[ص 1]

الرسالة العاملية

مشتملة علي احدي‌عشرة مسألة

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد اتت مسائل عويصة غريبة من جبل عامل لبعض العظماء الازكياء و يريد الجواب علي الاستعجال و انا مع كمال الاشغال و اشتغال البال ماامكنني الا اجابة بما هو الميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور .

قال سلمه الله تعالي : قال الله تعالي فان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الي الرسول و الي اولي الامر منكم فمع عدم التمكن من اولي الامر فالمرجع هو النواب عنهم حقيقة فالمراد الملتمس من ذلك الجناب ان تتشفقوا علي قنكم الحقير بكشف ما ابهم عليه من المشكلات نحو هذه المسائل بالدليل العقلي و النقلي لاني لم‌اجد منهلا اطفي به حر العمي الا التعريح ( التفريح خ‌ل ) نحو ذلك البحر الزاخر .

كيف يصح عذاب من كان اصل خلقته من سجين من الظلمة اذ له ان يقول لم خلقتني منها اذ لو خلقتني مِن عليين لاطعتك و قبل تحقق الخلق اقول لا خيرة للمخلوق الحادث .

اقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي اعز و اجل من ان يخلق الخلق من سجين و الظلمة بحيث لايقدر علي الاقبال و التوجه نحو عليين و النور ثم يوبخهم و يعذبهم بعدم قبولهم النور و عدم طلبهم مقامات عليين و لايجوز هذا المعني من له ادني مسكة و معرفة و ما ورد في احاديث [ص 3] الطينة علي ما في الكافي و غيره مما بظاهره يدل علي ما ذكرت فهو مما قالوا عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان و بيان حقيقة الامر بمجمل العبارة هو ان الله سبحانه خلق من ظل الرحمة الحقيقة نورا و اسكنه تحت عرشه و حجاب قدرته ثم خلق من ظل الغضب لتبغ ظلمة بشمال كلمته في سجين اسفل السافلين ثم مزج بينهما مزجا و عركهما و صلصلهما حتي صارا شيئا واحدا و استحقا اسما واحدا مع عدم اضمحلال كل منهما في الآخر و حصول طبيعة ثالثة بل مع بقاء فعلهما في صرافة تأثيرهما ثم جعلها حصصا و كل حصة خرجت جامعة مملكة مختارة ذات شعور و ادراك و فهم و احساس لكنها عارية و مجردة عن الصور مطلقا و ان كانت لاتخلو عن الصور النوعية و هي الصلوحية لكل صورة و قابلة لكل تشخص و هذا هو المراد من الذر في الاخبار فان الذر مادة صالحة لكل صورة و قابلة لكل تشخص ثم عرض الله سبحانه عليهم التكليف و الايمان لقوله تعالي الست بربكم فمن سبق الي الاجابة و الاقرار خلقه الله في الخلق الثاني من طينة عليين و هي الصورة الانسانية و حدود الايمان و التقوي و الخير و البركة و هذه الصورة و الطينة لاتخرج الشيء عن الاختيار و لايبلغه الي الاضطرار بل هو مختار له الثبات و البقاء علي الرشد و الايمان و الازدياد في الطاعة و النور و التقوي فيزيد بذلك نورا و بهاء و شرفا و سناء و له الانكار و الخروج عن الاقرار و التوحيد فينخلع عن الصور الطيبة و يؤخذ عنه الطينة العلينة و يلبس [ص 4] الصور الشيطانية البهيمية و يدخل في النار مع الفجار الاشرار و هو قوله تعالي و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و من اعرض عن الحق سبحانه و تعالي و انكر و لم‌يقر خلقه الله سبحانه في الخلق الثاني من طينة سجين و هو الصورة الشيطانية البهيمية ناكسوا رؤسهم عند ربهم و هي صورة النفاق و الكفر و الانكار و الطبع علي القلوب و الطرد عن الرحمة و النور كما قال عز و جل بل طبع الله عليها بكفرهم و فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه و هذه الصورة و الطينة الخبيثة لاتخرج الشيء عن الاختيار بل هو مختار جامع مملك له الثبات و البقاء علي تلك الحالة الخبيثة و ازدياد الظلمة و الطغيان كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يكد يراها و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور و له ايضا التمكن عن الاقرار و الاقبال و التوجه الي الله عز و جل و الخروج عن ظلمة الجهل و الانكار فينخلع عن الصورة الشيطانية و تنزع عنه الطينة السجينية و يلبس الصورة الانسانية و يدخل الجنة و هو قوله عز و جل فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين فليس للكافر ان يقول لم خلقتني من سجين فان الله عز و جل لم‌يخلقه الا باقتضاء منه اياه و طلبه ذلك بانكاره و جعله متمكنا من الارتداع عن الكفر و الاستيهال للبس الصورة الانسانية و الخلق من [ص 5] طينة عليين فمن ابصر فلنفسه و من عمي فعليها و ما ربك بغافل عما تعملون و ما ربك بظلام للعبيد و الخلق في الخلق الاول كانوا امة واحدة و اختلفوا في الخلق الثاني باختياراتهم و اقتضاءاتهم و ميولاتهم الذاتية و الفعلية مثال ذلك المداد فانه شيء واحد يصلح لكتابة اسم الشقي و السعيد و لايمتاز ذلك الا حين الكتابة و قولكم قبل تحقق الخلق لا خيرة للمخلوق قد ظهر جوابه من ان السعادة و الشقاوة في الخلق الثاني و قد حصلت الخيرة و الادراك و الشعور في الخلق الاول و هو قول مولينا الصادق عليه السلام لما قيل له كيف سألهم و هم ذر قال عليه السلام جعل فيهم ما اذا سئلوا اجابوا .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني الرب بمراتبه .

