قال ايده الله تعالي : المسئلة الثامنة - و كم مقدار فضل محمد صلي الله عليه و آله علي علي عليه السلم .

اقول هذا سر غامض فان التفاضل بين ائمتنا المعصومين عليهم السلم شيء لاتصل اليه افهامنا و لاتدركه عقولنا و احلامنا و لاتعه ( لاتعيه خ‌ل ) اسماعنا لان احوالهم فوق ذكرنا و ذاتنا و الشيء لايجاوز ما وراء ذاته فاني للرعية و معرفة ذوات الائمة عليهم السلم حتي يعرف مقادير تفاضل بعضها علي بعض فنسبتنا اليهم كما قال تعالي حكاية عنا لانفرق بين احد من رسله و نسبتهم عليهم السلم الينا كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم كلنا محمد صلي الله عليه و آله اولنا محمد و آخرنا محمد صلي الله عليه و عليهم السلم اجمعين فلا فرق بينهم في جميع العلوم و الاسرار و الاحوال المتعلقة بالمخلوقين باسرهم باسرها و هو قولهم عليهم السلم كلنا في العلم سواء و قوله عليه السلم حتي لايكون آخرنا اعلم من اولنا الحديث ، و لكن لهم عليهم السلم مراتب و مقامات في المراتب الذاتية حسب اختلافهم في تقدم الاجابة لما سئلهم سبحانه الست بربكم فكان رسول الله صلي الله عليه و آله اول من اجاب داعي الحق و لبي نداءه [ص 50] كما قال صلي الله عليه و آله اني فضلت النبيين لاني كنت اول من اجاب داعي ربي حين قال الست بربكم ثم بعد اجابته صلي الله عليه و آله اجاب علي عليه السلم و هذا الاختلاف في اجابتهم انما وصل الينا باخبارهم عليهم السلم و الا فنحن قاصرون لادراكه و التفاوت بين الاجابتين هو مقدار الفضيلة و قد حدد هذا التفاوت في بعض الاخبار كما في رواية جابر عنه صلي الله عليه و آله حين سئله عن اول المخلوقات قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر فكان يطوف حول جلال القدرة ثمانين‌الف سنة فلما وصل الي جلال العظمة خلق منه نور علي عليه السلم فكان نوري يطوف حول جلال العظمة و نور علي عليه السلم يطوف حول جلال القدرة انتهي ، فبين صلي الله عليه و آله مقدار التفاضل و هو ثمانون‌الف سنة فحيث لا زمان هناك و لا تقدير هذه الليالي و الايام ترجع السنة الي المرتبة فيكون محمد صلي الله عليه و آله افضل من علي عليه السلم بثمانين‌الف مرتبة و بذلك التأخر تحققت العبودية في قوله عليه السلم انا عبد من عبيد محمد صلي الله عليه و آله و هذا لاينافي كونها حقيقة واحدة لان المراد هو الظهور بالتعين و التشخص في مقام الامتياز لان مقام النبي صلي الله عليه و آله هو مقام الاجمال و هو مقام النقطة و مقام علي عليه السلم مقام التفصيل و هو الالف و قد تقدم مراتب وجوده علي مراتب وجود علي عليه السلم في المقامين مقام الغيب و الشهادة و المراتب اربعون و هي القبضات العشر المأخوذة من افلاك ذلك العالم اي عالم النقطة [ص 51] الظاهرة في اربعة ادوار دورة المعدن و دورة النبات و دورة الحيوان و دورة الانسان بحسب ذلك العالم البسيط علي جهة البساطة و الشرافة و الوحدة و دلت علي الاعلي مقامات الاسفل لقول الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، و قال مولينا الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فاذا اعتبرت مقام نشو النقطة في باطنها عن بارئها وجدتها علي هذه المراتب و نشوها في ظاهرها بذكر المتعلقات فيها وجدتها علي هذه المراتب و كل مرتبة تقابل الف مرتبة مما عندنا فان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون فكان ثمانون‌الف رتبة و هي مقامات فضل محمد صلي الله عليه و آله علي علي عليه السلم و قد ظهر ذلك في اسمه الشريف حيث زيد الميمان للاشارة الي هذه الدقيقة و الا فهما صلي الله عليهما يتفقان و يجتمعان بحسب الاسم بملاحظة ظهور المبدء في مادة الحمد و الفرق اما بزيادة الالف ليكون احمد او بزيادة الميمين ليكون محمد صلي الله عليه و آله فلك ان تقول ان النبي صلي الله عليه و آله افضل من علي عليه السلم لكونه اعلم منه في معرفة ( مرتبة خ‌ل ) التوحيد بحرف واحد في مقام احمد او ثمانون‌الف حرف في مقام الاسم محمد او قل اعلم منه بحرف واحد مشتملة علي ثمانين‌الف جهة او قل بكلمة واحدة مشتملة علي ثمانين‌الف حرف و اعلم ان التفاضل انما هو منحصر في العلم بالله لا سواه و العلم بالله انما يتصور للعالم في مقام ذاته لا في مرتبة صفاته و شرح ذلك يطول به الكلام و كأنه ظاهر يقرب حد الضرورة [ص 52] و لا منافاة في ذلك مع قوله صلي الله عليه و آله يا علي ما عرف الله الا انا و انت فانه صلي الله عليه و آله يريد ان غاية المعرفة الممكنة بعده منحصرة ( ينحصر خ‌ل ) فيه عليه السلم لا انهما متساويان في العلم بالله و الا لما كان احدهما افضل من الآخر ضرورة وجوب تساويهما في كل ما سواه من الاحوال المتعلقة بالخلق ثم ان تلك الاحوال معرفتها لاتورث شرفا اذ لا شرافة لغير الله و لا فخر لما سواه فالمتعلق بغير الافضل لايكتسب فضلا اصلا كمن عنده الخزف مع من عنده جوهرة فافهم هذا ظاهر الكلام من اقصي ما يمكن عنه التعبير بالكتابة لاهل العموم ،

يقولون خبرنا و انت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين

و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال وفقه الله تعالي لمراضيه : المسئلة التاسعة - ما معني الجبر و التفويض و الامر بين الامرين .

