رسالة في جواب الشيخ علي ابن الشيخ احمد القطيفي
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الرشتي اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين المعصومين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد امرني المولي الامجد و الفاضل المؤيد و الكامل المسدد ذو الفطنة الزاكية و السريرة الطاهرة اللوذعي الالمعي جناب الشيخ علي ابن الشيخ احمد ابن الشيخ حسين ابن عبدالجبار القطيفي اعلي الله شانه باملاء الجواب علي مسائل غامضة عويصة ضلت دونها الانظار و تحيرت فيها العقول و الافكار و قد ورد امره العالي في يوم بلغني خبر انقصم به ظهري و انهدم له ركني و تحللت لاجله بنيتي و ضعفت قواي و مشاعري حتي استولت علي الامراض و تراكمت الاعراض و هو خبر وفاة استادنا العلامة في طريق مكة المشرفة بقرب المدينة المنورة فكان لايمر علي بعد ذلك يوم الا و انا قرين الآلام و رهين الاسقام لان الطبيعة الظاهرة الجسمانية قد ضعفت عن دفع المنافرات الجسمانية كالروحانية عن مدافعة المكاره الروحانية فلاجل ذلك ماتمكنت عن رسم الجواب و اخرته لعله يسكن هيجان هذه الامراض و تزول شدة توارد تلك الاعراض و ماكنت ادري ان هذه مصيبة لاتنسي و رزية لاتنمحي بل تزداد كلما طال المدي لان الارض قد نقصت اطرافها و سماء العلم و المجد قد تزعزعت اكنافها و اشتدت همومي و تكثرت غمومي و تشعب [ص 3] فكري و ضاق صدري و مع ذلك مااحببت التأخير اكثر من ذلك لانه امر لاينسي و جرح لايداوي و مثلي في هذه الحالة ماعسي ان اكتب و اقول الا اني استعنت بالله سبحانه و شرعت في رسم الجواب لان الميسور لايسقط بالمعسور و الي الله سبحانه ترجع الامور و ارجو من جنابه المسامحة لبسط المقال و ايراد غرايب الاحوال و ضرب الامثال بل اكتفي بالاشارة الي نوع المطلوب اعتمادا علي ذلك الفهم العالي السامي و جعلت كلامه ايده الله تعالي متنا و جوابي كالشرح له ليختص كل سؤال بجوابه كما هو عادتي في اجوبة المسائل و الله المستعان و عليه التكلان .
قال سلمه الله تعالي بعد البسملة : اشرف سلام اشرق بنوره اصقاع الوجود و عرف بعرف نوره العابد و المعبود .
اقول السلام من السلامة او من التسليم او ظهور سر من اسرار الظهورات الالهية و لذا كان اسما من الاسماء الحسني و اصله الالف و اللام كما هو المحقق عندنا ان الاصل في الكلمات الوسط فان كان من الكلمة مزدوجة فالاصل حرفان و الا فواحد و ذلك لسر تطابق الاصول مع الفروع و الالف في هذا المقام هي اللينة و هي الاصل و اللام وقاية اتيت بها لحفظ ظهورها لاستحالة ظهور الساكن المطلق و لذا عدت في الحروف الهجائية حرفا واحدا و صارت الحروف بها تسعة و عشرين كما رواه ابوذر عن النبي صلي الله عليه و آله و المشهور ثمانية و عشرون و لاينافي لان الالف اب و الثمانية و العشرون اولادها و هي الاصل و غيرها فروعها و جعلت في آخر الاحرف الهجائية لكونها هي الاول [ص 4] و الاول عين الآخر و الظاهر عين الباطن قال تعالي هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم فافهم و لاجل هذه الدقيقة صارت الالف و اللام هي الاصل في هذه الكلمة المباركة و اكتنفها السين من جانب اليمين لانها اعدل الحروف و انضجها و اتمها و اكملها طابق زبرها و بيناتها و اسمها مسماها و هذه المطابقة هي علة الاعتدال و باب الوصال و حرم الجلال و الجمال فلعلة غاية الاعتدال صارت اسما لاعدل الخلق و اكملهم و انضجهم و اعدلهم و هو قوله تعالي يس و القرآن الحكيم انك لمن المرسلين علي صراط مستقيم و هذا الاسم لظهوره صلي الله عليه و آله في الملاء الاعلي الي البيت المعمور و اكتنفتها في جانب اليسار الميم و هي الاسم المكرم المعظم فما دون البيت المعمور الي الدنيا الي الرجعة الي الآخرة الي ارض الجنة و احوالها فالسلام قطب فلك الولاية المطلقة المحرك له الي جانب المحور المنتهي الي النقطتين اللتين هما القطبان عند اهل الظاهر احدهما الشمالي و الآخر الجنوبي و هما عبارتان عن ظهور النبوة الظاهرة بالولاية الباطنة المنشعبة عن النبوة الباطنة في عالم اللاهوت و الناسوت و اليه الاشارة في قوله صلي الله عليه و آله اسمي في السماء احمد و في الارض محمد فلما كانت الولاية و النبوة مقترنتين لاتنفكان ابدا ما دام عالم الامكان كان اذا حذفت اللام و الالف كان سما قاتلا مهلكا فانيا مضمحلا و اذا حذفت السين كان اللام معجما ليس لها معني الا نفسها كما قال الرضا عليه السلام لان النبوة الظاهرة شرح للولاية الباطنة كما انها شرح للنبوة [ص 5] الباطنة و اذا حذفت اللام وحدها مع السين كان ام حرف استفهام ام ترديد ام تقسيم يكون ناقصا لا بد له من متمم كما اذا حذفت الميم و الالف يبقي سل سؤال لايتم الا بالجواب فافهم ضرب المثل فاذا اجتمعت هذه الاحرف و التئمت علي النظم الطبيعي كما هو الواقع كان سلاما يشتق منه السلامة و التسليم و الاسم الاعظم فان الولاية هي الجنة و كل سلامة و راحة فمن فروعها و وجوهها و بها اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه فيكون بها التسليم و الاداء و بها عرف الله و عبد الله و لولاها ماعرف الله و بها تعلق الفعل و حصل الجعل و صار سببا لظهور الاسماء الالهية الفعلية فيكون بها الاسماء و الصفات و بها نشرت الرحمة و انبعثت في الامكان و الاكوان لولاك لولاك لماخلقت الافلاك فيكون بها السلام بمعني الرحمة .
