و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا
و هذا الكتاب لايخص به الخصيص بل يعم الخواص و العوام و انّٰي يمكن ذلك و قد قال موليٰنا الصادق عليه السلام لا كلّما يعلم يقال و لا كلّما يقال حان وقته و لا كلّما حان وقته حضر اهله ، قال الشاعر :
و ايّاك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم
اخاف عليك من غيري و منّي و منك و من زمانك و المكان
فلو انّي جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
اعلم يا اخي انه الي هنا ينقطع مقامات العلم و ليس فوق هذه المرتبة مقام و ادراك و فهم و نور و ظهور الشيء في نفسه و لا لغيره له و ليس فوق عبّادان قرية و لذا قلنا ان مقام الفؤاد اعلي المقامات و اشرف الدرجات و ظهور الحق سبحانه للشخص في هذه المرتبة اكمل الظهورات بالنسبة اليه في المراتب الامكانية و يسمّي (ظ) توحيده للحق سبحانه فيه التوحيد الحقيقي و الفناء الواقعي الذي هو البقاء الحقيقي و الوصل الي هذا المقام في كل آنٍ و دقيقة بل اقل في الترقي لكنه في هذه المرتبة و لميصعد من هذه المرتبة ابداً لامتناع ذلك و ظهور الحق [ص 125] سبحانه في مقام عين اليقين يسمّي التوحيد الشهودي و يري الموحّد في ذلك المقام كل الموجودات باطلة و مضمحلة كما سيظهر لك ان شاء الله و ظهور الحق في مقام علم اليقين يسمّي بتوحيد الذات و هو يستدل من المعلول علي العلّة و من الآثار يعرف المؤثر و ليس توحيده في مقام الشك و الظن و الوهم و الخيال فمن زعم ان التوحيد يجتمع مع الظن فقد افسد رايه .
هذا ما سنح بالبال في معرفة العلم و عوالمه و مبدئه و منتهاه و حقيقته و ماهيته علي جهة المشاهدة و العيان و ما اكثر ما طويت ذكره في هذا المقام مما يتعلق به لامور منها اختلال البال بمعروض ( بعروض ظ ) مرض مانع من استقامة الحال و منها لادائه الي التطويل المورث للكلال و الملال و منها لاحتياجه الي مقدمات يؤدّي الي بسط المقال و منها عدم احتمال الناس فيسارعون اليه بالانكار و يبالغون في الجهل و العناد و منها عدم اقتداري علي التعبير عنه بالعبارة الموضحة و البينة للمراد و هذا الذي ذكرنا كفي لمن استبصر و استهدٰي الي الطريق المستقيم صراط الذين انعم الله غير المغضوب عليهم و لا الضالّين و الحمد لله رب العالمين .
القول في ان العلم يحدّ ام لا ، اعلم انهم اختلفوا في هذه المسئلة و منعه طائفة كثيرة الظاهر انهم الاكثرون و قالوا بانّ العلم لايحدّ لانه بديهي فهو غني عن التعريف لانّه من الكيفيات الوجدانية كالالم و اللذة و الغمّ و الفرح لانّ ما يجد العاقل من نفسه لايحتاج في معرفته الي تحديد و انما يحتاج الي التحديد ما يجهله و لانّ كل احدٍ له علمٌ بانه موجود و ان لميكن من اهل النظر فكان حاملاً له بلا نظر و هو علم خاص و العلم العامّ اولي بالبداهة و اجيب بانّ الضروري الذي [ص 126] ذكرتم حصول ماهية العلم و المدعي تصوره و التصور غير الحصول و قال بعض منهم انه لايحدّ للزوم الدور من تحديده لان غير العلم لايعرف الا بالعلم فلو عرف العلم بذلك الغير لزم الدور اقول بعد ما عدّ تعريف الشيء بنفسه بديهي البطلان و استدل بعض علي ذلك بانه لو كان معرّفاً لكان المعرّف اِما بنفسه او غيره و القسمان باطلان فكونه معرِّفاً باطل اما الملازمة فظاهرة و اما بطلان قسم الاول من الثاني لانّ المعرِّف للشيء يجب ان يكون متقدماً علي المعرَّف في المعرفة و احد عنه و الشيء يستحيل ان يكون متقدماً علي نفسه و ان يكون اجلي منه و اما بطلان القسم الثاني فلان ذلك الغير لايعرف الّا بالعلم لانّ حدّ (ظ) العلم لايعرف الا به فلو كان معرّفاً للعلم كان كل واحد منهما معرّفاً لصاحبه و هو دور محال و يلزم كون كل واحد منهما اعرف و انه محال و اجيب عن الكلام الاوّل بانك ان اردت انّ تصوّر غير العلم يتوقف علي تصوّر حقيقة العلم فهو اذ ليس كل من تصوّر شيئاً عرف حقيقة العلم و تصوره بل يتصور الاشياء الكثير من لايعرف حقيقة العلم و ان اردت انه يتوقف علي حصول علم جزئي انتفي الدور لانّ الحصول غير التصور علي تقدير ان حصول ذلك الجزئي يستلزم حصول ماهية الكلي علي انّا نمنع الاستلزام و عن القسم الاول بانّ المعتبر في التقدم هو ذات العلم و حصوله و المتاخر هو تصوّره فلا محذور في تقدّم حصوله و تأخر تصوّره و توقفه عليه و عن القسم الثاني بمعني ما مرّ من انّ تصوّر العلم توقف علي ذلك الغير و ذلك يتوقف علي وجود العلم لا علي [ص 127] تصوره فلا دور قال استادنا الاعظم و شيخنا الاقدم اطال الله بقاه و امدّ ظلاله علي رؤس رعاياه في الجمع بين القولين كلاماً احبّ ان اثبته في هذا المقام لكونه الحق الحقيق بالتصديق علي التحقيق .
