا فانه تعالي رتب [ص 34] البروج مبتديا من الحمل و هو ناري ثم الثور و هو ترابي و بينهما و ان لميكن معاداة الا ان اليبوسة و قواها في المقامين يورث التفتت و التصلب و عدم الحيوة علي مقتضي الاسباب الظاهرية ثم الجوزاء و هو هوائي قد قارن بالترابي و هما ضدان و قد جمع بينهما من غير فاصل و فارق بخلاف العناصر ثم السرطان و هو مائي ثم الاسد و هو ناري و قد قارن بين الماء و النار و هما ضدان و هكذا الي آخر البروج و المنازل و هذا الترتيب لاتقتضيه قوس النزول و لا قوس الصعود كما هو الظاهر المعلوم و انما هو ترتيب لاجل حكم و مصالح ما خفي علينا اكثر مما ظهر لنا بمراتب شتي و لكن الامر قطعا لايخالف الواقع اذ الشئ قد يحكم عليه باعتبار الظاهر و قد يحكم عليه باعتبار الباطن و قد يحكم عليه باعتبارهما جميعا و قد وقع التصريح في القرآن الكريم بهذه الوجوه الثلثة من الترتيب فقال عز من قائل و اذ اخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابراهيم و موسي و عيسي و هو اشارة الي ترتيب قوس النزول دون الظهور و قال عز و جل هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و هذا الترتيب اشارة الي ترتيب الظهور كما تقدم و قال عز و جل الذي خلق الموت و الحيوة و قال ايضا من الجنة و الناس و قال (ع) ايضا و جعل الظلمات و النور و هذه الآيات اشارة الي ترتيب قوس الصعود فاذن لك ان ترتب العام بترتيبات مختلفة متضادة كما رتبه الله سبحانه في محكم كتابيه التكويني و التدويني علي ما سمعت مع انك تعلم يقينا ان العالم مترتب في اصل الوجود ترتب الاصل علي الفرع و الوالد علي الولد [ص 35] و المنير علي الشعاع و الذات علي الاثر و مع ذلك كله تجد هذه الترتيبات المختلفة من الصعودية و النزولية و الظهورية انظر الي تقدم عبدالله علي رسول الله (ص) بالابوة و تقدم ابيطالب علي اميرالمؤمنين عليه صلاة (ظ) كذلك و تقدم فاطمة الزهراء (ع) علي الائمة صلوات عليهم اجمعين بالامومة مع ما تحقق عندك يقينا ان عبدالله و اباطالب ذرتان من شعاع نور ابنيهما (ص) و قطرتان من محيط بحريهما و كذلك فاطمة عليها السلام قد وجدت بعد الائمة عليهم السلام مع انها تقدمت عليهم و هكذا الامر في غيرهم ممن تقدم في الوجود و تاخر في الظهور و قد اشرت الي مجمل السر و العلة في ذلك باشارة لطيفة و عبارة دقيقة لما اعتقد في ذلك العالي الجناب من دقة المدرك لتحصيل الحق و الصواب و اما تفصيل القول في ذلك فذلك مما لاتسعه الدفاتر و اذا حصلت المشافهة ربما تنال المطلوب بالوجه المرغوب و لكنك عند امعان النظر يتضح لك الامر انشاء الله تعالي فاذا فهمت ما ذكرنا لك عرفت صحة اختلاف الترتيب في الحروف بالتقديم و التاخير مع ما هي عليه من تكون بعضها عن بعض و تقدم بعضها علي بعض فان الحروف فروع و توابع لهذه الذوات و الحقايق فتنصبغ بصبغها و تتحلي بحليتها و تختلف باختلافاتها علي طبقها و وفقها حرفا بحرف فكل هذه الاختلافات الحرفية تنحل الي هذه الوجوه الثلاثة و هي كلها ترجع الي استواء الرحمن علي العرش و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه فالحروف قد ترتبت تارة علي مقتضي [ص 36] قوس النزول بتقديم الاشرف علي الاخس و الظاهر ان ذلك هو ترتيب ا ب ج د و منها ما ترتبت اخري علي مقتضي قوس الصعود و هو عكس هذا الترتيب المعروف و المغاربة قد يستعملونها في مطالبهم و حوائجهم اذا احتاجوا اليها و منها ما ترتبت علي مقتضي حكم الظهور في الترتيب و هو يختلف اختلافا واسعا حسب اختلاف الظهورات الكونية كما تقدم فان الحروف بازاء تلك الحقايق و الذوات فتتقدم بتقدم اصلها و تتاخر بتأخره اذ الحروف منها ما هو بازاء التوحيد و منها ما هو بازاء النبوة و منها ما هو بازاء الولاية و الامامة و منها ما هو بازاء الرعية و منها ما هو بازاء الايمان و اهله و منها ما هو بازاء الكفر و النفاق و اهله و منها ما هو بازاء الانوار و منها ما هو بازاء الظلمات و منها ما هو بازاء الايام و منها ما هو بازاء الليالي و منها ما هو بازاء الافلاك و منها ما هو بازاء العناصر و منها ما هو بازاء الكواكب و منها ما هو بازاء البروج و المنازل و منها ما هو بازاء الالوان و الاعراض و الصفات و الهيئات و منها ما هو بازاء الذوات و الحقايق و الماهيات و منها ما هو بازاء المجردات و منها ما هو بازاء الماديات و منها ما هو بازاء العلويات و منها ما هو بازاء السفليات و هكذا ساير الاشياء من الاسماء و المسميات و الاسماء الحسني و الاسماء السوءي الي غير ذلك و يرتبونها علي حسب تصاريفهم في الكائنات علي ترتيب الحقايق و الذوات الا انهم مختلفون في الحروف التي بازاء تلك الحقايق اختلافا شديدا و ذلك باعتبار اختلاف انظارهم في الجهات و الاحوال [ص 37] و الشئون المودعة في الحروف من تقدير الله عز و جل فمنهم من جعل الالف حرف النبوة لانه المبدء للحروف كالنبوة الظاهرة في آدم (ع) ابينا فانها مبدء للبشر و النبوة الظاهرة في الحقيقة المحمدية فانها مبدء و اصل العالم كله و منهم من جعل الباء حرف النبوة لانها تراب حامل و محل للفيوضات و مستعد للقبول و خاضع خاشع لمبدئه و عاليه و ذلك حكم النبوة لانها اول الحوادث و اول الخاضعين الخاشعين له تعالي و هي الحاملة لآثار الربوبية و فيوضاتها علي ما في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فافهم و منهم من جعل الجيم حرف النبوة لانها مبدأ الشكل المثلث و هو ابو الاشكال و اصلها و اسطقسها و هي منه تحققت و به برزت و منه بدءت و اليها عادت و لان