و اما الاتيان بصيغة التفضيل في قوله سلمه الله تعالي اشرف سلام فلاجل اختلاف ظهور الولاية و النبوة في اطوار الموجودات تشكيكا و حقيقة بعد حقيقة فيكون في الثاني مجاز عند اهل الحقيقة و حقيقة عند المجاز بعكس الاول و اعلي مقامات ظهور السلام و اشرفها في قصبة الياقوت و حجاب اللاهوت و باب الجبروت و الملكوت الاربعةعشر المعصومون سلام الله عليهم اجمعين فافهم .
و نور هذا السلام قسمان نور متصل و نور منفصل فالمتصل في آلمحمد عليهم السلام و المنفصل ساير الخلق اصحاب السلسلة الطولية بجميع اطوارها و احوالها و اوضاعها و ساير احكامها .
اصقاع الوجود جمع مضاف يفيد العموم يعني جميع الاصقاع الثمانية [ص 6] في الطولية و الالف و الف الالف في العرضية و الي ما لا نهاية له في احكام الروابط و القرانات بين السلسلتين و ساير السلاسل . و كيفية استشراقها بذلك النور تكون موادها و حقايقها من نور ذلك النير الاعظم و هو المعبر عنه بالوجود و تكون مواد هيئاتها و صورها و هياكلها من ظل ذلك النور و انيته المعبر عنه بالماهية و هذا التكون و الايجاد هو المعبر عنه بالصبغ في الرحمة فالمؤمنون الاخيار انصبغوا في الرحمة المكتوبة و الاشرار في صبغ الرحمة الواسعة صبغة الله و من احسن من الله صبغة و هو تأويل قوله تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و الكينونات انما تكونت و تحققت من نور تلك الكينونة العليا و المقصد الاقصي .
و النور بفتح النون الزهر و الورد و الاشارة اليه في قول العسكري عليه السلام روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و قد وجد و تكون هذا النور من ماء التجلي النازل من عرش الاحدية الي سماء الولاية اي الواحدية الواقع علي ارض الجرز ارض القابليات و هبت عليها الرياح الاربعة باطوار الجعل عند النزول و وقعت اشعة السيارات السبع عند انبساط جود الجواد و الوهاب بيد القدرة باقترانها و حلولها في البروج الاثنيعشر من اركان الاسماء الاربعة التي هي اجزاء للاسم الواحد الذي ليس بالحروف مصوت و لا باللفظ منطق و لا بالشخص مجسد و لا بالتشبيه موصوف مبعد عنه الحدود و الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور فاذا وقعت اشعة تلك الكواكب علي تلك الاراضي [ص 7] خرجت اربعة ازهار علي اربعة الوان الابيض و الاصفر و الاحمر و الاخضر فمن الابيض ظهر سبحان الله و من الاصفر الحمد لله و من الاخضر لا اله الا الله و من الاحمر الله اكبر و من هذه التسبيحات الاربعة ظهرت جميع التسبيحات و الاذكار و الاوراد و الاذان و الاقامة و الصلوة باركانها و حدودها و اوضاعها و هذه كلها جهات معرفة المعبود جل و علا فانه تعالي يعرف باسمائه الفعلية لا بعين ذاته المقدسة ففي مقام الفرق هذه الاذكار و الاطوار جهات الوصل و في مقام الجمع اي الاتصال بالظهور و سلب الغيور و كشف السبحات و رفع الانيات لا ذكر لهذه الحركات و السكنات و انما هو فناء في بقاء و محو و سكر لايفيق و لايشعر بل هو ميت و التكليف انما هو للاحياء اصحاب الشعور و العقل و الادراك اذ لا تكليف الا بعد البلوغ و العقل بعد الحياة فاذا فقد احد هذه الثلثة امتنع التكليف فكيف اذا فقد جميعها فافهم فان ذلك من مزال الاقدام فكم زلت للاعلام فيه اقدام ، و معني هذا الجمع ليس كما زعمته الصوفية من ضرورة الكل شيئا واحدا اي وجودا واحدا ساريا في اطوار الموجودات علي ما هو المعروف من مذهبهم الباطل و اعتقادهم الفاسد الكاسد بل المراد كما قال الحجة عجل الله فرجه في دعاء كل يوم من شهر رجب لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك الدعاء ، و شرح هذا الكلام يحتاج الي بسط عظيم في المقام تركته اعتمادا علي فهم ذلك الجناب .
قال سلمه الله تعالي : يهدي الي جناب مبدءه و منتهاه في اولاه و اخراه محمد الداعي الي الله و آله المخصوصين بانما يريد الله .
[ص 8] اقول هدية السافل للعالي توجهه اليه بنشر محامده التي عنده من بعض اطواره فمدحه به عنده في مقامه لا في مقام العالي و اين الثريا من يد المتناول فاهدي اليه عنه به كما قال سيدالشهداء عليه السلام ام كيف اترجم لك بمقالي و هو منك برز اليك .
جناب الشيئ جهته و وجهه و هو غيره و الا لميكن في ذكره تعظيم و تفخيم و فائدة في المقام و هو نفس السافل و ذاته من حيث العالي و اشار سلمه الله بالجناب الي هذه الدقيقة و هي لطيفة جدا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجاءه الطلب الي شكله انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها .
المبدء يطلق علي علة الشئ و هذا الاطلاق شايع كثير و علي ذات الشئ كما يقال الشئ لايجاوز ما وراء مبدئه اي ذاته و الا فالعلة لايصل اليها ابدا و يطلق علي الاول الذي هو ضد الآخر و هو ايضا شايع ذايع كثير .
و المنتهي علي المعنيين الاولين هو عين الاول بخلاف المعني الثاني و جميع المعاني في هذا المقام مرادة .
و الاولي هو عند قول الله تعالي للعقل اقبل فاقبل او عند خلق الماء او الهواء او النار اي نار الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم او عند الظهور الاول في الخطاب الاول قول كن او الدنيا او الرجعة .
و الاخري ما يقابل كل واحد و جميع المعاني هنا ايضا مرادة و التقريب ما ذكرنا من ان السلام هو فلك الولاية الدائرة علي قطب النبوة او فلك النبوة الدائرة علي [ص 9] قطب الولاية و انا اضرب لك مثلا في المقام ينكشف لك المرام اعلم ان النبوة الظاهرة مثالها الشمس و الولاية الظاهرة مثالها القمر و النبوة الباطنة مثالها العرش و الولاية الباطنة مثالها الكرسي فالقمر مكتسب و مستمد من الشمس و الشمس لاتفارق منطقة البروج و هي لاتزال عليها تستمد عنها و تركن اليها و تعتمد عليها و لذا صارت الشمس لا عرض لها دون ساير السيارات و الكرسي يستمد من العرش و ياخذ عنه و العرش يستمد عن الله بنفسه فافهم ضرب المثل فانه مطابق لجميع المقصود .
قوله سلمه الله تعالي محمد الداعي الي الله هذا الاسم المكرم المعظم مأخوذ من بسم الله الرحمن الرحيم لانها تسعةعشر و استنطاقها واحد و حرفه الالف و انبساطها و تكرارها الباء و تكرار الباء الدال و عندها قامت الاضلاع علي زوايا قوائم و ائتلفت و اتصل بعضها ببعض و شهد كل للآخر و هو اول التأليف و ظهور المحبة و الوفاق و رفع البينونة و الافتراق في اول العوالم و تكرار الدال الحاء بها كانت حملة العرش و سكنة الفرش و تكرار الحاء خمس مرات لتنزلها من عالم الوجود المطلق الي الوجود البرزخي الماء الاول الذي منه كل شئ حي الي مبدء الوجود المقيد العقل الكلي الذي منه و به و عنه عقول جميع الخلايق الي عالم الرقايق عالم الارواح مبدء الاشباح الي عالم النفوس عالم الذر مبدء مظهر الخير و الشر فبعد نزول الحاء الي [ص 10] هذه العوالم الخمسة استنطقت الميم فتوسطت لان لها الجامعية الكبري و صار عن يمينها الحاء لانها اقرب اليها في الجامعية و عن يسارها الدال لانها بعد الحاء في الجامعية فاشتق الحمد و صار بعد البسملة في الكتاب التكويني فتكررت الميم و انبسطت في الظهور في عالم الذر الثاني فاستنطق الاسم الاعظم و اللفظ المكرم فهو صلي الله عليه و آله الداعي الي الله في الوجودين التكويني و التشريعي في الذوات و الصفات و الاعتبارات و الاضافات و ساير الكينونات في جميع الحالات لانه لسان الله الناطق لما قال تعالي كن فيكون و قال تعالي الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم و الائمة من ولده الاحدعشر ائمتكم صلي الله عليه و عليهم اجمعين و قوله تعالي انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا انما اتي سبحانه و تعالي بلفظ المستقبل لبيان استمرار هذه الارادة متجددة آنا فآنا ثابتة الي ابد الآبدين و دهر الداهرين لا انقطاع لها و لا زوال و لا اضمحلال و اذهاب الرجس اذهاب الغفلة لانها اصل كل رجس و مبدء كل باطل و عدم الغفلة في جميع الاحوال يستلزم الالفة و الالتفات اليه في جميع الاحوال و هو يستلزم تحملهم للعنايات الازلية الغير المتناهية لان الفيض لاينقطع و المحل قابل مستأهل و كرم الله سبحانه عظيم فاثبت سبحانه بهذه الآية الشريفة استجماعهم لجميع الكمالات الممكنة بان يكون عليه [ص 11] ممكن من الممكنات و تنزههم عن جميع النقايص و الارجاس و طهارتهم في كل المقامات في ظواهرهم و بواطنهم و اسرارهم و علانيتهم فهم مجمع الفضايل بدلالة الآية الشريفة فلايشذ عنهم كمال من الكمالات و لذا اكتفي سلمه الله تعالي بالآية الشريفة عن غيرها من الفضايل ففي مدح الله لهم غني عن مدح المادحين و وصف الواصفين و صلي الله عليهم اجمعين .
قال سلمه الله تعالي : ثم يهدي من اثره اثر صالح لحامل آثارهم و مخفي اسرارهم سيد السادة و مقدم الحفاظ القادة و نخبة الاخوان الانجاب و خلاصة الاحباب و باب الابواب الانسان الكامل علي الحقيقة و المستقيم علي المستقيم من صراط الطريقة سيد السادة الاعاظم السيد كاظم بن السيد قاسم حرس الله شمس وجوده و انار كواكب سعوده .
