الاولي كونها ثابتةً مطابقة للواقع و نفس الامر و هذا لجماعة اخذ ذلك النور العظيم الذي القي الله تعالي في هوياتهم في الصعود و وصل في صعوده الي مقام صرافة النفس المطمئنة و صفائها و نورها التي هي مرآة صافية طاهرة نقية تقابل الوجه الاعلي من القلب المستقرّ عليه العقل و لا شكّ ان ذلك الوجه يقابل جسمه جسم فلك الكرسي و روحه روح فلك الكرسي فتطبع فيها من الصور الموجودة في عليين المفاض عليه من العرش الذي هو سقف الجنة المفاض عليه من الله سبحانه فكانت تلك الصور ح هي الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربّها وفقنا الله و ايّاكم لادراكها ابداً دائماً و راسخاً فيها فافهم .

الثانية كونها مانعةً من النقيض ثابتة جازمة غير مطابقة للواقع و هذه الجماعة غلبت و استولت ظلمة انياتهم المخلوقة لحفظ ذلك النور المقصود بالذات و لاتمام قابلية ظهوره فانعكس الامر و غلبت علي ذلك النور بحيث عدم و اضمحل و لم‌يبق لهم فيهم وجود الّا مقدار حفظ تلك الظلمة فاخذت في الهبوط الذي هو صعوده الي المراتب الدنيّة و المقامات الباطلة السفلية الي ان اتّصل بارض الممات ملتقي العالمين و برزخ البحرين فناداها الله تعالي بالاقبال كما في النور فاخذ تهبط هبوطاً متعاكساً حتي اتّصل باول ابواب سجين اسفل السافلين فقابلته بالمرآة السوداء العوجاء لكنها الصافية النقيّة و المقابل هي الصور الباطلة المعوجة المغيّرة فانظر ما ذا تري من الصورة الحاصلة [ص 98] من هذه المقابلة هل فيها شائبة حقيّة و خير ابدا و تلك الصور انما افيضت الي النفس الامّارة بالسوء من باطن الطمطام الذي تفاض عليه الصور من الثري الذي مفاض ( يفاض ظ ) عليها من الجهل الكلي المقابل للعقل الكلي و هو معاند لله و مخالف له و تابع لهواه غير متعرض لرضاه فتكون تلك الصور هي الكلمة الخبيثة التي هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و هؤلاء كاهل الباطل من اهل الباطن و الظاهر و سنفصل الامر ان شاء الله تعالي فيهم في مقام سرّ وقوع الاختلافات باعانة الله سبحانه و حسن توفيقه لانه لا حول و لا قوة الا بالله سبحانه .

الثالثة كونها مانعةً من النقيض لعدم التفات النفس الي معارضها و عدم القدرة اليها اِمّا لاصل عدم النضج في البنية كما في الذين غلبت عليهم الرطوبة البلغمية لا الدموية فانها صالحة او لعوارض خارجية من عدم الممارسة و عدم الالتفات او من الصحبة او غيرها مما سنذكر ان شاء الله تعالي كالبليد و العوام فان تلك العوارض تحجب عن مقابل النفس لاعيان الخارجية فتنزع منها صورتها كما هي و ان كانت مطيعة تابعة للعقل الّا انها مريضة تحتاج الي معالجة قوية و ياتي بيانها ان شاء الله تعالي كاهل التقليد من اهل الحق فانهم ياخذون عن من يعتمدون عليهم من اهل الحق و يعتقدونه و يبالغون في حقيّته الّا انهم في كثير من المواضع غير مستقلين و يزيل ثبات تلك الصورة بادني شبهةٍ و اعتراض اذا شكّك المشكّك و اعترض المعترض فهذه الصورة المانعة من النقيض و ان لم‌تكن جازمة لكنها مطابقة للواقع .

[ص 99] الرابعة كونها مانعةً من النقيض غير جازمة و لا مطابقة للواقع و هؤلاء الحمقاء و البلهاء و العوام و الجهّال من اهل التقليد من اهل الباطل و هم الذين قلوبهم ناشفة عطاشي لعدم ورودهم علي حوض اميرالمؤمنين عليه السلام فرأوا تلك السراب يلوح كانّه ماء فلجأوا اليه فماتوا عطشا و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقا ، و ذلك لانهم اعرضوا عن ذكر الرحمن و من اعرض عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين و انهم ليصدّونهم عن السبيل و يحسبون انهم مهتدون حتي اذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب .

و هذه الصور الاربعة لا شكّ و لا ريب انها انما حصلت بعد تحقق المنع من النقيض فلايصحّ ان تدخلها في مراتب الشكوك و الاوهام و الظنون لعدم المنع من النقيض فيجب ان يكون من اقسام العلم و مراتبه و مما يطلق عليه لفظ العلم لانّا نجدها ( نجد لها ظ ) مراتب فوق مراتب الظن و ليس فوق الظن الا العلم فصحّ التصديق الا انها لما كانت اول مراتب العلم فهي مختلفة في القوة و الضعف فاذن يجب ان يكون العلم هو الادراك الحاصل في الذهن المانع من النقيض الّا اني اري العلماء قد اطبقوا علي الظاهر علي ان العلم هو الثابت الجازم المطابق للواقع فاخرجوا بالجازم الظن و فوقه او تحته و اخرجوا بالثابت علم المقلّد كما فصّلنا و اخرجوا بالمطابق للواقع الجهل المركب لكنّي اسئلهم انهم هل ارادوا بالظن الصورة الغير الثابتة سواء احتمل النقيض بالاحتمال المرجوح ام لايحتمل لكنها غير ثابتة [ص 100] ام ارادوا بالظن ما يحتمل النقيض بالاحتمال المرجوح فحسب و هل ارادوا بالواقع الواقع الحقيقي النفس الامري ام الواقع عنده في نفس الامر المطابق الحقيقي فان ارادوا بالظن المعني الاول العام يمكن تصحيح كلامهم الثاني ان بالثابت يخرج علم المقلّد لانه ظن في الحقيقة و الا يبطل التقليد بالثابت لان علم المقلد من جهة انه ظن خرج بقيد الجازم فاذن هذا القيد لغو لكن علي هذا لايناسب قولهم الاوّل ان بقيد الجازم خرج الظن و غيره لانه ما خرج لبقاء علم المقلد المانع من النقيض الغير الثابت و هو ظن علي ما زعموا لكن هذا المعني للظن شيء ماسمع قطّ لاحد و لايصحّ بوجه لانهم اجمعوا علي ان الظن طرفه المقابل الوهم فكيف يجمع مع هذا المعني و لعمري انه باطل جدّاً لايحتاج الي البيان و ان ارادوا بالظن المعني الثاني المعروف المشهور كما هو الحق و ارادوا بعلم المقلد هذا الظن المعروف فهو خارج بقيد الجازم فلايحتاج الي التقليد بالثابت و كون هذا الظن مما يعتبر شرعاً للعمل في الظاهر لايؤثر في علميّته فافهم و في المطابقة ان اراد المطابقة الحقيقية النفس الامرية في حدّ العلم فهذا لا شك في بطلانه اذ هذا القطع لايمكن لاحد الا للذي يحيط بالكل العالي الذي قام كل الوجوه به قيام صدور او قيام تحقق بالنسبة الي العلم مطلقا او العالي بالنسبة الي سافله فيعمّ علم الشخص بالنسبة الي آثاره و افعاله و اما علمه بالنسبة الي غير افعاله من سائر العلوم من احوال عالم العلوي و السفلي و التكليف التكويني و التشريعي و امثال ذلك مما هو ليس بسافل [ص 101] بالنسبة الي العالم فكيف يمكنه القطع بالواقع الحقيقي كيف و لو كان الامر كذلك لايمكن الاختلاف بين العلماء في العلوم القطعية مثل الاعتقادات و غيرها مع انه مااتفق فيها اثنان و الكل يدعي العلم و تقولون ان الكل اذا لم‌يقصروا فهم مثابون و مأجورون مع اختلافهم اذ ليس فوق القطع مقام او ليس وراء عبّادان قرية و لو كان المناط و المدار في العلم هو تحصيل الامر الواقعي المطابق لما في نفس الامر بحسب الواقع الواحد الغير المتكثر و الغير المتعدد فلم‌ينج من الخلق احد اذ لم‌يصب الواقع الا واحد هل ترخص لنفسك هذا التجويز و لعمري ان الخلق المكلفين بالعلم في امور معادهم و معاشهم لو كان بمعني الاصابة الواقعية النفس الامرية لكان تكليفاً بما لايطيقه الخلق اذ لايسمع هذا الحكم الا الذي يري الاشياء بعين المشاهدة العلّيّة لا بالمقابلة المرآتية فانها قد تعوج المرآة فلم‌يكن الحكم واقعيا و انّٰي للانسان الضعيف هذا المقام الا بالنسبة الي آثاره و افعاله مع انا نري انه يختلف علم الشخص الواحد في حالين بالنفي و الاثبات و هذا ظاهر معلوم لمن كان له قلب او القي السمع فهو شهيد ، فاذا بطل الاعتبار الواقعي الوجداني الغير المتعدد صحّ اعتبار المطابقة الواقعية عند العالم بمعني ان العالم عنده هذه الصورة مطابقة للواقع بحيث لايحتمل الخلاف عنده حال تصوّره و علمه و قد يزول هذه الصورة علي هذه الكيفية في الوقت الآخر فالواقع المعتبر هو ان يعلم الشخص انّ هذا هو الذي خلقه الله سبحانه و عنده انّ كل من يخالفه فهو مخطي لا الواقع عند [ص 102] الكل لجواز ان يغيّر علمه بعد ساعةٍ اخري فاين الواقعي الحقيقي .