اقول اعلم ان الرب هو صاحب الربوبية و هو المربي و المالك و الصاحب قال عز و جل و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا و قال عز و جل و اشرقت الارض بنور ربها اي صاحبها و مالكها لما في الزيارة الجامعة الكبيرة و اشرقت الارض بنوركم و الربوبية لها ثلاث مراتب : الاولي هي الربوبية اذلامربوب لا ذكرا و لا كونا و لا عينا و هي ربوبية الذات البحت عز و جل شأنه فان الاشياء الممكنة كلها عندها ممتنعة و لا ذكر لها فيها فضلا عن كونها و عينها اي موادها و صورها و ما قالته الصوفية بثبوت الاعيان في ذاته تعالي زندقة محضة فان الاعيان ان كانت امورا وجودية فان كانت هي الله مع تعددها و تكثرها تكثرت الذات جل و علا و ان كانت هي الله و لا كثرة فيه بوجه لا فرضا و لا اعتبارا تبطل [ص 6] الاعيان و تبطل جميع ما يتفرعون عليها من مسئلة العلم و حكم السعادة و الشقاوة و عدم مجعولية الماهيات و القوابل و لايناسب المقام ذكر جميع الشقوق في هذه المسئلة فليطلب من ساير رسائلنا و اجوبتنا و الحاصل ان ذات الله جل و علا احدي الذات و احدي المعني و احدي الحقيقة و جميع انحاء الروابط و القرانات و الاضافات هناك ممتنعة فهو الرب و لا مربوب بوجه من الوجوه و طور من الاطوار و نحو من الانحاء و الثانية هي الربوبية اذمربوب ذكرا لا عينا و لا كونا و هذه الرتبة رتبة الواحدية و مقام الاسم الاعظم الاقدم و هو مقام الفعل الكلي و المشية الامكانية و مرتبة الوجود الراجح الظاهر في الحقيقة المقدسة المحمدية صلي الله عليه و آله و هو مقام الاجمال و الوحدة و البساطة و ذكر الاشياء في الفعل علي جهة الامكان و الصلوح و هو مقام العدم المخلوق و النفي الذي هو الشيء فافهم ، الثالثة الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا و كونا و هي مقام ظهور اسم الرحمن برحمانية علي العرش و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و هو مقام تعلق الفعل بالمفعول و اقتران المشية بالمشاء و ظهور الدلالة من الكلمة التامة و ربط الاسباب بالمسببات و اللوازم بالملزومات و الشرايط بالمشروطات و مقام ظهور الاسماء المتقابلة و الاقتضاءات المختلفة و الميولات المتباينة و ظهور الاشياء في الايام الستة يوم الكم و يوم الكيف و يوم الجهة و يوم الرتبة و يوم الوقت و يوم المكان و ظهور الطبايع الاربع في الايام الستة التي بها ظهور الساعات الفلكية المستوية و الزمانية [ص 7] المعوجة و ظهور الطبايع مع الاكوان الثلاثة التي هي الظاهر و المظهر و الظهور و العقل و النفس و الجسم و هي التي بها الافلاك السبعة اي السموات و من الارض مثلهن و ظهور الطبايع في الاكوان و لها البروج الاثني‌عشر و شهور السنين و مقادير