قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام كلما في القرآن في الحمد و كلما في الحمد في البسملة و كلما في البسملة في الباء و كلما في الباء في النقطة و انا النقطة تحت الباء .
اقول اما اشتمال كل جزء من اجزاء القرآن و كل كلمة من كلماته بل كل حرف من حروفه جميع ما في القرآن فلا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و [ص 19] لذا قال مولينا الباقر عليه السلام لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز و جل حملة لنشرت التوحيد و الدين و الاسلام و الايمان و الشرايع من الصمد الحديث ، لان ذلك مقتضي نهاية قدرة القادر و حكمة الحكيم و علم العليم فان الله سبحانه انزل القرآن بعلمه و هو قوله تعالي فان لميستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله و ان لا اله الا هو فاذا كان القرآن علي مقتضي علمه و قدرته فيكون علي اكمل ما يمكن اظهار القدرة العامة و حكمته التامة و كونه معجزا للنبي صلي الله عليه و آله لكل من بعث اليه من جميع ذرات الوجود من الملئكة المقربين و الانبياء المرسلين و المؤمنين و جميع الخلق اجمعين و اما الترتيب الذي ذكره عليه السلام فذلك من باب ترتب الفروع علي الاصول فان فاتحة الكتاب هي السبع المثاني لانها سبع آيات ثبتت في العالمين عالم الغيب و عالم الشهادة و عالم الظاهر و الباطن و عالم الاجمال و التفصيل فكانت بذلك اربعةعشر و هي عدد عقود قصبة الياقوت و حجاب الله في الملك و الملكوت و هي عدد اليد اي القدرة المستطيلة علي كل شيء و الوجه الذي يتوجه الي الله كل شيء و عدد اسم الجواد الذي به جاد علي الخلق بفيض الوجود و اسم الوهاب الذي به وهب الله عطاء كل موجود فالفاتحة اشارة الي مبدء الوجود و اصله الذي به فتح الله و به ختم و الموجودات كلها تفاصيل ظهورات هذا الاصل و شؤنه و اطواره و آثاره و القرآن كله اشارة الي تلك التفاصيل و الاحوال و هي كلها متحققة علي اكمل وجه في ذلك الاصل و منبعثة عنه فافهم و الوجه الآخر الظاهري هو [ص 20] ان القرآن جميع معانيه تدور علي ثلاثة امور : الاول بيان صفة الحق سبحانه و توحيده و صفاته و اسمائه و الثاني بيان صفة الخلق و اطوارهم و احوالهم و اقتضاءات كينوناتهم و الثالث كيفية ربط فعل الحق سبحانه بالخلق و اعطائهم حسب ميولاتهم و اقتضاءاتهم و سؤالهم اياه تعالي بالسنة استعداداتهم و قابلياتهم و مقالهم و طلبه سبحانه منهم ما به نجاتهم و ترقياتهم و مقتضيات تلك الاسباب و مسبباتها و العلوم المتداولة بين عامة المخلوقات كلها تدور علي هذه الثلثة و هذه المراتب الثلاثة مشروحة و مفصلة في الحمد و لذلك قال العلماء ان الحمد له ثلاث مقامات الاول مقام حق لا خلق فيه و معه و هو قوله تعالي الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين و الثاني مقام خلق لا حق معه و لا فيه و هو قوله تعالي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين و الثالث مقام حق و خلق و هو قوله تعالي اياك نعبد و اياك نستعين و المراد بالثالث هو مقام ربط الفعل بالمفعولات و الاسباب بالمسببات لا ذاته تعالي بالمخلوقات فانه تعالي اجل و اكرم و اعظم من ذلك ثم ان في الحمد واحد و عشرين حرفا غير مكرر فالسبعة الاولي اشارة الي قوله لا اله الا الله و السبعة الثانية اشارة الي محمد رسول الله و علي ولي الله و اولاده اولياء الله صلي الله عليهم اجمعين و السبعة الثالثة اشارة الي مقام الشيعة اوالي من والوا و السبعة الرابعة التي هي تمام ثمانية و عشرين لما كانت اشارة الي مقام الاعداء و المبغضين تركت لدلالة الشيعة [ص 21] عليه و الكناية ابلغ من التصريح و لبيان انهم نسوا الله فنسيهم و هذه الحدود الاربعة هي مؤدي القرآن كله لايخرج منها شيء فقد جمعه الحمد بجميع حدودها و حروفها و اما البسملة فهي سر الاسم الاعظم و قد قال مولينا الرضا عليه السلام ان البسملة اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضها و المبادي الاربعةعشر محل للاسم الاعظم فهي مقام النار من الشجرة المباركة الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية و الحمد محل دهن الزيتون من تلك الشجرة و تمام السورة مقام المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري فالنار اصل للدهن و هو تفصيل لها و منبئ لآثارها و محل لاظهار انوارها و اسرارها و اطوارها و اوطارها فيكون الحمد متفرعا علي البسملة و متحصلا منها و هي الجامعة لسره و لبه و حقيقته و لذا كانت البسملة في العدد المكتوبي تسعةعشر و استنطاقها واحد و هو الاصل المقوم للاعداد و الوجودات الكونية و هو الاسم القيوم مع زيادة الاشارات باخصر عبارات و الواحد له من الحروف الالف اذا كرر يكون الباء و اذا كرر يكون الدال و هو تمام الاركان و مقام الظهور في الاعيان و الاكوان و اذا كرر الدال يكون الحاء و اذا كرر الحاء خمس مرات يكون الميم و المجموع تمام الحمد فتحصلت المباني من المباني كتحصيل المعاني من المعاني و ذلك تقدير العزيز العليم ثم ان البسملة في العدد الملفوظي ثمانيةعشر حرفا و استنطاقها اسم الحي فاستخرج منها الاسم الاعظم الحي القيوم و هو اصل الاسماء و الاسماء اصول الذوات و الحقايق الكونية المثبتة في القرآن فقد جمع البسملة جميع ما في [ص 22] القرآن و الحمد و ساير الزيادات و الاصول و البسملة ايضا احد و عشرين حرفا مع ملاحظة الالفات الثلث المحتجبة المطوية ففيها اشارة الي ما ذكرنا في الحمد آنفا اما الباء فهي اصل البسملة و سرها و هي الابتداع الاول قبل ظهور الاسماء عند التعلق و ذلك عند تمام كلمة كن فالنون هي مقام الابتداع و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم كما رواه ابن ابيجمهور في المجلي فمبدء الظهور الاولي التفصيلي الامكاني في الارادة و الابداع المشار اليها بالباء لانها مقام التفصيل و تحقق الاسماء و قراناتها بمتعلقاتها انما كان في القدر علي التفصيل و في المشية الكونية علي الاجمال فالامكانية اصل للكونية و هي متفرعة عليها و آثارها مترتبة عليها فافهم و اما النقطة تحت الباء فالمراد بها القطب المقوم به الباء الظاهرة في لبها و هو المعبر عن تحتها لا النقطة التي يؤتي بها للتميز فانها فرع و تلك اصل و اين هذه من ذلك و المراد بتلك النقطة هي سر المشية و حقيقة الاختراع الاول مقام الوحدة و البساطة المعبر عنها بالكاف في كن و الكاف في كهيعص الذي هو تمام كلمة كن بتأثرها في اثرها و هي علة العلل و ذات الذوات و نور الانوار و مجمع الكمالات و محل اظهار الشؤنات و الانوار و لا شك ان بها قوام الباء و البسملة و الحمد و القرآن كله و هي نقطة التي كثرها الجهال علي اعلي المعاني و قوله عليه السلام انا النقطة تحت الباء يريد به انه هو تلك النقطة التي بها قامت الكاينات و المكونات لانها هي امر الله الذي قامت السموات و الارضون به كما قال [ص 23] عليه السلام انا ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و المراد به عليه السلام الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله اي تمام قصبة الياقوت و اذا اردت الاختصاص فبملاحظة كونه عليه السلام حامل لوائه الحمد و الظاهر بالولاية المطلقة و يحتمل ان يريد عليه السلام بقوله انا محمد صلي الله عليه و آله لان ضمير المتكلم وحده اسمه صلي الله عليه و آله كما ان ضمير المتكلم مع غيره اسم علي عليه السلام و قد شرحت هذه الكلمة في الجزء الثاني من شرح الخطبة و لايسعني الآن تفصيل المقال في ذلك فكأنه عليه السلام قال عليه السلام محمد صلي الله عليه و آله هو النقطة تحت الباء لانه صلي الله عليه و آله هو الواقف في مقام النقطة مقام الوحدة و الاجمال فافهم و هذا الذي ذكرنا لك وجه من وجوه كثيرة و له الكفاية ان شاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قولهم عليهم السلام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو الا انه هو هو و نحن نحن .