اقول اما الجبر فهو جعل الشيء علي خلاف ما يقتضيه و يلزمه القول بانه الخلق علي غير ما هو عليه فالاختلاف في الاشياء علي القول بالجبر ينسب الي نفس ارادة الخالق الجاعل لا الي شيء سواه و فيه لزوم الترجيح من غير مرجح و هم يلتزمون بذلك فيجعلون نسب الاشياء بعضها ببعض من الامور الاتفاقية حسب جعل الجاعل لا لاقتضاء بينهما و نسبة حقيقية بينهما و قالوا ان الله سبحانه اجري عادته ان يخلق شيئا بعد شيء و ان سئلوا عن سبب جريان هذه العادة و اختصاصها يقولون ان ذلك بلا سبب و ترجيح من غير مرجح و هو تعالي لايسئل عما يفعل [ص 53] و قالوا ان الله تعالي خلق الافعال من الخير و الشر و لا دخل للعبد فيه فحين ما يخلق الزنا في زيد و يخلق الصلوة في عمرو لا خبث في زيد اقتضي ذلك و لا حسن في عمرو يقتضي ذلك فاذن لا مدح يرجع الي عمرو و لا ذم الي زيد و تشبثوا في ذلك ببعض الآيات و الاخبار المتشابهة التي اوردت كذلك لاستنطاق سرايرهم الخبيثة و استعلام بواطنهم الفاسقة المدلهمة و في الحقيقة هذا القول يقرب الي السوفسطائية بل هو قولهم حقيقة و الادلة الثلثة من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن مع شرايطها الاربعة و متمماتها و مكملاتها التي هي الكتاب المحكم و السنة المعلومة و العقل المستنير و العالم من الآفاق و الانفس التي اري الله سبحانه آياته فيها ايانا ناصة ( ناطقة خ‌ل ) علي بطلانه و فساده لضرورة ان الله سبحانه ذم المسيئين و مدح المحسنين و ليس ذلك الا لقبح السيئة و مدح الحسنة فاذا كان هو سبحانه الفاعل لذلك قبح الذم و المدح بالضرورة و لكان المحسن اولي بالاسائة من المسيئ لان الاحسان انما اجري فيه من غير اقتضائه و طلبه بل كان يطلب الاسائة و يقتضيها و الا لم‌يكن الجبر و لكان المسيئ اولي بالاحسان من المحسن لما ذكرنا و لا ظلم اعظم من ان يجعل الشخص كافرا ثم يحرقه بالنار و يعذبه بانواع العذاب لانه كفر و يجعل الشخص مؤمنا ثم يثيبه و يمدحه و يدخله الجنة و ينعم عليه بانواع النعم و لا جهل اعظم من ان يكلف احدا ما ليس في وسعه او ( و خ‌ل ) يكلف ما لايسعه خلاف ( خلافه خ‌ل ) و لا كذب اعظم من القول بعد ذلك لايكلف الله نفسا الا [ص 54] وسعها و قوله تعالي فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون فان نسبة الفعل الي غيره و هو الفاعل لذلك الفعل كذب و افتراء تعالي الله سبحانه عما يقوله الملحدون و المشبهون علوا كبيرا و اذا نظرت الي دليل الموعظة الحسنة وجدت فساد هذا القول لان الله سبحانه كامل مطلق و قادر مطلق يجب ان يجري فعله علي احسن ( حسن خ‌ل ) الكمال لئلايقول احد لو كان كذا لكان احسن فاذا كان كذلك فلا شك و لا ريب ان اجراء فعله علي جهة الاختيار و جعل المخلوقين مختارين ذووا شعور و ادراك و اختيار و ارادة اولي و احسن من ان يجعلهم مجبورين و لا ريب ان المختار اشرف من المضطر المجبور فيجب ان يختار المختار لا المضطر و يجري فعله و مفعوله علي جهة الاختيار اذ لا شك انه قادر علي ذلك و متمكن منه و اما دليل الحكمة فاعلم ان الجبر لايمكن تصوره و التعبير عنه لان الايجاد يستحيل من غير الانوجاد فاذا قلت ان الله سبحانه اوجد هذا الشيء فهل هو انوجد ام لا فاذ لم‌ينوجد لم‌يوجد و اذا انوجد وجد و الضمير في الانوجاد يرجع الي الشيء المخلوق لا الي الفاعل الخالق كما في قوله تعالي كن فيكون فان الضمير الفاعل في يكون يرجع الي الشيء و لايرجع الي المكون ضرورة اذ لا ريب ان الشيء حين حدوثه يكون له جهتان جهة الي نفسه و بها تحكم عليه و تشير اليه و تقول هو و جهة الي ربه و بها تسنده الي خالقه و تجعله اثرا و لاتجري عليه حكم التمييز [ص 55] ( المتميز خ‌ل ) و من نسبة هاتين الجهتين و اقترانهما حصل الاختيار للشيء المركب من هاتين الجهتين و هما الضدان في قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ، و قول مولينا الرضا عليه السلم ان الله لم‌يخلق فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة علي