فاذا عرفت هذا فاعلم انهم انما اعتبروا المطابقة ليخرجوا الجهل المركب فنقول لايصحّ المطابقة الحقيقية و الا لم‌يتحقق عالم الا نادراً في بعض المواضع السفلية بالنسبة الي آثاره و افعاله او ما تراه بالراي العين او بالمشاهدة العينية الكشفية و فيها ايضا ما فيها فيجب المطابقة الواقعية عند العالم فاذن اين الجهل المركب لان الجاهل بالجهل المركب ان كان يعلم ان ما عنده من الصورة بخلاف الواقع الحقيقية و ان كانت من الواقع الخبيث المجتث فهذا ليس بجهل مركب و انما هو انكار و جحود لو قطع بحقيّة تلك الصورة الباطلة عناداً و استكبارا ، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و عتوّا ، و ان لم‌يقطع بها فهي احد الاقسام المذكورة و يشبه ان تكون وسوسة و ان لم‌يعلم المطابقة بل يعلمها و يقطع بها و يدفع الصور الحاصلة في ذهنه بخلافها و يعارضها و يعلم ان هذا هو المطابق الواقعي الحقيقي و لم‌يخطر بباله المخالفة و عدم المطابقة و ان لم‌يكن مطابقاً في الحقيقة عند الله سبحانه لقصور العالم و عدم عصمته فمن زعم انها ح ليست بعلم بل هي جهل مركب فعليه البرهان و لااظنّ يتفوه به من له وجدان فبعد ما بيّنت المخالفة فهي ليست بعلم اصلا فالجهل المركب لايدخل في هذا العلم ابداً و اصلا اذ قيل ان تتبين المخالفة فليس فيه شائبة جهل لمنعه عن النقيض و بعد ما تبينت فليست الصورة مانعة عن النقيض لوجود نقيض اقوي من الاولي بل الاولي بالنسبة [ص 103] الي الثانية وسوسة حقيقة و ان كان يظهر الانكار للعناد و الجحود فهو في الواقع لايقول بها و لايعتقدها و ان لم‌يظهر ذلك و الّا للزم المحال فلايدخل الجهل المركب في العلم اي الثابت الجازم اذ مع وجود المخالفة لم‌يبق للثبات و الجزم مجال فلايحتاج لاخراجه الي قيد آخر فثبت ان العلم في النفس ليس الا الصورة الحاصلة فيها المانعة عن النقيض فيدخل تلك المراتب الاربعة في العلم بحسب الحقيقة لكن بقي هنا شيء احبّ ان اوقفك عليه و هو انّ الثابت و الثبات في مقابلة المضطرب و الاضطرابِ و الجزمَ في مقابلة التزلزلِ و الاضطرابُ و التزلزل لاتحصلان الا بوجود مخالف مدافع مصادم و الا لم‌يكونا كذلك و اذا حصل المعارض المدافع لم‌تكن الصورة الحاصلة مانعة عن النقيض فكيف يصحّ المنع عن النقيض بدون الثبات و الجزم و كيف يدخل المراتب الثلٰثة في العلم اي في المنع عن النقيض و ما البيان في ذلك فان الامر قد اضطرب اضطرابا حسب ما بينت و كذلك المطابقة للواقع فان عدم المطابقة مع المنع من النقيض من قبيل المتناقضين كما لايخفي فيكون الثبات و الجزم و مطابقته لما في نفس الامر بيان و شرح للمنع من النقيض فلاتكون الصورة مانعة من النقيض الا اذا كانت ثابتة جازمة مطابقة لما في نفس الامر فلايكون الغير الثابت و الغير المطابق داخلاً في المانع من النقيض فلايكون علماً فصحّ ما ذهب اليه المشهور و بطل ما اوردت عليهم من الايراد و الاعتراض و الجواب انّا مااوردنا عليهم لو قالوا بعدم الفرق بين المانع من النقيض و الثابت و الجازم و المطابق [ص 104] للواقع بل لو قالوا ان كل عبارة من هذه العبارات الثلٰث شرح للاخري لم‌يتوجه عليهم هذا الذي ذكرنا الّا انهم قالوا بالفرق فصحّ ما اوردنا عليهم لكن التحقيق ان يقال انّ هنا مقامين مقام تلاحظ تلك الصورة عند الشخص و الآخر تلاحظها في الواقع و المقام الثاني فيه مقامان الاول ان تلاحظ تلك الصورة بحسب الواقع مطلقا من غير اعتبار شيء آخر ابدا و في هذا المقام لاتكون تلك الصورة خالية عن احد الامرين اِما ان تكون مطابقة للواقع ام لا و بعبارة اخري اِما ان تكون موجودة في الخزينة العليا او تكون موجودة مجتثة في الخزينة السفلي و انحصر الامر فيهما و لايتطرق احتمال الثبات و عدمه في الواقع الوجودي مطلقا فان المراد بالواقع ما خلق الله سبحانه سواء تصوّره المتصوّر ام لا فاذن لا معني للثبات و عدمه فيه الثاني ان تلاحظ في الواقع باعتبار حال الشخص العالم المتصور فانها ح تتصور فيها صورتان غير الاولتين فان تلك الصورة لاتخلو اِما ان يكون شان المتصور ان يثبت عليها نظراً الي المقدمات و القياسات و اذا التفت الي المخالف المدافع و المصادم حين ما وجدت و حصلت ام لا و بهذا ندفع ما عسي ان يتوهم ان علم العالم المجتهد الغير المقلد قد لايثبت و يتغير فح يجب ان لايكون علماً حين كونه كذلك يعني قبل ان تتبين المخالفة اذ بعد تبيّنها ارتفع حكم العلم و كلتا الصورتين لاتخلوان عن المطابقة و عدمها فيتحقق الاربع الصور المذكورة . فاذا تحقق لك هذين المقامين فاعلم ان الصورة اذا منعت عن النقيض عند الشخص فهي يجب ان تكون ثابتة عنده و جازمة لديه و [ص 105] مطابقة عنده للواقع اذ لو لم‌تكن جازمة و لا ثابتة و لا مطابقة لم‌تكن مانعة فان لاستلزام التزلزل و الاضطراب مصادمة الصورة الاخري كما لايخفي علي من راجع وجدانه فاذن ما قالوا ان العلم هو المانع عن النقيض الثابت الجازم المطابق المواقع ان ارادوا ما ذكرناه في المقام الاوّل صحّ و لايكون الّا هكذا لان مع وجود النقيض ليست الصورة الا احد الاقسام المذكورة التي اولها اي آخره الظن و آخرها اي اوّلها الوسوسة و الريبة فلايكون العلم الا اذا منعت النقيض عن التعارض بعدم النظر و الالتفات اليها و هذا ظاهر معلوم رددت العبارة فيه لعدم التفات العلماء اليه و لئلّايصوب ( لئلايشوب ظ ) عليهم الامر اذا التفتوا اليه . ثم اعلم يا اخي وفقك الله و ايّانا لكلِ ( خيرٍ ظ ) انك بعد ما حققت المقامات الاربعة في الصورة المانعة عن النقيض بالنظر الي الواقع مع ملاحظة حال الشخص و ان كانت عنده ليست الا الثابتة الجازمة المطابقة للواقع كما علمت فاعلم ان اول الاقسام الاربعة و هي الصورة المانعة عن النقيض الثابتة الجازمة المطابقة للواقع الحاصلة من التفات النفس المطمئنة الي وجه العقلي من القلب المتوجه المقابل الي اعلي عليين بشرط استدامتها في ذلك المقام و رسوخها في ذلك المرام مع التفاتها الي جهات المعارضة و حيثيات المناقضة هي المسمّي بعلم اليقين و هو اول مقام الترقي العلمي بعد تنزّله فان الترقيات الاولية انما هي ليحصل العلم و كانت مراتبه نازلة عن العلم و دونه و لذا سمّيناها بالعوالم السافلة للعلم اذ نسبة العلم الي تلك المراتب نسبة الانسان من حيث جسمه و روحه المتعلقة [ص 106] به الملتفتة اليه الي الارضين السابعة السفلي و ما تحتها من البحر العظيم و الريح العقيم و العذاب الجحيم و كذا نسبة العلم الي المراتب العالية و المقامات الفوقية كما سنذكر ان شاء الله نسبة الانسان الكذائي الي السماء السابعة و فوقها من الكرسي و العرش و الحجاب و الستر فتحقق لك ان العلم في رتبة الصفات كالانسان في رتبة الذوات كما انّ الانسان هي الجامعة للمراتب العالية و السافلة من حيث وحدته و هو الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمرُ و لذا كان مظهر اسم الله الجامع و مربوب لذلك الاسم الشريف كذلك العلم هو الجامع للمراتب العالية و السافلة و المتوسطة بوحدته و شخصيته فلك ان تقول ان تلك المراتب هي العلم او مراتبه و المعني واحد و لذا كان اشرف كل كمال و اعلي كل جمال و ابهي كل نور و جلال اذ ما من كمال الّا و فيه منه اصل و ما من بهاء الّا و هو له فرع فهو ظاهر الولاية و باطنه و لذا لما انقسم الوجود و الموجود وقع العلم في حصّة موليٰنا اميرالمؤمنين عليه و علي اخيه و زوجته و بنيه الصلوة و السلام و كان ذلك قسمته كما قال عليه السلام :

رضينا قسمة الجبار فينا لنا علم و للاعداء مال

فان المال يفني عن قريبٍ و انّ العلم باقٍ لايزال

فعلم اليقين هو النفس او ما تدركه في رتبة مقامها بعد الانخلاع عن التعلقات البدنية و الانزعاج عن الشهوات الجسمانية الجسدانية و انقيادها للعقل الكامل و التفاتها الي عالمها الاوّل و توجهها الي الراس [ص 107] المرفوع من القلب الي اعلي عليين و اعراضها كلية او اغلبية و اكثرية عن الراس المنكوس الي اسفل السافلين فتنطبع فيها من الانوار الالهية الحقيقية المفاضة علي العرش علي جهة الوحدة و البساطة الواحدية لا الاحدية المفاضة منه علي الكرسي علي جهة الكثرة و الجزئية و التصور بالصور الشخصية فالمنطبع في النفس ح هي الصور الحقّة الشخصية الجزئية المتكثرة المتعددة من الانوار الالهية و الحقايق اللاهوتية لكنها علي نحو الكثرة المستلزمة للهيبة و ظهور العظمة و الجلال و القهر و الغلبة لربنا الكريم المتعال و لذا كانت مورثة للخشية كما اخبر عنه الحق بقوله الحق بالحصر انما يخشي الله من عباده العلماء ، و قال السجاد عليه السلام لا علم الا خشيتك و لا حكم الا الايمان بك ليس لمن لم‌يخشك علم و لا لمن لم‌يؤمن بك حكم و قال موليٰنا الصادق عليه السلام اذا تحقق العلم في الصدر خاف ، و انّك لو تامّلت علمت وجه حصر العلم في الخشية اذ بعد منع النقض لايعتبر و لايعتمد الا علي ما هو الثابت الجازم المطابق للواقع و لايكون كذلك الا اذا اتّصلت النفس بالعقل و تكون اختاً له و تبيض لونها بعد ما كان اسود حتي يكون كلون السماء و لايكون كذلك الّا بعد ما ظهر له من نور الكبرياء و الجلال لمشاهدة تلك الصورة الحقة المنبئة عن عظمة الحق اذ لكل حق حقيقة و علي كل صواب نور فيري مقهوريته و مغلوبية الكل مع كثرتها فيحصل له من تصور ذلك الخوف المستلزم للهرب و هو قوله عليه السلام و من خاف هرب و من هرب نجي ، و الكلام في هذا المقام طويل و بالجملة انّ مدعي [ص 108] العلم ان وجدت فيه الخشية بعلامة التي هي الهرب فهو ممن ادرك ظاهر العلم و الحق و النور و الّا فان وجدت فيه الاهمال و الكسالة و عدم الميل و الرغبة و عدم التوغّل في المخالفة فهو من العوام و المقلدين و ان ادرك شيئاً فانه لم‌يدركه كما هو الواقع عن بصيرة بحيث يقف علي اليقين في مقام الظاهرة و الصورة و ان خالفه المخالف فهو و العوام علي حدٍّ واحد الّا ان عنده من الصور الغير الثابتة اكثر مما عند غيره من العوام و ان وجدت فيه المخالفة و التوغّل في المعصية و عدم المبالات بالشريعة المصطفوية علي ما هو عليه عامة الشيعة من الفرقة المحقّة الناجية فهو من الذين نكست رؤسهم عند ربهم فانطبعت فيها من الخزينة السفلي ما يعاند الاولي العليا و يضادّها و يناقضها و تعرف ذلك من علمه الّا ان معرفة ذلك و تميزه و معرفة مراتبه و مقاماته (كذا) اذ ليس الكل من اهل هذا المقام علي نهج واحد و طور غير متعدد بل هنا مراتب كثيرة و لكل مرتبة اهل :

و لكل رأيت منهم مقاماً شرحه في الكلام مما يطول

و سنشرحه ان شاء الله تعالي في احدي الفوائد و الحاصل ان المراتب الاربعة المذكورة في مقام العلم في الصدر احدها مرتبة علم اليقين و الاخري يقابلها تقابل التضاد و هي في اسفل السافلين كما ان الاولي في اعلي عليين و اطلاق العلم عليها من جهة الضدّيّة اذ من المناسبات مناسبة التضادّ كما انّ الشمس تطلق علي رسول الله محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله و القمر في القران علي عليّ بن ابيطالب اميرالمؤمنين صلوات الله عليهما ابد [ص 109] الآبدين و كذلك الشمس تطلق علي اول المنافقين و صدرهم و فخرهم و سيدهم ابي‌الشرور عليه لعنة الله ما مرّ الدهور و القمر يطلق علي ثانيهم و مظهر القبايح و المفاسد في قوله تعالي الشمس و القمر بحسبان و حسبان دركةٌ من دركات النيران بشهادة القرآن و امثال ذلك من الالفاظ التي تطلق علي الشيء و ضده و كذلك العلم اذا اطلق علي الصورة الحاصلة الثابتة الجازمة الغير المطابقة للواقع و العلماء يسمّونه بالجهل المركب و الصورتان الاخريتان مقام المستضعفين من الطرفين فلايحكم عليهم الّا بما عندهم ، معاذ الله ان ناخذ الا من وجدنا متاعنا عنده ، فلايعدّ الانسان عالماً معتمداً عليه معتبراً علمه الا اذا بلغ مقام علم اليقين و هو كما قلنا عبارة عن الصورة الموصوفة و قبل ذلك فلايعدّ عالماً و لذا قال الحق سبحانه كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم و هذا اليقين و الثبات الجازم المطابق انما هو في الصورة فقط و الا فهو في المعني الوحداني الواقعي الكلي الشامل الجامع لتلك الصورة و غيرها بمعزلٍ عن الوصول اليه و الادراك له اذ بعد ما قطع مسافة ذلك العالم و ماوصل اليه و ان كان يدرك من تلك الصورة معني الا ان ذلك ليس ما نحن بصدد بيانه بل هو المتنزل الي تلك الصورة و المتقيّد بها و اين هو مما اردنا من الوحدة الكلية لا الحقيقية ثم انّ هذا المقام اي مقام علم اليقين و ان كان مقام الظاهر و الصورة الحقّة الواقعية الّا انّ له مقامات كثيرة و درجات عديدة حيث ان الصور الحقّة مختلفة بعضها اعلي و اشرف من الآخر كما تري الاختلاف في الاجسام بعد اجتماع الكل في رتبة الجسمية و كذا الامر في الصور المنتزعة عنها اذ النفس مرآة تنطبع فيها صورة ما [ص 110] يحاذيها و يقابلها فالانتقاش اِما ان يكون بحسب المقابل كما يكون بحسب المرآة و لا شك ان الصورة المنطبعة من العالي اشرف و اعلي و اغمض و ادق و اوسع و ازيد من الصورة المنطبعة من السافل و لما كانت المراتب المختلفة بالعلو و السفل كائنةً ما كانت و بالغة ما بلغت تجمعها مراتب ثلٰثة العالي الذي ليس فوقه في تلك الرتبة و السافل الذي ليس دونه فيها و المتوسطات كما تشاهد في الاجسام فانها مع كثرتها و وفورها غير خالية عن هذه المراتب الثلٰثة اذ اعلي مراتبها الافلاك و ادني مراتبها المتولدات من حيث هي اي الارض و بينهما المتوسطات كالعناصر كانت مراتب العلم اليقين ايضاً علي ثلٰثة و قد اخبر الحق سبحانه عنها بقوله الحق و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثاً لكم و متاعاً الي حين و لا شكّ انّ هذه المراتب انما هي مراتب ظاهر الجلد الذي هو علم الظاهر و لما كانت مراتب العلم مختلفة كانت محاله و مواقعه ايضاً كذلك اذ الشيء الواحد من حيث وحدته لم‌يختلف آثاره و ذلك اِمّا بآلاته التي ياخذها عضداً لآثاره و افعاله او بجهاته في ذاته و الثاني في هذا المقام لايخلو عن تكلّف بل تعسّف فيثبت الاول فللنفس آلات و هي المسمّاة عند القوم بالقوي الباطنية تدرك المراتب السافلة عن الصور المنطبعة المنتزعة عن الخارج بها و هي تختلف بعضها يدرك القشر المحض و الظاهر الخالص اي ظاهر الظاهر و الآخر يدرك اللبّ من القشر كالصوف و الآخر الثالث يدرك لُبّ اللب من القشر و هو النفس في ذاتها و جوهرها و حقيقتها و كل تلك مراتب الصورة و علم الظاهر و تسميتها باللبّ و القشر اضافي فتفطن لادراك هذه الامور و احفظها و استعدّ لفهمها فان هنا مقامات اخر و تفاصيل يطول الكلام بذكرها و لذا تركناها و لكنا ربما القينا [ص 111] اليك من هذا الباب زيادة علي ما ذكرنا في بيان اقسام العلم و سرّ اختلافها و تشتتها بعون الله تعالي و حسن توفيقه و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اعلم ان الشخص مهما هو يلتفت الي الجسد و البدن لايتعدي ادراكه عن عالم الحسّ و الظاهر و لايعرف الا ما عرفه بالحواس الظاهرة الحسّيّة فينكر الذي لايدرك بالحواس الجسمية كما كان كثير من الكفّار و المنافقين و الزنادقة و الدهرية علي هذه الطريقة و حديث الاهليلجية لموليٰنا الصادق عليه السلام اكثره لاثبات هذا المدّعٰي من ان الشيء اعمّ من ان يكون مدركاً بالحواس الظاهرة او الباطنة و ذلك لشدّة التفاتهم و ركونهم الي عالم الحسّ و الجسم بحيث نسوا بالكلية مراتبه الاخري فاذا التفت الي النفس من جهة العقل و اعرض عن النفس الملتفتة الي الجسم يضعف هذا الحجاب الذي كان معدن الظنون و الشكوك و الوساوس و غيرها و يرقّ و يلطف حتي يتبين ظهور النفس من ورائها فاذا اشتغل بها و التفت اليها و استقرّ فيها و رسخ و تمكّن منها حصل له مقام علم اليقين و ذلك انما كان لشدّة التفات الشخص الي النفس و ان كان من جهة العقل فاذا قطع نظره عنها و التفت الي العقل و ترك ما تقتضيه النفس من الصور و الهيئات و الكثرات و توجه الي العقل التفاتاً كليّاً و توجهاً اصليا يضعف هذا الحجاب و يرقّ و يلطف حتي تشبه العقل قال الله تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و قال الشاعر و لنعم ما قال :