اقول اعلم ان الاثر الحادث و ان بلغ ما بلغ لايبلغ الي حقيقة ذات المؤثر ابدا لانه هناك ممتنع الوجود و الذكر و الا لميكن الاثر اثرا و لا المؤثر مؤثرا و هو خلاف المفروض و لاتلتفت الي اقوال بعض اهل الضلال حيث يقولون ان الاثر عبارة عن ظهور ذات المؤثر بطور من الاطوار و تعين من التعينات كظهور الماء في الثلج و البحر في الامواج الي غير ذلك من الامثلة الباطلة المقرونة بالحجج الداحضة فان هذا القول من البطلان بمكان و قد فصلنا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا بطلان هذا القول [ص 24] بما لا مزيد عليه فاذن لايجوز القول بان الحادث يتحد مع القديم او يكون عينه في حال من الاحوال و وقت من الاوقات لاستلزامه الاقتران و الانفعال و التغير و التكثر و غيرها من اللوازم الباطلة الا ان الاثر له جهتان جهة دلالة علي المؤثر و جهة احتجاب عنه ففي الوجه الاول الاعلي هو دليل علي المؤثر و اسم له و الاسم هو المنبئ عن المسمي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فاذا نظر العبد الي ذلك الوجه كان له حكم ذلك المؤثر كالقائم فانه اسم لزيد المشتق عند اثره القيام فالقائم قائم بالقيام قيام تحقق فهو اسم له لكنه في رتبة الاثر لا في حقيقة زيد اذ لو كان القائم عين حقيقة زيد لماجاز توصيفه بالقاعد لان ذات الشيء لايفارقه الا عند فنائه و اعدامه و لا شك ان الذات محفوظة حين توصيفها بالقائم و القاعد و لايجوز ان يقال ان القائم لفظ مركب لمجموع الذات و القيام فان ذلك باطل لاستلزامه تغير الذات باثرها و ذلك مما ياباه اولوا العقول السليمة و الحاصل ان القائم اسم زيد و صفة له و الصفة غير الموصوف كما نص عليه اميرالمؤمنين عليه السلام و الاسم غير المسمي كما نص عليه مولينا الصادق عليه السلام و الاسم و الصفة شيء واحد كما نص عليه مولينا الرضا عليه السلام فلايكون القائم عين زيد بل انما هو ظهور زيد بالقيام و ذلك الظهور قائم بالقيام فالقائم حقيقة القيام و وجهه الي مبدئه اذا عرف القائم عرف زيد اذ لا فرق بين القائم و بين زيد في التعريف و التعرف و المعرفة الا ان القائم عبد زيد و اثره و صفته جعلها في الاثر ليعرفه بها و ذلك الاسم و الصفة هي الربوبية [ص 25] التي هي كنه العبودية فان الربوبية صفة للرب تعالي و تلك الصفة رسم جعلها عندهم ليعرفوه بها و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في وصف الملأ الاعلي علي ما في الغرر و الدرر فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، فالمثال هو تلك الصفة المخلوقة و الاسم المشتق عند وجود الاثر فاكمل حالات العبد و اشرفها ان يكون ناظرا الي تلك الجهة العليا فاذا استدام النظر اليه كان حينئذ اسما و صفة لا فرق بينه و بين الحق سبحانه في المعرفة الا انه عبده و خلقه و لذا قال اميرالمؤمنين من عرف نفسه فقد عرف ربه فمعرفة النفس هي عين معرفة الرب علي قدر الطاقة الامكانية و هو قول مولينا الحجة المنتظر عليه السلام في دعاء رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، و لما كان محمد و آله صلي الله