الاعوام و الحاصل ان هذه الربوبية هي المتعلقة بالمربوبين و هي مقام الولاية المطلقة التفصيلية التي حاملها الولي المطلق حامل لواء الحمد و النسبة بين هاتين الربوبيتين هي النسبة بين العرش و الكرسي فان العرش باب باطن صاحب الوحدة و الاجمال و لذا لاتري فيها كوكبا و لا اختلاف صورة و لا تباين اقتضاءات الطبايع و هو ينبوع الافاضة و هو مقام النبوة الاولية التي لاضمحلاله في نفسه صار لايعتبر فيه حكم سوي محض الوساطة فخفي لشدة الظهور و خفي اسمه لكمال الوضوح و البروز و استيلاء الوحدة و الكبرياء و العظمة حتي فقد عن نفسه فظهر في كل شيء فلاتجده الخلايق لشدة ظهوره لهم الا بمظهره و دليله و الكرسي باب ظاهر صاحب الكثرة و التفصيل و الاختلاف و تباين الاقتضاءات و تخالف الميولات و لذا ظهرت الكواكب فيه و الصور و الهيئات و الاوضاع و كلها مربية لمرتبة من المراتب السفلية مما يخص بها مما يناسبها و كل واحد من هذه الكواكب مظهر اسم من الاسماء فتقابلت الاسماء و تفصلت و اختلفت في هذه الرتبة الاولي فيكون حامل الثانية صاحب الاختلاف و حامل الاولي صاحب الوحدة و الاتفاق قال تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، قل هو نبأ عظيم انتم عنه معرضون قال رسول الله صلي الله [ص 8] عليه و آله يا علي مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي فالربوبية لله سبحانه فالرب حقيقة هو الله سبحانه فهو الرب في المقام الاول في ذاته عز و جل و هو الرب في المقام الثاني في مقام مشيته و قبل خلق خليقته و هو الرب في المقام الثالث في مقام احداثه الخلايق و المادة البرايا و اظهار الاشياء مشروح العلل مبين الاسباب فالربوبية في المقام الثاني و الثالث فعله لا ذاته و لما كان محمد صلي الله عليه و آله و سلم و علي و الطيبون من اولادهما صلي الله عليهم اجمعين هم محال مشية الله و مهابط فيضه و محال قدرته كما في زيارة الحسين عليه السلام عن مولينا الصادق عليه السلام ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر من بيوتكم الصادر لما فصل من احكام العباد الزيارة و قالوا عليهم السلام نحن محال مشية الله و في الزيارة الجامعة الكبيرة و امره اليكم و قال تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا كانوا هم محال الفعل فيكون محمد صلي الله عليه و آله حامل الربوبية الثانية و علي عليه السلام حامل الربوبية الثالثة و لذا كان عليه السلام مقام التفصيل و محل وقوع الاختلاف و منشأه و تشعب الائمة عليهم السلام منه عليه السلام كتشعب البروج الاثني‌عشر من الكرسي و كلهم اولاد العرش من الكرسي و فيه فافهم و قد قال ابن ابي‌الحديد في قصيدته البائية يخاطب عليا عليه السلام :