رقّ الزجاج و رقّتِ الخمر فتشاكلا فتشابه الامرُ

فكانّما خمرٌ و لا قدح و كانّما قدح و لا خمرُ [ص 112] 

فاذن يظهر سلطان جبروت العقل بعد مضيّ جنود النفس و يلوح نوره من افق القلب بعد ذهاب ظلمة الكثرات النفسانية فيشرق في القلب و يملأ بنوره جميع فضائه و يذهب باشراقه كالظلمات من الظنون و الشكوك و امثالهما فانّ الظنون و الشكوك لواقح الفتن و مكدرة لصفو المنايح و المنن فيحصل له علم اوسع من الاوّل و يتحقق لديه ادراك اشمل فيملأ في قلبه نور اليقين لانّه ح يدرك معاني الاشياء علي جهة العموم و الكلية و الانبساط فاذا عرفها من حيث انفسها و حققها و رسخ فيها عرف شيئاً واحداً بهذه المثابة فلايزول علمه بها و ان تبدّلت عليه الصور و اختلفت الجهات و الحيثيات و الاضافات فانه يعرفه مع كل صورة و بكل اعتبار و جهة و حيثية بل يعرف اموراً كثيرة ايضا بتلك المعرفة الاولية لتلك الصور المبتذلة المعتورة عليه التي هي حصة من ذلك المعني و افراد و تعيّنات له فاذا عرف ذلك حق معرفته فيعرف بها جميع افراده و اجزائه و جزئياته و ظهوراته و تطوّراته و افعاله في نفسه و افعاله من حيث تعيّناته و تشخصاته فيتسع علمه و ينفتح قلبه فيشاهد الامور الغيبية التي هي عبارة عن ظهورات الشيء الواحد و تطوراته و اليه اشار موليٰنا رسول الله صلي الله عليه و آله بقوله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفتح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل [ص 113] نزوله ه‍ ، انظر الي قوله صلي الله عليه و آله في العلامة فانه صريح فيما ذكرنا من تحقق مبدء هذا العلم و كذا قوله صلي الله عليه و آله فينفتح ، و ايّ انفتاح و اتّساع اكثر من ذلك فانه يدرك بشيء واحد اموراً عديدة بل غير عديدة غير متناهية و هذا العلم الكلي و النور الالهي الذي مقرّه القلب اي العقل هو المسمّي بعين اليقين و هو البيت الذي يأوي اليه الشخص في معرفة العلوم المشار اليها في تاويل قوله تعالي و اوحي ربّك الي النحل و هم آل‌محمد سلام الله عليهم اجمعين ان اتّخذي من الجبال اي الاجسام الظاهرة مقرّ الارواح الغيبية او العجم لكونه مطارح اشعة العرب كالاجسام كما هو شان السافل بالنسبة الي العالي بيوتاً اي اتخذي من احوالهم و اوضاعهم و ظواهرهم اي ادرك منها قواعد كلية و معاني الهية حقيّة مما يجمع كل تلك الاحوال بجامع واحد فان الامور المتباينة المختلفة مع تباينها و اختلافها و عدم ايتلافها يجمعها شيء واحد بسيط و كل هذه الامور المتباينة المتضادة لو تأمّلتها بالتامل الصادق وجدتها احوال ذلك الشيء الواحد و اعراضه و اجزائه (ظ) و جزئياته و شئوناته و تطوّراته و ظهوراته و مكمّلات وجوده و ظهوره و متمماته كذلك و شرائطه و علله و اسبابه و ظواهره و بواطنه و بالجملة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ذلك الشيء الواحد هو البيت الذي يسع كل تلك الامور و تأوي اليه لادراكها فاذا دخلت البيت تطلع علي جميع ما فيه لانّ اهل البيت ادري بالذي فيه ثمّ قال تعالي و من الشجر اي من النفوس و الارواح المتعلّقة بالابدان و المنقطعة عنها المتعلقة [ص 114] بعالم القدس او العرب علي ما فسّر في الحديث الذي رواه علي بن ابراهيم و مما يعرشون اي من الارتباطات البرزخية بين الجبال و الشجر الصور المقدارية و الهيئات المثالية او الاعم ليشمل الارتباطات الرقايقية ثمّ كلي من كل الثمرات و هو استنباط تلك الافراد و الجزئيات من ذلك المعني الواحد الكلي اما بضمّ صغري سهلة الحصول اليه لينتج لك الامر بالبداهة كما اذا عرفت الانسان من حيث هو و عرفت انه حيوان ناطق و عرفت الحيوان الناطق فتجعله كبري كلية و تقول كل انسان حيوان ناطق فاذا اردت استنباط الجزئيات منها فانظر فيها فان وجدت ذلك المعني فيها فاجعلها صغري فقل هذا حيوان ناطق و ضمِّها الي الكبري و قل كل حيوان ناطق انسان فهذا انسان و هكذا تتصرف في جميع جزئياته ذلك (كذا) و افراده فمعرفة تلك الحقيقة الجامعة و استخراج جميع اطوارها منها هو عين اليقين فتلك الحقيقة الجامعة من الابواب التي تنفتح منها الف باب من العلم و كل معني باب من الابواب لكونه شيء واحد منطوٍ فيه الكثرات و صالح لقبولها كالمداد فانه معني الحروف و لُبّ الهيئات و الحدود و ليس فيه في ظاهر الحال شيء من تلك الّا انه صالح لها و مندمج تلك الكثرات