عليه و آله هم الناظرون الي تلك الجهة العليا فكانوا هم المتمحضين في الاسمية و الصفتية و المثلية و لذا ورد في زيارة مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام السلام علي اسمه الرضي و وجهه المضيء و قال الصادق عليه السلام نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها فمن هذه الجهة صار لا فرق بينهم و بين ربهم في المعرفة لكونهم وجه الله و قال عليه السلام نحن الاعراف الذي لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا علي احد المعاني و لا فرق في الفعل و المشية و الارادة فصارت مشيتهم عين مشية الله و ارادتهم عين ارادة الله و [ص 26] ولايتهم عين ولاية الله و في الطاعة و المعصية و المحبة و العداوة فكان من احبهم فقد احب الله و من ابغضهم فقد ابغض الله من يطع الرسول فقد اطاع الله الذين يبايعونك انما يبايعون الله و قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم ما معناه ان الله سبحانه لايأسف كاسفنا و لكنه تعالي خلق لنفسه اولياء جعل اسفهم اسفه و رضاهم رضاه و طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته الحديث ، و هو قوله تعالي و نفخت فيه من روحي و الله سبحانه هو المتعالي ان يقترن بشيء من الاشياء فكان ذلك هي الروح المخلوقة و هي روح علي عليه السلام و كذا قوله تعالي الله نور السموات و الارض الآية ، و امثال ذلك من العبارات و الاشارات فكانوا عليهم السلام لهم مع الله حالات هو فيها هم و هم فيها هو اي حكمه حكمهم و حكمهم حكمه و امره امرهم و امرهم امره الا انهم الاسماء الحسني و الامثال العليا و الكبرياء و الآلاء و لما كان في هذه العبارة توهم ما تدعيه الطايفة المخذولة الصوفية من اتحادهم مع الله و قوله اني انا الله و امثالها من الكمالات الباطلة ازال عليه السلام هذا التوهم و الريبة بقوله عليه السلام الا انه هو هو و نحن نحن اي هو هو في مقام قدمه و ازليته و نحن نحن في مقام الحدوث و العبودية و هذا الاتحاد و الوحدة في المظاهر الفعلية و الاسماء و الصفات الخلقية و الا فهو سبحانه اجل من ان تناله الاوهام و اعلي من ان تبلغه العقول و الاحلام و اعظم من ان يصل اليه كاينات الامكان و الاكوان و هذا الذي ذكرنا لك بعض الوجوه .
[ص 27] قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، الخ .
اقول يريد سلمه الله في بيان معني ما روي عن الصادق عليه السلام في مصباح الشريعة العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق او لميكف بربك انه بكل شيء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك الحديث ، و هذا الحديث من معضلات الاخبار شرحته كافيا وافيا شافيا في اجوبة مسائل محمدرحيم خان الرودباري الرشتي و اظن ان نسختها توجد عندكم و ليس لي الآن فراغ لتجديد البيان و ما ذكرته فيها غاية المرام لمن يفهم الكلام و السلام .
قال سلمه الله تعالي : فاذا كان النبي صلي الله عليه و آله هو القطب فيكون محلا للفيض بلا واسطة مع انه صلي الله عليه و آله كان ينتظر الوحي و كيف يكون الواسطة و السفير مفضولا .
اقول لا شك انه صلي الله عليه و آله هو القطب و الغوث و هو محل الفيض بلا واسطة الشيء سوي نفسه و اليه الاشارة في قوله تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و لايجوز في هذا المقام ارادة ذاته سبحانه و تعالي لانه تعالي لايحل في شيء و لايسعه شيء فيكون جميع ما سوي ذاته عز و جل من المراتب الفعلية و مقام الاسماء و الصفات و التعلقات و الظهورات و انحاء التجليات و كلا [ص 28] يبرز من الفعل الي المفعول كل ذلك مما يسعه ذلك القلب المقدس اذ لايمكن ارادة سويه من المؤمن و الا لزم ان يفضل عليه صلي الله عليه و آله احدا و يساويه و كلاهما باطلان باجماع المسلمين و الحاصل كونه عليه السلام محلا للفيض و بابا للقدر و مصدرا للامر و النهي فمما لا اشكال فيه لمن راجع الي وجدانه و نظر الي الاخبار و جاس خلال الديار فانه يري الامر واضحا كالشمس في رابعة النهار و قد ذكرنا كثيرا من هذه المباحث بالبراهين القطعية من العقلية و النقلية في شرح الخطبة الطتنجية فلايرد الفيض من الله عز و جل علي احد من المخلوقين الا بواسطته و بعد الورود عليه صلي الله عليه و آله و اما انتظار الوحي فهو في العالم الثاني عالم التفصيل و الكثرة كانتظار القلب للآلات و الحواس الظاهرية من السمع و البصر و الشم و الذوق و لا شك ان الفيض انما يرد اولا الي القلب ثم يرد علي الحواس و الجوارح مع ان القلب في العالم الجسماني و النفساني يحتاج الي هذه الآلات لضيق هذا العالم لا لحاجة القلب فالملئكة بمنزلة الآلات لظهور تفاصيل الفيوضات و هم روابط بين الاجمال و التفصيل يأخذون من اجمالهم و يؤدون الي تفصيلهم كالخطورات التي ترد عليك فانما هي من قلبك نشأت و منه برزت و اليه عادت و لولاها لمابرزت العلوم من غيبك الي شهادتك و قد ظهر لك بما ذكر الجواب عن كون الواسطة مفضولا لانها شؤنات الاصل و ظهوراته و بعبارة اخري كتاب للاصل كتبه بيده و فصله في خزانته فاذا اراد علما نظر الي ذلك الكتاب المستطاب فالعالم كله بجميع [ص 29] ما فيه كتب ملأت علما ينظر فيه النبي صلي الله عليه و آله و الولي عليه السلام ما يشاء كيف يشاء و الملئكة من ذلك الكتاب او حروف ذلك الكتاب فكما ان الله سبحانه اجري عادته في خلق الاشياء علي الاسباب كخلق الولد من الوالدين و الحب من الارض و الماء و امثالهما و كذلك هو صلي الله عليه و آله و الطيبون من عترته صلي الله عليه و آله جعلوا لعلومهم عند ظهورها في عالم الشهادة و التفصيل اسبابا منها الملئكة و ساير الالواح الوجودية او قل ان الله سبحانه جعل لعلومهم اسبابا فان مشيتهم هي مشية الله و لايشاؤن الا ان يشاء الله و لايشاء الله الا ان يشاؤا علي حد قول ذلك العابد الحكيم انا نترك ما نريد لما يريد فهو يترك ما يريد لما نريد لايكون مشيته تعالي تابعة لمشيتهم عليهم السلام فافهم و الملائكة قد دل الاخبار و صحيح الاعتبار انهم خلقوا من شعاع نور علي عليه السلام و قد تعلموا التسبيح و التقديس و العبادة و القرب الي الله و الزلفي لديه منهم صلي الله عليهم فكيف يمكن القول بانهم الوسائط حقيقة نعم يغرفون من موضع من البحر و يفرغون في موضع آخر في مقام اجراء الاسباب و اظهار احكام الاقتضاءات فتدبر .
قال سلمه الله تعالي : و بعد الموت هل المتألم او المتنعم الروح وحدها او الجسد وحده او هما جميعا فعلي الاولين كيف يصح مع ان احدهما لايستقل في فعل بدون الآخر و علي الثالث فما الثمرة في الافتراق .
اقول المتنعم و المتألم في البرزخ ان كان من ماحض الايمان محضا او ماحض الكفر محضا هو الروح في البدن المثالي الذي كان معه في الدنيا و [ص 30] بذلك البدن يكون عالم الرؤيا و ان كان النعيم ففي جنة الدنيا من ناحية المغرب خلف جبل قاف في الاقليم الثامن اسمها هورقليا و جابلصا و جابلقا و ان كان الالم و العذاب ففي نار الدنيا من ناحية المشرق في وادي حضرموت و هي برهوت في بئر بلهوت و اما البدن الجسماني و الجسد الدنياوي يبقي في القبر مستديرا يفتح له باب اما من الجنة لتنعمه او من النار لتألمه و ان كان من المستضعفين يبقي في قبره ميتا الي يوم حشره اذ لا برزخ له و قولكم كيف يصح جوابه ان الروح لها عالما مستقلا و عالم المثال ايضا له عالم مستقل يجري عليه الاحكام الخاصة بعالمه كما تري في الرؤيا انك تتنعم و تلتذ بغير ذلك الحس الظاهري و كذلك في الخوف و التألم و ليس ذلك الا لاستقلاله و استقلال عالمه بل المستفاد من الاخبار ان لذة اهل جنة الدنيا اقوي و اشد من لذة الدنيا بسبعين مرة و كذلك الالم و اما البدن الجسماني في القبر و ان كان المشهور عندهم لايحس و لايشعر لكنه من المشهورات التي اصل لها فقد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان كل شيء دخل في الوجود فله شعور و ادراك بحسب عالمه و مقامه نعم يختلفون الاشياء في قوة الشعور و الادراك و ضعفهما و الاخبار الواردة في ان الاجساد يفتح لها باب من الجنة او من النار تشير الي شعورها و ادراكها و تألمها و تنعمها هذا حكم البرزخ قبل يوم القيمة و اما يوم القيمة فتتعلق الارواح بالابدان كما كانت في الدنيا فتنعم او تعاقب فالمختار يوم القيمة هو الشق الثالث و المختار في البرزخ قبل القيمة [ص 31] الشقان الاولان علي سبيل الاجتماع كل في مكانه و مرتبته و قولكم و ما الثمرة في الافتراق جوابه ان الثمرة هي التصفية البالغة فان الله سبحانه خلق ذرات الخلايق و سار بها في العوالم الكثيرة ثم انزلها الي هذه الدنيا لحكم و مصالح يطول بذكرها الكلام فلما اراد الله سبحانه ان يعيدها الي مركزها و يخلصها عن غربتها و يوصلها الي مكانها الاصلي و كانت هي متوسخة متكدرة باوساخ الادبار و كدورته فاراد الله سبحانه تطهيرها و تطهير ابدانها و تصفيتها علي اكمل ما ينبغي كما كانت في الخلق الاول لقوله تعالي كما بدءكم تعودون لتكون نعيمها اشد و اقوي و اليمها اعظم و اءلم فاولا فارق بين الجسم و الروح في البدن المثالي ليتصفي الجسم لغاية كدورته و تمكن الكثافات و الرذائل فيه ثم بعد ذلك فارق بين الروح و البدن المثالي و الروح و العقل و اجزائه و ذلك في نفخة الصور نفخة الصعق حتي لايبقي حس و لا محسوس و لا ادراك و لا مدرك و لا شاعر و لا شعور الي مدة اربعمأة سنة الي ان يتصفي الذاتيات و تذهب الاوساخ و الاعراض و الغرايب في كل هذه المراتب فتعود الروح و النفس و العقل و الجسم في كمال الصفاء عن الكدورات في الطرفين من النور و الظلمة فيتصل بعضها ببعض كما كانت في هذه الدنيا حرفا بحرف ثم نفخ فيه اخري فاذا هم قيام ينظرون و اشرقت الارض بنور ربها و وضع الكتاب و جيء بالنبيين و الشهداء و السلام .
قال سلمه الله تعالي : و باي شيء يتوصل العبد الي حصول نور المعرفة في الفؤاد فيدرك به ما لاتدركه العقول .
[ص 32] اقول يحصل ذلك بدوام النظر و التوجه الي الله سبحانه و التفكر في مصنوعاته و التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله و بالتخلق باخلاق الروحانيين و قد قال النبي صلي الله عليه و آله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلوله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم بل هو مكنون فيكم مخزون في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و قد كتبت لبعض الاخوان رسالة في هذا الشأن تشفي العليل و تروي الغليل و تغني عن القال و القيل و الله يقول الحق و يهدي الي سواء السبيل فعليك بتحصيلها و العمل بما فيها فان ما فيها غاية الغايات و نهاية النهايات و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
و اعتذر منك من استيفاء الكلام في هذه المسائل فانها لعمري تحتاج الي بسط طويل و تحقيق شريف عجيب غريب و احببت ان تكون تأتيني في غير هذا الوقت الذي تراكمت الاعراض و الامراض و كثر تفرق الخاطر و اغتشاش البال و في هذه الحالة ما ذكرت غاية المقدور و لكنك لاتنظر الي العبارة و توجه الي المعني المراد بلطف الاشارة لعلك تحظي بالمطلوب و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين . قد فرغ منشئها عصر يوم الجمعة الثالث و العشرين من شعبان المعظم .