تقيلت افعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب

و قال ايضا فيها :

[ص 9]

و يا علة الدنيا و من بدء خلقها له و سيتلو العود في الحشر للمبدء

تعقيب القصيدة ، انظر في هذه الكلمات فانها وافية بالمراد و قد اجري الله سبحانه الحق بلسان هذا المعاند و له الحمد و الشكر .

قال سلمه الله : و ما معني قوله عليه السلام الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا و هكذا الي آخر مراتب الصعود و كم لبوثهم في كل عالم و كيف صورة ترتيبهم .

اقول الذي ورد في الاخبار و اشتهر بين العلماء الاخيار من الحديث هذا المقدار الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا و لكنا قد وجدنا في كلمات بعض العلماء العارفين هذه الصورة الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا و اهل البرزخ نيام فاذا بعثوا انتبهوا و اهل البعث نيام فاذا دخلوا الجنة انتبهوا و اهل الجنة نيام فاذا دخلوا الكثيب الاحمر انتبهوا و اهل الكثيب الاحمر نيام فاذا دخلوا الرفرف الاخضر انتبهوا و اهل الرفرف الاخضر نيام فاذا دخلوا ارض الزعفران انتبهوا و اهل ارض الزعفران نيام فاذا دخلوا الاعراف انتبهوا و اهل الاعراف لهم سنة و لا نوم فاذا دخلوا مقام الرضوان و هؤلاء لا نوم لهم و لا سنة و لا شك ان مقالي هذه الكلمات في الاخبار موجودة و في الاحاديث منصوصة اما كون هذه العبارات علي هذه الصورة منهم عليهم السلام فغير مقطوع به فكيف كان و المعني صحيح لا شك فيه لان الخلق لما امرهم الله سبحانه بالادبار و النزول فادبروا و نزلوا و مروا علي هذه المقامات و المراتب و مكثوا فيها و تلبسوا بلباسها و تصوروا بصور اهلها و تعلموا لغاتهم ثم نزلوا الي الافلاك ثم منها الي العناصر الي التراب فضربتهم البرودة و اليبوسة [ص 10] اي برودة الادبار و البعد عن مبدء الانوار و يبوسة الانجماد و الصور و الحدود و المتبعدة عن عالم النور و الوحدة فماتوا و دفنوا في التراب ثم بعد ذلك احياهم الله سبحانه ليمروا و يصعدوا الي منازلهم الحقيقية و اوطانهم الواقعية فاول حياتهم ظهورهم في النبات فلانسوا ( فلما نسوا خ‌ل ) تلك المقامات التي مروا عليها و احتبسوا في مضيق التراب فلما ظهروا في النبات علموا انه غاية المراد فلا مقام اعلي منه فلما صاروا من مقام النبات و البقول و الثمار الي الاصلاب و الارحام و ظهروا في النطفة ثم في العلقة ثم في المضغة ثم في العظام ثم في اكتساء اللحم انتقلوا الي مقام الحيوانية اي ظهروا فيها و حصلت لهم المدارك الحيوانية و الحواس الفلكية رأوا مقاما اعلي و اعظم و افسح من مقام النبات و عروق الاشجار و الثمار فاطمأنوا بها و ركنوا اليها و لم‌يظنوا ان عالما اوسع و اشرح و اعلي و اعظم من بطن الام فلما آن اوان خروجهم و حان حين انتقالهم