في وحدته و ثابتة فيه ثبوتاً ذكريا لكنها معدومة العين فاذا تصوّر بالصور المختلفة و الهيئات المشتتة تري ظهور المداد في كل تلك بل لاتريها شيئاً الّا بالمداد بل لاتري شيئاً الّا المداد فيتسع علمك و ينفتح فهمك و قلبك لمشاهدة تلك الامور الغائبة في ذلك المعني كالمداد مثلا فانت لاتزال فيه علي يقين و بصيرة بل [ص 115] تزداد بصيرةً و علماً و يقيناً بذلك الشيء اذا رايته يظهر في كل شيء من مظاهره و لاتشكّ فيه بوجه لانّ الشكّ ان كان بالنفي و الاثبات في اصل ذلك المعني انه هل هو كذا ام لا ام هو هو ام لا او باعتبار اختلاف الجهات و الحيثيات و الاعتبارات يلتبس عليه امر ذلك الشيء غير ذلك من حيث تصوّره بالصورة الاخري او حيثية اخري معارضاً لذلك الشيء من حيثية و جهة اخري و هو في الحقيقة شيء واحد فيحصل عنده احد الاقسام المذكورة من الريبة و الشكّ و الوهم و امثالها فان كان الشك باعتبار الامر الاول فهو خارج عما نحن بصدده لانّ العالم بعد ما خرج عن مقام علم اليقين و مادخل في رتبة عين اليقين بل هو اول صعوده منه و الامر الثاني لايمكن فرضه لمن دخل ذلك الباب و عرف الشيء من حيث هو لا من حيث الصورة فلايتحقق الشكّ اذن ابدا و لا الظن بمراتبه و اقسامه ثم قال تعالي فاسلكي سبل ربك ذللا و سبيل الرب هو الذي ذكرنا لك من اتّخاذ الامر الجامع الصادق علي الكل اِمّا علي نحو جمعية الكلي لافراده او الكل لاجزائه او العلة المادية لمعلولاته كذلك او المنير لانواره او الفاعل لافعاله و آثاره او المقابل لصوره المتجلية في مرايا ظهوراته او المطلق لقيوداته او الكلمة لدلالاتها المختلفة حسب افهام المخاطبين فاذا سلك هذا السبيل علي هذا الطريق كان سالكاً لسبيل الرب ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه اي علوم مختلفة متّحدة الحقيقة من احوال العوالم العلوية و السفلية و النورانية و الظلمانية و الحقيقية و المجازية و الخلقيه و الامرية اذ ليس [ص 116] العلم الّا احوال العالم و الاعيان الموجودة و الاختلاف انما هو لاختلاف المعاني الكلية المستدعي كل معني منها علوماً من سنخه كالنور الاحمر الذي منه احمرّت الحمرة و النور الاخضر الذي منه اخضرّت الخضرة و النور الاصفر الذي منه اصفرّت الصفرة و النور الابيض الذي منه البياض او منه ابيضّ البياض مثلا اذا علم حقيقة الجسم من حيث هو و ما يقتضيه من حيث ذاته و ما يصلح لان يعرض عليه ينشعب منه العلم الطبيعي من احوال الاجسام من الفلكي و العنصري و البسيطي و المركّبي فاذا عرف حقيقة مقدار الاشكال الشبحية و ما يصحّ عليها و ما تقتضيه من حيث ذاتها ينفتح له باب علم الرياضي بجميع انحائه و اقسامه و كذلك امثالهما ( امثالها ظ ) من المعاني الكلية الجامعة و يختلف العلماء في معرفة ذلك المعني الكلي و كذا في كيفية استنباط تلك الجزئيات منه فيه شفاء للناس لانّه اذن يدرك الحق و يعرض عن الباطل لانه يري الشيء و يشاهده علي نهج يستخرج منه جميع احواله فيسكن عنده و لايضطرب اذ الحق يشفي العليل و يبرد الغليل بخلاف الباطل فانه يعلّل الفهم و يسقّم القلب و يعوّج الفطرة و يكدّر الصفوة من المشاعر و القوٰي كما قال موليٰنا علي بن الحسين عليهما السلام و اقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب و اكشف عن قلوبنا اغشية المرية و الحجاب و اَزهِق الباطل عن ضمايرنا و اَثبِت الحق في سرائرنا فان الشكوك و الظنون لواقح الفتن و مكدرة لصفو المنايح و المنن الدعاء ، فاذا ادركت الحق و علمت الصواب فاعلم انه شفاء لكل مرض من امراض الجهل و السهو و الغفلة و الشكّ [ص 117] و الظن و غيرها في كل باب و لعمري ان هذه الآية الشريفة متكفلة لبيان عين اليقين علي احسن ما يمكن و لبيان ازيد من ذلك لايقال ان هذا تاويل يخالف الظاهر و الاصل عدمه للزوم ارتكاب مجاز لانّا نقول بعد ما فسّر النحل بآل‌محمد سلام الله عليهم و الجبال بالعجم و الشجر بالعرب او بالعكس و لم‌يحضرني الآن لفظ الحديث فلا محيص الّا ما ذكرنا لايقال انه من الاخبار الآحاد التي لايوجب علماً و لا عملا لانّا نقول اذا كان الخبر الواحد محفوفاً بالقرائن القطعية يتعيّن العمل به سيما عند اعتضاده بالعقل القاطع و انت لو تأمّلت علي حقيقة الامر فيما ذكرنا ينكشف لك الواقع ان شاء الله و لو كشف الغطاء لمااخترتم الّا الواقع فافهم .