اقول هو سلمه الله تعالي راعي في نظم كلامه مراتب الاسم الاعظم و ترتيبه كما قال مولانا الكاظم عليه السلام و هو اربعة احرف الحرف الاول لا اله الا الله الثاني محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و الثالث علي ولي الله و الائمة اولياء الله و الرابع اوالي من والوا و اعادي من عادوا و اجانب من جانبوا و هذه الحروف متلازمة لايتم الايمان و التصديق باحديها الا بالاخري و الاجابة متوقفة علي تمام هذه الكلمة لان الدلالة لاتحصل الا باتمام الكلمة و عليها تدور ابواب الاجابات و انحاء الافاضات و ظهور الخيرات ابواب اربعة لايصلح آخرها الا باولها ضل اصحاب الثلثة و تاهوا تيها بعيدا و خسروا خسرانا مبينا فان الاعمال و الطلبات لاتتم و لاتنجح الا بالتوجه الي الله و التوجه اليه تعالي [ص 12] لايكون الا بالوجه الذي هو عليه و امر به فوجب التصديق بالنبي و الوصي و لا بد لهما من نور و شعاع و الا لميكونا كذلك و هو الرابع الاتري ان من اقر بالشمس و انكر شعاعها و نورها ليس اقراره اقرارا بالشمس فلايتم الاقرار بها الا بالاقرار بشعاعها و نورها و ان لها ظلا يخالفها و يضادها و يستمد منها و كل الموجودات هدايتهم و ضلالتهم تدور علي هذه الاربعة فمن الناس من انكر الاربعة جميعا و هم الدهرية و منهم من انكر الثلثة و هم البراهمة و اليهود و النصاري و المجوس و الصابئة و ساير الملل الكافرة و منهم من انكر الاخيرين و هم العامة من الفرق الهالكة و منهم من اقر بالثلثة و انكر الرابع و قد ابتلي به اغلب اهل هذا الزمان الا ان منهم من حيث يشعرون و منهم من حيث لايشعرون حتي جري فيهم تاويل قوله تعالي و اما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما و كان ابوهما صالحا فاراد ربك ان يبلغا اشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك و مافعلته عن امري ذلك تاويل ما لمتستطع عليه صبرا ، و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما معناه كلما كان في الامم الماضية و القرون السالفة يكون في هذه الامة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه من خضر هذه الامة و ما الكنز و ما الارض التي فيها الكنز و ما الجدار و ما معني بلوغ الاشد و من الغلامان [ص 13] اليتيمان في هذه الامة و لايسعني الكلام ازيد من ذلك لان الجور قد مد باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه الا ان لاعتمادي علي ذلك الفهم العالي لوحت بالاشارة في طي صريح العبارة و الله الموفق للصواب ان في ذلك لذكري لاولي الالباب .
و لعل الي هذه الدقيقة اشار سلمه الله تعالي و مخفي اسرارهم فان خفاءه من اعظم مراسم الايمان و الله سبحانه خاطب اهل البيت عليهم السلام بقوله و لاتؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما فارزقوهم منها و اكسوهم و قولوا لهم قولا معروفا و هم عليهم السلام بذلك اوصوا شيعتهم و حذروهم عن المخالفة و الاسرار هي ذوات الحقايق في الآفاق و انفس الخلايق و قد قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، و قال اميرالمؤمنين عليه السلام اي آية اكبر مني و اي نباء اعظم مني و قال مولانا الصادق عليه السلام و اي آية اراها الله الخلق في الآفاق و في انفسهم غيرنا فذوات الاشياء هي بعض تلك الاسرار قد اختفيت بظواهر الحدود و القيود و التعينات هي شرح تلك الاسرار و حجاب تلك الانوار فاذن فالعالم كله مخفي اسرارهم الا ان بعض الخلق من حيث يشعرون و بعضهم من حيث لايشعرون و هم الاكثرون كما ان الاولين هم القليلون و قد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان [ص 14] لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الغافلون فافهم .
قوله سلمه الله تعالي و باب الابواب و الابواب هم الائمة عليهم السلام كما دلت عليه الادلة العقلية و النقلية و هذا المعني لاينبغي ارادته في هذا المقام لانه سلمه الله تعالي يريد به هذا التراب الذي يتوهم الظمآن ماءا و اين هو من هذا المقام و انما هو لجماعة من الاعلام الذين قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حقهم ما قال كما في الكافي و هم المختفون عن الابصار و الغائبون عن الانظار كما قال الشاعر :
لله تحت قباب الارض طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا
نعم اذا اريد بالابواب ما اشار اليه مولانا الهادي عليه السلام في اول الزيارة الجامعة اذا صرت بالباب فقف و اشهد الشهادتين و انت علي غسل فباب هؤلاء الابواب يمكن ارادته في هذا المقام حيث شرفنا الله تعالي بالتشرف بتلك الابواب المقدسة و الحمد لله رب العالمين .
و اما المستقيم من صراط الطريقة فستجيئ الاشارة اليه عند بيان القرية الظاهرة .
قال سلمه الله تعالي : اما بعد فيا كعبة الوفد و غاية القصد فقد علمت ايها الانسان الكامل انك القرية الظاهرة للقري المباركة الطاهرة و ريحانة من ثمار تلك الشجرة القمرية الزاهرة و قد تعلم ان المملوك شاكر لنعمائك مشتاق الي لقائك و برهان قولي معلوم لديك ،
كفي علمكم بي عن مقالي و مدحتي و لكن باوصافي لكم اتمتع
اقول قال مولانا الباقر عليه السلام علي ما رواه الكليني (ره) في الكافي نحن القري التي بارك الله فيها و القري الظاهرة شيعتنا ه ، و المدعون [ص 15] لهذا المعني كثيرون الا ان لهم علامات يعرف بها الصادق من الكاذب و المفتري من المحقق و اصلها علامتان احديهما في العلم و الثانية في العمل .