الي هذه الدنيا اتاهم الخطاب من الله عز و جل بالخروج و النزول الي مقام اعلي و مكان اعظم مارضوا و ظنوا انه مايحصل لهم مقام مثل ما في بطن الام و صعب عليهم الخروج عن ذلك المضيق حتي اتاهم الملك الزاجر فزبرهم و زجرهم و اخرجهم الي هذه الدنيا فلما اتوا الي هذه الدنيا و رأوا وسعتها و زينتها انتبهوا لانهم ماكانوا يعقلونها في بطن الام ابدا فوجدوا سعة عظيمة و امكنة عالية و قصورا مشيدة و اوقاتا حديدة يرونها اعظم ما في الوجود و اوسعها و اشرفها و لذا ركنوا اليها و اتخذوها دار مقر فاذ آن اوان خروجهم عن هذه [ص 11] الدنيا يصعب عليهم ذلك و يكرهون ما هنالك فاذا انتقلوا الي عالم البرزخ عالم المثال و ارتحلت الارواح الي جنة هورقليا او نار بئر برهوت فيجدون سعة و فسحة عظيمة و مقامات عالية و مراتب سنية ماكانوا يعقلونها في دار الدنيا فينتبهون عن نوم الغفلة و يرون نسبة البرزخ الي هذه الدنيا نسبة بطن هذه الدنيا الي بطن الام فهم في وسعة و فسحة في ذلك العالم و يرونه اعلي المقامات بحسب الوجدان الي ان يبعثوا و يحشروا في مقام ظهور النفس الكلية في اول الظهور في عالم الاجسام فينبهون بوجدانهم عالما اعظم و وقتا اوسع فيكون كل يوم مقداره خمسين‌الف سنة علي النسبة المذكورة في بطن الام و هذه الدنيا فاذا دخلوا الجنة و شاهدوا سعتها و عظمتها يجدون اشياء لم‌يكونوا يعقلونها قبل ذلك فينبهون ( فينتبهون خ‌ل ) و لما كانوا في الجنة يتلطفون و يتصفون و يصعدون الي مقاماته و مراتبه الوجودية الي ان يصلوا الي مقام نقطة الحقيقة و سر الكون و مبدئه و هو المسمي بالفؤاد و باب المراد و مقام الاتحاد لعظم الوداد فاول ما يصعدون الي مقام صفاء نور الطبيعة و ظهورها و هو المعبر عنه بالكثيب الاحمر قد ظهر علي لونها فانها لقوة الحرارة و اليبوسة التي بها الفعل و التأثير تقتضي لون الحمرة و الغالب علي اهل تلك الجنة الحمرة لحكم المناسبة الذاتية فيجدون عالما اوسع و مقاما اعظم فينبهون ( فينتبهون خ‌ل ) ثم يمكثون فيها قدر الف‌الف سنة من سني الدنيا و يتنعمون فيها ثم يصعدون الي مقام الرفرف الاخضر و هو مقام ظهور النفس المطمئنة و صفائها و نورانيتها بعظم شؤن اطوارها و احكام آثارها [ص 12] و تقلباتها و سعة هذه الجنة لاتتناهي و نعيمها لايحصي و نسبتها الي الكثيب الاحمر نسبة هذه الدنيا الي الجنين و يمكثون فيها قدر اثني‌عشر الف‌الف سنة من سني الدنيا و يتنعمون فيها و يعطيهم الله سبحانه من النعيم ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و في كل جمعة عند زيارة الرب يزدادون ضعف ما كان عندهم علي طريق الضرب لا الضعف المتعارف ثم يصعدون منها الي ارض زعفران و هي الجنة التي اتي منها البراق الي النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و منها