نفسه فخلق لكل شيء ضدا و هو قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون الحديث ، فاذا حصل الاختيار بطل الاضطرار لان الانوجاد من باب المطاوعة لا المكروهة فبطل الجبر اذن و اما التفويض فهو ( و هو خ‌ل ) القول بان الله سبحانه خلق الخلق و هيأ لهم الاسباب و الآلات و الاختيار و الشعور و الادراك و القدرة علي الفعل و عدمه ثم فوض الامر اليه يعني رفع يده عن المكلف كالوكيل فانه يجعل الموكل له كلما يحتاج اليه ثم يرفع يده عنه فهو يفعل و ان كان فعله بامر الآمر لكن حال الفعل ليس للآمر تسلط عليه اي ليس حين الفعل بيده و انما هو معزول عنه كما في مثال الوكيل و الموكل و ذلك في البطلان بمكان لانه يستلزم اعتزال الحق سبحانه عن ملكه و استغناء الممكن حين الفعل عن خالقه و ان كانت آلات الفعل كلها به لان الوكيل حين الفعل ليس في يد الموكل و انما هو مستقل و ان كان بامره و حكمه و مثل العبد حين يقول له سيده افعل الامر الفلاني فانه حين فعله له ( لم‌يكن خ‌ل ) خارج عن يد السيد و احاطة قدرته كما هو المعلوم و اذا صح استغناء الممكن عن الله سبحانه في حالة صح في كل الاحوال و اما سر الامر بين الامرين فهو و ان كان من اصعب ما يرد علي العلماء الا ان الاشارة اليه في قوله تعالي في الحديث القدسي [ص 56] و ذلك انا ( اني خ‌ل ) اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني انتهي ، و ذلك ان الطاعة نور مقصود لذاته فيتعلق به الجعل الالهي بالذات و المعصية ظلمة مقصودة بالعرض فيتعلق به الجعل بالعرض لقوام الطاعة و تحققها فالطاعة من العبد بالذات قائمة بمشية الله لها بالذات و المعصية من العبد بالذات قائمة بمشية الله تعالي لها بالعرض يعني ان الله سبحانه حافظ لفعل العبد في كلتا الحالتين اي في حالة الطاعة و حالة المعصية فلو رفع حفظه عنه انعدم و فني لايقدر علي الطاعة و لا علي المعصية فيبطل ( فبطل خ‌ل ) اختياره فالله سبحانه يحفظ فعله اذا اطاع و يوافق ذلك الفعل محبة الله سبحانه و لما كانت الطاعة هي النور و الخير فكانت منسوبة الي الله سبحانه لانه المقصود بذاته في الايجاد و لكنه لايظهر الا بالعبد فالطاعة و النور من الله و اليه لكنهما بالعبد و كذلك يحفظ فعله حين المعصية لكن بالتخلية و الخذلان ليبقي الاختيار فهي راجعة الي العبد ح و منه و اليه لكنها بالله سبحانه فكان الله سبحانه اولي بالطاعة و العبد اولي بالمعصية و ان كان لكل منهما مدخلية و مثال ذلك الشمس لما اشرقت علي الجدار ظهر النور و وجد خلفه الظل فلولا الشمس لم‌يكن النور و لا الظل فهما موجودان بها و متحققان بفاضل ظهورها لكن النور من الشمس و هو المقصود لذاته في احداث الشمس اياه و لو لم‌يكن الجدار لم‌يظهر ذلك النور ابدا فكان الجدار له مدخلية في الاستضاءة و يرجع المدح اليه حيث انه قبل ( قيد خ‌ل ) عطية الشمس علي ما ينبغي و لكن الشمس حين ما اعطته النور لم‌ترفع يدها عنه فالنور في الجدار ايضا [ص 57] متقوم بالشمس حال كونه فيه و لكن قابلية الظهور من الجدار حسب ما اعطته الشمس و اما الظل فهو و ان كان متقوما بالشمس و محفوظا بها لكنه لاينسب الا الي الجدار و لايرجع الا اليه و الشمس انما حفظته بحكم التخلية و الخذلان حسب ما سئل الجدار بلسان فقره اياها لتحدث له ذلك فالجدار اولي بالظل من الشمس فتقول الشمس للجدار انا اولي بالنور منك و انت اولي بالظل مني و المراد بالجدار نفس قابلية النور المتشعشع من الشمس الظاهرة في هذا الجسم الكثيف فافهم ان كنت تفهم و الذي ذكرنا اشارة يسيرة و شرح حقيقة الحال مايمكن في هذه العجالة مع ان هذه المسئلة من اسرار القدر الذي امرنا بالكف عنه و لو يسر الله لنا مشافهتكم لالقينا اليكم من هذه الجواهر المكنونة المخزونة اغلاها و اثمنها الا ان فيما ذكرت بالاشارة كفاية لمن طلب الهداية و جانب العناد و اللجاج و الله الموفق للصواب .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة العاشرة - ما اول الوجود و مراتبه و محله .