الجيم انما حصلت بميل الالف بالباء و المكونات باسرها انما تحققت بحذافيرها من ظهور الفعل بالامكان و اول المكونات مقام النبوة و قالوا ان الشكل المثلث شكل آدم عليه السلام و لذا جمع عدد اضلاعه خمسة و اربعون مطابق لعدد آدم و كل ضلع منه خمسةعشر مطابق لعدد حوا و غير ذلك من المناسبات فالاولون جعلوا حرف النبوة و النبي الالف و الاوسطون جعلوها الباء و جعلوا الالف للتوحيد لانه حرف الوحدة و الآخرون جعلوا الالف حرف التوحيد و الباء حرف الامكان اي المشية و محلها كما يشهد لهم قوله صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و الجيم حرف النبوة و مقام البعثة الي كافة الخلق و للكل اعتبار حسن يطابق الواقع [ص 38] فالكل اذن علي صواب انشاء الله تعالي اذ بعد تعدد الجهات و اختلافها لميبق للتناقض و التضاد محل فافهم فمن جهة اختلافاتهم في هذه الوجوه اختلفت ترتيباتهم للحروف الثمانية و العشرين في مقام الترتيب الظهوري فجعلت ترتيبات مختلفة كلها مطابقة للواقع و الجعل الاولي الالهي في مقام الظهور و كل ترتيب و تصوير جاذب اثر من الآثار من المبدء الفياض كما اختلفت الآثار باختلاف ترتيب الحقايق و الذوات اذ الهيئات و الصور المرتبة مراياء لاستشراقات الانوار الجبروتية و آثار الحقايق اللاهوتية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره و الذي يظهر لي ان هذه الترتيبات المختلفة انما كانت من الانبياء الماضين عليهم السلام عن الوحي الالهي حسب مصالح العباد و البلاد فهم عليهم السلام كتموها عن الاغيار و اودعوها عند اهلها من الابرار من اهل الاسرار و بقوا يستعملونها علي ما وصل اليهم من انحاء تلك الترتيبات فاختص كل طائفة و اهل كل علم بترتيب منها و وضع خاص من تلك الاوضاع و الصور حسب مناسبتهم اياه في الغرائز و الطبايع كاختصاص كل صنف و كل طائفة بلغة من اللغات المختلفة من الهندية و التركية و اليونانية و السريانية و غيرها مع تاليفها من الحروف المذكورة و كون الواضع في الجميع هو الله سبحانه و كذلك كل ترتيب من هذه الترتيبات المخصوصة اختصوا به لما بينهم و بينه من المناسبة بجهة من الجهات الذاتية و العرضية ثم ذكروا لاجل الترتيب الخاص الذي [ص 39] عندهم بعض النكات و الاستحسانات و ظنوا انها المؤسسة و المحصلة لتلك الاوضاع و ظن الجاهل بالامر انهم هم المؤسسون لهذه الاوضاع و الترتيبات و لكن الحكيم الماهر و اللبيب الكامل يعلم ان هذه الاوضاع كلها من الاوضاع الالهية علمها آدم عليه السلام و كانت مستودعة عنده الي ان اوصله الي وصيه هبةالله شيث و كانت الانبياء يتوارثون اياها خلفا عن سلف و يعلمون بعض جهاتها لمن يأمرهم الله سبحانه من خواص امتهم و رعيتهم و هي كلها امور حقيقية واقعية يتفرع عليها آثار غريبة عجيبة و يستخرج منها كنوز من معارف الله عز و جل و اسرار اسمائه و صفاته و لايسع المجال لشرح هذه الاحوال بل لايذكر هذه المطالب و اسرارها في المقال و انما هي مخزونة مكنونة في صدور جماعة من الرجال و الله خليفتي عليك ه .
و اما الجواب عن الثالث و هو السئوال عن ان الطبايع باسرها لاتظهر في كل مركب بل انما ينسب المركب الي الجزء الغالب عليه من الطبيعة كما يقال ان فلانا صفراوي او سوداوي و لايغلب ذلك الجزء الا بعد اضمحلال آثار باقي الاجزاء فعلي هذا لايعقل ان يكون مركبا واحدا غلب عليه طبيعتان و اكثر من العناصر ليقال انه ناري او هوائي او مائي او غير ذلك كما لايعقل ان يقال للشخص الواحد انه صفراوي و بلغمي في حالة واحدة الا في وقتين اولا بمعني الغلبة و هو خلاف المفروض فاذن لايعقل الاختلاف في الحرف الواحد بانه مائي او ناري او هوائي او ترابي كما وقع لهم كما سمعت مجملا فاعلم انه لا شك و لا ريب ان الله عز و جل [ص 40] لميخلق فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة علي نفسه فخلق الاشياء و ركبها من الضدين بل اربعة اظهارا لكمال قدرته و اثباتا لعظيم عظمته الا انه تعالي بلطيف حكمته و كمال قدرته و نفاذ كلمته و مشيته ركب تلك الاجزاء المتضادة المتعادية و الف بينها بحيث لميكسر جزء منها سورة الجزء الآخر المضاد له بل كل منها باق علي كمال قوته و صرافة طبيعته و اعتدال استقامته و هذا بحث قد خالفنا الحكماء و الاطباء فيه و اقمنا عليه براهين قطعية من العقلية و النقلية و ليس هنا موضع استقصاء الكلام فيه فليطلب في ساير رسائلنا فالله سبحانه جمع الاضداد في المركب مع بقاء كل منها علي كمال قوته و صرافة طبيعته من غير الاختلاط بحيث يبطل كل من اجزائه عن صرافة طبيعته الاصلية فيفعل كل مركب الافعال المختلفة المتضادة بما فيه من تلك الطبايع بلا معارضة و لا مضادة الاتري المولود الفلسفي فانه شئ واحد في تركيب واحد يفعل افعالا متعددة مختلفة متضادة مثلا اذا القي علي الفلزات المختلفة يعدلها و يجعلها ذهبا فيجفف الرطب و يرطب اليابس و يبرد الحار و يسخن البارد و ينفع في المزاج الصفراوي و السوداوي و الدموي و البلغمي و الامراض المركبة و غيرها فلو كانت فيه طبيعة غالبة لماامكن الفعل و التصرف في كل من الطبايع الاربع و كذا الجنة و احوالها فانها تجمع الامور المتضادة و الاحوال المختلفة و كل شجرة في الجنة تأتي بكل فاكهة و كل شئ فيه يأتي بكل شئ فلو كان للمركب طبيعة غالبة او كل طبيعة كسرت سورة الاخري لماامكن هذا الفعل البتة الاتري الانسان [ص 41] المركب من الضدين النور و الظلمة امتزجا و صار المجموع شيئا واحدا و مع ذلك كله لميضمحل احد الجزئين في الآخر كالمركبات المتحققة