ينبوع النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و هي مقام الظهورات الرقائقية و صفاء انوار الروح الكلية و مقام نزول الفيوضات القدسية الالهية من عالم الاجمال الي عالم التفصيل و فيه مبدء ظهور سلطان الوحدة فالواقف في تلك الجنة يري امورا عجيبة غريبة من عجايب عالم الوحدة و فسحات نشأتها بحيث ينسي العوالم الاول و كأنما انتبه من نومه و استيقظ من رقدته بل ربما اعظم و اعظم و يمكثون فيها قدر اثني‌عشر الف‌الف سنة ثم ينتقلون و يرتحلون و يصعدون الي مقام الاعراف و هو اعلي المقامات و اقصي الدرجات و محل ظهور نشأت مراتب قاب قوسين و اواسط ظهور سلطان الوحدة و رتبة الاجمال و محل فيضان النور الوحداني المنبسط علي ذرات الكاينات و المكونات مقام العقل و منشأ النقل و مظهر الفعل اعظم نعيمهم و اشرف ملاذهم التسبيح و التهليل و التقديس و سر المحبة و طلب المؤانسة و هو من بعض وجوه قوله تعالي و لدينا مزيد و قوله تعالي دعويهم فيها سبحانك اللهم [ص 13] و تحيتهم فيها سلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين فاذا وقفوا في هذا المقام يشاهدون التجليات الاسمية و الظهورات الرسمية بحيث يحجب عنهم سوي الحق عز و جل فينطق لسان كينونتهم بقوله عليه السلام في الدعاء و اعوذ بك من كل راحة بغير انسك و من كل لذة بغير ذكرك الدعاء ، فينسون المقامات السفلية لصغرها و حقارتها بالنسبة الي هذا المقام و هؤلاء لهم سنة و لا نوم لان ذلك مقام ظهور نشأت الاسماء و انوارها و اثارها و اطوارها و الاسم ليس الا صرف الدلالة علي المسمي الا ان تعدد الاسماء لما كان من جهة التعلق الظهور بالمظاهر و المتعلقات جاء حكم الغيور و اختلطت الظلمة الضعيفة الاضافية بالنور فتحققت السنة بلا نوم ثم يمكثون و يتنعمون فيها قدر اثني‌عشر الف‌الف سنة ثم يصعدون الي مقام الرضوان و ذلك نهاية السر و ان كان لاينقطع ابد الابد و دهر السرمد الا ان ذلك منتهي حكم الغيور و هناك تضمحل الظلمة عند النور و يظهر تجلي الجمال و العزة و الجلال بلا كيف و لا اشارة و هم حينئذ السابحون في لجة الاحدية و طمطام يم الوحدانية و لهم مقام الوصال و الجلوس علي سرير المحبة في كل الاحوال عند فناء المحبة التي هي الحجاب كما قال الصادق عليه السلام المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و هناك صحو بلا غبار و صفو بلا اكدار و ليس في هذه المرتبة سنة و لا نوم و ليس ورائها مرتبة الي التجلي بعد التجلي و الظهور بعد الظهور الي ما لا نهاية له ابد الآبدين و دهر الداهرين و كل سعة دون هذه المرتبة ضيق و كل حيوة دونها موت رزقنا الله و اياكم [ص 14] الوصول الي تلك الدرجة العليا و المرتبة القصوي بالنبي و آله ائمة الهدي و سادة الوري عليهم سلام الله ما دامت الارض و السماء .

قال سلمه الله تعالي : ما الفرق بين اهل الحق من اهل الباطن و اهل الباطن من اهل الباطل فان الاشتباه في كلامهم كثير .

اقول الفرق بينهم في العلم و العمل و الاعتقاد اما الاعتقاد فبان لايخرج عن معتقد الفرقة الناجية المحقة مما اتفقوا عليه اذ لا شك انهم علي الحق و الحق لايخرج منهم حتي تقوم الساعة كما قال النبي صلي الله عليه و آله و قد اقرهم علي ذلك و الا لكان مغريا بالباطل حاشاه عن ذلك فاذن القول بوحدة الوجود و انه تعالي كالبحر و الخلق كالامواج و انه تعالي كالماء و الخلق كالثلج و ان بسيط الحقيقة كل الاشياء و انه الكل في وحدته و انه ليس له ان شاء فعل و ان شاء ترك و ان مشيته احدية التعلق و ان الفعل و القبول له يدان فهو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و ان الفاعل عين القابل و الاعيان الثانية عينه غير المجعولة و ان الكفار يتنعمون في النار و ان فرعون مات علي الايمان و هو ناج يوم القيمة و امثال هذه الاعتقادات الفاسدة من القول بحس العناد ( الغناء خ‌ل ) و انه من اغذية الظاهر و الباطن و عشق المردان و تخيل صورة المرشد حال العبادة و غيرها من الاقاويل الباطلة التي تخالف ما عليه الفرقة المحقة الناجية دليل علي ان صاحبها ليس من اهل الحق من اهل الباطن و ان استند في اقاويله ببعض الاخبار المتشابهة و الموضوعة فان الاخبار و الآيات مهما خالفت ما عليه الفرقة الشيعة من الاثني‌عشرية وجب تأويلها [ص 15] ان صح ورودها عن اهل العصمة عليهم السلام و اما في العمل فبان يعمل الواجبات و المندوبات بسر الاخلاص و التوجه و يترك المحرمات و المكروهات بل و المباحات و يحفظ السر عن تصرف الخطورات و الحالات و يواظب علي ظاهر الشريعة علي كمال التوجه و الاخلاص و لايتهاون بشيء من ذلك و يكون جامعا للصفات التي ذكرها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث همام و اما في العلم فبان لاينطق في مسئلة الا و له عليها دليل من القرآن من محكمات آياته لا متشابهاته و له ايضا دليل من السنة المحكمة المسلمة المقبولة الغير المردودة المحفوفة بالقراين التي تلزمه العمل عليها ان لم‌تكن من المتواترات المعنوية و يكون له ايضا عليها دليل من العقل القطعي الواضح الصريح المؤيد بنور الله و يكون له ايضا دليل من العالم من الآفاق و الانفس من الامثال التي ضربها الله سبحانه للناس و ان لايكون طالبا للرياسة و سالكا سبيل اللجاج و العناد و ان لايكون له انس بطائفة دون اهل العصمة عليهم السلام و ان لايكون عنده قاعدة مأخوذة من غير اهل العصمة عليهم السلام و ان يكون باقيا علي الفطرة الصحيحة غير ملتفت الي جهة و الي قول لايرجع الي الكتاب و السنة و يستدل علي كل مسئلة بالادلة الثلثة من دليل الحكمة و دليل الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن فاذا اجتمعت هذه الشروط في العارف بالنسبة الي كل مسئلة من المسائل العلمية من الاصولية و الفروعية فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام فهو علي نور من ربه و [ص 16] هو القرية الظاهرة للسير الي القري المباركة و هو المأمور باتباعه و المحظور عن مخالفته و هو المعني حقيقة في قوله عليه السلام انظروا الي رجل منكم روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته حاكما فاذا حكم لحكمنا فلم‌يقبل فكأنما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا كالراد علي الله و هو علي حد الشرك بالله فاذا وجدته يدعي الباطن و هو فاقد تلك الشرايط كلها او بعضها في كل المسائل التي يدعيها او بعضها فانه الكاذب المفتري و هو من اهل الباطل من اهل الباطن فلايجوز الاقتداء به و الاخذ عنه و ان اتي بالامور الغريبة الخارقة للعادات و الاشياء المتوهمة التي تشبه الكرامات من احكام علوم السحر و الشعبدة من علم الهيميا و الريميا و السيميا و الليميا و تفصيل الامر في هذا المطلب علي اكمل ما ينبغي يطلب في شرحنا علي الخطبة الشريفة الطتنجية في الجلد الثاني فان ما فيه تذكرة لمن نظر و اعتبر و تبصرة لمن استبصر .

قال سلمه الله تعالي : و ما كبد الثور و ما كبد الحوت الذي يأكل منه الناس و يكونون قبل ذلك نيام .