اقول قال مولينا الرضا عليه السلم ما معناه ان الله اول ما خلق الاختراع و الابتداع ثم خلق الحروف فجعلها ( فجعلا خ‌ل ) فعلا منه يقول للشيء كن فيكون اعلم ان كل ما سوي الله سبحانه مخلوق به و صادر عنه و ليس شيء سواه لم‌يكن مخلوقا بالضرورة فاذا كان كذلك فالله سبحانه يقول له الخلق و الامر و هو جامع لكل الموجودات سواه تعالي و الامر هو عالم الاختراع لانه هو الخلق لا عن مادة و صورة فلو سبقه خلق لكان السابق مادة له اما بذاته او بنوره فلم‌يصح الاختراع حينئذ و الامر هو الارادة و المشية [ص 58] لقول مولينا الرضا عليه السلم ارادته احداثه لا غير لانه لايروي و لايهم و لايفكر و انما يقول للشيء كن فيكون بلا لفظ و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له رواه في الكافي و قال سبحانه انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فجعل الامر هو قول كن و به قامت السموات و الارضون كما قال عز و جل و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره علي احد المعاني و قال مولينا الصادق عليه السلم كل شيء سواك قام بامرك فليس فوق امره تعالي شيء اذ كان كل ما سواه قائم ( قام خ‌ل ) به و الا لماصحت الكلية و المشية و الارادة هما الاختراع و الابتداع كما قال مولينا الرضا عليه السلم المشية و الارادة و الابداع معناها واحد و اسماؤها ثلثة فصح ان اول الصادر منه تعالي و اول الحوادث المشية فلما كانت اقرب الاشياء الي المبدء حتي كانت واسطة في ايجاد الكاينات و هويات الموجودات وجبت ان تكون اشرف الذوات و اقويها و اعلاها و اعظمها لان الذوات انما تذوتت و الاشياء انما تأصلت بها فنسبة الاشياء اليها نسبة القيام و القعود اليك فلايتوهمن متوهم انها امر اعتباري او نسبة اضافية ضرورة ان كل ما قرب الي المبدء اقوي و اعظم و انور مما بعد عنه فاذا كانت هي اول الاشياء كانت اقرب فكانت انور و اعظم تحققا و تأصلا و وجودا و انما هي ذات الهية و حقيقة صمدانية خلقها بنفسها و اقامها بنفسها و امسكها بظلها و لها اسماء حسب جهات ظهوراتها و اطوارها في شئوناتها و الا فهي من حيث هي اعلي من الاسم و الرسم و الصفة و قد استعمل ائمتنا عليهم السلم لها اسماء بحسب تلك الاضافات و لا بأس بالاشارة الي بعضها [ص 59] و وجه التسمية بالوجه الاخصر فنقول ان تلك الذات المقدسة من حيث انها جهة الله سبحانه و ذكره و مذكوريته في الامكان سميت ظهورا و تجليا اوليا و من حيث انها ظهوره سبحانه لغيره و موصل فيضه الي ما يريد من خلقه سميت فعلا و حركة ايجادية و من حيث انها ظهوره لها بها و لغيرها سميت فاعلا و من حيث انها اول الذكر و المذكور و بها نشأت الاشياء و تأصلت سميت مشية و من حيث انها مبدء الصور و الاعيان سميت ارادة و من حيث انها تكونت لا من شيء سميت اختراعا و لا لشيء و لا علي احتذاء مثال سميت ابتداعا و من حيث انها اول مظاهر الحق سبحانه و ظهوراته في الامكان سميت التعين الاول و من حيث انه الاصل المتشعب عنه الحدود و الجهات و الحيثيات سميت شجرة مباركة زيتونة و من حيث انها مبدء الايجاد و علته و اول الميل سميت محبة و من حيث انه بها الاحسان و الامتنان او من اثرها الماء الذي به كل شيء حي سميت رحمة و من حيث انها تدبير الحق للخلق في الخلق و الآخذة بزمام كل شيء و بناصية كل دابة سميت ولاية مطلقة و من حيث انها لا غاية لاولها و لا نهاية لامدها و هي منقطعة و مضمحلة لها اول و آخر عند بارئها سميت ازلا ثانيا و من حيث انها اول ظهور الحق سبحانه سميت صبحا و هو صبح الازل و من حيث انها اول الاصول و اصلها و غايتها سميت ادم الاول و من حيث انها لاتتوقف في تكونها و انصدارها علي شرط و سبب سوي ذاتها سميت الوجود المطلق و من حيث ان كل الظهورات و التجليات الالهية انما هي بفاضل تجليه لها سميت [ص 60] الاسم الاعظم و من حيث انها متممة لحقايق الامكان و الاكوان و متممة لنفسها بنفسها بالله سبحانه سميت الكاف المستديرة علي نفسها و من حيث انها علة العلل و مبدء المبادي سميت السر المقنع بالسر و المجلل به و من حيث ان الماء الواقع علي ارض الجرز انما نشا منها و صدر عنها و تأصل بها سميت سحابا و من حيث انها اللفظ الصادر عن فعله بنفسها سميت كلمة و من حيث انها حكم الله علي الموجودات سميت امرا و من حيث انها المادة الظاهرة بمحلها و صورتها الظهورية سميت الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و من حيث انها المستديرة علي نفسها و قطب لما سواها سميت فلك الولاية المطلقة و من حيث انها الذكر الاول للاشياء سميت علما و من حيث انها بها استولي الله سبحانه علي الاشياء كلها و استطال عليها سميت قدرة و من حيث انها بها ظهور مواد الخلق و تأييداتهم من عند الله سبحانه سميت عرشا و غيرها من الاسماء و الصفات التي يطلع عليها الفطن الماهر في استعمالات حفظة الشريعة عليهم السلم و بالجملة فهذه الحقيقة المقدسة بهذه الاسماء المباركة و غيرها من امثالها هو اول الوجود علي جهة الاطلاق في عالم الخلق و الحدوث لان العالم يقوم بفعل و مفعول