اما الاولي فبان لايتفوه في مسألة الا بعد احكام اربعة و عشرين امرا الاول ان يكون مستقيم الفطرة طاهر السريرة باقيا علي الفطرة الصافية الثاني ان لايكون عنودا لجوجا متعصبا الثالث ان لايكون عنده قاعدة غير موزونة بميزان الحق و غير مأخوذة من طريق اهل العصمة عليهم السلام فانها ان لميقطع بحقيتها لميركن الي الفروع المترتبة عليها الرابع ان لايكون محبا و مائلا الي طائفة مخصوصة فان حبك للشئ يعمي و يصم الا ان يكون اولئك ممن لميقصروا نظرهم الا الي اهل العصمة عليهم السلام فح تركن النفس المطمئنة اليهم و تطمئن بهم الخامس ان يكون عنده في جميع المسائل دليلا قاطعا من كتاب الله تعالي من محكماته لا من متشابهاته فان القرآن فيه كل حق و نور و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و اهل القلوب من المؤمنين الممتحنين يحصلون قواعد كلية من الكتاب الكريم و يستخرجون منها فروع كثيرة علي ما يسر الله تعالي له السادس ان يكون عنده دليلا من الاحاديث المعروفة المسلمة المشهورة الغير المنكرة و لا المتشابهة لانهم سلام الله عليهم اشاروا الي الحق في جميع المسائل المختلفة فان الله سبحانه قد جعلهم حكاما كما قال عز و جل خطابا لاميرالمؤمنين [ص 16] عليه السلام فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فافهم فان شرح هذه الكلمات يطول بها الكلام السابع ان العالم لما كان كتابا تكوينيا فيه شرح جميع ما اراد الله من خلقه من جميع الاعتقادات و الاعمال بجميع شرايطها و لوازمها و مكملاتها و متمماتها و عوارضها و لواحقها و جميع ما يتوقف عليها جميع احكام الدين و بين الله سبحانه بيانا حاليا تكوينيا كان العالم كتابا كافيا جامعا مطابقا لما في القرآن و الاخبار المعصومية لان البيان المقالي لايخالف البيان الحالي و العكس ايضا كذلك فيجب ان يكون للعالم الحكيم الكامل مثال واضح جلي من الامثال التي ضربها الله سبحانه للناس علي طبق ما في الكتاب و السنة في جميع المسائل الاصولية و الفروعية الثامن ان يكون له دليل قطعي عقلي يدل العقل بصرافة ذاته و صفاته الذاتية من دون شائبة النقل علي ذلك بحيث يكون في خلافه استحالة اما في العقل او في الحكمة لان العقل مطابق للكتابين و نبي باطني مطابق للنبي الظاهري و هو انما خلق من شعاع النبي و الوصي صلي الله عليهما و آلهما و لايخالف الشعاع من حيث هو شعاع المنير فاذا طابقت هذه الاربعة المتناسبة التي جعلها الله سبحانه لاستخراج المجهولات دلت علي حقية ذلك المدلول في الواقع الاولي او الثانوي علي اختلاف المقامات في الاصول و الفروع و الا كان الله سبحانه مغريا بالباطل لانه تعالي قال و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لا مجاهدة اعظم من قطع اعتبار الشخص عن نفسه و [ص 17] عما يرتبط بغيره و يتمحض نظره الي الله سبحانه و الي ما جعله تعالي له بابا و وسيلة و لما كان كل شئ له ذات و معني و صورة و كل مقام له احكام خاصة غير ما للمقام الآخر وجب ان ينظر في كل مسألة في كل طور من الاطوار الثلثة فصارت الادلة ايضا ثلثة دليل الحكمة و هو آلة لمعرفة الشئ من حيث ذاته و حقيقته المجردة عن المادة و المدة و الصورة و المعني و ينظر اليه بلا كيف و لا اشارة و دليل الموعظة الحسنة و هو آلة لمعرفة الشئ من حيث معناه و الصورة المعنوية الكلية الالهية و ينظر اليه بالحد المعنوي بالكيفية العقلانية الجوهرية و دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو آلة لمعرفة صورة الشئ و حدوده الشخصية و احكامه الجزئية و اوضاعه الظاهرية و صفاته العرضية و لا بد ان ينظر في كل من هذه الثلثة تلك الامور الثمانية فيكون مجموع الامور الحاصلة اربعة و عشرين و هذه المذكورات علامته في العلم .
و اما الثانية اي العلامة في العمل فبان يكون جامعا للصفات المذكورة في حديث همام عن اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما رواه الكليني في الكافي و غيره في غيره و ان يكون مواظبا لظاهر ما عليه كافة المتشرعة و مطابقا لما عليه الفرقة الناجية فاذا تحققت هذه الامور و الشرايط في شخص في جميع احواله فاعلم انه القرية الظاهرة و انه المستقيم علي المستقيم من صراط الطريقة فتمسك به و اعلم ان معه هدي الله سبحانه و هو الذي قال الصادق عليه السلام انظروا الي من كان منكم روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به [ص 18] حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا و لميقبل منه فكأنما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا الراد علي الله و هو علي حد الشرك بالله و الاحكام جمع مضاف فانظر ماذا تري و هو المحسن الذي معه الله في قوله تعالي و الله مع المحسنين و هو المجاهد في قوله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .
و اما هذا العبد المقصر فاين هو من هؤلاء الاعلام و لكنه سلمه الله تعالي حيث ظن بي خيرا ارجو من الله ان لايخيب ظنه فان من ظن بحجر خيرا القي الله الحق به اليه و الله سبحانه عند ظن كل امرء و انا اقول اللهم اجعلني خيرا مما يظنون و لاتؤاخذني بما يقولون و اغفر لي ما لايعلمون .
قال سلمه الله تعالي : ثم ان المعروض لجناب مولانا ان الحقير قد عرض لسيده في رسم بعض الاسولة فاجبتم الي ذلك بمقتضي كرمكم فالمأمول من جنابكم الجواب عن هذه المسايل القليلة بالنسبة اليكم و ليكن كما عودتم و وعدتم متلبسا بالاشارة الي الدليل و صريح البيان و قد عودتم الاحسان في السر و الاعلان .
اقول حيث ما كان المطلوب و المدلول نتيجة للدليل فيناسبه و الا لمتكن النتيجة نتيجة هف فيكون الدليل اذن علي حسب المدلول فان كان المطلوب من السر الباطن وجب ان يكون الدليل كك و ان كان من القشر و الظاهر وجب ان يكون الدليل كك و الا لميصح الانتاج فاذا كان الامر كك فلايسعني بيان سر الحقيقة و باطن الطريقة بصريح البيان فان [ص 19] السر لايفيده الا سر فيجب طلب الدليل علي مقتضي المطلوب المدلول و قد لايتم الدليل الا بالحكمة او الموعظة الحسنة فلايصح طلبه بالمجادلة بالتي هي احسن فان ذلك طلب المحال كمن رام ادراك الالوان بحاسة السمع و الاصوات بحاسة البصر و الروايح بحاسة الذوق و ذلك مما لايكون في هذه الدنيا و نحن انشاء الله تعالي نورد الدليل و المدلول علي حسب مقتضي المقام من دليل الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن اذ لايجب ان يخلو هذه الاجوبة من عجائب الاسرار و غرائب الاطوار فان الله تعالي يقول ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و انا علم الله معذور من بسط المقال فاني في الغاية من اختلال البال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و كوني في السفر مشغولا بمعاناة الحل و الارتحال و بالله المستعان و عليه التكلان في جميع الاحوال .
قال سلمه الله تعالي : مسألة - ما كيفية التطبيق بين ما علمتم من تولد الحروف بعضها من بعض كما صدرت عن النقطة الالف و عنها الباء و عنها الدال و هكذا و بين ما رتب الحكماء من ترتيب حروف التهجي علي اختلافه بين ابتث او ابجد الي غير ذلك و من البين ان المتقدم في الوجود الرتبي لايكون متاخرا و كذا المتاخر فلو اخر كان خلاف مراد الحكيم او فعله واحد جار علي نسق واحد مقدما للسبب علي المسبب و مؤخرا للابن عن الاب و مديرا داراتها علي القطب و نحن لو اعتبرنا في اختلافاتهم في الترتيب الوجداني رأينا في ذلك التقديم و التأخير الواسع الكبير مع ان كلا منهم يفعل بما عنده من الترتيب علي طبق مراده الافعال المتعددة فيحبب و يبغض و ينقص و يزيد و يجمع [ص 20] و يفرق و يلصق و يرقق الي غير ذلك من تصرفهم في الكائنات و ايضا فعلي تقدير عود اختلافهم الي شئ واحد بامر الواحد فما السبيل في التطبيق بين عوالم الحروف و الاسماء و بين عوالم المسميات ه .
اقول هذه المسألة تنحل الي سبع مسائل نقررها و نبينها اولا ثم نذيلها بما الهمنا الله تعالي بفضله و كرمه من الجواب علي نهج الرشد و الصواب .
الاولي ان العلماء و الحكماء و الاوصياء و الانبياء صلي الله عليهم اجمعين قد رتبوا الحروف الثمانية و العشرين علي اوضاع مختلفة و ترتيبات متناقضة و اطوار متفاوتة متضادة .
و منهم من رتبوها هكذا : ا ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن و ه ي لا ،
و منهم من رتبوها هكذا و هو المشهور بينهم و المتداول علي السنتهم : ا ب ج د ه و ز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ لا ،
و منهم من رتبوها هكذا : ا ح س ت ب ط ع ث ج ي ف خ د ك ص ذ ه ل ق ض و م ر ظ ز ن ش غ ،
و منهم من رتبوها هكذا : ا ه ط م ف ش ذ ب و ي ن ص ت ض ج ز ك س ق ث ظ د ح ل ع ر خ غ ،
و منهم من رتبوها هكذا : ا ه ط م ف ش ذ ج ز ك س ق ث ظ د ح ل ع ر خ غ ب و ي ن ص ت ض ،
و منهم من رتبوها هكذا : ا ي ق غ ب ك ر ج ل ش د م ت ه ن ث و س خ ز ع ذ ح ف ض ط ص ظ ،
و منهم من رتبوها هكذا : ا ج ه ز ط ك م س ف ق ش ث ذ ظ ب د و ح ي ل ن [ص 21] ع ص ر ت خ ص غ ،
و امثالها من الترتيبات الكثيرة المذكورة في الكتب المفصلة لاهل هذا الشأن التي يطول بذكرها الكلام و لا فائدة لها كثيرا في المقام و لا شك و لا ريب ان هذه الاختلافات ليست من الله تعالي فانه تعالي نص في كتابه المجيد و قال لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و ليس من الواقعي الاولي فان خلق الله تعالي و جعله واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و المجعول الاول في الايجاد الالهي لايكون الا واحدا لا متعددا متضادا فاذن وجب ان يكون احد هذه الترتيبات مطابقا للجعل الالهي و ما سواه لغوا عبثا باطلا اذ ليس هذا المقام مقام تقية حتي يتصور فيه الخلاف في الواقعي الثانوي في الاحكام الظاهرية المختلفة في الجعل الالهي في الورقة السفلي من اللوح المحفوظ مع ان الامر ليس كذلك .
الثانية ان الادلة قد دلت بعد تنصيصهم و تصريحهم علي ان هذه الحروف تولد بعضها عن بعض و اشتق بعضها من بعض و بينها علية و معلولية و لا شك ان الوالد في الوجود مقدم علي الولد و العلة علي المعلول و الاصل علي الفرع و قد قالوا ان الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان و جعلوا الاختراع الثاني الالف من الحروف و الابداع الثاني الباء من الحروف و قالوا ان الالف انبسطت فكانت عنها الباء و مالت علي الباء فكانت عنها الجيم و الباء انبسطت و ركدت فكانت عنها الدال و مالت علي الدال فكانت عنها الهاء و الهاء نظرت الي نفسها فانجمدت فاخذت في الانبساط بالحركة علي المحور فتحركت الي نصف القطر فكانت عنها الواو ثم غاب [ص 22] انجماد الهاء و بقي انبساطها فكانت عنها الزاء و الزاء لما نظرت الي حدود نفسها بظاهرها و باطنها انشقت نصفين فكانت عنها الحاء كذا
و الحاء لما نظرت الي المبدء اتصلت بها الالف حرف العلة فكانت الطاء و هي تمام الجذر الاول للالف و هكذا ساير الحروف تتولد من هذه الاحرف و اما الاختلاف المذكور فقد ادي الي التقديم و التاخير تقديم الفرع علي الاصل و المعلول علي العلة و الولد علي الوالد و هو خلاف مراد الحكيم العليم فيكون مجراها علي خلاف النظم الطبيعي الذي جعله الله سبحانه فيكون لغوا و عبثا مع ان الامر ليس كذلك .