اقول في الاحتجاج عن ثربان ( ثوبان خ‌ل ) قال ان يهوديا جاء الي النبي صلي الله عليه و آله قال يا محمد اسئلك فتخبرني فركضه ثربان ( ثوبان خ‌ل ) برجله و قال قل يا رسول الله فقال لاادعو الا ما سماه اهله فقال رأيت قوله تعالي يومئذ تبدل الارض غير الارض و السموات اين يكون الناس يومئذ قال صلي الله عليه و آله في الظلمة دون الحشر قال فما اول ما يأكله [ص 17] اهل الجنة اذا دخلوها قال صلي الله عليه و آله كبد الحوت قال فما طعامهم علي اثر ذلك قال صلي الله عليه و آله كبد الثور قال فما شرابهم علي اثر ذلك قال صلي الله عليه و آله السلسبيل قال صدقت يا محمد صلي الله عليه و آله الحديث ، المراد بكبد الثور ما يتقوي به المرة السوداء المقتضية للدوام و الثبات و الحفظ و الاستمساك لما يرد عليه من الافاضات و الواردات من كل الانواع في الجنة و لذا قال مولينا الرضا عليه السلام مابعث الله نبينا الا و هو صاحب مرة سوداء صافية و هي طبع العبودية و طبع العقل الصافي المستلزم لدوام الفيض ابد الابد و دهر السرمد و لذا ثبت عصمة الانبياء عليهم السلام و قوة مالهم من تحمل الاسرار و العلوم و الانوار و اشراقات تجليات الاسرار بما لايحتمله غيرهم من اولي الافئدة و الابصار لان المرة السوداء طبعها طبع التراب و هو بارد يابس طبعه الامساك و الثبات و اشد التراب في هاتين الصفتين اسفل النجوم من الارض السابعة و هي نقطة مركز العالم و نسبته في هاتين الصفتين الي كبد الثور نسبة الجزء الواحد الواحد الي ثلاث‌مأة‌الف و سبعة و اربعين‌الفا و تسع‌مأة جزء فالمراد بكبد الحوت ما يتقوي به ما يحفظ الحيوة اي الماء فانه حافظ للحيوة التي هي طبع الامام لهواء الحرارة و الرطوبة فالحوت هو البالغ في الرطوبة و البرودة فبرودته الشديدة اعان المرة السوداء في الثبات و الاستمساك و برطوبة اعانت ( اعان خ‌ل ) علي الحيوة مع البرودة و انما خص الكبد لانه مقر الروح الطبيعي و محل الهضم و التحليل و هو يناسب الحيوة التي بها الدوام و الثبات [ص 18] المطلوبان في دار البقاء اعلم ان الحوت هو النون في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو البحر تحت العرش و هو مادة الحيوة و هو اسم من اسماء محمد صلي الله عليه و آله و الثور و هو اصل التراب و منشأه و هو ابوتراب فبحبهما عليهما السلام قوام الجنة و اهلها كما ان ببغضهما عليهما السلام قوام النار و اهلها و الجنة اصلها الولاية و حب اولياء الله و بغض اعداء الله تعالي فافهم و اما قولكم و يكونون قبل ذلك نيام فلم‌اقف من ذلك علي اثر فلو كان فهو كذلك لان البنية اذا قويت و استولت يكون اشراق نور المعرفة عليها اشد و اعظم و يكون ادراكها اكثر و يري ما قبل ذلك كأنه نائم او ميت كاشراق نور الشمس علي الصخرة السوداء فاذا صفيت و صارت زجاجة يكون ظهور الاشراق و سطوع الانوار اعظم و اذا صفيت و صارت بلورة يكون ذلك الظهور و الاشراق و اللمعان اشد و اعظم الي ان يحكي مثال الشمس من الاحراق و التسخين و كذلك الحكم في تطورات اهل الجنة و ترقياتهم و لايسعني الآن تفصيل المقال في هذه الاحوال لما بي من الكسل و الملل و تصادم الاعراض و تزاحم الامراض و لا قوة الا بالله العلي العظيم .