و المقصود من الفاعل هو الله سبحانه و الفعل هو هذه الحقيقة المشار اليها و المفعول حقايق الموجودات و ذوات الكائنات من العقل الاول الكلي الي آخر المراتب السفلية من مراتب الوجود ( الوجود و مقام النقطة خ‌ل ) و لما كان الفعل لايظهر بل لايوجد الا بالمتعلق و المحل و هو المعبر عنه [ص 61] بالانفعال و الانوجاد و كان ذلك المحل و المتعلق هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله فيكون بها تمام الفعل و المشية كانت الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله اول الوجودات و الموجودات و المحل يجب ان يكون من سنخ الحال و الا ارتفعت المناسبة فامتنعت المحلية فافهم و لهذه الحقيقة المقدسة اطلاقان في مقامين مقام الاجمال و مقام التفصيل ففي المقام الاول يراد بها مجموع قصبة الياقوت و هم الاربعة‌عشر المعصومون عليهم السلم و في المقام الثاني يراد بها خصوص نبينا صلي الله عليه و آله ففي المقام الاول لما كانوا عليهم السلم هم الكلمة العليا و كلمة التقوي و كلمة التوحيد كانت لهم اربع مراتب الاولي مقام النقطة في الكلمة و هي اصلها ( هم هي اصلها خ‌ل ) و بدؤها منها نشأت الكلمة و اليها تعود و هي مقام السر المقنع بالسر و مقام الباطن و حق الحق و الظهور المطلق و العلم الاطلاقي و النور الاشراقي مقام العزة و القدس و السبحان و هو مقام نبينا صلي الله عليه و آله الثانية مقام الالف في الكلمة و هي بدو انتشارها و انبعاثها و ظهورها بالدلالة و مقام السر المستسر بالسر و مقام الباطن من حيث هو باطن و مقام حق الحق و مبدء التفصيل و مظهر التقدير و محل الارادة و رتبة الحمد لله و هو مقام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم و لذا ( لهذا خ‌ل ) اختص هذا الاسم به دون الخلق كلهم اجمعين الثالثة مقام الحروف العاليات في الكلمة و هي تمام ( مقام خ‌ل ) القدر و ظهور الهندسة و بروز الاحكام التفصيلية و سر الامر بين الامرين و سر الامر بين الكاف و النون و مقام الظاهر و مرتبة سر السر و [ص 62] باطن الظاهر و مقام التكبير و ظهور القول لا اله الا الله و هو مقام ساير الائمة عليهم السلم ماعدا علي عليه السلم و الرابعة مقام تمام الكلمة و مبدء ظهور الدلالة و مقام الظاهر من حيث هو ظاهر و مبدء القضا و ينبوع علل الاشياء آخر المبادي و مقام الله اكبر و هو مقام فاطمة الصديقة الطاهرة علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها آلاف الثناء و التحية فالاولي مقام المشية و الثانية مقام الارادة و الثالثة مقام القدر و الرابعة مقام القضاء و الاولي مقام النقطة من بسم الله الرحمن الرحيم و الثانية مقام الباء منها و الثالثة مقام حروفها و الرابعة مقام تمام الكلمة المباركة و لهم ايضا عليهم السلم مراتب اخر بحسب ( حسب خ‌ل ) اجابتهم لداعي ربهم و ترتبهم في ذلك فاول المراتب و اعلاها و اشرفها و اسناها مقام نبينا صلي الله عليه و آله لانه اول من اجاب حين قال له الست بربكم و الثانية مقام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم لانه عليه السلم ثاني من اجاب فكان للنبي لواء الحمد و علي عليهما السلم حامل اللواء فله مقام الالف و له مقام الباء صلي الله عليهما قال النبي صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و الثالثة مقام مولينا و سيدنا الحسن عليه السلم فشابه جده صلي الله عليهما في الظهور الاجمالي و الرابعة مقام مولينا و سيدنا ابي‌عبدالله الحسين الشهيد عليه السلم فشابه اباه في الظهور التفصيلي فاظهر الدين و كان من نسله الائمة الميامين سلام الله عليهم اجمعين و الخامسة مقام سيدنا و مولينا حجة الله القائم بالحق عجل الله فرجه و سهل مخرجه و لذا كان هو عليه السلم [ص 63] الآخذ بثاره لانه حامل ظهور الله تعالي للخلق بعده و المجيب لداعي ربه حين قال الست بربكم و السادسة مقام الائمة الثمانية الآخرين سلام الله عليهم اجمعين لانهم في مقام واحد و رتبة ( مرتبة خ‌ل ) واحدة علي ما يستفاد من الاخبار و السابعة مقام الصديقة الطاهرة عليها السلم لانها آخر مراتب المبادي و لما كانت مقاماتهم و مراتبهم الذاتية سبعة كانت اسمائهم الشريفة سبعة فلما ثنيت صارت اربعة‌عشر و هو قوله تعالي و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم و لهم عليهم السلم في المقام الثاني اي مقام التفصيل مراتب و مقامات اذ لكل منهم عليهم السلم اربع مقامات الاولي مقام البيان و هو مقام التوحيد و هم عليهم السلم في هذا المقام اسماء الله الحسني و صفاته العليا و المثل الاعلي كما قالوا عليهم السلم نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها و في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي كما تقدم و في الدعاء فبهم ملأت سمائك و ارضك حتي ظهر الا اله الا انت الثانية مقام المعاني كما قال الباقر عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن علمه و نحن حكمه و نحن امره و نحن حقه الحديث ، و كذلك ساير معاني الصفات كالعظمة و القدرة و الرحمة و الجلال