قال سلمه الله تعالي : « و التحقيق ان يقال ان كان المراد بالتحديد و التصور تحديد نوع العلم و بعضه بان يكون قولهم العلم صورة حاصلة عند المدرك يراد به ان نوع العلم و جنسه هو صورة المعلوم الحاصلة عند المدرك فهو تحديد و بيان لبعض منه في الحقيقة يعرف بذلك ان العلم هكذا فلا اشكال في صحّة ذلك و وقوعه و ان كان المراد بذلك تحديد جميع ما يصدق عليه العلم فلا شك في استحالته لاستلزامه الدور او التسلسل و بيانه ان العلم صورة المعلوم الذهنية و تحديده صورة ذلك العلم الذي هو تلك الصورة الذهنية و هي من ذلك العلم المحدود و تحديد ذلك صورته الذهنية و هي من المحدود و هكذا فيكون الشيء حادّاً لنفسه او يترامي الي غير النهاية فيستحيل تحديده الّا ان يقال تحدد ذلك التحديد بنفسه كما يقال اوجد الله الوجود بنفسه لا بوجود آخر و الا لدار او تسلسل و هذا و ان كان صحيحاً في الواقع لكنهم لايريدونه » ،
ثم قال اطال الله بقاه و جعلني من كل مكروه وقاه و كفاه شرّ اعداءه :
« بقي شيء احبّ ان اوقفك عليه ينفعك اذا قلت بتحديد العلم و اردت التحديد الحقيقي فان العلماء القائلين بتحديده انما وسموه ببعض خواصه و من حدّه بذاتياته ربما لايدري ما يقول و انما هو كما قال الشاعر :
قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانفهم الحانه [ص 128]
و بيان ذلك يحتاج الي تقديم كلمات و هي انّ الحدّ التام الحقيقي ان يكون مشتملاً علي جنس و فصل قريبين و هما مادة المحدود و صورته الذاتيتان فاذا اردت تحديد الانسان قلت حيوان ناطق فاخذت من الجنس الشامل للانسان و غيره و هو حقيقة الحيوان لابشرط علي الاصحّ حصّة خاصة بالانسان لانّها له بشرط لا و تلك الحصّة من الحيوان هي مادة ذات الانسان فهي بالنسبة الي ذات الانسان كالخشب المهيّأ الصالح للسرير و لايكون ذلك الخشب المهيّأ سريراً الّا بالصورة الشخصية الخاصة به فاذا ركب الخشب علي الهيئة المعلومة كان السرير فحقيقة السرير الخشب المصوّر بتلك الصورة الخاصة به فالخشب و الصورة ذاتيان للسرير فتلك الحصّة الخاصة من مطلق الحيوان مادة ذات الانسان فاذا اضفت اليه الناطق الذي هو الصورة الانسانية الخاصة تكمّلت حقيقة الانسان فالشيء لاتتقوم ذاته الّا بمادة و صورة فالحصّة من الحيوان مادة و الناطق صورة فهما ذاتيان للانسان فافهم هذا البيان المكرّر المردد بالفهم المسدد فاذا اردت حدّ العلم الحقيقي التام فحدّده بمادته و صورته الذاتيتين فاذا تحقق عندك ذلك فاعلم ان العلم علي القول المختار صورة المعلوم المرتسمة في مرآة الخيال و هي صورة انتزعتها تلك المرآة من المعلوم الخارجي او من المعني المتولد من الفاظ الخطابات و غيرها من الدوال الاربع و غيرها او من المعني العقلي بعد نزوله الي الخيال و هي ايضاً معانٍ خارجية بالنسبة الي ذهن المتصور لانها خارجة عنه فمادة تلك الصور العلمية تخطيط ذلك المعلوم و هيئته و كيفه و وضعه و صورة تلك الصور العلمية ما تقوّمت به من نور الخيال و هيئته و كيفه و وضعه [ص 129] فتنتقش صورة المعلوم بنسبة الخيال و ذلك المعني علي قدر جامع للهيئتين و الوضعين و الكيفين كما تغاير صورة الوجه في المرآة و اختلاف صورة الوجه في المرآة بالطول في الطويلة و بالعرض في العريضة و الاعوجاج في المعوجة و كمال الظهور في تامة الصقالة و الخفاء في العكس و كذلك اللون لاختلاف هيئة المرآة و نورها و لونها و وضعها و اختلاف كيف الوجه في المرآة بالبياض و السواد و الصفرة و الحمرة لاختلاف كيف المرآة و الوجه لميتغير في كيفه و لميحكه بتمامه الّا المرآة المعتدلة في نورها و هيئتها و كيفها و سعتها بحيث تحيط به كذلك اختلاف العلوم بالنسبة الي العالمين و المعلوم لميتغير فاذا اردت العبارة عن حدّ العلم التام الحقيقي المشتمل علي الجنس و الفصل القريبين قلت ظل ملكوتي ذهني فقولنا ظل يخرج الذات و قولنا ملكوتي يخرج الظل الملكي و قولنا ذهني يخرج الملكوتي الخارجي و هي و ان كانت علم علي ما نعلم داخلة في المحدود الّا انّ العبارة جارية علي المتعارف و الا ففي الحقيقة لايحتاج الي قيد ذهني فافهم و حيث تعرف ان المراد من تحديد العلم بيان نوعه لتعرف به الكل كالانموذج للشيء لا تحديد جميع ما يصدق عليه العلم كما مرّ يظهر لك انّ الاقوي صحّة تحديده كما ان الاقوي امتناع تحديد جميع ما يصدق عليه العلم كله » .
انتهي كلامه رفع الله شانه و اعلي كلمته بالفاظ الشريفة و ما فيه من التحقيق كفاية لاهل الدراية لانّه كلام جارٍ علي متن الواقع لكنه لايذهب عليك ان هذا الكلام يجري في العلم علي قول مطلق كما ذكرنا بل انما يجري علي العلم الصوري الحاصل في الصدر النفسي لا علي قول مطلق بل كما [ص 130] افاد و اجاد سلمه الله تعالي فانه ادامه الله اجري اصطلاحه علي ما يستفاد من تتبع اخبار اهل البيت عليهم السلام علي اطلاق العلم علي الادراك الحاصل في النفس المسمّي بعلم اليقين و اطلاق اليقين علي العلم الحاصل المسمّي بعين اليقين و اطلاق المعرفة علي الادراك الحاصل في الفؤاد الوجود المحض نور الله الذي اليه يتوجه الاولياء بل الخلق من السعداء و الاشقياء و ليس فوق هذه المرتبة مرتبة و لا غير هذه المراتب الا جزئياتها و تنزّلاتها و جهاتها و البرازخ الحاصلة بينها و الذي يدل علي هذا الاطلاق من اخبار الائمة الاطهار عليهم السلام ما ورد في مصباحالشريعة عن موليٰنا الصادق عليه السلام انه قال عليه السلام في كلام له الي ان قال : اذا تحقق العلم في الصدر خاف و من خاف هرب و من هرب نجٰي و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و من تمكّن عن رؤية الفضل رجا و من رجا طلب و من طلب وجد و اذا انجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبّة فاستانس في ظلال المحبوب فآثر محبوبه علي من سواه و باشر اوامره و نواهيه الحديث ، و قد نطلق العلم علي الصدر و اليقين علي القلب و القلب علي العقل و المعني علي العقل و الصورة علي النفس و النفس علي الصدر و العلم علي النفس و الخيال عليها ايضا و نطلق ايضا المعرفة و المحبة علي ادراك الفؤاد بل الفؤاد علي نفس ذلك الادراك كما ستعرف تفاصيلها ان شاء الله و يمكنك ان تجعل من احد اطلاقات الشريعة و الطريقة و الحقيقة المراتب الثلٰثة فتخصّ علم الشريعة بما في النفس من [ص 131] الصور الحقّة الالهية و علم الطريقة بما في القلب من المعاني الجبروتية المجردة عن القيودات الملكوتية فضلاً عن الملكية و الحقيقة بما في الفؤاد من الحقايق الربانية و التجليات السبحانية و سنتكلم ان شاء الله تعالي في هذا الباب عند تقسيم العلم و بيان اقسامه و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
و اما القول بان العلم ضروري او نظري فطري او اكتسابي فالتحقيق فيه تصديق الجميع و القول بكل الاقسام فالعلم منه نظري و منه ضروري و كل منهما فطري و اكتسابي و العبارة الحقيقية ان تقول كل اكتسابي فطري من غير عكس كلي ظاهراً و الّا فالعكس واقع علي الواقع و الحقيقة و نقول ايضا كل شيء بالفطرة و الاكتساب فيخرج منه كلما كان منافيه من القابليات و الاستعدادات فيظهر لديه ما كان ممكناً له من المقبولات و الاترار (كذا) الغير المتخصصة الا حين التعلق و التخصص و هذا سرّ شريف لو علمته ينفتح لك ابواب من العلوم و الحمد لله رب العالمين .