ثم اعلم انه كما كان في مرتبة علم اليقين مراتب ثلٰث كذلك يكون في مرتبة عين اليقين فان فيها مراتب ثلٰثة حسب التفات النفس اي الشخص الي المقامات العقلية النورية المحضة اوّلها و هو ادناها اول ظهور مقام العقل قبل انمحاق جهات النفس الصاعدة الي الروح و التفات العقل النازلة الي الروح ايضا ثانيها و هو اوسطها بل اوّلها اي مقام العقل في حدّ ذاته في رتبة ذاته و بلوغه الي مقام قاب قوسين قبل ان يصل الي مقام او ادني و هو مرتبة الحقيقية و ذاته الواقعية من غير نزول و صعود فافهم و ثالثها و هو آخرها و اعلاها مقام العقل حين التفاته الي الفؤاد النور الذي خلق منه الذي يُدرِك به المؤمنُ صاحب الفراسةِ الاشياءَ فاذا قطع التفاته عن نفسه فذلك مقام آخر و عالم آخر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالي .

[ص 118] ثم اعلم انّ الفرق بين هذه المرتبة و مرتبة علم اليقين في غاية الوضوح و نهاية الظهور كالفرق بين الارض و السماء فان النفس هي الارض و السماء هو العقل الاتري الي قوله عليه السلام كيف فسّر قوله تعالي الم‌تر انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها بموت العلماء الذين يخشون ربّهم فافهم فان العلم اليقين فيه ادراك الصور المعيّنة لذلك المعني في حدّ خاص و تعيّن معيّن علي الوجه الثابت الجازم المطابق للواقع مدركه النفس المطمئنة عند نظرها الي عليين حينما رجعت الي ربّها و كانت راضية مرضية و دخلت في عباد الله الصالحين فاستحقت بذلك دخول الجنة القرب و الصواب امتثالاً لقوله تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربّك راضيّة مرضيّة فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فلا نصيب لاهل هذه المرتبة الادراك ( الا ادراك ظ ) ذلك المعني من حيث ذلك التعيّن و تلك الصورة فاذا تعيّن ذلك المعني يتعين آخر و قد يلتبس عليه و لايدركه بل يريه معارضاً لذلك المعني الاول المتعين بالتعيّن الآخر لجهله بالوحدة لكون مقامه مقام الكثرة فلايري الوحدة مهما هو في ذلك المقام بخلاف مقام عين اليقين فانّ فيه ملاحظة الوحدة و الاعراض عن الكثرة و معرفة الاشياء الكثيرة بمعرفة الشيء الواحد و هذا ظاهر معلوم ان شاء الله تعالي .