المتحصلة من العقاقير الدنياوية بحيث يحصل للمجموع طبيعة اخري غير الاجزاء و يخرج كل جزء عن صرافة طبيعته و اعتدال حقيقته كما اذا ركبت الماء و الطين او الخل مع العسل فلو كان الامر هكذا لزم ان لايصدر عن الشخص طاعة محضة موجبة للجنة و لا معصية محضة موجبة للنار بل يجب ان يصدر عنه شئ لايكون طاعة و لا معصية مع ان الامر في الواقع ليس كذلك فلو لميمتزجا لماتحقق بالاجتماع حقيقة اخري و شخص آخر يستحق اسم آخر و الحاصل ان هذا امر واضح لمن تتبع مواقع الآيات المرئية في الآفاق و الانفس و راجع الي العقل المستنير الا ان المركبات علي قسمين قسم تمكن فيه الاعراض الغريبة و الطبايع الفاسدة بحيث اخرجت المركب عن الاعتدال و الفعل علي مقتضي ذاته بالاستقلال كالمركبات الدنيوية و العقاقير الارضية و الاجساد الغاسقة و الاشياء التي لحقته العناصر الدنياوية مما هو تحت كرة القمر و هذه المركبات خرجت عما هي عليه من الاعتدال و ظهور آثار الطبايع فيها فصار يعمل كل واحد منها بالجزء الغالب من الطبايع لا بجميعها كما هو المعروف عند اهل التجربة من الاطباء و ساير العلماء و الحكماء و هو الذي دعاهم الي القول بان الاعتدال مايمكن و ان ظهور آثار جميع الطبايع في المركب الواحد علي صرافتها لايعقل لما رأو في هذه المركبات من الانجماد و الخروج عما هي عليه الي المرض و الفساد و لذا [ص 42] لما خرج آدم علي محمد و آله و عليه السلام من الجنة و نزل الي الارض راي وجه الارض مغبرا متغيرا خارجا عن الاعتدال فانشد :
تغيرت البلاد و من عليها فوجه الارض مغبر قبيح
و قسم آخر صاف عن الكدورات و الاعراض و الغرايب و باق علي الفطرة الاصلية و الاعتدال الحقيقي غير متغير بالطبايع الفاسدة و غير منجمد علي طبيعة غالبة سواء كان قد بقي علي ما خلقه الله سبحانه في الخلق الاول و الثاني و لميغير خلق الله بتسويل الشيطان الرجيم و امره المخالف لامر الحكيم العليم كالجواهر العلوية و الحقايق الموجودة في الجنة و الافلاك و الكواكب و البروج في حد ذواتها لا باعتبار تعلقها بالاجسام السفلية و لذا رتب الله سبحانه البروج في منطقة الكرسي و قارن بين البروج المائية و النارية و الهوائية و الترابية مع كونها اضدادا لا محالة لرفع الاعراض و الغرائب الموجبة للمعارضة و المدافعة و المضادة و الافساد في ذلك العالم فيفعل كل عنصر بخاصة طبيعته و بصرافة قوته من غير معاداة للعنصر المخالف له فيها لعدم المقتضي و قد قال مولانا الصادق عليه السلام ماتناكرتم الا لما بينكم من الذنوب و الافلاك و الكواكب و البروج ذوات حية ذات شعور و ادراك مطهرة معصومة عن مخالفة الله عز و جل كلها و اجزائها فتجري علي ما يامرها الله سبحانه و قد سمعت الرواية الواردة في ان الله تعالي خلق ملكا نصفه ثلج و نصفه نار فلا الثلج يطفي النار و لا النار تحرق و تضمحل الثلج و ذلك لعدم المناكرة و المعاندة و الجري علي ما اراد الله سبحانه و سمعت ايضا ان في زمان [ص 43] ظهور مولانا الحجة المنتظر عجل الله فرجه يرعي الذئب و الغنم في مرعي واحد من غير معاداة و لا معارضة لانتفاء المقتضي لها الذي هو عدم الوقوف علي الحد المقرر له من الله سبحانه و علة ذلك مخالطة الاغيار الموجبة للاكدار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و قسم آخر منه قد تصفي بعد الخلط و صح بعد المرض و اعتدل بعد تمكن العرض الغريب اما بتدبير حكيم حاذق و طبيب صادق بما علمه الله سبحانه من كيفية العلاج و التدبير و الهمه العلاج تعجيلا لاستخلاصه عن قيد الاغيار و ممازجة السوي المورثة للاعراض و الاكدار او يجري الاسباب العامة علي مسبباتها و قران العلل الكلية علي معلولاتها الي ان يصفي الجميع و يعود الكل الي ما هو عليه من التعديل البديع فالاول كالاكسير المسمي عندهم بالمولود الفلسفي المسمي بعبدالواسع و بعبدالكريم و انا قد سميته عبدالله و ذلك تصفي بتدبير الحكيم بحله و تفريق العناصر بعضها عن بعض و تصفية كل عنصر علي ما ينبغي من التصفية البالغة بالمعالجة الكاملة من انحاء التعفينات و التقطيرات و التشميعات و التكليسات و غيرها من اطوار المعالجات حتي صفيت العناصر عن الاعراض الغريبة و الطبايع العارضة الغير الجوهرية ثم تاليفها علي احسن تاليف و اعدل تركيب يقتضيه الكون و الوجود فتتألف الاجزاء و تتركب حتي يصير المجموع شيئا واحدا مع بقاء الاجزاء علي صرافة طبيعتها و كمال قوتها فيؤثر في الحار و البارد و الرطب و اليابس و العالي و السافل و الاحجار و الاشجار و الحيوان و الانسان من غير [ص 44] الاتصال بشئ و الامتزاج بجسم بل هو مستقل في هذا الاصلاح لتعديل مزاجه و اجزائه فان وصفته بالحرارة و اليبوسة و نسبته الي النار صدقت لانه يحلل و يفرق و يصعد و يجفف و يلطف و يرقق و ان وصفته بالرطوبة و الحرارة و نسبته الي الهواء صدقت لانه يحل و ينضج و يربط و يجمع و يدوم و يبقي و يديم و يبقي فلايفسده شئ و لايفنيه شئ كلما اذيب بالنار اشتد صفاء و لطفا و كلما دفن في التراب ازداد نورا و بهاء لاتاكله الارض و لاتفسده الرطوبات الباردة لما فيه من قوة الحرارة و صفاء الرطوبة و ان وصفته بالرطوبة و البرودة صدقت لاصلاحه الحار اليابس و تعديل الحرارة و ترطيب اليبوسة و ان وصفته باليبوسة و البرودة و نسبته الي الارض و التراب صدقت لتجفيف الرطوبة و تبريد الحرارة و اصلاحه للمرض الدموي و ثباته و استقراره و سكونه و وزنه و زيادة مقداره و ثقله و غير ذلك و هذا معلوم عند اهل هذه الصناعة و معروف عندهم لاينكرونه و لايشكون فيه ابدا فلايحتاج مثل هذا المركب الي الجزء الغالب في التاثير بل هو ينسب الي جميع الطبايع و قد قال علي بن موسي الاندلسي في منظومته المسماة بشذورالذهب اشارة الي هذا المولود المكرم :