المطلب الثالث - في ذكر خزائن العلم و حملته و حفظته . اعلم وفقك الله لما يحبّ و يرضي و هداك الي الطريقة الوسطي و رزقك خير الآخرة و الاولي انّ اهل الشعور و الادراك و التميز من المخلوق اي مما احاط به الوجود "٣" الذي هو نفس الشعور "٤" و الادراك و العلم فكلما "٣" فيه "٢" ذلك "٣" لميخل منه "٤" لانه "٢" منه "٤" و لميخل شيء منه "٣" فلميخل شيء منه "٤" و هذا في غير الجمادات و النباتات ظاهر لايفتقر الي البيان و اما فيها مضافاً الي ما يدل عليه العقل الصحيح السليم عن النكراء يدل عليه آية عرض الامانة علي السموات و الارض و الجبال و عرض الولاية عليها فالاراضي السبخة [ص 132] انما كانت كذلك لتركها ولاية آلمحمد عليهم السلام و الطيبة انما طابت و استحلّت لقبولها و هما لايكونان الا بالشعور الّا ان مراتب الشعور و الادراك متفاوتة حسب اختلاف الذوات و تفاوت مراتبها لكن تلك الامور المختلفة تجمعها امور ثلثة : الاوّل العلم الحاصل و الادراك الثابت للعالي و المراد به هنا ما له مدخلية في تحقيق شيء آخر و وجوده من حيث تقدّمه و سبقته للوجود عليه لا من حيث ظهوره و بروزه كالماهية للوجود و لا من حيث شرطية و معدّيّة للوجود الزماني كالاب للابن الثاني العلم الحاصل للسافل من حيث هو كذلك ان قد يكون الشيء عالياً و سافلا و المراد به هنا مقابل ما سبق في العالي الثالث العلم الحاصل للمتساويين بحسب المرتبة و ان كان البعض اقوي من الآخر لكنه ليس من حيث علوّه الذاتي بل انما هو لصفاء مرايا مداركهم و مشاعرهم و الامر الجامع هو ان تقول ان الشيء اِمّا ان يعلم ما هو اعلي منه و اسفله او ما هو في مقامه و ذاته و هذه العلوم الثلثة اِمّا يتعلّق بذات حاملها و نفسها و اِمّا ان يتعلّق بغيرها و الامر جامع للكل و هو ان تقول ان الشيء اِمّا ان يدرك ذاته او غيره و هو لايخلو عن حالات ثلثة لكنك تفطّن اوّلاً انّ ما في الذات عينها اي هي اذ الشيء لايكون في رتبة شيء آخر الّا ان يكون هو لان الرتبة كاخواتها من الكمّ و الكيف و الجهة و الزمان و المكان من المشخصات فلو تداخلت بعض هذه الامور باعتبار التساوي العرضي فلا بدّ من التمايز و الاختلاف بالبعض الآخر لكونها مدار التمايز فلو جعلتها مناط الاشتراك يلزم الدور او التسلسل فاذا صحّ [ص 133] ذلك فليس في رتبة ذات الشيء غيره و الا لميكن فرضنا ايّاه و يلزم ان يكون هو و غيره فلميثبت لشيء ذات مستقل متفرد به و متأصل معه ابدا و هذا مما لا شك فيه لمن يعرف و تعرف ذات الشيء ان كان مركباً بما لو فرضت عدم جزء يعدم الكل و تعريف غيره منها بما لو فرضت عدم ذلك الغير تبقي الذات باقية علي حالها فاذا صحّ ذلك فليس العلم بالغير عين ذات الشيء اذ الشيء ليس عبارة عن مجموع ذكر الغير اذ العلم به ليس الّا ذكره و الا يلزم ان لايتحقق كونه عندك الّا بعد تصوّر ذكر جميع ما يغايره لان المفروض ان العلم بالغير عين ذاته الاتري الانسان فانه في رتبة ذاته مركب من الحيوان و الناطق فلايمكنك تدرك حقيقة الانسان الّا بعد تصور هذين الجزئين بخلاف ما ليس ذاتياً له ككونه ماشياً او كونه ضاحكاً او باكياً و امثال ذلك فانك اذا اردت معرفة حقيقة الانسان من حيث هي لاتستلزم ادراك تلك الامور و تصوّرها فعلمنا انها ليس بذاتية اي داخلة في حقيقة ذاتها فلو قلنا ان العلم بالغير عين ذات العالم و حقيقته يجب ان لايتصور ذلك الشيء الا و يتصور علمه اي ذكره لكل ما يغايره في العالي بحسبه و السافل بحسبه و المساوي بحسبه كما انك لايمكنك تتصور الانسان بدون جزئيه الحيوان و الناطق و هذا ضروري البطلان و مدّعي ذلك يصادم الضرورة و يزاحم البديهة مع ان القوم اتفقوا علي ان العلم صفة للعالم و متأخر عن ذاته و يدرك الشيء و لايدرك معه ابدا و لايذكره و لايلتفت اليه بوجه مع بقاء الشيء الاتري انهم عدّوا قبول العلم و الصفة و الكتابة من [ص 134] العوارض الذاتية للانسان ثمّ انّ الغير كما لايتحقق عند الشخص الّا بعد تأصل نفسه و ذاته كذلك ذكر الغير لايكون الا متاخراً عن ذكر نفسه و الا يكون ذكره في ذاته ذكر غيره لانّ ذاته لاتتحقق الا بذكر الغير علي هذا الفرض فيكون ذكر نفسه عين ذكر غيره فلايذكر الشيء نفسه الا بعد ان يذكر غيره او معه لمكان الجزئية و الاوّل عند المشهور و الثاني عندنا و هذا بديهي البطلان الا اذا كان حقيقة ذلك الشيء ذكراً لغير المخصوص و هذا لايتصور الا في السافل للسافل كما ستعرف ان شاء الله تعالي فعلمت بالبرهان و مطابقة الوجدان ان العلم بالشيء الآخر ليس عين ذلك الشيء مع ان العلم عين ذات الاشياء كلها كما عرفت في المطلب الثاني و لا منافاة بين القولين لاستلزام الثاني المعلوم و عدم استلزام الاوّل اياه فالعلم بالشيء و الغير انما هو الذكر الثاني للعالم لا الاول و الا يلزم ان يكون الغير ايّاه فلميكن هو اياه بل هو غيره و هذا ظاهر ان شاء الله فان قلت علي هذا يلزم ان لايكون العلم بالاشياء عين ذات الحق سبحانه و يلزم من ذلك ان يكون الحق سبحانه جاهلاً بها قبل كونها مع قيام الاجماع و اتفاق العقول المتبائنة علي ان علمه سبحانه بالاشياء قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و لميكن ذلك الّا في ذات الله سبحانه لان العلم عين الذات قلت ما دلّ عليه الاجماع و اتفقت عليه الآراء و سكنت عنده العقول السليمة هو ان العلم عين الذات لا المعلوم و ان العلم في ذات الله سبحانه و تعالي لايقتضي معلوماً ان ربّنا عز و جل عالماً و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته [ص 135] و لا مبصر فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور و هذا الوقوع امر حادث لميكن في مرتبة القديم و العلم بالاشياء قبل كونها انما هو في العلم السابق و هو ليس عين ذات الحق سبحانه و الجهل اللازم انما هو اذا كان شيء و لميتعلق به علمه لا ما لميكن شيء فان العلم بما لميكن جهل كما ان نفي العلم فيما لميكن علم الاتري انّي اذا سئلتك من في الدار و لميكن هنا احد و قلت لااعلم في الدار احد فانما هو اثبات لعلمك بخلاف ما اذا قلت اعلم في الدار احد و لميكن فانه اثبات لجهلك و نفي لعلمك و تصديق ذلك في محكم قوله تعالي ام تنبئونه بما لايعلم و قوله تعالي ليعلم الله من يخافه بالغيب فذكر الموجودات في رتبة خلقه لا في رتبة ذاته فان كل ما عداه ممتنع فيه كشريك الباري و قد اخبر ان علمه ماتعلق به و كيف لايكون كذلك فان الموجودات المذكورة في ذاته هل هي مذكورة بذكر ذاته مع ذكر ذاته حين ذكر ذاته بما يذكر ذاته ام متاخراً عنه فان كان الاول يلزم ان يكون ذكر الموجودات هي عين ذكر نفسه لانه سبحانه يذكر نفسه و يذكر غيره فان كان ذكر غيره هو بعينه ذكر نفسه فلميكن هو اياه بل هو هو و لاتقل انه كذلك و تناقض بالشمس و الاشعة فان ذكر الشمس نفسه هو بعينه ذكر الاشعة لانّا نقول امّا اولاً فانه قياس مع الفارق و لايعرف الله سبحانه بذلك و امّا ثانياً فنمنع وحدة الذكرين الا اذا قلت ان الاشعة عين الشمس علي ظاهر الحال و الا نفي الحقيقة لو قلنا بالعينية لميلزم اتحاد الذكرين لان ذكر الاجمال من حيث هو غير [ص 136] ذكره علي التفصيل من حيث هو لا ذكر الاجمال في التفصيل و لا التفصيل في الاجمال فانه لايمتنع فان قلت اما نحن فيه (كذا) ذكر التفصيل في الاجمال قلت اذن وقعتم بما قد فررتم عنه لان التفصيل من حيث هو لميكن معلوماً فبقي علي الجهل بها من تلك الحيثية فان قلت يعلم التفصيل ثانياً فقد وقع التغيير في الذكرين هذا كله اذا التزمنا العينية و هي ممنوعة جدّاً في الشمس فضلاً عن ذات الحق سبحانه ، تعالي عما يقوله الظالمون المفترون علوّاً كبيرا بل الحق ان الاشعة اثر الشمس و فعلها متأخرة عن ذاتها مقدار سبعينالف سنة و سبعمائةالف سنة او سبعين مرتبة علي ايّ عبارة تشاء فانك اذا حصرت نور السراج و ماخليته ينبسط و جمعتها لمتر زيادة في اصل السراج و نورانية اشدّ و اذا رفعت الحجاب و بسط النور علي وجه الارض و تزايد لمتر ضعفاً (ظ) في السراج بل هو علي ما كان عليه قبل و بعد و كذلك في الشمس فلما لميتغير السراج و لا الشمس بتغيّر اشعتها و قلّتها و كثرتها علمنا ان لا دخل لها في حقيقة ذاتهما و الا لتغيّر قطعاً اذ ليس تغيير الكل الّا عبارة عن تغيير الاجزاء فافهم فاذا صحّت المغايرة فلميكن ذكر احد المغايرين عين ذكر الآخر و الا لميكن هو ايّاه هذا خلف بل الشمس تذكر نفسه و لمتكن هنا اشعة بوجهٍ ابدا و انما تذكر الاشعة في مراتبها و اماكنها ذكراً ثانيا و بالجملة فالقول بان الله تعالي يعلم الاشياء و يذكرها بعين ذكر نفسه مما يعلم بطلانه بديهة لمن له فهم مستقيم و طبع صافٍ سليم فتعين انه تعالي يذكرها بعد ذكر نفسه تعالي فان قلت يذكرها ايضا [ص 137] بذاته تعالي قلت مع انه يستلزم التغيير في عين ذاته تعالي لوجود التقدم و التاخر لايتصور هذا ابدا لانه تعالي حال ذكر نفسه هل كان مستقلاً و متأصّلاً و متحققاً و متذوّتاً ام لا فان كان كذلك فتحققت الذات بدون ذكر الغير فلميكن ذكر الغير عين ذاته لمكان التخلف و ثباته بدونه و لو كان المجموع عيناً واحداً و ذاتاً واحدة لم يتصور ذلك فثبت بالبرهان المحكم الذي لايرده الّا جاهل بحقيقة الامر ان ذكر الغير خارج عن حقيقة ذاته تعالي و غيره ايضاً من سائر الموجودات حيث جعلها آية لتعريفه كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فاذا صحّ هذا فنقول هل ذكر الغير اي معلومية لله سبحانه الذي هو خارج عن حقيقة ذاته المقدسة هل هو عارض لذاته ام مستقل بنفسه ام موجود بفعله فان قلت بالاول يلزم ان يكون الله سبحانه و تعالي محلّاً و هو يستلزم الانفعال و القبول السافل و ذلك الحال ان كان قديماً يلزم ايضاً تعدد القدماء و يلزم ان يكون لله تعالي وقتاً اوسع من ذاته و هو الازل فالمفروض انه يسع ذلك الحال ايضا فكان الله في شيء و مظروفاً و محاطاً فان كان عين احدهما يلزم ان لايكون الثاني ازلياً فلايكون قديماً فان قلت عين المجموع يلزم مع ما لزم التركيب في المجموع فان قلت بالثاني يلزم بعض ما ذكر فتعيّن الثالث و هو ان يكون ذلك الذكر الثاني بفعل منه و اين الفعل من الذات و اين الثري من الثريا و اين الثريا من يد المتناول و هذا هو العلم السابق الذي قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و الناس لو عرفوا انفسهم عرفوا ربّهم [ص 138] فانّ من عرف نفسه عرف ربه اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و لكنهم لما نظروا الي انفسهم رأوا انهم اذا ارادوا ان يعملوا شيئا في الخارج لايعملونه الا بعد ان تصوّروه في الذهن فذلك هي الصور العلمية فقالوا كذلك ربّنا قبل ان يخلقنا كانت صور المعلومات حاضرة عنده و حاصلة لديه في ذاته لما وجدوا في انفسهم و الامر كما ذكروا و لكنهم غفلوا عن محل تلك الصور التي في انفسهم قبل ان يعملوا شيئاً في الخارج فان تلك الصور محدثة متجددة لا في ذات الشخص بل في مرتبة من مراتب الذات و هو مقام النفس و تلك الصور انما حصلت بارادته التي هي الحركة النفسانية اذ لميكن لها قبل ذلك ذكر في مرتبة من مراتب ذاته و لا تنزّلاته فلمّا شاء و هي عبارة عن الذكر الاول حصلت عنده تلك الصور و لمتكن ابدا فكان وجود تلك الصور دفعة واحدة فلمّا اراد ان يظهره في الخارج اظهرها فيه مطابقة لما عنده من الصور حسب تحقق الاسباب و الشرايط علي الترتيب و هذا هو آية (ظ) الحق سبحانه فيك انظر كيف احدثت علماً و لميكن قبل ذلك و ماتغيروا ذاتك عن علميتها العينية و عدم ذكر غيرها لديها لكنهم لما عمت ابصارهم عن مشاهدة نور اليقين ارادوا ان يعرفوا الحق بالخلق حسب كيفياتهم فكانوا كما قال موليٰنا الصادق عليه السلام في الدعاء بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة فشبهوك و جعلوا بعض آياتك اربابا يا الهي فمن ثَمّ لميعرفوك يا سيدي ، فافهم هذا المطلب فانه دقيق دقيق لايمسّه الّا المطهرون تنزيل من رب العالمين .