الثالثة لا ريب و لا شك ان لا بسيط الا الله عز و جل و كل ممكن زوج تركيبي و كلما سوي الله تعالي انما هو مركب من الطبايع الاربع و لاينفك شئ منها ابدا علي مقتضي الخلق و الايجاد علي نهج الاسباب و الحكمة نعم اذا غلبت طبيعة من تلك الطبايع علي غيرها بحيث اضمحلت آثار غيرها ينسب ذلك الشئ الي تلك الطبيعة الغالبة و ذلك معلوم بين و لا شك و لا ريب ان هذه الحروف لها طبايع خاصة و لاتنسب اليها الا بغلبتها علي غيرها و لاتكون غالبة الا بغلبتها علي غيرها و اضمحلال غيرها لديها حتي يقال انها نارية او هوائية او مائية او ترابية فعلي هذا كيف يسع اختلافهم في طبايع الحروف كما في الباء قال بعضهم انها هوائية و الآخر انها ترابية و هما ضدان و كيف يمكن القول بغلبة آثار كل من الطبيعتين فيها و اضمحلال غيرها و كذلك القول في غيرها من الحروف المختلف فيها كما هو المشروح المفصل في كتبهم و قد ذكرنا شرذمة منها في شرحنا علي حديث [ص 23] عمران الصابي فراجع .
الرابعة لو فرضنا علة الاختلاف اختلاف انظار العلماء و ملاحظة القواعد المقررة عندهم فلماذا يترتب عليه الآثار اذا صرف كل منهم علي ما يعتقد فان الذي يعتقد ترابية الباء مثلا يصرفها في مقام التراب و يؤثر فيما يريد و الذي يعتقد هوائيتها يصرفها في مقام الهواء و هو ضد التراب و يؤثر فيما يريد فلو كان لمحض الاعتقاد فلا ريب ان الاعتقاد لا يغير الواقع كما انه لو استعمل الماء باعتقاد انه دهن الكبريت فلا شك انه لايؤثر الحرارة ابدا و شرب الخمر باعتقاد انه ماء فيسكر لامحة فكيف يتحقق هذا الامر مع انا نشاهد التاثير في الحروف لامحة فان كان الامر ليس لمحض الاعتقاد و انما هو في الخارج فكيف يعقل ان يكون الشئ الواحد في الوقت الواحد تؤثر الرطوبة و اليبوسة و الحرارة و البرودة .
الخامسة ما اصل هذا الاختلاف و ما منشاءه و ما علته الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية و ما شرح احوالها و تفصيل اجمالها و ما يتعلق بذلك .
السادسة علي تقدير عود الاختلاف الي الامر الواحد فما السبيل في التطبيق بين عوالم الحروف و الاسماء و بين عوالم المسميات .
الجواب :
اما عن الاول فاعلم ان الاحكام الجارية علي الاشياء علي اقسام و انحاء منها احكام ذاتية اولية لها وحدها من غير اعتبار اقترانها و انتسابها الي الآخر حسب ما اجاب في عالم الذر بسر كينونته و ذات حقيقته و منها احكام ثانوية حصلت لها باعتبار قراناتها و تبدل [ص 24] اوضاعها و اختلاف نسب بعضها الي بعض و منها احكام تجري عليها باعتبار ظهورها في آثارها و افعالها و اوضاعها و حركاتها في كينوناتها و هذه الاحوال كلها تجري علي شئ واحد باطوار مختلفة و صفات متضادة و الاتري المنجمين حكموا علي زحل بانه نحس اكبر و الاخبار وردت انه كوكب سعد و انه نجم اميرالمؤمنين عليه السلام و قالوا ان المريخ نحس اصغر و في الروايات عن الائمة السادات عليهم السلام انه كوكب رسول الله صلي الله عليه و آله و قالوا ايضا ان المريخ شيخ كبير قاعد علي كرسي من الدم او النار فالشيخوخة سن الشتا و هو البرودة و الرطوبة و الدم و النار حارة يابسة فيوصف المريخ بالحرارة و البرودة الا ان الثانية ذاتية و الاولي قرانية و عرضية فالسعادة بالذات لاهل الآخرة و النحوسة بالعرض لاهل الدنيا كما قال تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و هو شئ واحد يوصف بالرحمة و العذاب في الحقيقة و هما ضدان الا ان احدهما بالذات و الآخر بالعرض و قال ايضا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فوصف الباب و هي شئ واحد بالرحمة و العذاب و هما ضدان و قال تعالي اذلة علي المؤمنين و اعزة علي الكافرين و هو شخص واحد وصفهما بالضدين في مقامين و قال عليه السلام في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار فالشئ الواحد بالاعتبارات المختلفة و الجهات المتعددة يوصف بصفات متضادة و احكام مختلفة و صفات متضادة من غير منافاة [ص 25] و لا معارضة و الكل من الواقعي الاولي لا من الثانوي الا بتاويل بعيد و لذا قلنا ان العقل في الوجه الذاتي من حيث هو بارد يابس و لونه السواد و هو قوله عليه السلام مابعث الله نبيا الا و هو صاحب مرة سوداء صافية و في الوجه الفعلي حار يابس و لونه الحمرة و هو قوله تعالي خطابا للعقل اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر و في الوجه الوصفي بارد رطب و لونه الابيض و هو قوله عليه السلام في اركان العرش نور ابيض منه البياض و منه ضوء النهار و في الوجه الارتباطي حار رطب و لونه الصفرة و هو قوله عليه السلام اول ما خلق الله روحي علي احد المعاني فوصف العقل بالالوان الاربعة و الطبايع الاربعة و الاحكام المختلفة فمن نظر الي الوجه الذاتي عده في ادني المراتب و من نظر الي الوجه الفعلي جعله و عده في اعلي المراتب لان اعلي العناصر الحرارة و اليبوسة و من نظر الي الوجه الوصفي عده في الاوسط الاسفل و من نظر الي الوجه الارتباطي عده في الاوسط الاعلي و كل هذه احكام حقيقية و لكن كل حكم في مقامه لان الله سبحانه خلق كل شئ جامعا مملكا فيوصف بجميع الصفات المتضادة خصوصا اذا ظهر فيه حكم الذوبان و تمكن في جهة من جهات الرجحان انظر كيف جاز و صح تقديم العقل و تاخيره و توسيطه بالجهات المختلفة و هكذا حكم الحروف لان لها مقام الذوبان و فيها جري سر السريان فيرتب علي انحاء كثيرة حسب ما استكن فيها من جهات الامكان فمن نظر الي المناسبات الرقمية و النقشية حيث انها جواذب للحقايق المعنوية و الآثار [ص 26] الذاتية و الفعلية و العرضية رتبها ترتيب المزدوجات المؤتلفات فقال : ا ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض الي آخر الترتيب و من نظر الي الطبيعة و اصل تكون الحروف من المبادي الحقيقية و مزج العناصر علي الاوفاق الحكمية مرتبا للقوي في المراتب و الدرجات و الدقايق و الثواني و الثوالث و الروابع و الخوامس عند المزج و الاختلاط علي النظم الطبيعي و الوضع الالهي رتبها ترتيب الولادة التي بها منشأ السعادة و الشقاوة و المزج بين العالمين فقال : ا ب ج د ه و ز ح ط ي الي آخر الحروف علي ما هو المعروف المشهور و من نظر الي العناصر المحضة و الطبايع الصرفة و اراد وضع كل طبيعة عند اختها افرد الطبايع فهم بين ناظر الي ترتيب البروج فقال : ا ه ط م ف ش ذ ب و ي ن ص ت ض ، الي آخرها و بين ناظر الي ترتيب العناصر المتولدة من البروج و الافلاك فقال : ا ه ط م ف ش ذ ج ز ك س ق ث ظ ، الي آخرها و من نظر الي ترتيب الاصول و الفروع و ضم الاصول بعضها ببعض و الفروع كذلك فهم بين ناظر الي ترتيب السبعة فاسقط كل ستة ستة و اثبت واحدا واحدا في كل سبعة و هكذا يدور الدائرة بالترتيب الطبيعي الي آخر الحروف رتبها هكذا : ا ح س ت ب ط ع ث ، الي آخرها علي الترتيب الطبيعي و بين ناظر الي ترتيب الاربعة نظرا منه الي العناصر حيث انها اصل لكل شئ في كل شئ فاسقط كل ثلثة ثلثة و اثبت واحدا واحدا فقال : ا ه ط م ، الي آخرها و من نظر الي ملاحظة الاعداد و الاوفاق و نظر الي اصول الاعداد و ضم بعضها ببعض فقال : ا ي ق غ ب ك [ص 27] ر ج ل ش ، الي آخرها و من نظر الي جمع العناصر في الاعلي و الاسفل لاستخراج حروف المستحصلة في الجفر بعد الترفع و الترقي و التنزل و التساوي فرتب علي المقابلة في سطرين فقال : ا ج ه ز ط ك م ، الي آخرها و من نظر الي نظاير الحروف رتبها علي الاصل و النظيرة فقال : ا س ب ع ج ف د ص ه ق و ر ز ش ح ت ط ث ي خ ك ذ ل ض م ظ ن غ ، و هذا الترتيب يختلف بحسب الترتيبات بين نظيرة : ا ب ت ث ، و نظيرة : ا ب ج د ، و نظيرة : ا ه م ف ش ذ ، و نظيرة : ا ي ق غ ، و هكذا ساير الترتيبات و النظاير و الاحوال علي ما هو المفصل في كتب اهل هذا الفن و المشروح في مصنفاتهم و قد ذكرنا شرذمة منها في شرحنا علي حديث عمران الصابي فراجع ثمة فظهر لك مما اوضحنا لك من صريح البيان ان هذه الترتيبات التي وقعت للحروف كلها امور واقعية مجعولة بالجعل الالهي الاولي عند الحركة علي المحور دون القطب لاقتضاء الاول الاختلاف دون الثاني فان المركب تتكثر جهاته و تتعدد شئونه و اعتباراته لا محالة بل في كل مركب تظهر فيه جهات لاتتناهي لاسيما اذا ظهر فيه حكم الذوبان و جري فيه سر السريان و لمتغلب عليه جهة من جهات الامكان و كان بالذات او بالحكاية من عالم الرجحان و لاسيما الحروف التي مسكنها الهواء و مقرها السماء و العامل فيها الملائكة او هي العاملة فيهم علي حد ما قال مولانا الرضا عليه السلام ما معناه ان اول ما خلق الله الابتداع و الاختراع ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون فافهم الاشارة بصريح العبارة و للاختلافات [ص 28] الحرفية اما كاختلاف الوجه الواحد في المرايا المتعددة المختلفة بالبياض و الحمرة و الصفرة و الخضرة و السواد و الاعوجاج و الاستقامة فان الكلمة الكونية الاولية لما تفصلت بالحروف ظهرت عكوسات اشراقات انوارها في الواح الحقايق و الذوات علي ما هي عليه فاختلفت ظهورات تلك الحروف بالتقديم و التاخير علي حسب المراياء صفائها و كدورتها و اعوجاجها و استقامتها فاختلفت في الترتيب فتفرعت عليه الآثار العجيبة و الاطوار الغريبة علي حسب المقامات و المراتب كما قال الشاعر :