و محمومة طبعا عدلت مزاجها الي ضدها لما علت زفراتها
بجنية انسية ملكية هوائية نارية نفحاتها
جنوبية شرقية مغربية شمالية كل الجهات جهاتها
و الثاني تعديل الامزجة و الطبايع يوم القيمة و دخول الجنة و هو قوله [ص 45] تعالي و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يشعرون و قد سمعت احوال الجنة في اخبار آل الله عليهم السلام من ان كل شجرة فيها تاتي بكل ثمرة و علي اختلاف طبايعها و من كل شربة ماء تجد لذة كل شراب مايع من عسل و لبن و خمر و غير ذلك و من كل لحن تستمع جميع الالحان الموسيقية مما لميخطر ببالهم و لاجري علي خيالهم و بكل قوة من القوي و الحواس يدرك جميع الاشياء فيدرك الالوان و الروايح و الطعوم و غيرها بحاسة السمع و كذلك بحاسة البصر و غيرها من القوي و يدرك الاجسام الارواح من غير توسطها و العكس من غير توسطها و علي هذا القياس ساير اطوارها و احوالها و اوضاعها بذكرها تضيق الدفاتر فلايقال ان لهذه الاشياء طبيعة غالبة فلو كانت كذلك لماجاز تاثيرها في غيرها و القول بان الله سبحانه جعل لها هذه القوة و القدرة مسلم لكنه عز و جل لايفعل في الشئ خلاف طبيعته و خلاف مستقر حقيقته و هو سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها في الدنيا و الآخرة و غيرها اذ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فاذا فهمت هذه المقدمة الشريفة النافعة التي لمتسمعها من غيرنا و هي لعمري باب ينفتح منها الف باب فاعلم ان الحروف و تركيبها و طبايعها ليست كطبايع هذه المركبات الدنياوية بل انما هي امور كانت مكنونة في اللوح المحفوظ و كانت قد نزلت من حجاب الواحدية و الرحمانية الي اللوح و من اللوح نزلت الي العرش علي وجه الاجمال مطوية تفاصيلها في الالف و النقطة و من العرش نزلت الي الكرسي فظهرت في منطقتها [ص 46] و حفظتها الملائكة المقربون الي ان اوصلتها الي هذه الدنيا و هي بعد محفوظة بعين الله التي لاتنام و بحفظه الذي لايرام و قد قال عز و جل انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون فانزلها الله عز و جل من حجب الغيب الي عالم الاجسام و جعلها مادة لكلامه و جعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون كما قال مولانا الرضا عليه السلام في حديث عمران الصابي (ره) فاذن فالحروف باقية علي ما هي عليه من الفطرة النورانية في الطبايع الاربعة غير متغيرة بالاعراض الفاسدة و الطبايع الغريبة التي لساير المركبات نعم قد تعرضها الجمودة و الغلبة عند التركيب في اللغات المتعارفة علي الظاهر و الا فعند التحقيق فالمركبات الحرفية من اللغات و الاوضاع و التركيبات كلها باقية علي الفطرة الاعتدالية الاولية نعم اهل الجمود لايعرفون منها الا جهة واحدة في رتبة واحدة و اما اهل الذوبان و اصحاب علم احوال الكلام بالكلمات المتعارفة في المحاورات يخبرون عن امور غيبية و احوال معنوية و امور ماضية و مستقبلة و غرائب محتجبة فاذا كان كذلك فلايحتاج في الحروف للحكم عليها بالطبايع الي الغلبة حتي لايصح الاختلاف الذي يترتب عليه الحكم في الواقع بل الحروف علي جهة العموم يصح ان تنسب الي كل طبيعة كما مثلت لك بالاكسير ففي اي موضع تقع يؤثر فيه بما يناسبه و اهل العلم كل منهم تكلم بما جربه و وجده صحيحا فخصصها بتلك الطبيعة و انكر القول الآخر مثالهم مثال العميان و الفيل كما فعل اهل الصناعة فانهم خصصوا المادة بامور عشرة و لميعلموا انها في كل شئ علي ما قال [ص 47] اميرالمؤمنين عليه السلام نعم هؤلاء لما لميعرفوا الطرق الاخر انكروها كما قال عز و جل و اذ لميهتدوا لهذا فسيقولون هذا افك قديم نعم الاعتقاد الجازم الثابت الغير المتزلزل له مدخلية في ظهور هذه الطبايع و خفائها و قوتها و ضعفها و قلتها و كثرتها فان الحروف انوار قدسية تظهر في القوابل و مرايا الاستعدادات علي حسبها كنور الشمس المشرق علي المرايا المختلفة بالالوان من الحمرة و الصفرة و الخضرة و البياض و الاعوجاج و الاستقامة فالقلوب مراياء و الحروف نور الشمس المشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره فالصور القلبية الثابتة الجازمة مخصصة لتلك الطبايع علي وجه خاص كما تخصص الصور المواد و القوابل لنور الشمس و تمام الكلام سيجيء انشاء الله تعالي في الجواب عن السؤال الرابع و هذه زيادة التوضيح و البيان الذي وعدناك قبيل هذا فافهم فظهر لك ان كل حرف تامة جامعة للطبايع الاربعة الا ان طبيعة منها تظهر عند العمل و التصرف فتنسب الي تلك الطبيعة فاذا ظهرت الاخري في غير تلك المادة نسبت اليها و اهل الحروف لما لميكونوا من اهل الذوبان انجمدوا علي تلك الجهة الواحدة فلو انهم تصرفوا في كل جهاتها تصرفهم في الجهة الواحدة آل الاختلاف الي الايتلاف و الاتفاق و رجعت العلوم كلها الي النقطة الحقيقية الواحدة التي قال اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثرها الجاهلون الا ان الله سبحانه اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه فجعل لكل طائفة ما يناسبهم من الحروف في الطبايع و الصفات و اوقفهم عليها و جعل الجهة الجامعة [ص 48] حظ المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث و الكيف و اللم و عرفوا مفصولهم و موصولهم و ما يؤل اليه امورهم جعلنا الله و اياكم منهم بالنبي و آله الطاهرين .
و اما الجواب عن الرابع اي السؤال عن كيفية التأثير مع الاختلاف فقد ظهر لك مما ذكرناه تمام الجواب من ان الحروف ذوات مستقلة معتدلة في الطبايع تظهر جميعها في عالم الظهور و البروز و اما الاعتقاد المنفي في السؤال الرابع بانه لايغير الواقع فلايخفي ضعفه عند اولي الالباب فان الله تعالي عند ظن كل امرء و الله تعالي لايكلف نفسا الا بما آتيها و هو تعالي يجيب المضطر اذا دعاه و هو سبحانه و تعالي يعطي كل احد مقدار ما يريد علي حسب ما يريد كما يريد الله تعالي فلو اعطي بخلاف ميله و شهوته و ارادته و مقتضي قابلية لمااعطاه اياه و لاجري فعله علي خلاف الحكمة و هو تعالي منزه عن ذلك فالله سبحانه جعل فيضه في الخزاين العليا في عليين او سجين و ينزل علي حسب القابلية و الصورة النفسية و الخيالية كما قال عز و جل و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و القدر المعلوم تقدم القابلية و تصويرها علي حسب ميولاتها و شهواتها و لذا كانت احوال الجنة تجري علي محض الارادة و التصور و الاعتقاد في جميع تقلباتها و اختلافاتها كما هو المفصل في مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل فاذا شرب الماء في الجنة بقصد الخمر يؤثر اثرها و كذا اذا شرب الخمر باعتقاد انه ماء او عسل و غير ذلك ادي مؤداهما و اثر اثرهما و كذا اذا تصور الولد في الجنة باي صورة [ص 49] شاء و اي وضع اراد وجد علي ما اراد كما اراد و قد ذكر الاطباء ان من تصور صورة حسنة او غيرها عند المجامعة تتكون النطفة علي هيئتها و صورتها و قد ورد في الرواية و صحح بالتجربة ان الرؤيا علي ما عبرت و ذلك ان الصورة الاولي بالتعبير تمحو و تثبت الصورة الثانية الحاصلة بالتعبير اذا كان المعبر من اهل الوثوق و الصورة ثابتة راسخة تستمد الفيض من المبدء الفياض علي وفقها و طبقها فيقع الامر علي ما عبر و قد قالوا عليهم السلام تفألوا بالخير تجدوه و لا شك و لا ريب ان الصورة اذا كانت ثابتة راسخة جازمة غير متزلزلة و لا مضطربة و لو بمحض الاحتمال و الفرض بل و لو بفرض صورة اخري معارضة تجذب الفيض و المدد من الاعلي علي حسبها فان كان المدد امرا ذائبا سيالا غير مصور بصورة خاصة معينة فلا كلام لان هذه الصورة تعينها و تخصصها و ترجحها كالامدادات الواردة علي الشخص في باطنه و ظاهره و سره و علانيته و اجزائه و جزئياته و مشاعره و حواسه و قواه و ساير مراتبه في كلماته و حروفه و ساير شئونه الذاتية و الفعلية و ان كان ذلك المطلوب امرا منجمدا مصورا بصورة شخصية فان كانت الصورة غير قارة و لا ثابتة كالحقايق المرئية في الرؤيا بالصور الخاصة و امثالها فلا شك ان هذه الصورة لرسوخها و ثباتها و استقرارها تمنع تلك الصورة عن الاقتضاء و التأثير و تقتضي ظهر امكان الجهة المناسبة لها كما يقع بعد التعبير و ان كانت الصورة محكمة راسخة كالماء و الدهن و الخمر و امثالها فيرجع الامر الي احكام الصورتين و قوة المتصور المعتقد فان كان [ص 50] قويا قلب صورة الماء الي صورة العسل اذا شرب باعتقاده و الا فلا لضعف الصورة عن الاستمداد و لعدم كمال المقابلة لفوارة النور و القدر فقد يتفق القلب و قد لايتفق نظرا الي قوة الشخص و ضعفه و لذا تري اناسا اقوياء يشربون السم باعتقاد انه ماء و لايؤثر فيهم و العكس يؤثر البتة و قد سمعت الحديث الوارد في البادنجان انه دواء لكل داء اذا اكله بقصد ذلك الداء و ان دهن البنفسج في الصيف بارد رطب علي شيعتنا و حار يابس علي اعدائنا و في الشتاء بالعكس بل لو تأمل العاقل يجد العالم عالم الحدوث كله علي هذا المجري و هذا المنوال فان الشئ انما يتم بالمادة و الصورة فالاولي من الله تعالي و الثانية من الشئ بالله فتجري المادة علي جهة مقتضي الصورة فالاختلاف ليس من الله تعالي لان المادة التي منه تعالي واحدة في الجميع في السلسلة العرضية و لا يسعني الكلام اكثر مما ذكرنا لما في قلبي من الكسل و الملل و اشتغاله بالسفر بمعاناة الحل و الارتحال زايدا علي ما حل بنا من الفوادح العظام و الي الله المشتكي و لولا ذلك لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان و لاريتك من غرائب الكلام ما لاتصل اليه الافهام و لاتدركه الاحلام و لكني اشرت الي جميع المطالب اعتمادا علي ذلك الفهم العالي و الادراك السامي فالحروف خلقها الله تعالي في ذاتها ذات طبايع اربعة مستقلة في اظهار الآثار من غير المزاحمة و لا المعارضة و لكنها حيث كانت متساوية فيها فلا بد من ترجيح طبيعة منها بظهور الاثر دون الاخري من مرجح و هو اما الاعتقاد الكامل القوي و الصورة النفسية و القلبية [ص 51] الراسخة الثابتة الجازمة او المتعلق للفعل فتظهر علي مقتضي ذلك المرجح كالفعل الالهي فانك اذا لاحظته من جهة الحيوة و توجهت اليه سبحانه به من هذه الجهة يظهر منه اثر الحيوة و ان لاحظته من جهة الهلاك و الممات و نظرت الي هذا المعني في قلبك دائما يظهر منه اثر الممات و الهلاك و ان تفكرت الي العلم و ادمت الفكر فيه بالاتصال الي الفعل و المشية يظهر منه اثر العلم و هكذا في جميع الاحكام و المطالب يظهر فعل الله سبحانه بطلب القلب دائما و التفاته غالبا الي تلك الجهة و هذا معلوم و كذلك الحروف فانها ايضا فعل منه تعالي كما قال عليه السلام ان الله تعالي اول ما خلق الاختراع و الابتداع ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون فاعتقاد كل طائفة فيها علي الوجه المخصوص في الطبيعة في جميع الحالات و جميع الاوقات بحيث لايلتفتون الي غير تلك الجهة و ذلك الوجه ابدا خصصها بتلك الطبيعة و اعتقاد الآخرين فيها خلاف ذلك الوجه خصصها علي خلافه كنور الشمس في المراياء العديدة انظر الي التربة الشريفة الحسينية علي مشرفها آلاف السلام و التحية اذا اكلها انسان بقصد الشفاء و التبرك و اعتقاد احترامها فانها تكون شفاء له من كل داء و ان اكلها بقصد الاهانة و الاستخفاف فانها جالبة لكل مرض و سقم كما فعلت بذلك اللعين في القصة المشهورة و كذلك دمه الشريف روحي له الفداء اصاب البنت اليهودية الجزماء المرضاء العمياء الزمناء فكان لها شفاء من كل داء و كل من اصابه من بنيامية و عسكر اهل العراق اورث الجذام و البرص [ص 52] و المرض القتال و هل هذا التفاوت العظيم الا لاجل الاعتقاد و القصد و قال عليه السلام في القرآن خذ ما شئت لما شئت و هل التخصيص بالامراض الا بالاعتقاد و القصد و قال تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و هل هما الا بالاعتقاد انظر كيف غير الاعتقاد الواقع و لقد سمعت بان المعتاد بالافيون اعطوه شمعة سوداء مقدرة بقدره فبلعها باعتقاد الافيون و راي منها تاثيره علي الوجه الاقوي فلو بلعها من غير ذلك الاعتقاد لمااثرت ذلك الاثر البتة انظر كيف غير الاعتقاد الحكم الخارجي و لو نكح شخص اجنبية باعتقاد انها زوجته لميعاقب و اذا حصل ولد لميكن بولد زنا في الواقع و يدخل الجنة الاصلية علي التحقيق و ان كان في آخر درجاتها بخلاف ابن الزنا و امثال ما ذكرنا كثيرة يطول بذكرها الكلام و هكذا حكم الحروف فانها وجه الله تعالي في الارض و فعله تعالي في الطول و العرض فتظهر لكل احد بمقتضي اعتقاده فيها فترطب و تيبس و تسخن و تبرد و تحبب و تبغض و تزيد و تنقص و ترقق و تلطف و تصحح و تمرض و هكذا ساير التصرفات علي اوضاع مختلفة و احوال متشتة و تظهر لكل احد علي مقتضي اعتقاده فيها في الاطوار المختلفة و الاوضاع المتبائنة و المتضادة و ليس في الواقع تضاد و لا تناقض ذلك تقدير العزيز العليم .
و اما الجواب عن الخامس و هو السؤال عن اصل هذا الاختلاف و منشاءه و علته الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية فاعلم ان العلة في هذا [ص 53] الاختلاف امور منها ما قدمنا ذكره من اختلاف الطبايع و العناصر فيها و ظهور آثار تلك الطبايع جميعها فيها و تخصيصها بالاعمال عند العمل و الاعتقاد علي التفصيل الذي ذكرنا فنظرت كل طائفة الي ما وجدوا من آثار طبايعها فحكموا عليها بها دون غيرها و الكل صواب لاجتماع كل حرف علي كل الطبايع و ظهور آثارها من كل واحد منها و علة وجود هذه الطبايع و العناصر حدوث هذه الحروف و قد دلت الادلة القطعية علي ان كل حادث مايحدث الا بفعل و انفعال و لايتحققان الا برابط بينهما لان المتخالفين المتعاكسين لايتصلان الا برابط موصل فحدثت من نفس الفعل لكونه حركة ايجادية الحرارة و حدثت من الانفعال لكونه المنتهي اليه الحركة و هو المعبر عنه عندهم بالسكون البرودة و حدثت من القبول و حفظ المنفعل اثر الفعل اليبوسة و حدثت من النسبة الارتباطية بينهما الرطوبة لانها السيلان و بها تحدث الامالة و الاجتماع و الرطوبة اذا نسبتها الي الفعل توصف بالحرارة و اذا نسبتها الي المفعول توصف بالبرودة و حرارة الفعل حيث انها حكاية عن الاسم الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره توصف باليبوسة و لما كانت هذه الجهات موجودة مستقلة في الحادث كانت لها آثار مستقلة و لاتظهر آثارها الا بمرجح و هو في الحروف التخصيص القصدي و الترجيح الاعتقادي كالجنة و احوالها و علة تعدد الحروف و تقطعها بثمانية و عشرين حرفا ان هذه الكيفيات الاربعة انما حصلت من وجوه ثلثة و هي الفعل و الانفعال و النسبة الارتباطية و الحاصل من المجموع [ص 54] سبعة و هي لاتتم كينونته الا بالاقرار بامور اربعة هي جهات الاسم الاعظم و هي لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله علي اميرالمؤمنين ولي الله و الائمة الاحدعشر و فاطمة الصديقة اولياء الله و اوالي من والوا و اعادي من عادوا و اجانب من جانبوا فظهرت هذه الاربعة في كل مراتب السبعة فتحققت الثمانية و العشرون و هي كانت مطوية في النقطة في حجاب الغيب في السر المقنع بالسر في عالم الرجحان فتفصلت بالالف اللينية في العرش الاعظم و تفصلت بهذه الوجوه الثمانية و العشرين في منازل الكرسي و ظهرت في هذه الدنيا علي وفقها الا انها لابسة لباس اللفظ او الرقم فكانت اربعةعشر منها نورانية ابدا و اخري مثلها ظلمانية ابدا و منها وجودها و ظهورها في مقامات التفصيل في مراتبها و مقاماتها علي الترتيب فظهرت لها صفات عرضية و طبايع اضافية غير ما هو مستكن في ذاتها و مستجن في حقيقتها اذ فيها جميع الطبايع ظاهرة بخلاف هذا المقام فان فيه ظهور بعض الطبايع دون بعض حسب اقتضاء المقام و المرتبة الاتري ان الهواء حار رطب في الطبيعة الذاتية و لكنهم يقولون ان ريح الصبا بارد رطب و ريح الدبور حار يابس و ريح الجنوب حار رطب و ريح الشمال بارد رطب و لا شك ان هذه الطبايع عرضته من جهة الجهات لا في ذاته و هو معلوم و كذلك الحروف فان لها طبايع ذاتية كما عرفت مفصلا و طبايع حصلت من جهة وقوعها في كل رتبة مثلا الالف بقسميها من اللينية و المتحركة لكونها مبدء الحروف و اصلها و اسطقسها ظهرت فيها آثار الوحدة و المبدئية و الفعل فهي بالنسبة الي غيرها حارة يابسة [ص 55] لانغمارها في عالم الوحدة و خفاء حكم التثليث فيها و ظهور سر هيمنة القيومية عليها فمقامها مقام الحرارة لا غير اذ آثار البرودة و احكام الانية مضمحلة جدا و لذا اتفقوا فيما اعلم علي انها من الحروف النارية و لايشكون فيه و لماعثر علي قائل بخلافه و لا ناقل و لا محتمل و هذا لا شك فيه و لا ريب يعتريه نعم الالف اللينية اشد حرارة و اعظم تحققا حتي صارت من حروف العلة بل هي الاصل فيها و غيرها انما لحقت بها من جهة مشابهتها اياها في السلامة عن شرك المخرج و ان كان اهل الحروف فيما اعلم لميثبتوا لها طبيعة و هو غلط منهم و الالف المتحركة دونها في الحرارة و القوة لكنها بابها و وجهها لمتظهر آثارها و حرارتها الا بها و اما الباء فمن جهة انها مقام تفصيل الالف و انبساطها نسبتها اليها نسبة الكرسي الي العرش فظهرت فيها الاحكام التفصيلية فصارت مبدء صور الحروف و العلة الصورية لها كانت باردة يابسة لكونها حاملة لآثار الالف و محلا لها كما قال النبي صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم رواه ابن ابيجمهور الاحسائي في المجلي و لونها السواد لانها مقام الكثرة و فيها البرودة لوجود الصورة التي هي مقام الانية و الماهية و ان كانت طيبة طاهرة في هذا المقام و من جهة الصور المتكثرة المتعاورة المتناسبة اما بالمواجهة او بالمناكرة المستدعية لكثرة الروابط المستلزمة للرطوبة كانت باردة رطبة و وجه البرودة ما ذكرنا آنفا و من جهة انها مظهر للالف و قيوميتها و هيمنتها علي ساير الحروف انما تظهر فيها و هي [ص 56] حاملة لولايتها حاكمة من قبلها فباعتبار ان لها مقام اليدية لتكون بالنسبة اليها كالحديدة المحماة بالنار كانت حارة يابسة علي طبع الالف كما ان الشمس تستمد من الكرسي لكونه يدا للعرش لا لكونه هو بخلاف القمر فلاتستمد الشمس من احكام التفصيل التي في الكرسي بل استمدادها من احكام الاجمال الذي في العرش يوصل اليها بالكرسي فكذلك الباء حرفا بحرف و باعتبار تعلق آثار الالف بالباء و ارتباطها بها لافاضة نفسها و غيرها كانت حارة رطبة و لونها الصفرة اما الحرارة فقد اكتسبتها من الالف و اما الرطوبة فحصلت من حكم الارتباط بالتعلق و النسبة انظر كيف تحققت الطبايع الاربعة بالوانها في الباء في مقام الاضافة دون الذات فمن نظر الي الجهة الاولي حكم عليها بانها ترابية ادني العناصر و ان كانت في الترتيب مقدما كما قلنا في البروج و من نظر الي الجهة الثانية حكم عليها بانها مائية فيجري عليها احكام الحروف المائية و من نظر الي الجهة الثالثة بالاعتبار الاول حكم عليها بانها نارية و من نظر اليها بالاعتبار الثاني حكم عليها بانها هوائية و ادرجها من جملتها و هكذا باقي الحروف اختلفت طبايعها و احوالها بالنظر الي جهاتها و اضافاتها و نسبها و اوضاعها فالجيم مثلا من جهة انها حكاية الالف في ظهور التثليث يصح ان يحكم عليها بالنارية و من حيث انها حاصلة بميل الالف علي الباء و فيها ذكرهما فمن جهة العليا يصح ان يحكم عليها بالهوائية و من جهتها السفلي المتصلة بالباء يصح ان يحكم عليها بالترابية و من جهة ان هيئتها هيئة القعود و الجلوس فلها حالة [ص 57] ارتباطية يصح ان يحكم عليها بالمائية و هكذا حكم الدال فحكم علي كل حرف باعتبار مقامها و جهات وقوفها و حدودها حكمها فاجري الله سبحانه حكم تلك الجهة عليها كما تقدم فان الله عز و جل عند ظن كل امرء لاسيما في الحروف التي هي من عالم القدس و مقام الانس و بها ظهور الفعل بل هو الفعل التدويني بل التكويني و لايسعني الكلام في هذا المقام اكثر من هذا و من هنا ايضا جري الاختلاف في اوضاع الحروف بل في اوضاع العالم و منها نسبة الحروف في الطبيعة الي متعلقاتها فانا قد ذكرنا لك سابقا ان كل حرف من الحروف منسوبة الي كلية من كليات العالم العلوي و السفلي علي ما هو المفصل في كتبهم و المشروح في تصانيفهم و زبرهم و انا في السفر لميحضرني كتبهم حتي انقش لك تلك التعلقات لكنك بالتتبع في الكتب مثل فتوحات ابنعربي و شمسالمعارف للبوني و كتاب السرالمنير الذي له في هذا العلم خاصية الاكسير و ساير كتبهم تعثر عليها فتنسب كل حرف الي متعلقها في طبيعتها و مزاجها و مرتبتها و ساير احكامها و ان خالفت الجهات المذكورة بالنوع و الاعتبارات المسطورة بالاشارة و هذا ايضا باب واسع نافع في ترتيب الحروف و تركيب اوضاعها و احوالها و منها ملاحظة صفات الحروف و احوالها من الشدة و الرخاوة و القلقلة و الاطباق و الاستعلاء و الاستفلاء و المهموسة و المجهورة و حروف الحلق و الوسط و الشفة و ساير صفاتها فيثبتون لكل حرف باعتبار كل صفة ما يناسبها من الطبيعة و المزاج و الرتبة و غير ذلك فافهم ثبتك [ص 58] الله و ايانا بالقول الثابت و هديك الله و ايانا بالقول الثابت و هديك الله و ايانا الصراط المستقيم و اهل هذا الفن و ان كانوا لايعلمون هذه الحقايق و النكات و الدقايق و العلل و الاسباب اذ لو علموا لمااختلفوا و لماانكر بعضهم علي بعض و لكن الانبياء عليهم السلام رتبوها علي تلك الاوضاع و جعلوا تلك الطبايع علي اختلاف احوالها فاختصت كل طائفة بترتيب منها و بني العمل عليه و اما العلة الفاعلية في ذلك فرؤس المشية المتعلقة بتلك الجهات و الحدود و المقامات فان الحادث لا بد له من تعلق الفعل به و تلك الجهات انما حصلت بالمشية اذ لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب انما قلنا رؤس المشية فان المشية نفسها لاتتعلق بالاختلاف و انما هي واحد من الواحد تتعلق علي واحد و تتعلق بالجهات المختلفة بوجوهها و رؤسها كتعدد الصور الموجودة في المراياء بتعدد الالتفاتات و المقابلات اذ لولاها لماتعددت و الوجه في الجميع واحد و هذه المقابلات و الالتفاتات هي مرادنا برؤس المشية و وجوهها و ليعلم ان هذه الرؤس و الوجوه صفة لرؤس المشية و وجوهها المتعلقة بالذوات و الكينونات لانها صفة لها و صفة الصفة صفة و لا بد من التطابق بين المتعلق و المتعلق و ذلك معلوم واضح انشاء الله و يجوز لك ان يراد بها الناظرون الي تلك الجهات و الملتفتون الي تلك الاعتبارات و قد ذكرنا لك ان اولئك هم الانبياء عليهم السلام عن الوحي الالهي فقد خصصوا كل حرف بكل طبيعة باعتبار مرجح من المرجحات [ص 59] التي ذكرنا و الاول هو الاصل و الثاني هو الاقرب الي الافهام و اما العلة المادية فهي نفس تلك الجهات الموجودة و الاعتبارات المستقلة الحقيقية فانها اصل لهذه الانظار و الاعتبار فان لها عموم بالنسبة الي الخصوصيات او هي نفس الحروف من حيث هي هي علي حقيقتها و الاول هو الاولي و الاقرب و الثاني هو الابعد و ان كان هو الاقرب الي الافهام و مدارك الاحلام و اما العلة الصورية فهي في الحقيقة توجه القلب و النظر و القصد علي جهة الثبات و الرسوخ الي تعيين تلك الطبايع لتلك الحروف علي تلك الجهة فان ذلك علة بالتخصيص و اظهار الاثر الخاص في الطبيعة الخاصة لما ذكرنا من ان دوام التوجه و الالتفات الي الشئ من جهة خاصة علي وجه خاص جاذب لتلك محكم علي ذلك الوجه الخاص و ان ضعف اعتباره في ظهوره بنفسه لولا هذا الالتفات و لذا قال عليه السلام احسن الظن و لو بحجر فان الله يلقي الخير به اليه و قال عليه السلام ان الله عند ظن كل امرؤ و بعبارة اخري تخصيص كل حرف بطبيعة خاصة او بحكم خاص بجهة خاصة هي العلة الصورية في هذا الاختلاف و هذا لتخصيص مسبب عن ما ذكرناه من القصد و الاعتقاد و الالتفات فافهم و اما العلة الغائية في هذا الاختلاف فهي اظهار القدرة الكاملة و الحكمة البالغة و سعة العلم للمؤمنين الممتحنين و بيان الاسرار المودعة في الاشياء و الاشارة الي ان الاشياء معتدلة الطبايع قوية التركيب تامة التاثير يفعل كل منها بطبايع متضادة افعال متضادة من غير تعارض بين تلك الطبايع و المبادي لامتثالها [ص 60] لامر ربها و خضوعها عند باريها و منشيها و مقهوريتها تحت هيمنة قيومها و قوة شعورها و ادراكها و انها اذا امرت امتثلت و اذا دعيت اجابت و اذا طلبت سلمت و انقادت لتصفيتها عن الاعراض و الغرائب و تخليصها عن الاكدار و الشوائب و ان الله تعالي يعطي بقدر و يمنع بقدر و ان المقبل المتوجه اليه الماحي نفسه في اعتبار مطلوبه ينال مقصوده و ان بعد بحسب الاسباب الظاهرية المنال و عز من جهة الامور الخارجية الوصال و هو الولي سبحانه في المبدء و المئال و لان الاختلاف لا بد منه في هذا الوقت الذي قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و مكان و اجابوه من كل ناحية و مكان و صار الامر موكولا الي الرأي و الاستحسان لا موقوفا بتوقيف امناء الرحمن و ضعف اصحاب الحق و قل ارباب الصدق و قال عز من قائل اشارة الي هؤلاء و قليل من عبادي الشكور فلا بد من الاختلاف لتحصيل الايتلاف مع اولئك الاراذل الاجلاف لتسلم نفوسهم و لذا قالوا عليهم السلام نحن اوقعنا بينكم الخلاف و قال الرضا عليه السلام راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم و هذا الاختلاف مبدءه منذ قتل قابيل هابيل و منتهاه الي ظهور مولانا القائم المنتظر عجل الله فرجه و عليه السلام و بعد ظهوره عليه السلام ترجع الحروف من الاختلاف الي الايتلاف و يفعل كل منها فعل كل الطبايع و ينسب اليها كما هو شأن الجنة و احوالها و اطوارها و مرادي برجوع اختلاف الحروف الي الايتلاف [ص 61] ظهور الامر هناك لكل احد فان العلم ذلك اليوم ينبسط علي كل احد بحيث يستغني كل احد عن علم صاحبه كما قال عز من قائل يغن الله كلا عن سعته فيظهر لهم ان لا اختلاف و لا تناقض و لا تضاد و قد كانت هذه الطبايع تجري في الحروف و لكن اكثر الناس لايعلمون و الا فاهل الحقيقة و البصيرة من الشيعة المخلصين يظهر لهم الآن ما سيظهر للكافة ذلك اليوم قربه الله و شرفنا به بمحمد و آله الطاهرين صلي الله عليهم اجمعين .