[ص 139] فاذا عرفت هذه الدقيقة الشريفة فلنرجع الي ما كنا فيه فنقول حيث علمت امتناع كون العلم المتعلق بالغير في ذات الشيء فيجب ان يكون في مرتبة من مراتب فعله و الّا لزم ما ذكرنا و لما كانت الاشياء لها مراتب كثيرة كمرتبة الصلوح الامكاني و مرتبة الكوني و مرتبة الجوهري و غيرها من المراتب و لا شكّ ان العلم لاستلزامه المطابقة للمعلوم بكل مرتبة غير العلم المتعلق بمرتبة اخري و الا لميكن ما فرضناه ايّاه فيكون للشيء الواحد خزاين كثيرة حسب مذكوريته و معلوميته باعتبار تلك المرتبة و هو قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزائنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم و قال تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الّا هو و يعلم ما في البر و البحر و ماتسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الّا في كتاب مبين و بيان ذلك انّ الموجودات الممكنة و المكوّنة لها مراتب عديدة حسب قبوله للامر الالهي عند قوله تعالي الست بربكم فيكون العلم المتعلق بها ايضاً له مراتب و لما كانت كل مرتبة عامة واسعة شاملة للكل كان تلك المرتبة خزينة لتلك العلوم الكثيرة الثابتة فيها و لما كانت الطفرة في الوجود باطلة كانت كل خزينة عند حامل يحملها و حافظ يحفظها و الكل بما هو كل عند صاحب الكل و خالق القلّ و الجلّ و لايشاركه فيها غيره كما قال عز من قائل قل من بيده ملكوت كل شيء و هو يجير و لايجار عليه و قال ايضاً سبحانه و تعالي ام تملكون خزائن ربّه ام هم المصيطرون و لذا قال عز و جل كما تقدّم و عنده مفاتح الغيب الآية ، و لما كان الامر كما ذكرنا من بطلان الطفرة و [ص 140] عدم مباشرة الحق سبحانه الاشياء بذاته (ظ) المقدسة قال عز و جل و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية و قال تعالي و كان عرشه علي الماء و قال ايضاً الرحمن علي العرش استوي و قال الله يتوفي الانفس حين موتها و قال قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكّل بكم فافهم و لما كان من صنعه المبرم و حكمه المتقن حكم ان يجعل الاشياء علي نمط واحد و طور غير متعدد و يخلقهم كنفس واحدة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و يجعلهم متطابقة كان لكل شيء خزائن من حيث العلم حسب وجوده فيها فثبت العموم المدلول عليه بالنكرة في سياق النفي في قوله تعالي و ان من شيء الآية ، بافراد الشيء و جمع الخزائن و لمّا كان الانسان طبق العالم الكبير و هو الكتاب المبسوط كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة علي خلقه و هو الكتاب الذي كتبه بيده الحديث ، و قال ايضاً عليه السلام :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و تزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و لما كان العالم بمجموعه اعظم بسطاً و اكثر شرحاً و ابلغ بياناً و اوضح تبياناً من العالم الصغير الانساني وجب علينا ان نذكر اوّلاً ترتيب خزائن العلم و حفظته و حملته في العالم ثم نذكر ما يقابلها في الانسان ،
فنقول انّ اوّل الخزائن و اعلاها العمق الاكبر و هي الخزينة الامكانية و هي العلم الامكاني و مذكورية الاشياء في الامكان و ذاكرية الحق لها فيه و هو العلم السابق الذي قبل كون الاشياء و بعد كونها و مع [ص 141] كونها و هو الشيء المذكور العلمي قبل ذكر العيني كما في قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئاً مذكورا لان النفي انما يتعلق بالقيد الاخير و هي الاعيان الثابتة و هي الفيض الاقدس المتقدّم علي الفيض المقدس و هو اول الذكر اي ذكر الحق سبحانه للاشياء بذاتها لان عرفت استحالة ذكره تعالي ايّاها في رتبة ذاته الشريفة المقدّسة بل ذكرها في مقام فعله بنفس فعله فذكر الاشياء انما هو محل لفعله و مساوق لوجوده في رتبة وجوده الفعلي الامكاني اذ حيث بطل الذكر الذاتي لميبق الا الغيري و حيث بطلت الغيرية الازلية القديمة لميبق الا الامكانية فذكر الاشياء بنفسه الاشياء ليكون علمه الفعلي غير معلوماته اذ لايتصور الغيري و هذا العلم هو العلم الامكاني اي ذكر جميع الممكنات و المكوّنات مما وجد و لميوجد و مما سيوجد و مما يصحّ ايجاده و يمتنع و الاعدام المتصورة و المنفيات المتوهمة و الكواذب المصنوعة مما يمكن فرضه و وجوده و تخيّله و توهمه و تصوّره و تعقّله و وجدانه و احساسه و كلما يصدق عليه اسم الشيئية و كلما يعبّر عنه بعبارة او يشار اليه باشارة كل ذلك قد ذكره الله سبحانه في تلك الخزينة اوّلاً بفعله و برهانه بدليل الحكمة ان فعل الفاعل لما ظهر قبل تعلقه بمفعول معيّن يظهر و يوجد معه ذكر جميع ما يصحّ ان يصدر من ذلك الفاعل و لميبق الا ما يستحيل عليه و ذات الفاعل ضرورة بطلان وجود شيء يصحّ ان يصدر من الفاعل و لميصح تعلق فعله به فعند ذكر فعله يذكر جميع ما يصدر عنه باللاتعيّن المخصوص [ص 142] و قد علمت من ذلك ان امكان آثار الفاعل لايوجد الّا حين وجود فعله و كذلك الامر فيما نحن فيه فان الحق سبحانه كان في الازل و لميكن معه شيء ثمّ اخترع الممكنات حين احبّ ان يعرفه العبيد لا من شيء فكان احدث الوجود لا من شيء احدث الامكانات و الممكنات لا من شيء فالممكن لميكن شيئاً لذاته و انما كان شيئاً بغيره حين اخترعه و امكنه و حبسه في الخزائن العليا ثم كوّن منه ما شاء كما شاء يخرج من تلك الخزائن اذا شاء فيكسوه حلّة الوجود ينفق كيف يشاء فلما امكن الامكان بفعله الذي هو مشيته كان هو و ما فيه من جزئيات العامة علي هيئة مشيته لما هو المقرّر من ان المفعول انما يشابه صفة الفاعل و فعله لا ذاته فالامكان بما فيه علي هيئة المشية و المشية خلقت بنفسها و ظهرت كعموم قدرته فيما يفعل سبحانه لان قدرته عز و جل ظهرت بمشيته لا بنفسها لان نفس القدرة و ذاتها هو الله سبحانه و اليه الاشارة بقول الصادق عليه السلام بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة فشبّهوك و جعلوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمّ لميعرفوك يا سيدي ، فلما بدت قدرته لمتبد بهيئة ذاتية لان ذلك محال و انما بدت بهيئة فعلية و تلك الهيئة هي المشية التي ابدتها قد ابدتها بنفسها اي بنفس المشية فالمشية هيئة القدرة و نفس المشية و الامكان هيئة المشية و هي و هيئته عامة واسعة لا غاية لعمومها و سعتها و لا نهاية فلما كان الامكان و الممكن بدء علي هيئة هذه الهيئة العامة الواسعة التي لاتتناهي كان قابلاً لكل ما يحتمل مثلاً حقيقة زيد الامكانية يجوز ان تكون زيداً و ان تكون جملاً و [ص 143] جبلاً و ماءً و معدناً و حيواناً و نباتاً و ارضاً و سماءً و ملكاً و نبياً و كافراً و شيطانا الي غير ذلك مما لايتناهي فظهر ان كل امكان من الامكانات الجزئية مشتمل علي افراد لاتتناهي ابدا فالحقيقة التي خلق منها زيد يجوز ان تلبس كل صورة من الغيب و الشهادة من الحيوان و النبات و الجماد وضعاً او (ظ) عيناً او صفة فاذا امكن في حقيقة واحدة ان تلبسوا صورة من الفالف صورة مثلا كلها متساوية في الامكان و اما في الظهور فالصور انما يتحقق بالحدود و الهندسة الظاهرة و الغائبة من الغيب و الشهادة فظهر لك ان الله سبحانه كان في الازل الذي هو ذاته ذاكراً قبل المذكورين و ليس ثَمّ مذكور سواه فاوّل ما ذكر عبده في مشيته و لميكن ذكر المحدث قبل المشية و كان ذكره له فيها علي هيئة المشية هو الذكر العام الواسع الذي لايتناهي و هذا الذكر الامكاني الواسع هو التعيّن الكلي الراجح الوجود و حامل هذا العلم هو الحق سبحانه و هو سبحانه المتفرد به ليس لاحد فيه نصيب و هو الاسم المكنون المخزون في ظله فلايخرج منه الي غيره و هو العلم الذي لايحيطون به علماً و هو البحر الذي لا ساحل له و لا غاية و لا نهاية و هو الذي امر رسول الله صلي الله عليه و آله منه الاستزادة بقوله تعالي قل رب زدني علما فان الاستزادة عن ذات الله سبحانه كفر و شرك و عمّا عنده تحصيل الحاصل الباطل القبيح فيكون عمّا ذكرنا و هذا هو الذي كان سبب تحيّر رسول الله صلي الله عليه و آله المسؤل عنه في قوله اللهم زدني فيك تحيّراً ، فان التحير لايحصل فيما يعلم و هو الشمس المضيئة [ص 144] في قول اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما رواه في التوحيد عن الاصبغ بن نباتة انه قال عليه السلام الا انّ القدر سرّ من سرّ الله و حرز من حرز الله مرفوع في حجاب الله مطويّ عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله العباد عن علمه و رفعهم فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم لانّهم لاينالونه بحقيقة الربّانية و لا بعظمة النورانية و لا بعزّة الوحدانية لانه بحر موّاج خالص لله عز و جل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيّات و الحيتان يعلو مرّة و يسفل اخري في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الّا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضادّ الله عز و جل في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سرّه و ستره و باؤا بغضب من الله و مأويٰه جهنم و بئس المصير ، و هذا العلم اول الخزائن و هو مظهر البداء و مبدء المحو و الاثبات و اليه اشار ما قال موليٰنا الرضا عليه السلام انّ لله علمين علم علمه ملائكته و انبيائه و رسله و حججه من خلقه و علم لميعلمه احد و هو مكنون مخزون عنده و منه البدا و المحو و الاثبات نقلتُ الحديث بالمعني و هذا هو الغيب الذي خصّ الله سبحانه به و لميعلمه احداً من خلقه و هذا هو الذي ورد الاخبار المتكثرة ان علم الغيب خاصّ بالله سبحانه فمن نسب الي احد من خلقه علم الغيب فقد كفر و ورد الطعن و اللعن لمن ينسب الي آلمحمد سلام الله عليهم علم الغيب مع انهم يعلمون كل شيء من الغيب و الشهادة و انما هو هذا العلم و هو منه محتوم مقدّر [ص 145] و منه مشروط و الثاني اما هو مشروط في الغيب و الشهادة معاً او في الغيب وحده او في الشهادة وحده و منها ما لايصلح للوجود اصلا فيخبر الحق سبحانه بعض هذه الامور من ارتضي من رسوله علي تفصيل لايمكنني الآن بيانه علي حسب مراتبهم و مقدارهم علي جهة الحتم و غيره و هو سرّ الاخبار بما سيكون و التخلف احيانا قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا من ارتضي من رسول و قد نذكر ان شاء الله مراتب المرتضين .
و هذه الخزينة تنقسم الي قسمين احدهما الخزينة العليا و ثانيهما السفلي اما الاولي ففيها ذكر الخيرات و الطاعات و الوجوديات و الصور الحسنة و الاعتبارات الصحيحة و الذوات الطيبة و الملكات النورية و الافعال المستحسنة و الانوار الوجودية الامكانية و الالهامات الالهية و القذوف السرمدية و الامدادات الوجودية الوحدانية و كلما يدرك و يحسّ و يجسّ و يتخيل و يتصور و يتوهم و يتعقل و مما وجد كونه و ما لميوجد سواء يصحّ و يمكن كونه ام لميصحّ بل يمتنع بالنظر الي الامور الخارجية مثل جعل الخلق كلهم انبياء معصومين و امثال ذلك من الامور الحسنة التي يمكن و لايوجد و مما يقدر علي ادراكه البعض او الكل فكل ذلك انما هو من تلك الخزينة منها ( ما ظ ) يكوّن صورها في الاذهان و ان لميوجد عينها في الاعيان و منها ما حجب عينها و ظلّها عن افهام الخلق و ادراكاتهم و مبلغ عقولهم و من هذه الخزينة ينفق كيف يشاء بما يشاء لما يشاء اهلها و مستحقها من الذوات الطيبة و الاكوان النورية حسب اقتضاء [ص 146] القابليات و استدعاء الاستعدادات مما اراد ان يظهرها و شاء ان يكوّنها و احب ان يحاط به علما قال الله تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء و جعل الاستثناء فافهم هذا الكلام المردد بالفهم المسدد .
اما الثانية ففيها ذكر كل الشرور و المعاصي و السيئات و المعوجّات (ظ) و الصور الباطلة و الادراكات القبيحة و الاعتبارات الفاسدة و التوهمات الكاسدة و الامور الغير النفس الامرية و الذوات الخبيثة و الملكات الظلمانية و التاييدات الشيطانية و القذوف الافكية و الامدادات العدمية و التاييدات الخذلانية و كلما يدرك و يحس و يجس و يتصور و يتخيل و يتوهم و يتعقل و يجد من الادراكات الباطلة و الصور الكاذبة و الامور العدمية و الذوات النفية (كذا) مما وجدت و ما لمتوجد و سيوجد او لميصحّ وجوده و كونه اصلاً نظرا الي قبحه الذاتي و عدم استدعاء امر من الامور وجوده و مما يدركه الكل او البعض فكل ذلك انما هو من هذه الخزينة السوءاي منها يكون صورها في الاذهان و ان لميوجد عينها و منها قولهم انّا نتصور شريك الباري و الاعيان الثابتة في الازل و اجتماع النقيضين و انّ فرض المحال ليس بمحال و ان ارتفاع النقيضين يصحّ في المرتبة و ان الشيء ليس بموجود و لا معدوم و لا حادث و لا قديم و ان المفاهيم علي خمسة اقسام و ان المشية عين ذات الله و ان عليا عليه السلام افضل من رسول الله و غيرها من الامور الباطلة فانما هي من تلك الخزينة يدخلها الله سبحانه من رحمته الواسعة حسب سؤال المضطرين في مراتب مشاعرهم و مدركاتهم بالصورة اللايقة له فافهم [ص 147] و اتقن المجموع هو علم الحق سبحانه بالاشياء و لمّا كان هو اول الذكر كما قال موليٰنا الرضا علي جدّه و جدّته و آبائه و عليه و بنيه آلاف التحية و الثناء ليونس بن عبدالرحمن اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ثم قال اتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء اتدري ما القدر قال لا قال هو الهندسة و وضع الحدود من الآجال و الارزاق ، كان في كمال السعة و العموم و الشمول كما ذكرنا فلذا اختصّ بالحق سبحانه لعدم سعة الغير لكونه لايتناهي و الّايحيط باللايتناهي الا اللايتناهي فصحّ الاختصاص و هذا غيب مفتاحه بيد الله سبحانه بمشيته التي هي من الغيب و الخزينة لعدم خلوّها من الامكان فافهم سرّ الاستدارة علي النفس راشداً موفقا .
ثم اعلم ان هذه الخزينة كما عرفت انها تنقسم الي قسمين و هو باعتبار المحل لكنها باعتبار الحال و المحل تنقسم الي قسمين آخرين الاول مقام الحال و رتبتها ، الثاني مقام المجمل و رتبته و قد علمت انها تنقسم علي قسمين عليا و سفلي .
اما الاول فاعلم ان المراد به المشية و هي فعل الله سبحانه الكلي عالم فاحببت ان اعرف الوجود المطلق و الحق المخلوق و السرّ المقنع بالسرّ و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و بها تحقق و وجد ما برء و ذرء و تلك الخزينة هي محله و ان كان هو منها الّا انه علي الجهة الاعلي منها فنسبته اليها كنسبة العرش الجسماني اي المحدد الجهات الي الجسم و الزمان و المكان فهو طبق هذه الخزينة و هي طبقه لايزيد احدهما علي الآخر اذ لايكون امكان او ممكن لا بالمشية و الفعل و لايكون [ص 148] الفعل لا في الامكان فهما متساويان متحاويان الا ان الاول علي الحدّ الاعلي من الامكان و هو الامكان الراجح و ان كان الكل كذلك الا انه ارجح ، يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و هو ينقسم علي خزائن اربعة لكونه الكلمة التامة و هي اول ما تكلم الحق سبحانه بها فهي اول العلم الغيري اذ معلوم و هو مخزون في اربعة خزائن كل خزينة وسيعة وسعة غير متناهية لايحيط بها الّا الحق سبحانه الاولي مقام الظاهر الباطن و النقطة و السرّ المقنع بالسرّ و السرّ المجلل بالسرّ و حق الحق و الباطن و باطن الباطن و القطب الحقيقي و المطلوب الواقعي و مقام الفاعلية و العلوم في هذه المرتبة كلها علي جهة الوحدة و البساطة الحقيقية و الوحدة الحقيقية و لعمري ان البسيط المطلق في الامكان بعد رتبة الازل الاول ليس الا هذا المقام فافهم الثانية مقام الباطن من حيث هو باطن و مقام السرّ المستسرّ بالسرّ و مقام الالف و النفَس الرحماني الاولي و الرياح المثيرة للسحاب المزجي و حق الحق و الباطن و باطن الباطن و المحور الحقيقي الذي هو القطب و العلوم المخزونة في هذه المرتبة انما هي علي جهة الوحدة الانبساطية و الشمولية لانها انبساط النقطة الحقيقية و هو ثاني رتبة صبح الازل الذي هو اول ظهور شمس الازل الكنز المخفي و ثاني المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان الثالثة مقام الظاهر اي الباطن الظاهر و سرّ السرّ و حق الحق و باطن الظاهر و السحاب المزجي و شجر البحر و الحروف العاليات و مقام العماء و رتبة الهواء [ص 149] و ثالث رتبة صبح الازل و ثالث المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و العلوم المخزونة في هذا المقام كلها علي سبيل التفصيل النوري علي جهة الشرافة بل هذا التفصيل عين الاجمال التحتي و هذه الكثرة عين الوحدة الدونية و انما كثرته بالنسبة الي ما فوقها و لا فرق و هو الدائرة الدائرة علي نفس المحور لا علي القطب التي هي نفس المحور الذي هو نفس القطب ،
قد ظلت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
و هي ثالث جزء الاسم المكنون المخزون الذي استقرّ في ظله و لايخرج منه الي غيره و ثالث الغيوب من الغيب الاول الذي مفتاحه عند الله سبحانه خاصة و ثالث الخزائن من الخزينة الاولية من الخزينة الاولي فافهم الرابعة مقام الظاهر من حيث هو ظاهر و مقام الباطن في رتبة السبعين و السرّ و الظاهر و الكلمة التامّة التي انزجر لها العمق الاكبر و السحاب المتراكم و البحر الاول و الازلية الثانية و صبح الازل و الاسم المكنون المخزون الاعظم الاعظم الاعظم الاجل الاكرم و المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و عالم كُن و الغيب الاول من الاول و الخزينة الاولي من الاولي و السرّ المقنع بالسرّ و الكرة المستديرة علي الدائرة المستديرة علي المحور المستدير علي القطب التي هي نفس الدائرة التي هي نفس المحور الذي هو نفس القطب الذي هو نفس الكرة فكانت مصمتة مستديرة علي نفسها علي خلاف التوالي و نفسها تستدير عليها علي التوالي و هي تمام الواحدية و تمام بسم الله [ص 150] الرحمن الرحيم الذي هو ظهور الحسن اذا رقيته الي رتبة كماله فارقِ السين و النون الي كمالهما و احذف التعريف الزايد لكراهة اجتماع التعريفين فيظهر الورقاء المغردة علي اغصان بسم الله الرحمن الرحيم و لميبق له الّا الذي يحبّه الذي به تمامه و كماله و جلاله و جماله اذ لولا المحب لميكن للحسن مقدار و هو عالم فاحببت ان اعرف و المحبة المطلقة الاولية فكان هو الكاف التي هي تمامه و محبه فاتصلت بالنون في المحبوب فتحققت كلمة كن فافهم ان كنت تفهم و الّا فاسلم تسلم ،
فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فتاخذه عنّا
و العلوم المخزونة في هذه الخزينة لا نفاد لعددها و لا نهاية لامدها و لا انقطاع الي ابدها و هي المحبة الالهية التي لا نفاد لها و لا انقطاع كما قال في حديث الاسرار مخاطباً لسيد الابرار في وصف الاخيار كلما رفعت لهم علماً وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و من هذه الخزينة ينفق كيف يشاء و يعطي ما يشاء كيف يشاء بما يشاء و هو المتصرف في بلاده و لا رادّ لقضائه و لا مانع لحكمه و هو العلي الكبير و الحمد لله وحده .
اما الخزينة الثانية فهي خزينة العلم الكوني و هو الذكر الثاني للاشياء و قد علمت بالبرهان ان ذكر الحق سبحانه و تعالي للاشياء في مرتبة ذاته ممتنعة مستحيلة فاوّل ذكره ايّاها في الخزائن الاولي علي نحو الذكري و الوجود الصلوحي و ثاني ذكره لها في الخزائن الكوني و هو الذكر التعيّني من ذلك الذكر اللاتعيني و التخصصي [ص 151] من ذلك اللاتخصصي و هذه الخزانة الكلية تنقسم الي الخزائن الكثيرة الغير المحصورة لكنها تجمعها خزانتين الاولي ما يعمّ الكل و صحيح الصدق علي جميع ما ذرء و برء و هو العلوم العامّة الشاملة الكلية الصادقة علي كل ما في الكون و الثانية العلوم الخاصة بكل رتبة من المراتب ممنوع الصدق علي الاخري .
و اما الاولي الكليات فهي مخزونة في عدة خزائن :
الاولي خزانة الكون اول الذكر الثانوي مقرّ المواد و المقبولات و الهيوليات و الاصول و الاسطقسات و هو المسمّي بالوجود ففيها ذكر مواد الاشياء و صلوحها لقبول الصور و هذا هو اول النور الابيض المشرق من صبح الازل و حامل هذا العلم هو المشية الكونية فانها علي قسمين حسب تحقق الاختلاف في المتعلق و الا فهي شيء واحد ليس في الامكان ابسط و اشدّ وحدة منها و ليست وحدته من سنخ الوحدات و انما هي حقيقية كما نذكرها ان شاء الله تعالي فهي حامل علوم المواد المقبولات المفاضة علي القابليات و منشأ الامدادات الواصلة الي الاستعدادات و هو قول موليٰنا الرضا عليه السلام اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ، علي ما سبقت الاشارة اليه و هي الاختراع الاول و اول ظهور الازل لميزل .