و الجمال و الكبرياء و امثالها الثالثة مقام الابواب مقام الترجمة ( الرحمة خ‌ل ) و الوساطة من الله الي الخلق في الوجودات الشرعية و الشرعيات الوجودية و الذوات و الصفات و الالفاظ و المعاني و غيرها و من الخلق الي الله سبحانه في استمداداتهم و استفاضاتهم و جهات افتقارهم اليه سبحانه كما قالوا عليهم السلم في عدة اخبار نحن [ص 64] ابواب الله و خزان علمه و مفاتيح رحمته و مقاليد مغفرته الرابعة مقام البشرية الظاهرية و مقام انما انا بشر مثلكم يوحي الي يأكل مما تأكلون منه و يشرب مما تشربون فاذا لوحظت هذه الاربعة في اربعة‌عشر تبلغ ستة و خمسين و لهم ايضا عليهم السلم مراتب و مقامات في ظهور التوحيد لهم و لغيرهم حين كونهم مقامات الله و آياته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و قد علمت ان الحوادث كلها يجمعها الفعل و المفعول و الفعل قد عرفت ان له اربع مراتب كما تقدم و المفعولات كلها تدور علي امر واحد كما قال عز و جل خلقكم من نفس واحدة ثم خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و قال و ما امرنا الا واحدة و قال و ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فتكون مراتب الخلق كلها خمسة اربعة مراتب الفعل و واحد رتبة المفعول و ظهور الحق سبحانه للخلق بالخلق فيكون ظهور التوحيد في كل مرتبة علي حسبها كما قال عز و جل و لكل وجهة هو موليها فيكون ظهور التوحيد ايضا خمسة الاول ظهور الباطن و الثاني ظهور الباطن من حيث هو باطن و الثالث ظهور الظاهر و الرابع ظهور الظاهر من حيث هو ظاهر و الخامس نفس الظهور و لما كانت الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله محل جميع المظاهر و حامل كل الظهورات كما قال عز و جل في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن كانت هذه المراتب مجتمعة في كل من الائمة عليهم السلم فترتقي المراتب باضافة هذه المراتب الخمسة الي الاربعة‌عشر الي السبعين [ص 65] و لذا وضعت لهم كلمة كن فافهم و لهم ايضا عليهم السلم مراتب بحسب الظهورات الفعلية التي هم عليهم السلم محلها و معدنها و اصلها و ينبوعها يطول الكلام بذكرها و ذكر احوالها و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية و اما محل تلك الذات المقدسة و رتبتها بمراتبها ففي المقام الاعلي محلها الامكان الراجح و في المقام الاسفل الاعلي محلها الوجود الراجح من قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار نور علي نور و هو يشمل المقامين و يعم المنزلتين و لذا ظهروا عليهم السلم في كل ذرة من ( في خ‌ل ) ذرات الامكان و الاكوان و الاعيان و اذا ( فاذا خ‌ل ) سئلت عن الوقت فاعلم ان وقتهم الاولي السرمد المحيط بكل الدهر و الزمان و هو الازل الثاني في قوله عليه السلم انا صاحب الازلية الاولية و في رواية انا الازلية الثانية و هذا الازل بالنسبة الي الازل الآزال فاني باطل مضمحل و هو سبحانه وراء ما لايتناهي بما لايتناهي فافهم .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الحادية‌عشرة - هل الكليات الثلثة من المنطقي و العقلي و الطبيعي موجودة في الخارج ام لا .

اقول اعلم ان القوم اتفقوا علي ان الكلي المنطقي و العقلي لايوجدان في الخارج و انما هما في العقل فحسب اما الكلي المنطقي فلانه هو المفهوم اي ما لايمتنع فرض صدقه علي كثيرين و كلما في الخارج محدود متناه و اما العقلي فلانه مجموع العارض و المعروض فلايمكن وجوده في الخارج اذ لايمكن وجود احد اجزائه فيه و لذا قالوا ان المركب من الداخل و الخارج خارج و انما اختلفوا في الكلي الطبيعي فقال قوم بوجوده [ص 66] في ضمن الافراد و قال الآخرون بعدمه و انما الموجود افراده و اشخاصه لا ذاته و انما هو امر اعتباري انتزاعي فلا وجود له و لهم علي ذلك ادلة اخترعوها بل اقترحوها اقول اما علي القول بان الكلي الطبيعي موجود في الخارج فلا مناص عن القول بوجود اخويه لان الكلي الطبيعي هو الحقيقة الساذجة لا بشرط الغير الملحوظة فيها العموم و الخصوص و الكلي المنطقي ملاحظة صلاحيته للعموم و للكثرة و العقلي اثبات هذه الصلاحية له فلو لم‌يكن هذه الصلاحية ثابتة لتلك الطبيعة كان اثباتها لها كذبا و منه يلزم ان يكون القول بالكلي ( بالكلي الطبيعي خ‌ل ) المنطقي كذبا و الضرورة تقضي ببطلانه مثلا اذا اردت ان تقول زيد قائم فتلاحظ زيدا اولا مع قطع النظر عن جميع خصوصيات الصفات ثم تلاحظ القائم ( القيام ظ ) صفة ثانية ثم تلاحظ نسبة القيام بزيد ثم تحكم علي زيد بالقيام فلو لم‌يكن زيد صالحا للقيام قبل ملاحظتك كانت ملاحظتك اياه كذبا و باطلا و كان اخبارك بذلك ايضا كذلك فاذا قلت الانسان كلي بمعني لايمتنع فرض صدقه علي الكثيرين ( كثيرين خ‌ل ) فقد لاحظت تلك الطبيعة اولا مجردة عن كل القيود من العموم و الخصوص و الكلية و الجزئية ثم لاحظت معني صدقه علي كثيرين ثم لاحظته فوجدته صالحا لذلك في الواقع سواء لاحظته ام لا كما في القيام ثم حكمت عليه بذلك فان كان قولك الانسان كلي بهذا المعني صدقا يجب ان لايكون منوطا بذهنك و بعقلك بل يكون موجودا و موصوفا بالكلية سواء فرضه الفارض او اعتبره المعتبر ام لا و الا فيجب ان لايكون الانسان كليا اذا لم‌يتصوره متصور [ص 67] و لم‌يتعقله متعقل فحينئذ يكون القول بان الانسان كلي في الواقع كذبا فيكون هذه القضية من القضايا الكاذبة مثل الخمسة زوج اذ ليس لها وجود واقعي الا ما اخترعه في الذهن فانتقش في الخارج للحكم الوضعي عند اهل الاصول فيجب ان يصدق ان الانسان ليس بكلي في الواقع و الفرق بين القضايا الذهنية و الواقعية علي ما قالوا هو ان النسبة الحاصلة الثابتة بين المنتسبين ان كانت حاصلة ثابتة سواء فرضها الفارض و اعتبرها المعتبر ام لا فالقضية واقعية و ان لم‌يكن ( لم‌تكن خ‌ل ) لها تحصل الا في الذهن ارتفع الذهن بطلت القضية كانت ذهنية و لا شك ان حقيقة الانسان و طبيعة ذاته و كونه صالحا للتقييد بالقيود الكثيرة لو لم‌تكن موجودة ثابتة و انما هي محض اختراع الذهن كان الحكم عليه بالكلية الواقعية باطلا فاسدا كالحكم علي الخمسة بانها زوج و البديهة تحكم بفساد هذا القول و الحق في المسئلة ان الكلي الطبيعي موجود في الخارج وجودا حقيقيا ثابتا مستقلا لكن في مقام و رتبة فوق رتبة الافراد و الاشخاص و له ظهور في الافراد كظهور الماء في الاشجار و الاحجار و ساير المعادن و الحيوانات و الانسان و كذلك الكلي المنطقي و العقلي بل هذه الكليات اشد تحققا و تأصلا من الافراد و الجزئيات لكن لما كان جهة الانجماد و الكثرة في الافراد غالبة تأصلت عند اهل الانجماد و خفيت تلك الحقايق و الكليات في ابصارهم و اعينهم لان الاشياء كلها انما صدرت من المبدء الحق سبحانه و تعالي بجميع مراتبها و قد دل الدليل العقلي و النقلي ان كل اثر يشابه صفة فعل مؤثره و فعل الله [ص 68] سبحانه في كمال الشمول و الانبساط و الاحاطة و القيومية فوجب ان يكون اول ما يتعلق به الفعل في كمال الانبساط و الاحاطة و الشمول ثم ذلك الامر الواحد العام الكلي بحسب تلاحق الصور و الاعراض و الحدود و المشخصات تتقيد و تتخصص الي ان يصير شخصا واحدا لايشمل غيره فينجمد بعد ما كان ذائبا فاول ما يبرز عن المبدء هو طبيعة ساذجة و ذات بلا اعتبار و شرط و بها تحكي ظهور التوحيد الالهي الغير المشوب بشيء من انحاء الكثرات و حدود الانيات ثم بعد ذلك يذكر فيها صلوحه للتعين بالحدود المشخصة الغير المتناهية ثم بعد ذلك تلاحظ تلك الطبيعة من حيث صلوحها للكثرات ثم بعد ذلك تلاحظ تلك الطبيعة مع حد واحد من تلك الحدود و المشخصات فتتشخص بالتشخص الخاص و لذا تجد كلما هو اقرب الي المبدء كان انبساطه و شموله اكثر مما هو ابعد انظر الي بسائط العناصر كيف لايمتنع فرض صدقه علي كثيرين فتصدق علي كل مذروء و مبروء من العناصر و هي موجودة في الخارج بل في الاجسام و الذهن مرآة و عين بها تدرك الاشياء الغيبية كالعين الحسية فلاتدرك الا ما هو موجود في الخارج في خزاين الله تعالي كما قال عز و جل و ان من شيء الا عندنا خزائنه كما انك ماتري ببصرك الا الموجود في الخارج كذلك ما تري بذهنك فانه في الخارج بحسب عالمه لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات انما تشير الي نظايرها و العالم عالمان عالم الغيب و الشهادة فكما ان الله سبحانه جعل لك لادراك عالم الشهادة آلات و اسبابا بها تنظر اليها و تدركها كذلك [ص 69] جعل لعالم الغيب اسبابا و آلات فما تدركه بذهنك و هو ( بذهنك هو خ‌ل ) موجود في الخزاين الغيبية كالحواس الظاهرية فلاتتوهم انك لاتدرك ( تدرك خ‌ل ) شيئا و ليس لها وجود في الخارج في الخزاين الا ان الخزاين علي قسمين غيبية و شهودية و الحسني و السوءي فكل الكواذب في الخزاين السوءي فالاعدام و الممتنعات التي تدركها كلها امكانات و وجودات امكانية تسميها اعداما في الكون و قد قال مولينا الصادق عليه السلم كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و قال الرضا عليه السلم لم‌يتصور احد شيئا الا و قد خلقه الله قبل ذلك حتي لايقال لم لم‌يخلق ذلك و قال الصادق عليه السلم عند اختلاف زرارة و هشام في النفي فقال هشام النفي شيء و قال زرارة النفي ليس بشيء قال عليه السلم لزرارة قل بقول هشام في هذه المسئلة و قال اميرالمؤمنين عليه السلم انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و امثال ذلك من الاخبار كثيرة فاعرف مما ذكرنا و اشرنا الي نوع الدليل ان كل شيء مما حوته دائرة الامكان مما تعقله و تدركه و تخيله و تصوره و تتوهمه و تحسه كل ذلك موجود بوجود مغاير لوجودك و انت انما انتزعته الي ذهنك كانتزاع المرآة الصورة عن المقابل و قد اقمنا علي ذلك براهين قطعية من العقلية و النقلية في كثير من رسائلنا و مباحثاتنا و اشرنا الي نوعها هيهنا فخذه و كن من الشاكرين و قس عليه حال الكليات الثلثة مع ان تلك الكليات علي ما ذكرنا لك هي اشد تحققا و تأصلا من الاشخاص و الافراد و الكلي مادة [ص 70] بحصة و ظهور حقيقته للجزئي و الجزئي جزء و الكلي كل فافهم راشدا .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثانية‌عشرة - ما تعريف العقل و كيف ادراكه .

اقول العقل نور الهي بدا من الاختراع الاول جوهر مجرد عن المادة الملكوتية و الجسمانية و الشبحية البرزخية و عن المدة المقدارية المثالية و المدة الزمانية اول نور مشرق من صبح الازل و آدم الثالث و اول ولد تولد من آدم الثاني الذي هو الوجود المقيد اعني الماء النازل من سحاب المشية الذي به كل شيء حي و من حواءه ارض الجرز ارض القابلية اي الماهية الاولي و هو اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو القلم في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو الطور و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو النور الابيض الذي منه ابيض البياض و هو روح القدس و هو الملك المسدد للانبياء و هو العمود من النور الذي به يري الامام عليه السلم احوال الخلايق و هو النفس الرحماني الثالثي و هو عبد من عباد الله قائم في طاعة الله صورته هيكل التوحيد و صفته الرضا و التسليم و مقامه الركوع و طبيعته البرودة و اليبوسة في ظاهر ذاته و عمله و البرودة و الرطوبة في ظاهر فعله و الحرارة و اليبوسة في اصل ذاته و ادراكه المعاني الكلية المجردة عن الصور النفسية و المثالية و الجسمية و دليله الموعظة الحسنة و سبيله اليقين و طريقته التقوي و علم الطريقة و صفته الاستقامة و مكانه كل الممكن المكون الموجود بالوجود الكوني و وقته الدهر و هو الوقت الثابت ( الثالث خ‌ل ) المستمر الذي يجمع المختلفات و يفرق [ص 71] المجتمعات الزمانية و لونه البياض في صفته و السواد في ظاهر ذاته و الحمرة في باطن حقيقته مقبل علي الله عز و جل فلما خلقه الله سبحانه قال له اقبل فاقبل فاظهر الله سبحانه باقباله الذي هو ادباره عنه حقايق الاكوان و مستجنات غيوب الاعيان ففي كل مرتبة نازلة اظهر قشره و استتر في لبه الي ان ظهرت القشور المتراكمة و خفي اللب المقصود بالحقيقة ثم امره سبحانه بالاقبال فكان اقباله بحسب الاسباب الظاهرية و الباطنية فظهر بظهور الاسباب عند بلوغ الولد اوان الحلم فهناك اول ظهوره و مقام كمال الولد فيتكلف ( فيكلف خ‌ل ) ليكون سببا لكمال الظهور و مستشرقا بشوارق النور و الظهور فهو في اول ظهوره عقل بالملكة اي بالاستعداد و التهيؤ القريب الي الفعل بكمال الظهور و الا فهو فعلي فاذا قوي في العلم و العمل كان عقلا بالفعل اي يكون جميع مداركه و احواله حاضرة لديه و هو ناظر الي جميع ( بجميع خ‌ل ) الاحوال ( الاسباب خ‌ل ) السفلية و مطلع علي جميع مراتب الوجودات المقيدة و اذا قوي ايضا بالعلم و العمل كان عقلا مستفادا فيعود الي بدئه و يحصل له الاتصال بعالم اللانهاية فيقف حينئذ علي باب فوارة النور فلا غاية لادراكاته و لا نهاية لظهوراته و هذا هو العقل الكلي في العالم الاكبر و العقل الجزئي في كل فرد و شخص من افراد الانسان او ( و خ‌ل ) ما هو يعم الكل من افراد الموجودات كما هو الحق و هذا عليه مدار التكليف و السعادة و الشقاوة و الثواب و العقاب و لما كان كل شيء مركبا من النور و الظلمة متعادلان متعاكسان ( متعادلين متناكسين خ‌ل ) في الفعل و كان للعقل ايضا ضد و هي ماهيته لكنها ضعيفة مغلوبة لتراكم الانوار [ص 72] فيه لكونه من الخلق الاول و لكن العبد اذا انهمك في المعاصي و اعرض عن الله عز و جل و خالف اوامره و نواهيه و بادره ( بارزه خ‌ل ) بالعصيان و الطغيان يضعف ذلك النور و يخفي و بقدره يقوي ( تقوي خ‌ل ) تلك الظلمة و تظهر الي ان تذهب النور بالكلية و لم‌يبق له اثر و تأثير الا بقدر ما يمسك الوجود و تستقل الظلمة و تقوي و يكون لها التأثير و الاثر فينقلب ذلك النور الذي به عبد الرحمن و اكتسب الجنان الي النكراء و الشيطنة يعني يخفي ذلك و يظهر هذه فيبقي للشخص حينئذ ادراك و تمييز و يدرك الكليات و يفهم الدقايق و يقع عليه التكليف لكنه لايميل الي الخير و لايحبه و لايقبل علي الله عز و جل و لا علي اوليائه و انما هو يبغضهم و يكرههم و هذا معني قوله عليه السلم لما سئل عن العقل قال عليه السلم ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قال و الذي في معوية قال عليه السلم تلك النكراء و الشيطنة و ليست بعقل و لكنها شبيهة بالعقل انتهي ، و هو ما ذكرنا لك من ان الضدين متعادلان و متعاكسان في الاحوال كلها فضد النور الكلي ظلمة كلية فافهم و قد يطلق العقل علي ما سوي الخارج من الحواس الباطنية سواء كانت تدرك الكليات او الجزئيات و هذا اذا قالوا المعقول في مقابلة المحسوس و كما قال المنطقيون في تفسير العلم انه الصورة الحاصلة في العقل او عند العقل و يريدون به الذهن ما سوي الخارج ليكون تفسيرهم جامعا و مانعا و هذا الاطلاق يرجع حقيقة الي ما ذكرنا لكنه علي طور دقيق رشيق كتمانه اولي من بيانه لان من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و قد قال سيد الساجدين [ص 73] عليه السلم لاتتكلم بما تسارع العقول الي انكاره و ان كان عندك اعتذاره .