ثم اعلم يا اخي وفّقك الله و ايّانا لما يحب و يرضي ان ذلك النور الرباني و الفيض السبحاني الذي اثبتنا انه هو العلم و هو الكمال المطلق بالنسبة الي حال الشخص و هو اول صادر عن الحق سبحانه بالنسبة الي مراتبه و مقاماته الذي امره الله سبحانه بالادبار و [ص 119] المسافرة من الحق الي الخلق فسافر ممتثلاً و اقبل الي الخلق مرتبةً بعد مرتبة الي ان وصل الي التراب الجماد ثمّ امره الله سبحانه بالاقبال و المسافرة من الخلق الي الحق اي الرجوع الي الوطن بعد الهجرة فاقبل اليه سبحانه ممتثلاً لقوله و مجيباً لدعوة ربّه فمرّ في صعوده كما كان في نزوله الّا ( انّ ظ ) الثاني كان علي جهة الخفاء و الاوّل علي جهة الظهور كما هو شان الصعود و الهبوط و بالجملة انه مرّ في صعوده علي مقام النبات لم‌يصر مبدء ادراك علي الظاهر الّا فعل النمو و الذبول فمرّ علي الحيوان فصار في هذا المقام مبدء الشكوك و الظنون و الاوهام و الوساوس و الارتياب و النجوي و الخيالات الغير المستقلة الباطلة و الكاذبة و بعض الادراكات الحقّة الجزئية علي ما فصّلت لك سابقا يعني ان تلك الامور انما ظهرت في هذا المقام لانّ النور كان سبباً للظلمة و ان كان كك فبعد ما قطع تلك المسافة اِمّا صاعداً الي اعلي عليين و اِمّا هابطاً الي اسفل السافلين وصل الي مقام النفس و مرّ عليه فصار مبدء انشراح الصدر بالايمان و العلوم الحقة و الصور الصحيحة النفس الامرية و في مقابله انشراح الصدر بالكفر و الادراكات الثابتة الجازمة الباطلة الغير المطابقة لما في نفس الامر و هو عبارة عن الضيق و الحرج قال الله تعالي فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجا كانّما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون و هناك مقام علم اليقين كما مرّ فبعد ما قطع في [ص 120] صعوده مقام النفس و دخل في الباب العقلي فانفتح له ابواب من العلم ينفتح من كل باب الف باب و لذا كان تعليم النبي صلي الله عليه و آله للوصي كذلك كما في الاخبار لانّ النبي صلي الله عليه و آله النور و القلم و الوصي الكتاب المسطور في رقّ منشور فافهم فصار في هذا المقام مبدء عين اليقين الي هنا كان آخر مقامات التعيّن و التشخص فبعد ما قطع مسافة هذا العالم مع وسعته و بُعده لحق بمركزه و عاد الي عالمه و ادرك ذاته بذاته فادرك كل شيء بذلك الادراك اذ الكل من شيء واحد و هو الجنان الصاقورة التي ذاق روح القدس من حدائقه الباكورة فهو يدرك حقيقة الشيء من حيث هي مع قطع النظر عن التعيّنات و التشخصات بايّ وجهٍ كانت و يحيط بالاشياء المقيّدة احاطةً تامةً كلية بحيث اذا وصل الشخص الي ذلك المقام لايشذّ منه جهة من جهات الشيء و حال من احواله و حيثية من حيثياته و هو يحيط بكل ذلك علماً فهنالك يحصل حق اليقين بل انّه الحق اليقين و النور المبين يدرك جميع مراتب الاشياء في اماكنها فيدرك اجسامها بالقوي الجسمية و اشباحها بالقوي الشبحية و ارواحها بالقوي الروحانية و انوارها بالقوي النورانية و اسرارها و حقايقها بذاته و حقيقته فلايكون شيء في رتبة الا و قد وقع علمه عليه و هذا بخلاف عين اليقين فانه كان يخفي فيه حقيقة الشيء التي هي جهة الاحدية الامكانية و انما كان فيه ظهور الواحدية الامكانية و تمام الواحدية بالاحدية فهي الكاف المستديرة علي نفسها و في هذه المرتبة يعرف الحق سبحانه بكمال المعرفة التامّة الحقيقية التي لا اتمّ [ص 121] منها و لا اكمل مما يتصور في حق الممكن و يمكن له لا كما هو الواقع عليه اي معرفة المثال الذي القاه الله تعالي في هوياتنا لنعرفه به و الآية التي ارانا الله ايّاها اي نور الوصفاني و النقش الفهواني المكنون المخزون في لُبّ الانسان الذي وقع عليه السؤال في حديث كميل لموليٰنا الوليّ الملك المتعال ما الحقيقة قال عليه السلام ما لك و الحقيقة ، لعلوّ شانها و نبالة مكانها و لاختصاص الخصيص من الكمّلين من الشيعة بها و انت لست منهم و ماوردت ماءهم و ماشربت شربهم فزعم كميل انها من اسرار التي يخصّ بها اميرالمؤمنين عليه السلام و صاحب سرّه فتعجب من انكاره عليه السلام عليه و طرده عن هذا الباب فقال « اولست بصاحب سرّك » فاجابه عليه السلام بما يناسب مقامه و لم‌يأخذه بما اساء من الادب لانهم عليهم السلام اهل بيت العفو و الكرم فقال عليه السلام « بلٰي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني » فلما عرف كميل مقامه و علم انه ليس اهلاً لذاك فجاء في مقام العجز و الضعف باني و ان لم‌اكن لادراكها قابلاً لكن لكل سؤالٍ جواب و رُبّ حامل فقهٍ الي من هو افقه منه فاجابه عليه السلام بقوله الحق « كشف سبحات الجلال من غير اشارة » و كميل و ان علم ان هذا المقام عالٍ بعيد المنال و لم‌يمكنه الوصول اليه الّا انّه اراد ان يدركه بالوصف المقالي و لما لم‌يعرف تلك الفقرة فاستزاد البيان فقال زدني بيانا فقال عليه السلام « محو الموهوم و صحو المعلوم » فقال زدني بيانا قال عليه السلام « هتك الستر لغلبة السر » قال زدني بيانا قال عليه السلام « جذب الاحدية لصفة التوحيد آثاره (كذا) » قال زدني [ص 122] بيانا قال عليه السلام « اطفئ السراج فقد طلع الصبح » ، و هذه المضامين كلها لايكون الا في مقام حق اليقين و هو لايكون الّا في اعلي المشاعر و المدارك و هو فوق العقل فمقرّ الحق اليقين هو الفؤاد و هو نور الله الذي خلق منه الشيء و ان سبق الي اكثر الاوهام الي ان ليس فوق العقل شيء الّا الذات القديمة تبارك و تعالي و برهانه علي جهة الحكمة و الموعظة الحسنة من اظهر الاشياء و انما خفاؤه لشدّة ظهوره اذ قد يخفي الشيء لاجل شدّة الظهور و امّا علي جهة المجادلة بالتي هي احسن فنقول حيث ان الناس من جهة بقائهم في مقام صدر النفس و عدم ترقيهم الي المقامات فوقها لايدركون غير المجادلة فلو القيت عليهم من دليل الحكمة او دليل الموعظة الحسنة اللذين هما الاصلان و العمدتان في الايصال الي المعرفة و اليقين و الايفاق عليهما لكنهم من جهة قصورهم يقولون ان هذا المطلب بقي بلا دليل و برهان و لذا لو اردنا ان نلزم عليهم شيئاً فآتيهم بالمجادلة و هي ادني الدلالات و اخفي الاشارات ذلك مبلغهم من العلم فنقول هل العقل شيء موجود ام لا و الثاني بديهي البطلان و الاوّل هل هو موجود مستقلّ بالله من الاعيان الخارجية النفس الامرية ام لا و الثاني ايضا باطل لما برهن في محله و الاول هل هو اشرف من غيره ام لا و الثاني باطل ايضا لاعترافهم بان العقل من صقع الربوبية و هو المجرد عن المادة مطلقا ذاتاً و فعلاً و الاول هل هو مركب او بسيط و الثاني باطل لاعترافهم بان كل ممكنٍ زوجٌ تركيبي و لا شكّ في امكان العقل و الاول هل هو مركب من الوجود [ص 123] و الماهية او غيرهما و الثاني باطل لعدم غيرهما و الاول هل الوجود امر متأصل ذا تحقق و تذوّت في الغير الخارجي ام لا و الثاني باطل لاعتراف محققيهم بذلك و لِما اقمنا عليه من البراهين القاطعة في كتابنا اللوامع الحسينية و ليس هذا محل استقصاء هذا المرام و الاول هل الوجود اشرف ام الماهية و الثاني باطل اتفاقاً و الاول هل له علم و كمال و نور و بهاء و جمال اشرف و اعظم من علم العقل و كماله و بهائه و نوره و جماله ام يساوي العقل في الكمالات ام ينقص العقل فيها ام ليس فيه شيء منها و الثلٰثة الاخيرة باطلة جزماً اما الاول فللزوم مساوات العالي و السافل من حيث هو سافل في الكمالات و المزايا و الفضائل و هو باطل جدّاً و الا لم‌يكن عالياً من حيث هو كذلك و لا السافل سافلاً من حيث هو كذلك و بطلان الاول من الثلاثة يستلزم بطلان القسمين الاخيرين بالطريق الاولي فثبت الاول من الاربعة هو ان يكون للوجود الذي جزء العقل المتعين بالحدود العرضية بالتعيّن المعنوي في الحدّ العقلي اعلي و اشرف و اقدم و اكثر بهاءً و اعظم نوراً و سناءً و اشدّ تحققاً و تذوّتاً و تأصّلاً و اقرب منه مبدءاً و اشدّ نوراً و اجلّ خطراً و اعلي منزلاً و اوفر حظّاً و اجزل قسماً في كل خير و نور و حق من العقل و عينية تلك الكمالات كلها له مما سبق برهانه و حيث كان العقل مقرّ العين اليقين للشيء وجب ان يكون مقرّ الحق اليقين هو الوجود بل هو الحق اليقين لما قد عرفت من ان كمالاته كلها ذاتية و ليس له فعل في رتبة ذاتها و يعبّر عنه اهل البيت عليهم السلام في اصطلاحاتهم و محاوراتهم بالفؤاد و اعلم انّا قد منعنا (ظ) عن ذكر احوال [ص 124] هذا المقام علي جهة البسط في الكلام و ما فيه من الاسرار بالبيان التام نظراً الي ما قال الامام عليه الصلوة و السلام :

انّي لاكتم من علمي جواهره كيلايري العلم ذو جهلٍ فيفتتنا

و قد تقدّم في هذا ابوحسنٍ الي الحسين و وصّٰي قبله الحسنا

يا رُبّ جوهر علمٍ لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا