منها قوله تعالي انما يخشي الله من عباده العلماء ، اعلم ان الله تعالي وصف العلماء بمناقب عديدة بحيث كل واحد منها مستقلة في الايصال الي الحق سبحانه و هي التوحيد و الشهادة و الاقرار له بالوحدانية كما في قوله تعالي شهد الله الآية و وصفهم بالسجود علي وجه التذلل و الانكسار الذي هو احبّ احوال الخلق الي الحق و بالتصديق لوعده الذي هو علامة الرجال للخواص بالخشوع كما في قوله تعالي ان الذين اوتوا العلم من قبله اذا تتلي عليهم يخرّون للاذقان سجّداً و يقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ، و يخرّون للاذقان يبكون و يزيدهم خشوعا و وصفهم بالخشية كما في الآية انظر في هذه الخصال فصدِّقْ ما قلنا فانها كلها آثار العلم فاذن اين المؤثر في المقام .
منها قوله تعالي قل كفي بالله شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب .
منها قوله تعالي قال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير .
منها قوله تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون .
منها قوله تعالي و مايعلم تاويله الا الله و الراسخون في العلم علي قرائة الوصل .
منها قوله تعالي و يري الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربّك هو الحق .
و امثالها من الآيات كثيرة جداً .
و اما الاحاديث و الاخبار الدالّة لهذا المطلب و المؤيّد لها و المعضدة اياه فكثيرة :
[ص 59] منها ما روي عن رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي نوم العالم افضل من عبادة العابد يا علي ركعتان يصليهما العالم افضل من الف ركعة يصليها العابد يا علي لا فقر اشدّ من الجهل و لا عبادة مثل التفكر ، و عن الصادق عليه السلام اذا كان يوم القيمة جمع الله الناس في صعيد واحد و وضعت الموازين فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء علي دماء الشهداء ، و قال صلي الله عليه و آله العامل علي غير بصيرة كالساير علي غير الطريق لاتزيده سرعة السير من الطريق الّا بعداً ، و قال صلي الله عليه و آله الانبياء قادة و العلماء سادة و مجالستهم عبادة ، و قال صلي الله عليه و آله الا انّ الله يحبّ بغاة العلم ، و قال صلي الله عليه و آله انّ الله و ملائكته و اهل السموات و الارض حتي النملة في جحرها و الحوت في البحر ليصلّون علي معلّم الناس بالخير ، و قال ايضاً صلي الله عليه و آله اذا مات ابن آدم انقطع عمله الّا من ثلاث علم يتنفع به او صدقة جارية او ولد صالح يدعو له ، و قال صلي الله عليه و آله لا حسد الا في اثنين رجل آتاه الله الحكمة فهي يقضي بها و يعلّمها الناس و رجل آتاه الله مالاً فسلّطه علي انفاقه في الحق فهو ينفق منه سرّاً و جهرا ه ، و عن موليٰنا علي بن الحسين عليهما السلام قال لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج ان الله تبارك و تعالي اوحي الي دانيال انّ امقتَ عبيدي اليَّ الجاهلُ المستخفّ بحق اهل العلم التارك للاقتداء بهم و انّ احبّ عبيدي اليَّ التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء القابل عن [ص 60] الحكماء ، و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً الي الجنة و انّ الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم و ما به و انه يستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الارض حتي الحوت في البحر و فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي ساير النجوم ليلة البدر و ان العلماء ورثة الانبياء انّ الانبياء لميورثوا ديناراً و لا درهما و لكن ورثوا العلم فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر ه ، و قال موليٰنا عليّ عليه السلام يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك و انت تحرس المال و العلم حاكم و المال محكوم عليه و المال تنقصه النفقة و العلم يزكو بالانفاق ، و قال عليه السلام العالم افضل من الصائم القائم المجاهد و اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة لايسدّها الّا خلف مثله ، و قال ايضاً نظماً و قيل انه لابنه الحسين عليه السلام :
الناس من جهة التمثال اكفاء ابوهم آدم و الاُمّ حوّاء
فان يكن لهم في علمهم شرف يفاخرون به لا الطين و الماء
ما الفخر الّا لاهل العلم انهم علي الهدي لمن استهدي ادلّاء
و قدر كل امرء ما كان يحسنه و الجاهلون لاهل العلم اعداء
ففُزْ بعلم تحزْ طيب الحيوة به فالناس موتٰي و اهل العلم احياء
قال بعض العلماء مناسباً لهذا المقام كلاماً احبّ ان اذكره لما فيه من الفوائد و ترغيب الطلاب و تحريصهم الي التشبث باذيال العلم و العلماء فانه ركن الدنيا و الدين و الآخرة و العقبٰي [ص 61] قال : « و من الدلائل علي فضيلة العلم ان يوسف علي نبينا و آله و عليه السلام مع ما له من الملك و المال و الجاه و حسن الخلق و الخلق ذكر منّة الله علي نفسه بالعلم حيث قال و علّمتني من تاويل الاحاديث فانت يا عالم اماتذكر نعمة الله عليك حيث جعلك من تاويل الاحاديث فضلاً عن تفسير ظاهرها و من العارفين اهل اسرار الحقيقة و اليقين فضلاً عن الواقفين علي الظواهر و القشور من فروع الشريعة و الدين و جعلك سميّاً لنفسه و هو العليم الحكيم و جعل شهادتك قريناً بشهادته و شهادة ملائكته في باب التوحيد حيث قال شهد الله انه لا اله الا هو الآية ، و جعلك وارثاً لنبيّه لقوله صلي الله عليه و آله العلماء ورثة الانبياء ، و داعياً لخلقه و سراجاً لاهل بلاده و مناراً في عباده لقوله تعالي و جعلنا له نورا و قوله نورهم يسعي بين ايديهم و بايمانهم و قوله صلي الله عليه و آله فضل العالم علي العبد كفضل القمر ليلة البدر علي ساير الكواكب ، و شفيعاً يوم القيمة لما روي عنه صلي الله عليه و آله تشفع يوم القيمة ثلٰثة الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء ، و اميناً في ارضه لقوله صلي الله عليه و آله العالم امين الله في الارض ، و سيّداً و قائداً للخلق الي جنته و ثوابه و زاجراً لهم عن ناره و عقابه كما قال صلي الله عليه و آله العلماء سادة و الفقهاء قادة و مجالستهم عبادة ، و خليفةً لنبيه صلي الله عليه و آله كما قال صلي الله عليه و آله اللهم ارحم خلفائي فقيل يا رسول الله من خلفاؤك قال الذين ياتون من بعدي يروون حديثي و سنّتي » .
و بالجملة فضايل العلم و شرافته و علوّه و الحكم المستدعية لايجاده و [ص 62] احداثه و امتنان الخلق به مما لايمكن لامثالي من القاصرين فاكتفينا بالاشارة الي بعض الوجوه تنبّهاً ( تنبيهاً ظ ) للغافلين و ارشاداً للمسترشدين و الحمد لله رب العالمين .
المطلب الثاني - في حقيقة العلم و ذكر عوالمه السافلة و العالية و ذكر مبدئه و منتهاه . اعلم ان المحجوبين عن مشاهدة نور اليقين و القاعدين عن انسلاك الطريق المورد علي الماء المعين من حوض ولاية اميرالمؤمنين و اولاده الطيبين الطاهرين عليهم سلام الله ابد الآبدين لما لمينفتح ابصار قلوبهم لمشاهدة الحق المبين و الوحدة السارية في الموجودات علي جهة الاجمال و التبيين لتشتت اقوالهم حسب ما رأوا مما ظهر لهم من ذلك النور الالهي في مقاماتهم العلوية و السفلية فقال كل ما رآي حسب ما شاهد او من جهة شدّة جلائه و ظهوره قد اختفي و افتقد و اختلفوا في العلم اختلافاً شديداً مع ان الحق مع واحد منهم و هو كلهم من حيث اجمعهم فقيل انه حضور المعلوم عند العالم بعد ما انكروا الوجود الذهني و قيل هو حصول الصورة في الذهن فيكون علي كلا القولين من مقولة الاضافة و قيل هو الصورة الحاصلة من الشيء في العقل و قيل كذا عند العقل فيكون علي القولين من مقولة الكيف و قيل هو قبول النفس لانتقاش الصورة و هو المعني الثاني للادراك علي زعمهم فيكون العلم من مقولة الانفعال و قيل انه صفة توجب لمحلها تميز لايحتمل النقيض ( و قيل ظ ) انه صفة ينجلي بها امر معنوي لمن قامت به و قيل هو نفس الانكشاف اي انكشاف معلومات للعالم و قيل هو عين المعلومات ، و امثال ذلك من الاقوال الكثيرة و ارادوا في كل ذلك مبدء [ص 63] ما اشتق منه لفظ العام الموضوع للمفهوم الكلي اي قام به هذا المبدء صحيح الصدق علي الواجب سبحانه و علي الممكن و من هذه الجهة و غيرها من الامور التي لا فائدة كثيراً في ذكرها فانقضوا كل هذه التعاريف و اوردوا عليها ايرادات و ابحاث و اعتراضات بحيث ملئوا الدفاتر و لميجدوا منها حاصلاً ظاهرا و لو اردنا ان نبيّن ما تكلّفوا من النقض و الابرام لطال علينا الكلام و يخرجنا عن المرام و الاختصارُ احبّ اليَّ في كل مقام .
فنقول ما تحقق عندنا في هذا المطلب و ما ادركنا الذوق من هذا المشرب ان هذه التعاريف المذكورة و الغير المذكورة انما هي عبارات نشأت من اختلاف مقامات العلماء في العلم فتكلّمَ كل حسب مقامه و لما كانت المقامات الانسانية مضبوطة محدودة لايبعد ان يقال انّ مرجع كل هذه الكلمات الي شيء واحد و ان لا اختلاف بينها باعتبار كل تعريف و بيان في مقام من المقامات و مرتبة من المراتب اذا جمعت الكل و رتّبتها ينتج لك المطلوب و شرح ذلك و بيانه يطول الّا انّي اقتصر علي الاشارة حسب ما يسعني من تأدية العبارة فنقول انّا لمّا تأمّلنا و تدبرنا في انفسنا وجدنا ان المشاعر و المدارك التي للانسان كلها غير خالية عن حالتين :
الاوّل قدرة ذاتية و قوّة غريزية (ظ) يقتدر بها و ان كانت بنفسها عن ادراك ما يقابلها و يحاذيها اِمّا من الامور المحسوسة في الحواس الخمسة الظاهرية او المعقولة فان السمع مثلا ليس الذي يدرك المسموع بحيث اذا فقد المسموع اقتضي صدق اسم ضدّه و هو الاصمّيّة و كذا البصر و الشمّ و الذوق و اللمس و الّا يلزم ان يصدق ضدّه و نقيضه عند عدم المقابل [ص 64] و الضرورة قضت ببطلانه فيجب ان تكون تلك القدرة ذاتية لا فعلية اذ المفروض وجودها عند عدم الفعل فلك ان تقول ان تلك القوة وجودها مساوقٌ لوجود ذلك المشعر و المدرك بل لك ان تقول انها هي ليست شيئاً غيرها لكنها بنسبة مقامها فقوّة العالي بحسبه و السافل بحسبه لئلايتوهم المخالف ليلومك (كذا) المؤالف فاذن قد يحجب لها مانع يمنعه عن ابراز ما في ضميره و ذاته و قد لايحجبها فيصل مبلغها و تحوم حول مركزها و لاتتعدي مجريها و لاتتجاوز مأواها فعلي الاول قد يمكنه ان يزول المانع و قد لايمكنه بامور و اسباب يطول بذكرها الكلام و سنذكرها ان شاء الله فيما ياتي فيما يناسب المقام و معني ذاتيتها ان الله تعالي لما خلق خلقه علي هذه الفطرة و الجبلة اظهاراً لكمال النعمة و اتماماً لبلاغ الحجة و يجري هذا الحكم في المشاعر الغيبية كما يجري في الشهودية حرفاً بحرف بل جريانه هنالك اظهر و اوفق كما لايخفي .
الثانية ادراك ما يناسب تلك القوة فعلاً علي حسبها فالصورة في الصورية و المعني في المعنوية و الحقيقة في الحقيقية و المقدار في المقدارية و الجسم في الجسمية و لايتوهمن متوهّم انّ الاوّل الاولي كانت تلك القوة بالقوة و الآن صارت بالفعل فليس هنا شيئان بل شيء واحد قوّة و فعل لانّا نقول ليس هنا قوة و فعل بل ذات و فعل لان ما بالقوة لايكون كذلك الّا لنقص في ذات الشيء من عدم النضج و الاعتدال المناسب لذلك الذي صار بالقوة و هو يحتاج الي اصلاح ذلك الشيء شيئاً فشيئا حتي يظهر المحل و يناسب ظهور ما بالقوة كمراتب الجنين من النطفة و العلقة و المضغة [ص 65] و العظام و تكسي لحماً و انشاء الخلق الآخر اي الروح القديمة و هذا هو ما بالقوة الذي صار بالفعل علي الظاهر و اما ما كان ذاته كاملة تامة الاقتضاء للفعل اِمّا منعه عن اظهار فعل عدم ما يتعلق فعله به او عدم شرائط ظهوره و عدم توفر اسباب بروزه حتي اذا ارتفعت ظهر فعله و قد صحّ ان رفع الموانع ليس من تتمة المقتضي و ما هذا شانه لايقال له انه كان بالقوة صار بالفعل فلو انفتح هذا الباب فيلزمك ان تقول كل مفعول بالنسبة الي كل فاعل انه كان بالقوة فصار فعلياً و هذا من افحش الاغلاط فالفرق بين القوة و الفعل و الذات و الفعل هو ما ذكرنا لك آنفاً فان التزمت بهذا و سمّيت الكل باسم واحد فلا علينا كلام في خصوص التسمية بل في الحقيقة و الواقع نفرّق بين المعنيين يقيناً و ان اشركتهما في اسم واحد الحاداً في الاسماء و مخالفةً للعقلاء بل و الفصحاء و البلغاء و لا شكّ انّ ما نحن فيه ليس من القسم الاول بل من القسم الثاني لقضاء وجدان علي الفرق اليقيني الواقعي فاذا صحّ هاتان الحالتان للمشاعر و المدارك الكلية و الجزئية فلا علينا ان نطلق العلم علي كل الادراكات بقول مطلق علي الاجمال و نطلق العلم الذاتي علي المرتبة الاولي لكونه عين ذات الشيء و لايستدعي شيئاً و لايقتضيه غيرها لعدم صحّة سلب الاسم عند عدم المقابل و علي هذا يحمل ما ورد في الحديث كان ربنا عز و جل عالماً و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور و لما وجدت الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع [ص 66] علي المسموع و البصر علي المبصر ، فاشار الي المرتبة الاولي باثبات العلم و نفي المعلوم من انه هو الذات و هي لاتستدعي شيئاً اصلاً و ذاتيةُ هذا العلم في كل شيء بحسبه في كل محل بحسبه و اثبات هذا المعني لله سبحانه ايضاً لا لجهة جامعة و حقيقة مشتركة بينه و بين عباده بل لانّ الخلق مثال معرفة الحق تعالي و آية توحيده و تفريده قد وصف الله تعالي نفسه لهم بهم علي حسب اقتدارهم لملاحظة لايكلّف الله نفساً الّا وسعها و ان كل شيء لايجاوز مبدئه و ان الادوات انما تحدّ انفسها فافهم و اتقن و نطلق علي المرتبة الثانية العلم الفعلي لكونه لايحصل الّا عند فعل ذلك المشعر و المدرك و هذا لا ريب في اقتضائه المعلوم و المسموع و المبصر لانّ الفعل لايكون الا بالمفعول يعني لايظهر الا به لان قبول اثره معه هو المفعول و اثره الاولي هو ركنه كما برهن في محله و هذه المرتبة جديرة ان يقال انها نسبي اضافي لايتحقق بدون المعلوم بل هو مستفاد منه علي ظاهر القول و هو الوقوع المشار اليه في الحديث المتقدم فاشار صلي الله عليه و آله الي العلمين اشارة واضحة و هذه التعاريف مما ذكرت و مما لمتذكر اغلبها و اكثرها الّا قليلها لمن اطلع علي هذه الدقيقة الشريفة تجري علي التقدير الثاني و لذا اشتهر عندهم ان العلم امر نسبي رابطي يحتاج الي المعلوم كما هو شأن النسبة مع النسبتين فاشكل عليهم الامر في علم الله سبحانه قبل الاشياء حتي اضطروا و التجأوا الي القول بالاعيان الثابتة للصور العلمية الازلية الابدية الغير المجعولة فكفروا من حيث لايشعرون و يحسبون انهم [ص 67] يحسنون صنعا و لو كان لك بصر حديد و قلب قد القي السمع و هو شهيد يمكنك ان تصحح علي هذا الاصل الاصيل الذي اصّلنا لك و كل هذه التعاريف بالرد الي المرتبة الاولي و الثانية و كل شيء في مقامه ثم لما كان نظرنا الي الحقايق و الذوات و الصفات و الاضافات و النسب و الاوضاع الحقيقية النفس الامرية و مااقتصرنا الي المدلولات اللفظية المختلفة و الي الاصطلاحات الحديثة و القديمة و الي التخصيصات و التعميمات المجازية و الحقيقية من الاحكام اللفظية لانها مُبعدة عن الوصول الي حقيقة الشيء كما هي علي حسب الطاقة البشرية و حاجبة عن مشاهد انوار المعرفة الالهية فان الالفاظ لاتوصل الا الي الرسوم و الظواهر و لاتوصل الي ادراك النور الباهر و الدرّ الفاخر و لذا كان الوصف الحالي اعلي الاوصاف و اشرفها و اعزّها و امنعها و ادلّها الي المراد و اسدّها للثبات و التثبيت علي الطريق السداد و المنهج الرشاد و لذا بدء به الحق سبحانه اوّلاً دون غيره و ضرب الامثال و بيّن الاحوال و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق في المبدء و المآل و كان الوصف المقالي اخفاها و ادناها و اقلّها و اكثرها و لذا قرنه تعالي بالوصف الحالي اكمالاً للحق و اتماماً للحجة لا لاصل التعريف فانها حاصلة علي وجه اكمل و اتم اي التعريف الحالي و اين الالفاظ من الايصال الي حقايق الاشياء و ان اشتهر انّ الالفاظ دوال و قوالب للمعاني نعم لكنها المستنبطة منها لا مطلقا و كيف المطالب العالية التي لاتتصور في النفس تتجسد في اللفظ فانت ان اقتصرت علي [ص 68] القشور و الظاهر و الاختلاف و عدم الايتلاف فاصعد من اللفظ الي المعني و ان اردت الحق الواقع الثابت الواحد الغير المتعدد الممكن الحصول في حقك فاضرب عن الالفاظ صفحاً و اطوِ عنها كشحاً و انظر في المعاني و الحقايق الوجودية بعين الله الناظرة فادركها و اتقنها باعانته تعالي و حسن توفيقه ثم انظر الي الالفاظ الموضوعة للمعاني علي ما اشتهر بين اهل اللغة و العرف العام تجدها مطابقة موافقة صافية زاكية نقية عن الاوهام الفاسدة و الآراء الكاسدة التي حدثت لاكثر اهل الاصطلاح و الاحتمالات الجارية الواقعة في الالفاظ من جهة تكثر استعمالها في خلاف معانيها في بعضها مجازاً و في بعضها الحاداً و الا فالالفاظ مطابقة مع الذوات مناسبة معها بالمناسبة الذاتية لانّ وضعها الهيٌ و جعلها ربّانيٌ لايتطرق اليها الفساد و الاختلاف كما لاتتطرق في الذوات و الكينونات و انما تطرق الفساد فيها دون الذوات كثيراً لالحاد الملحدين و الجهل المركب و البسيط لبعض الضالّين المضلّين فاذا اردت ان تحصل الحق من الالفاظ المدوّنة في الدفاتر و الكتب ماتكاد تجده لانك مايمكنك ان تخلص من كثرة ما يرد عليها من الشكوك و الشبهات و الايرادات فاذا جرّدت المطلب عن اللفظ و لاحظت المعني كما ينبغي ح يظهر لك الحق القراح و يبزغ نور شمس الصلاح من افق النجاح و يسمع اذن قلبك منادي حيّ علي الفلاح فان الديك قد صاح و نور الشمس قد لاح لكن هذه المعرفة دقيقة خفيّة جدّاً لا كل من رامها وجدها و لا كل من طلبها لحقها و وصل اليها الّا من اكتحل عيناه بنور الولاية و تجرّع من حوض النبوة بيد خاتم [ص 69] الولاية و بالجملة قد طال الكلام و اخرجنا ظاهراً عن المقام فلنرجع و نقول انّا نحبّ ان نشرح تينك الحرفين المتقدمين من ان العلم علي قسمين علم ذاتي و علم فعلي فانه ماسبقنا و لله الحمد و الشكر احد بهذا التعبير و التعميم علي هذا الطريق من التحقيق و ان كان استادنا الاعظم و ملاذنا الاقدم اطال الله بقاه و جعلني من كل مكروه و محذور فداه قد فتح هذا الباب في علم الله سبحانه و قسّمه الي قسمين ذاتي و فعلي و الناس من جهة عدم اشتهار هذا التقسيم عندهم و عدم استماعهم من اسلافهم استغربوا في العلم الفعلي في الله سبحانه و حصروه في الذاتي و ماالتفتوا الي ان ما يقول سلمه الله تعالي لاينافي ما استقرّت عليه عقايدهم لكني عمّمتُ الحكم في ذلك في كل علم من كل مشعر و اجبت عن نقض الاجتماع و الاشتراك بين الحق و الخلق سابقاً اشارة و لكنهم يستغربون اشدّ استغراب في انّ العلم الذاتي كيف ينسب الي الخلق لانّ العلم عندهم هو الامر النسبي الغير المتحقق الّا بالمعلوم و ان علم المخلوق زائد علي ذاته فيجب ان نبيّن هذا الكلام لينكشف اللثام عن وجه المرام و لا قوة الا بالله الملك العلّام .
فنقول قد قلنا انا لسنا بصدد الاصطلاح في هذا المقام و ان نتكلم عليها فنريد بالعلم الفعلي الادراك الثابت علي قول مطلق مجمل يصحّ صدقه علي الادراكات الحسّية الجسمية و من الظاهرية كالادراك السمعي و البصري و الشمّي و الذوقي و اللمسي و الادراكات الشبحية المقدارية الواقعة في بنطاسيا الحسّ المشترك و الادراكات الصورية النفسية المجرّدة عن المواد [ص 70] الفلكية و العنصرية و الادراكات الرقايقية الروحية البرزخية و الادراكات المعنوية العقلية الجبروتية و الادركات الحقيّة و الحقيقية الفؤادية النورية و لانخصّ العلم في هذا المقام بادراكٍ من الادراكات المفصّلة المجملة المذكورة كما فعله غيرنا و عليه ايضاً علي الظاهر بل الواقع مدار اللغة فانهم يطلقون علي من ادرك شيئاً بايّ نوع من انواع الادركات المذكورة و الغير المذكورة لفظ العالم سواء كان ادرك بالبصر او السمع او غيرها و انما قيّدنا الادراك بالثابت لنخرج عن المقام عما ليس كذلك كالارتياب و الوهم و الوسوسة و حديث النفس و الشك و الظن علي اقسامه من الاشعار و الناظم بالعلم و غيرهما علي ما سيجيئ تفصيله ان شاء الله تعالي فيما بعد .
فاذا عرفت موضع البحث لانه المدار في انفسهم و التفهم فاعلم انه قد صحّ عندنا و عند المحققين من العقلاء دون المسفسطين المكابرين انّ الطفرة في الوجود باطلة و انّ كلّ ما هو اقرب الي مبدئه اشدّ نوراً و اكثر تحققاً و اشرق بها من غيره و كلّ ما هو ابعد من مبدئه اضعف تحققاً و اخفي ظهوراً و بروزاً من ما هو اقرب منه و لا شك و لا شبهة علي ما فصّلنا و اجملنا و حققنا سابقاً ان العلم اشرف من كل شيء لانا نقصد به النور فنقول ان اول ما صدر عن الحق سبحانه هل هو منير او مظلم فان كان الثاني جاءت الطفرة و ان يكون الاقرب الي المبدء اخس (ظ) مما هو ابعد منه و ان كان الاول فهل هو بنور هو عين ذاته او خارجاً عن ذاته فان كان الاوّل ثبت المطلوب و ان كان الثاني فهذا الخارج الذي هو الذات هل هو نور او ليس بنور فان كان الاول [ص 71] فهو عين المدّعي لاستغناء النور الذاتي عن الخارجي في اصل الذات و التحقق و ان احتاج اليه في بعض من مكملات وجوده او متممات ظهوره و امثال ذلك فان كان الثاني هل هو مقدم علي النور ام مؤخر عنه فان كان الاوّل جاءت الطفرة اذ ليس بين النور و الظلمة منزلة فتعيّن الثاني و هو لايخلو اِمّا ان يكون حدود النور و اعراضه و تعيّناته و صوره و مكملات ظهوره و متمماته فيكون الشيء بقول مطلق هو ذلك النور المخلوق الاول من الشيء و تعيّنات ذلك النور و حدوده اذ ما من المبدء ليس الا واحداً و هو قوله تعالي و ما امرنا الا و احدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و التعدد انما هو من نفس المكوّن و لذا صلح للفاعلية و رجع ضمير الفاعل اليه فالمفعول هو فاعل فعل الفاعل و لذا نقول في كن فيكون انّ ضمير الفاعل في فيكون راجعٌ الي الشيء مع ان الشيء قبل كن ماكان شيئاً علي ما هو الحق من بطلان قدم الماهيات و عدم مجهولية الاعيان الثابتة فالمفعول مركب من امرين و هو الاثر الحاصل من الفعل و من انفعال ذلك الاثر و لا شكّ ان الامرين متغايران اذ ما من الفاعل غير ما من المفعول لانّ ما من الفاعل ليس الا النور و ما من المفعول ليس الا الظلمة فباجتماع هذين الضدّين كان المخلوق و جاء الاختيار و بطل الاضطرار و صحّ التكليف فيكون ذات الشيء من نفسه المتاخر عن النور الذي هو ذاته من ربه و مبدئه قائماً بالنور قيام ركن و عضد و تحقق او لايكون كذلك بل يكون النور متقدماً علي ذات الشيء و مقوّماً لها و هي في مكانها كالفعل بالنسبة الي المفعول فتكون الذات قائمة بذلك النور قيام صدور كقيام الكتابة بحركة الكاتب و قيام الكلام بالمتكلم و قيام الظل بالشمس [ص 72] لا سبيل الي الثاني و الا يلزم ان لايدرك احد شيئاً غير الظلمة و لايصدر من احد خير ابدا لانّ كل شيء يحتاج الي مبدء فالظلمة الخارجة عن النور القائمة به قيام صدور لايحصل منها النور لمكان التضادّ الجاري في المخلوقين فاذا صحّ جريان هذا الحكم يثبت جريان آثاره و الحق سبحانه هو الذي تفرّد بعدم الضدّيّة و خلق الخلق من الضدّين بحكم و خلقنا من كل شيء زوجين للدلالة علي هذه اللطيفة الدقيقة قال موليٰنا الرضا عليه السلام ان الله ماخلق فرداً قائماً بذاته للدلالة عليه فخلق الشيء و خلق ضدّه الحديث ، فاذا جري هذا الحكم ساق التقدير علي هذا التدبير و الا فهو علي كل شيء قدير و لذا مايحصل من النار نظراً الي الاسباب التبريد و من الماء التسخين و من الليل الذي هو ظل الشمس نور و امثال ذلك مما اجري الحق سبحانه و كتب بقلم الصنع و الابداع الواح المخلوقات الموجودات فاذا راينا الشيء يصدر منه امران متضادّان و متعاكسان حكمنا و قطعنا بانّ فيه مبدءان بجهتان ( متخالفان ظ ) مبدء يصدر منه الحق و مبدء يصدر منه الباطل او غيرهما من انواع المتخالفين و هذا معلوم لمن له وجدان و عينان و لسان و شفتان و انما اجرينا خلاف الحكم المزبور في الواجب جل شانه خلافاً للقوم حيث انهم لميفرّقوا بين الواجب و الممكن في هذا الحكم و نحن قد خالفناهم للاصل المحقق الثابت عندنا ان حكم الوجوب بخلاف حكم الامكان و لاندرك كيفية ذلك بوجه ابدا هذا المقام ليس محلا لاستقصاء هذا الكلام ان قلت ان قولك الظل انما وجد بالشمس و النور ايضاً انما وجد بها مع ان الشمس ليس فيها [ص 73] جهة ظلمة و مبدء ظل فصحّ ان الشيء الواحد يصحّ ان يصدر منه امران متضادان كما وقع في الشمس ايضا صدر منها النور و الظل المتضادان و ليس فيها الا النور قلت ان الظل ماصدر من الشمس ابتداء و انما صدر منه بواسطة و هي الجدار الكثافة اي نفس النور (كذا) و تفصيل هذا الحرف سيجيئ ان شاء الله و بالجملة اذا قلنا ليس في المخلوق نور فهو كلام شعري سوفسطائي و ان قلنا انّ النور متأخر عن الظلمة مطلقا فكذلك ايضا فضلاً عن ان نقول ان قوام النور بالظلمة و ان قلنا ان النور و الظلمة وجدا معا ليس بينهما تقدم و تأخر اصلا فهو و ان لميضرّ مطلوبنا الا انه باطل ايضا للزوم اتحاد مرتبتي الشريف و الكثيف في الايجاد و ان كانت المعيّة حاصلة في الظهور و البروز فلا محيص الّا بالقول بان النور مقدّم في الايجاد و هو اصل الشيء و اول ما تعلّق به الجعل الالهي النوري و الظلمة المعبّر عنها بالماهية هي اعراض ذلك النور و حدوده و تشخصاته و الشيء الموجود هو المركب منهما فكل شيء له ثلاث حقايق حقيقة من ربه و هو النور الالهي الذي هو الاصل و المادة و الاسّ و الاسطقس و حقيقة من نفسه و هي الحدود المعيّنة لذلك النور في حدّ خاص و هي حقيقته لان حقيقته المختصة به انما تحققت بها فهي التي يكون بها الشيء هو هو فلذا سمّيت بالماهية لانه يجاب عن السؤال عن الشيء بما هو فافهم و حقيقة بين الحقيقتين و هي المجموع المركب منهما فصحّ لك ان اول ما خلق من الشيء هو النور و انه ذاتي للشيء و هو عين كل كمال ممكن في حقّه اذ لايتصور غير ذلك و الا يلزم فساد [ص 74] الطفرة اذ لو قلت ان ذلك النور كامل بالكمال الزايد الخارج كما هو حكم المشتقات بالنسبة الي مباديها فاقول كما قلت اوّلا في النور و الظلمة فان جوزت في نفسك ان يكون ما هو اقرب الي المبدء الكامل المفيض علي الاطلاق التام الفيض الكامل الاعطاء ناقصا و ما هو ابعد منه كاملا يمكنك فرض غير هذا فانه اذا خلق اوّلا فاِمّا ان يخلق شيئاً غاسقاً مظلماً معطلاً عن جميع الكمالات ثم يخلق نوراً آخر فيصفه به فيتحقق من اقترانهما الكامل او يخلق نوراً كاملا يكون هو مبدء كل كمال لغيره و كاملية الغير انما هو بالاضافة اليه و كاملية نفسه انما هو بنفسه لا بشيء غيره او يخلق الشيء و كماله معاً دفعة واحدة في رتبة واحدة و الاول لايصحّ للطفرة من وجهين من غير داعٍ اليه و لا استلزام نقص و الثالث لايصحّ لعدم اجتماع الصفة و الموصوف في رتبة واحدة و الا لمتكن الصفة صفة و لا الموصوف موصوفا هذا خلف فيتعين الثاني و لا مانع منه مع ما فيه من احكام الصنع و اتقان الحكم و جريان الايجاد علي نظم واحد و طور غير متعدد و هذا الكلام انما اجريناه علي طريق المجادلة بالتي هي احسن لكنك اذا امعنت النظر و دققت الفكر و حددت البصر رأيت ان العالي و السافل ليس حكمهما الي ما ذكرت لانّ السافل ان كان قائماً بالعالي قيام صدور فنصيب السافل منه النقش الفهواني و النور الوصفاني و ان كان قائماً بنفس و العرق و الفاضل و القطرة و الشعاع و امثال ذلك من العبارات المتحدة المراد و ان كان قائماً بالعالي بمعني التنزل و التعين فهو هو العالي مع كدورة و ظلمة بحيث اذا تجرّد عن هذه الكدورة [ص 75] يكون هو العالي في صفائه كالماء اذا تعيّن بالثلج فانه ليس الا الماء مع كدورة الانجماد الطارية للماء باعتبار العوارض الخارجية و الا فالماء في ذاته مناقض لها لكونه الجسم البارد السيّال و اين السيلان من الانجماد فاذا اذهبت عنه هذه الكدورة الخارجية يكون هو الماء حقيقة كما كان اوّلا فالعالي الذي هو قريب المبدء سما الذي (كذا) لا اقرب منه اذا كان المبدء كاملاً علي الاطلاق و لميتحقق في وجود العطية و الفيض قبح اعظم من عدمه فيرتكب دفعاً للاقبح نظراً الي الاسباب الظاهرية و الا فهو سبحانه قادر علي مملكته يعطي من يشاء بما يشاء كما يشاء و يمنع من يشاء بما يشاء كيف يشاء وجب اعطاء ذلك الفيض و ذلك الكمال حيث ان افعال الحكيم يحمل علي احسن ما يمكن بشرط ان يرتفع الموانع و لو فرضنا ايضاً وجود المانع حسب ما ينقص من الاقرب ينقص عن الابعد بمرتبة او مرتبتين او بمراتب حسب بُعده و قربه فلميبق الا القول بان اول ما خلق في الشيء هو نور واحد و حقيقة واحدة بوحدته عين كل الكمالات المتصورة في حقه الممكنة في رتبته الا الكمالات التي لا دخل لها في رتبة الذات ابدا فهي تخصّ برتبة الفعل فذات الانسان مثلا اي لطيفته و لُبّه الذي خلق اوّلاً قبل ساير مراتب وجوده التي تنزلت و تصعدت فحصلت هذه الامور المختلفة المتعددة المنشعبة الكثيرة ذو الشؤن و الاحوال و الحركات و السكنات التي (كذا) الي واحد غير الشؤن و الافعال و الحركات و ذلك الامر الواحد الصادر من المبدء الواحد انما هو كل كمال و بهاء و جمال و نور و جلال بالنسبة اليه في رتبة مقامه و [ص 76] هو شيء واحد و امر واحد و الكمالات متعددة بحسب المفاهيم الذهنية في اذهانها هي كلها عبارة عن تلك الذات لا انّ الذات مركبة ملتئمة عن هذا المجموع حاشا و كلا بل هي في طرفة وحدته بنسبة مقامه يتعلق بالمتعلقات و يظهر في المرايا و يتجلي في المجالي فيظهر بكل تجلٍّ اسمٌ من الاسماء مثلا لما ظهر في القوة التي في العينين سمّي بالبصر و بالقوة التي في الاُذن سمّي ظهوره بالسمع و كذا في جميع البدن سمّي باللمس و في الانف سمّي بالشم و في الفم سمّي بالذوق و كذلك في القوي الباطنية فليس في الذات امور عديدة في حقيقتها متمايزة تسمّي بهذه الاسماء في الواقع و انما هي شيء واحد تختلف ظهوراته و تتعدد بروزاته ،
و ما الوجه الا واحد غير انه اذا انت عددت المرايا تعددا
فاذن يصحّ لك ان تقول السمع هو البصر و القدرة هي العلم و الحيوة هي القدرة و العلم هي الحيوة و امثال ذلك من العبارات و مرجع الكل الي واحد و هي آية الله سبحانه و تعالي فيك اريٰها اياك في نفسك فتبصرها و تفهمها فعلي هذا لو سمّيت هذا المذكور بالعلم الذاتي و القدرة الذاتية و السمع الذاتي و البصر الذاتي فلا عيب فيه و لا مانع منه اذ لا شك في عدم سلب هذه الاسماء حين فقدان متعلقاتها لو انحصرت فيما قالوا و لا شك انّ الادراك فعلي لايمكن الا عند وجود الطرفين المدرك و المدرك و بدونهما لايكون و لايتحقق فلا سبيل الا الي ما قلنا فالعلم الذاتي هو بمنزلة الشمس و السراج و الفعلي هو بمنزلة اشراقهما و انوارهما و هذا الذي ذكرنا و ان كان عند من يعرف الاشياء [ص 77] و لايحجبها اختلاف الالفاظ و العبارات من الضروريات الّا ان الذين اقتصروا علي الظواهر و جمدوا علي الالفاظ المختلفة من غير برهان باهر يشكل عليهم الاذعان بما قلنا علي العموم لوجوه ثلثة : الاول ان المبدء لا شك انه غير المشتق فلو فرضت ان ذات الشيء و قواه المدركة هي نفس العلم يلزم اتحاد المبدء و المشتق و ان لايكون لفظ المشتق صادقاً علي الذاتي و الفعلي بالاشتراك المعنوي بل اللفظي و هو باطل جدّا و الملازمة ظاهرة الثاني ان الفرق بين واجب الوجود و ممكن الوجود انّ الاول جميع كمالاته و صفاته عين ذاته و من مقتضياته بخلاف الثاني فان كمالاته كلها زائدة علي ذاته و ليست غير ذاته ، فعلي ما قلت يلزم انقلاب الممكن بالواجب هذا خلف الثالث انه يختلّ علي هذا توحيد الصفات لتحقق الصفة المختصة في الله من غيبة الصفات و من ارجاعها الي الذات المنزهة عن كل النقايص و الاعتبارات في الممكن المخلوق فاذن اين التوحيد .
و الجواب اما عن الاوّل اما اوّلاً فغيرية المشتق للمبدء ان ارادوا مطلقا و لو بوجهٍ مّا و الغيرية الاعتباري فهو مسلّم و الملازمة ممنوعة و ان ارادوا بها الغيرية الحقيقية الواقعية فلانسلّم مع انكم تقولون في علم الشيء بنفسه ان العالم و المعلوم و العلم هناك شيء واحد و اما ثانياً فان هذه الالفاظ تعبيرات للتفهيم و التعريف اذ لايعقل العوام بل الخواص غيره فلاتصل الي الحقيقة بهذه العبارات ابدا فمعني قولنا الذات عالمة و لا معلوم انها عالمة بعلم هو عين ذاته يعني ذات كاملة تصدر عنه الادراكات اذا شاءت كما شاءت فاذا كان ادراكاته المسمّاة [ص 78] بذلك الاسم فهي حرية ان تسمّي بذلك منها لانّ الاثر لايكون احق من مؤثره في الاسم و لايكفيه الذات لانّه اسم يعمّ الكل فان ابيت الا الجمود علي الخلاف و منعت الاسم لاننازعك فيه بل المراد اثبات الحقيقة و لا ريب في وجود الحقيقتين الذاتية و الفعلية فسمّها بما شئت لكنك لو تامّلت مجري العرف و اللغة تصدق بما قلنا الّا ان كيفية الاستنباط دقيقة جدّا فافهم و اما القول باستلزام نفي الاشتراك المعنوي فنقول بموجبه علي الحقيقة و الواقع لان الحقيقة الواحدة لايجمع بين الذات و الفعل علي القول بان الواضع هو الله سبحانه و كذا علي القول بان الموضوع له هو الاعيان الخارجية لا المفاهيم الذهنية و لا الماهيات اللابشرطية الطبايع الكلية كما هو المعروف المشهور من المشهورات التي لا اصل لها و علي الثانيين مع القول بان الواضع هو الحق مع ضعف المجموع و عدم الاعتماد عليها و الاعتناء بها ان اغمضنا عن الحقيقة يمكن التكلّف في الاشتراك المعنوي و ذلك ايضاً يتمشي فيما نحن فيه الا اني مااقول به لانّي لست و ما انا من المتكلفين فافهم .
و اما عن الثاني فبانّا لانقول بذاتية العلم و القدرة و السمع و البصر و امثالها انها من مقتضيات ذات الممكن المتاصلة بنفسه من غير اعتبار جعل جاعل و تاثير مؤثر فتكون ازلية و ابدية حتي يلزم ما ذكر في الاعتراض بل نقول ان الجاعل الفاعل المؤثر انما جعلها كذلك فهي باقية حسب ما اقتضت مشيته سبحانه نعم انها ليست صفات تعرض الذات و تتصف الذات بها بعد ما كان فاقداً لها و غير موجود فيها بل الفاعل سبحانه و تعالي حين [ص 79] ما اوجد الذات اوجدها منيرة مضيئة نورانية كاملة بحسب ذاتها فاذا وجد المقابل القابل اشرق ذلك النور عليه باشراق حادث جديد خارج عن ذاته فاذا لميكن المقابل او القابل لميكن حيث لميظهر نوره و اشراقه لميكن له نور و اشراق و انما حدث نوره في نفسه عند وجود المقابل الاتري الشمس فانها لايقال و ليس انّ نورها و شروقها عرضي لها بمعني ان الشمس وجدت اوّلاً ثم وجد نوره ثم اشرق بل النور في الشمس و كذا في السراج ذاتي لهما لايوجدان الا كذلك الا ان اشراقهما الذي هو فعلهما حدث عند وجود القابل المتعلق به فليس حيث لميظهر نورهما لعدم جسم كثيف لميكن لهما نور فكذلك ايضاً علمك اذا لميكن هنا شيء يلتفت اليه او يكون شيء لكنك لاتلتفت ببصرك اليه فلميظهر منك الابصار الذي هو فعلك فلايقال لك اعمي و ان اسند اليك عدم الابصار و كما هو الواقع فكذا الاسماع و غيرها و كذا الصور الذهنية فان كل ذلك علوم فعلية بمعزلٍ عن العلوم الحقيقية الواقعية و النفي و الاثبات انما يجريان علي الفعل مع وجود الذات دون الذات مع وجودها و الا يلزم سلب الشيء عن نفسه مع فرض وجوده و هو بديهي البطلان فالمراد بالذاتي في هذا المقام ما يقابل الفعلي لا ما يقابل الحدوث فالفرق واضح و الانقلاب غير لازم .
و اما عن الثالث فبان هذا عين التوحيد الصفاتي اذ ليس الممكن الّا عين صفات الحق سبحانه و آية توحيده و دليل تقديسه و تفريده وصف حالي وصف الله نفسه للخلق به و هو حقايقهم و ذواتهم و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في [ص 80] الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال تعالي و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الّا العالمون و قال تعالي و كذلك نري ابراهيم ملكوت السموات و الارض و ليكون من الموقنين و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون ، قال النبي صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و بيان هذه الآيات و تفسيرها و وجه التمسك بها سيجيئ ان شاء الله تعالي و بالجملة ليس للممكن ذات حتي يكون له صفات يشابه صفات الحق سبحانه حتي يختل التوحيد الصفاتي بل ليس الممكن ذواتها و صفاتها و غيبها و شهادتها و اعراضها و جواهرها الا صفة تعرف الحق سبحانه قد وصف نفسه لنا بها بنا كما ستعرف ان شاء الله فاين الاختلال في التوحيد قال عليه السلام :
و في كل شيء له آية تدلّ علي انه واحد
و قال في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع صوت الا صوتك ، فافهم فهّمك الله و ايانا من مكنون العلم و مخزون السرّ بالنبي و آله الطاهرين .
تنبيه اعلم ان المحدث و المصدر لميزل يكون اكمل و اشرف و اشدّ و ان كان من جهة الشرّيّة و الظلمانيّة فان مبدء الظلمة لا شك انه اشدّ ظلمةً و اقبح ذاتاً من آثاره و افعاله و تنزلاته و لذا كان ابا الشرور فاذا صحّ هذا فنقول انه لا شك و لا ريب ان الادراك علي جهة العموم فعل المدرك و هو النفس المشار اليها اليه (كذا) بآلاتها و قواها و مشاعرها و لا شكّ ايضاً في شرافة العلم و فضله و مرتبته و مقداره فاذا كان ذلك المدرك اي الادراك هو المسمّي بالعلم الشريف فيجب ان يكون المدرِك [ص 81] بالكسر بآلاتها و قواها اجدر بذلك في اصل الحقيقة و الّا يلزم ان يكون الاثر اشرف من المؤثر و هو باطل قبيح و حيث لم يكن ذلك من سنخ الادراك سمّيناه بالعلم الذاتي فالعلم و العالم في ذلك المقام علي حدّ سواء كما كان الوجود و الموجود كذلك و بالجملة التعبير عن الذاتيات بالمشتق ليس الا للتعبير لاجل التفهيم و الا فليس فيها الا شيء واحد و جهة واحدة عن (كذا) تعبّر عنها بالمبتدء و اخري بالمشتق و هذا معلوم ان شاء الله ، فالعلم الذاتي عبارة عن النور الالهي الربّاني و الفيض السرمدي السبحاني القاه الله سبحانه في هويات اولي العلم بالظرفية و المظروفية التعبيرية للعناية الازلية لايصالهم الي الغاية الابدية و الفيوضات السرمدية ففطرهم علي ذلك كما فطرهم علي التوحيد مع ان المفطورية بالتوحيد مسبوق بالمفطورية بالعلم اذ التوحيد صراط و العلم سراج و بهما حكم المساوقة او حكم العينية و لولا خوفي من فرعون و ملائه لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان ليقطع الزمان و ينتهي بالدهر فيتصل بالسرمد لكن موليٰنا الصادق عليه السلام يقول ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ه ، فاقتصر علي التلويح و الاشارة ليدركها من قطع مسافة العبارة .
فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم انّ هذا العلم الشريف و العلم المنيف و النور اللطيف لها مراتب كثيرة حسب تنزّلاته الي المراتب السافلة حسب امتثاله لقوله تعالي اقبل و ادبر ، فاوّل ما تنزّل تنزّل في الحدود المعنوية و لما وصل الي هذا المقام لميسعه ادراك عالمه الاوّل الّا بعد [ص 82] خلع هذا اللباس فمهما هو مقيد بهذا القيد فهو علم معنوي و نور كلي في حدّ ذاته بحسب تلك المرتبة من الحدود فلايصدر منه في هذا المقام من الافعال الّا الادراكات المعنوية فحسب فادركاته هي الامور الكلية و ان كانت مجرّدة عن الصور الجزئية الّا انها مقارنة بالصور الكلية و الحدود المعنوية و علي هذا في هذا المقام يحمل قول من فسّر العلم بحصول الصورة المجردة او الصورة المجردة الحاصلة عند العقل ليشمل العقل نفسه عند ادراكاته للامور الكلية بتعميم الصورة بما يشمل المعنوية او في العقل فيراد به ما هو غير الخارج علي تجوّز فيشمل الادراكات التحتانية كلها من مدركات الوهم و الخيال فيشمل هذا التعريف من العلم الفعلي العقلي الي الحسّ المشترك و هو صحيح في هذا المقام و ليس بصحيح عند الحصر كما لايخفي ثم تنزّل من ذلك العالم و سافر الي الحدود الرقايقية و تعيّن بها و تلبس بلباسها فكان علماً رقايقيا و نوراً برزخيا و بدراً شعشعانيا و حيث لميسعه الصعود الي عالمَيْه الاولين مايصدر منه الّا الادراكات البرزخية ليست في صرافة المعنوية و لا في كثافة الصورية بل برزخ بينهما يناسب المعني بجهته العليا و يناسب الصورة الجزئية بجهته السفلي و ذلك ادراك محقق مضبوط معبّر الّا انه لما لميكن مستقلا بل هي حالة متوسطة بين المعني و الصورة ينتقل الذهن من المعني الي الصورة و لميلتفت اليه و ان عبّر منه و وقع في طريقه كما لايلتفت الي الهواء المتوسط بين الرائي و المرئي و ذلك لشدّة لطافته و سرعة انتقال الذهن بقربه الي [ص 83] المبدء جدّا و اما اذا كانت الواسطة كثيفة غليظة لمينفذه البصر الّا بصعوبة و مشقّة و بعد مدّة قد يلتفت الي الواسطة ايضا لصعوبة العبور عنه كما كان في الحسّ المشترك كما سيظهر لك ان شاء الله و من هذه الجهة تري العلماء يذكرون الحسّ المشترك عند ذكر المدارك و الادراكات و لايذكرون ذلك النور المتوسط بين العقل و النفس مع اعترافهم بانّ كل اصلين لا بدّ بينهما من برزخ فافهم ثم تنزّل من ذلك العالم و سافر بامر الله تبارك و تعالي الي الحدود الصورية الشخصية المتمايزة و تعيّن بها فكان نوراً مجرّداً صورياً يدرك بفعل ذاته الصورة المجردة النورية عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و فعله في هذا المقام اذ لميمكنه الصعود الي المقامات الاولية لاقترانه بحدوده و تقيّده بقيوده الصورة المجردة المنتزعة عن الخارج و اكثر التعاريف للعلم بل كلها انما هو لهذا المقام و لادراكاته لانه محل وقوف اكثر العلماء الّا قليل منهم ممن ترقي و صعد الي المراتب الفوقية و قطع نظره عن الدركات التحتية فقولهم العلم هو قبول النفس لانتقاش الصورة او هو نفس الصورة الحاصلة في الذهن او هو صفة توجب لمحلها تميز لايحتمل النقيض او هو صفة ينجلي بها امر معنوي لمن قامت به و امثالها من التعاريف انما هو له في هذا المقام في رتبة المخلوق و ان امكن التكلف للتعميم الا انهم لايريدون ذلك فمن تعدّي بهذه التعاريف الي العلم الواجب فقد اخطأ الصواب او اراد تعريف العلم مطلقا فقد اخطأ ايضا لانه آخر مراتب المدارك الغيبية في القوس [ص 84] النزولي و اولها في الصعودي و اين العلوم التي فوقها في ساير المدارك الا انك تحصر الغيب في النفس خاصة و لايسعك ذلك البراهين القطعية من العقلية و النقلية و الشهودية و الكشفية و الوجدانية و اين العلوم التي تحتها في الحواس الظاهرة و في بنطاسيا الّا انّه قد جرت اصطلاحات العلماء في اطلاق لفظ العلم علي هذه المرتبة و عليها وردت الاحاديث الكثيرة و الآيات الظاهرة الدلالة حيث انّ هذا المقام اول مقامات الغيبية و آخر الدرجات الشهودية فهو ليس غيباً صرفاً لكونه علي طبق الشهادة و صورتها و هيئتها من غير فرق و لا شهادةً صرفة لكونه من عالم التجرّد عن المواد العنصرية فليس هو غيب باطن بل هو غيب ظاهر و باطن الظاهر و عموم الناس مقامهم هذا المقام في الادراك و مااقتصروا علي الادراك الحاصل من الحواس الظاهرة اذ كان يحصل لهم مقام فوق مقام الحسّ فلميناسب حصر ما به شرفهم و فضلهم و ترقيهم علي الامور الحسّية و لبيان انّ الفخر و الشرف في الاتصال بعالم الغيب و لذا جعلوا العلم اول عوالمها لما قلنا و لبيان انّ الاشرف في الحسّ و الجسم فكانهم ماعدّوه شيئا و اعرضوا ايضاً عن الحسّ المشترك و اذ كان له جهتان جهة الي الجسم و جهة الي النفس فبالاول تتبع الاول و بالثانية تتبع الثانية و لانه قد يخفي ادراكه عن كثير من الناس بل لايدركه الا الاوحديّ الذي يفرق بين الصورة و الهيئة و المقدار و انّي للعوام ذلك و ايضاً انّ البصر اوحدي الحواس الظاهرة اذا ادرك شيئاً بالاحساس فما دام هو موجوداً في عالم الحسّ يدركه الحسّ و يصوّر [ص 85] مقداره الحسّ المشترك فاذا غاب ذلك الشيء عن الحسّ يرتفع ادراك تلك الحاسّة فتبقي صورته المنتزعة في الذهن فلاتزال تلك الصورة باقية بهيئتها و صورتها التي كانت في عالم الجسم فلو اقتصر علي الحسّ و ان كان الحسّ المشترك فلشدّة تنقّله و سيلانه كان يزول العلم دائماً سيّالاً فلو جعل العلم الذي عليه المدار في التكاليف و امور المعاش و المعاد الذي يدركه الحسّ لاختلّت عليهم الامور و لو جعل ايضاً ما يدركه المراتب التي فوق النفس فكذلك ايضا اما اوّلاً فمن جهة عدم وصول اكثر الناس اليها و التميز بين ادراكاتها و لميحصل لعامّة الناس ذلك فيشكل عليهم الامر في كل امورهم من احوال الدنيا و الآخرة و اما ثانيا فمن جهة ان الشيء اذا ادركه المراتب الفوقانية لمتدركه كما كان تدرك النفس من كونه مطابقاً للظاهر الجسمي حرفاً بحرف بحيث لايتبين الفرق بوجهٍ من الوجوه لانّ النفس شانه ادراك الصورة الجزئية بل انما تدركه حسب مقامها و مرتبتها فان الروح الذي هو فوق النفس و برزخ بينها و بين العقل لايدرك الا الصورة البرزخية الرقايقية و العقل لايدرك الّا المعني الكلي الشامل لتلك الصورة و غيرها فلميكن مطابقاً للظاهر الجسم الحسّي و ان كان مطابقا الا انه لا كما يعرفه الناس فتختل عليهم الامور فمن هذه الجهة تري الائمة سلام الله عليهم خصّوا العلم بما تدركه النفس من الصورة الحاصلة فجعلوا هذا رتبة العوام و اما غيرهم سلام الله عليهم فهم انما خصّوا العلم بتلك المرتبة لعدم اطلاعهم علي غيرها من المراتب و لكنه اذا ذكر العلم وحده في كلماتهم عليهم السلام يشمل [ص 86] الكل بقول مطلق كما سيظهر لك من ذكر الاخبار الدالّة علي ذلك و اذا ذكر العلم و اليقين و المعرفة يفرق بينها بما سنذكر مفصّلاً ان شاء الله و اشرنا اليه آنفا فافهم راشداً موفقا ثم تنزّل ذلك النور الالهي من عالم النفوس مقام النقوش الي الحدود المقدارية و الصورة المثالية و الهيئة الشبحية و تعيّن بها و تلبّس بلباسها حتي كان علماً مقداريّا و نوراً شبحياً مثاليا يصدر منه الادراكات المثالية المقدارية البرزخية بين النفس و بين الجسم بظهور ذلك في الحسّ المشترك ثم تنزّل من ذلك العالم ممتثلاً لقوله تعالي اقبل و ادبر الي الحدود الجسمية و النقوش الرسمية و تعيّن بها و تنزّل في مقامها فكان علماً جسميّا و نوراً رسميّا لكنه من جهة بُعده من عالم النور و نأيه عن مقام السرور ضعف ضعفاً شديدا يكاد يخفي لشدّة ما ظهر فكان موته في حياته لكنه اول ما اتي الي العرش و الكرسي كان نوراً الا انه في العرش اخفي و في الكرسي اظهر الي ان خرق الافلاك و اتي الي العناصر بالاملاك الي ان اتي التراب فمات و دفن فيها في كل باب و غاب ادراكه و عدم احساسه الي ان ناداه الله سبحانه بنداء اقبل و ادبر فاقبل الي الله سبحانه لا من طريقه الاوّل لان ذلك يفضي الي العدم فاقتضي السير دورياً و الحركة وضعية و لذا كانت تلك الدورة احسن الدورات او الحركة الوضعية اشرف الحركات فلما كان في السير الصعودي يمرّ علي مراتبها التحتية المتنزل اليها الي ان يصل الي مقامه لبطلان الطفرة كان اول ما يظهر من مراتبها الغيبية و مداركها الغير الظاهرة ما كان اسفلها و انزلها و ادناها و اخفاها [ص 87] و اغلظها و اكثفها فلذا كان اول ما يظهر منها الحدود الجسمية و النقوش الرسمية و القوي الجسدانية من الحواس الظاهرة و الباطنة ثم ولجت فيه الروح النباتي الي ان كملت البنيّة و احكمت الصنعة ثم ظهر الروح الحيواني قبل ان يظهر العقل الالهي و لا شكّ ان النفس الحيوانية قبل اطاعتها من العقل و انقيادها لها هي خبيثة نجسة منتنة امارّة بالسوء محلها الراس المنكوس من القلب علي اذنه الشمالي الموكّل عليه الشيطان المقيّض و لذا كان فعلها الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و ذلك لاجل ان الشيطان يتمكن منها و يدعوها اليه و هي تجيبه فتستقر في القلب و تستخدم القوي و المشاعر و هي تخدمها و تطيعها فيتصل اليها من الابخرة الصاعدة من سجين اسفل السافلين فتنتقش فيها الصور الباطلة و الادراكات الكاذبة و الرسوم الغير النفس الامرية فلا خير فيها و في ادراكاتها الّا ان يعصمها الله تعالي برحمته اياها لسابق علمه بها فلما بلغ اشدّه و اعتدلت بنيته و كمل نضجه و استوي استواءً كاملاً حقيقيا ظهر العقل في الجانب الايمن الاعلي من القلب في وجهه من الراس الذي علي جهة العليين الموكل عليه الملك المؤيّد و هو اذن فقير غريب مستوحش لا انيس له في هذه البلدة و قد استولت النفس الامارة علي القلب و سخرت جميع القوي و المشاعر فيدعوها الي الحق و يامرها بالخير و ينهاها عن الشرّ و يمنعها عن الاستيلاء فان اطاعته و انقادت له اول مرّة فهي مطيعة مطمئنة يميل وجهها عن الراس المنكوس [ص 88] الي جهة السجين و يميل الي الوجه من العقل المستقرّ علي الوجه من الراس المرفوع الي اعلي عليين فتكون طيبة طاهرة حاذقة مؤمنة مطمئنة و تدرك العلوم الحقّة مما تنزّل اليها من الخزائن العقلية فان لمتطعها و بقيت علي استيلائها و خبثها و ماآمنت بالله سبحانه و تعالي فلايبقي للعقل مقام وقوف و يهرب فيبقي الملك لها مستقلا فلايزال وجهها علي الراس المنكوس الي اسفل السافلين فلايصعد اليها و لاينطبع فيها الّا الامور الباطلة و الصور المعوجة الغير المستقيمة و الادراكات الكاذبة و هي النكراء و هي الشيطنة و اغلبها ليست بجهل مركب و انما هي انكار و جحود يعاند الحق مع علمه يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون ، هذا حال من لميطع العقل بوجه و اما النفس التي تميل اليه مرّة و تعرض عنه اخري فاذا مالت الي العقل فتتوجه بوجهها الي جهته فينعكس من ذلك النور فيها و اذا مالت الي الراس المنكوس مطيعة للشيطان المقيّض تنطبع من تلك الظلمة فيها و قد يتفق انها عكس ذلك النور المنعكس فيها من اعلي عليين فتحصل عندها صورتان متعارضتان تدور كل واحدة منهما الي وجه مركزهما و المركزان كرتان متعاكستان متقابلتا السطوح تدور احديهما علي التوالي و الاخري علي خلاف التوالي و الصورتان لاتخلو اِمّا ان يكون لاحديٰهما قرار دون الاخري ام لا و الاوّل لايخلو اِمّا ان تكون الصورة الثانية الغير المستقرة عنده باطلة عنده اصلاً و راسا بحيث لايلتفت اليها في اعتقاد حقيّتها بوجهٍ من الوجوه و ان التفت اليها في محض تصورها و ذكرها [ص 89] فهذه تسمّي وسوسة و حديث النفس الا انهما من جهة الحق و هما عبارتان عن انطباع صورتين متعارضتين يقطع الشخص بحقيّة احديهما و بباطلية الاخري فتسمّي تلك الصورة الثانية الوسوسة و حديث النفس و نجوي الشيطان ، انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله ، او لايكون كذلك و هو لايخلو اِمّا ان تكون الصورة الثانية لاتستقرّ ابدا حتي تلتفت النفس اليها بل انما هي كالبرق الخاطف تجيئ و تذهب و الصورة المستقرة هي الثانية التي عليها العمل و الثانية تنافيها لكنها لاتستقرّ ابدا تذكر و تذهب و هذه الصورة هي المسماة بالرتبة او لايكون كذلك بل الصورة ثابتة غير ذاهبة بل باقية لكنها لاتعتقد حقيّتها الّا علي جهة المرجوحية و الاحتمال الضعيف فتسمّي تلك الصورة المرجوحة اي ادراك النفس لها كذلك وهْماً و تلك الصورة القوية الراجحة اي ادراك النفس لها ظنّا و تلك الصورة المظنونة بها تختلف في القوة و الضعف و الخفاء و البروز و كشف الغطاء و وجودها اوّلها الاشعار و آخرها المتاخم بالعلم و الثاني لايخلو اِمّا ان يكون للصورتين المتعاكستين المتعارضتين قرار و استقلال و ثبات عند النفس ام لا بل الاستقرار لهما جميعا بحيث يلتفت النفس الي احديٰهما و قبل استقرارها تنتقل الي الثانية و لايزال يتردد بينهما فالاول محال لمكان اجتماع الضدّين و لذا اشتهر عندهم كما هو الحق ان لا تعارض في القطعيات و العلميات و الثاني هو الشك فهو عبارة عن تعاور وقوع النسبة و عدمه علي التعاقب بحيث لاترتسم صورة احد الطرفين حتي [ص 90] تدافعها الاخري قبل استقرارها و ذلك بسبب توجه الذهن الي كل واحد منهما علي التعاقب من غير استقرار و قيل هو سلب الاعتقادين و هو باطل لانّ الاعتقاد لايطلق الا علي ما يستقرّ و هو منتفٍ فيهما و سلب الاعتقادين هو الجهل البسيط و الجاهل و الغافل لايقال لواحد منهما شاكّ كما هو الظاهر المعلوم ثم اعلم ان النفس ان كانت مقابلتها للراس المنكوس الي اسفل السافلين من القلب كلية دائمة بحيث استقرّت و سكنت عندها و استقلّت بها فاذا التفتت الي جهة العقل من الوجه الاعلي بالطبيعة و الفطرة غفلةً و ذهولاً يشرق من ذلك النور عليه كما هو شأن النور عند التقابل لكنه متزلزل و مضطرب حسب تزلزل المرآة و اضطرابها بالنسبة الي ما يقابلها و ان كانت بالنسبة الي غيرها ساكنة فمن جهة اضطراب ذلك النور و تزلزله و ثبات تلك الظلمة و استقلالها و استقرارها تحدث الوسوسة و الريبة و الوهم و الشك و الظن من جانب الحق و النور حسب اضطراب ذلك النور و الثابت المحقق عنده الباطل و الظلمة اذ طبع الله علي قلوبهم و علي سمعهم و جعل علي ابصارهم غشاوة و هو النكراء و الشيطنة و هذا لاهل الباطل من الكفّار و المنافقين و اعداء آلمحمد سلام الله عليهم اجمعين فانهم يرون الباطل حقا فيعدّون ما يتصوّرون من الصور الحقّة و الادراكات الصحيحة السليمة عن الاوهام الكدرة وسوسةً و ريبةً و شكّاً حسب قوة تلك الصور و ضعفها ، يرون اقبح ما ياتونه حسنا ، نستجير بالله من ذلك و ان كانت النفس مطمئنة مؤمنة متوجهة الي الجهة العليا من العقل فهي تنتقش فيها من [ص 91] جهة العلو من العلوم الحقّة و الصور الصحيحة لكنه قد يتفق لها الالتفات الي الراس المنكوس للمناسبة العرضية باعتبار اللطخ و الخلط و المزج العرضي فتنطبع فيها من ذلك الراس المنكوس صوراً باطلة و ادراكات كاذبة ظلمانية لكنها مضطربة غير ثابتة لكونها اي النفس مؤمنة طيبة معلمة مطيعة فالمستقرّ فيها هي الصور الحقّة و العلوم الصحيحة فتحدث من ذلك الوسوسة و الريب و الشك و الوهم و الظن من جانب الباطل و الظلمة الصرفة هذا هو الحكم الواقعي و المقابلة الحقيقية النفس الامرية و قد تحصل هذه المراتب بالمقابلة الغير الحقيقية و ان كانت حقيقية عنده اذ لايتصور الّا عند صورة حاصلة ثابتة و صورة اخري تدفع الاول عنده و الدافع ليس الا ايجاب النفي او نفي الايجاب و اما النفيان و الايجابان و ليس بينهما تدافع اصلا كما ان عندها صورة ثابتة او غير ثابتة ثم تجيئ اخري غير دافعة لها فلايصدق عليها شيء من اسماء هذه المراتب بل هي صورة اخري ان كانت ثابتة فهي علم آخر و ان لمتكن ثابتة و لا معارض لها فهي خطورات و بدوات تخطر و تبدء لكن هذا القسم مجرد الغرض و الاعتبار غير ممكن الحصول اذ الصورة قبل ان تحدث في النفس ليست بشيء فبعد ما حصلت ان وجد لها معارض يعارضها او دافع يدفعها فلايخلو من احد الاقسام المذكورة و ان لميكن لها معارض و لا دافع فهي ثابتة اذ لاتعني بالثابت الا المانع من النقيض سواء لميكن اصلا لتكون السالبة بانتفاء الموضوع و ان كان النفي فرع الاثبات لكنه يكفيه اثبات التصوري الاعتباري الغير النفس الامري كما [ص 92] تقول جاءني القوم الا زيد و لا اله الا الله او كان النقيض لكنه ممنوع و مدفوع و بالجملة لاتحصل هذه المراتب الا بين نفي و اثبات و هو قد يكون حقيقياً واقعيا كما ذكرنا من مقابلة النفس للمرآتين و قد لايكون كذلك و ان كان بين النفي و الاثبات عنده و هو لايخلو عن صورتين لكون الصورتين المفروضتين ان كانتا متناقضتين بان يتصور اولاً وقوع النسبة و ثانياً لا وقوعها مطلقا اي الضدّ العامّ فهذا لا شك في كونهما حقيقيين ام لا بل يتصور الدافع في الاضداد الوجودية علي زعمه و كثيراً مّا يحصل الالتباس في معرفة التضاد في هذه الامور اذ قد تحصل عنده صورة ثابتة ثم ياتيه صورة اخري وجودية يزعمها دافعة للصورة الاولي و معارضة لها فتحدث عنده في زعمه احدي تلك الحالات المذكورة من الوسوسة و الريبة و اخواتها مع انّ الامر ليس كذلك اذ قد تكون كلتا الصورتين في الواقع من المنطبعة من الراس المنكوس فاشتبه عليه الامر في احديهٰما لكون الباطل شبيهاً بالحق تشابهاً كليّا بحسب الصورة و الظاهر و ان كانت بينهما مباينة كلية في الحقيقة و الباطل كما في الوالدين في قوله تعالي و وصينا الانسان بوالديه احسانا فالانسان هو حسين بن علي سلام الله عليهما و الوالدان هما رسول الله و اميرالمؤمنين عليهما السلام و الصلوة ثم قال تعالي مستانفاً و ان جاهداك و المخاطب هو الشيعة الغير المعصومين لعدم صلاحية الخطاب للحسين عليه السلام و الضمير في جاهداك يرجع الي الوالدين و ليس هما المذكوران صلي الله عليهما بل هما الاول و الثاني [ص 93] عليهما علي ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما و امثال ذلك من تشابه الحق و الباطل في القرآن كثير و يشهد به الوجدان و يدل عليه البرهان فاذا كان كذلك و هو في شدّة التفاته الي الجهة السفلي و تنطبع في النفس صور خبيثة و مدركات كاذبة لكنه قد يلتفت الي الصورة و هو باطله في الحقيقة لكنها تشابه الحق مشابهة صورية و هو من جهة قلّة تعمّقه و تدبّره يريها معارضة مع ان الامر ليس كذلك بل كلتا الصورتين صحيحتين و هو من جهة تشابه الحق و الباطل و عدم توغّله في المعرفة يري الصورتين معارضتين و ليس كذلك كما اذا تصوّر خباثة فلان و فلان و ملعنتهما ثم تصوّر مخاطبة الحق لهما بالوالدين و بالانسان و بالشمس و القمر فيتوهم المعارضة و يتصور انهما لو كانا كذلك كيف يخاطبهما الله بهذه الخطابات الشريفة كما اتفق لكثير من ضعفاء الشيعة و ان كان في الظاهر متوغلاً في العلم و قد سئلني جماعة و كان فيهم من العلماء و قد كانوا متحيّرين كمال التحير في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالي و الشمس و القمر بحسبان ان الشمس هو الاول و القمر هو الثاني و توهموا انه كيف يكون ذلك و هما في اشدّ خبث و بيّنت لهم حقيقة الامر في ذلك و بالجملة ان امثال هذه المواضع هي التي برهان الشخص متعارضة و لايعرف حقيقة الامر فيه فتدخل فيه الريبة ثمّ يتقوي فيصير شكّاً الي ان يصير ظنّاً الي ان يصير علماً اي جهلاً مركّبا فينفد عليه دينه و امره بل يكفر في اكثر المواضع و هو قوله صلي الله عليه و آله لاترتابوا فتشكوا و لاتشكّوا فتكفروا ، فيجب علي الانسان [ص 94] التثبت و عدم التعرّض فيما لايعنيه حتي ينجيه الله من هذه الورطة فانّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و اكثر الشبهات و المعارضات الغير الاصلية و الاختلافات الغير النفس الامرية انما تنشأ من عدم المعرفة و البصيرة في الاضداد الوجودية عند الشخص اي امور وجودية متحققة يحسبها الانسان اضداداً لما عنده من العلوم و الصور الثابتة فيختلف و ساتلو عليك ان شاء الله في باب المعارضات و وقوع الاختلافات من ذلك شطراً عظيماً بعون الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم . و لاتظنّ ان هذه المراتب من الادراكات الغير الثابتة الغير المعتبرة هي ايضاً علي قسمين ذاتي و فعلي كما قلنا في العلم اذ ليس الامر فيها كذلك لكونها ليست اموراً ثابتة واقعية و حاشا ربّي ان يخلق الخلق و يفطرهم علي الشكّ او الظنّ او غيرهما فانها مذمومة و العمل بمقتضاها قبيح قبحاً لاينكره احد من العقلاء بل انما هي امور حدثت عند اقتران الالتفاتين اما الي المرآتين في الحقيقة و الواقع اي في زعمه ثم تعدم و تذهب و ليست اصلية ذاتية تكون لها فعل كما كان العلم كذلك و هذان الالتفاتان علي سبيل المزج انما حصلا في الارض اي في الجسد الظاهري مجمع البحرين و ملتقي العالمين و محل امتزاج المائين لا كان قبل ذلك حال نزول المسافر الي المراتب التحتية قبل ان يصل الي هذا العالم و لايكون بعد ذلك حال صعوده الي المراتب العلوية فهذ الجسد و هذا العالم و النفس المقيدة به و الملتفتة اليه هي مجمع المائين الماء العذب الفرات و الماء المالح الاُجاج و بعد الانخلاع [ص 95] عن هذا البدن اِمّا بالمعرفة و الموت الحقيقي الذي هو الحيوة الابدية و اِمّا بالموت الظاهري اي خلع الروح من هذا البدن العنصري يتميز الماءان باشدّ تمايز و لذا يتبين عند الموت الخيّر و الشرير و كان متميّزاً سابقا ، السعيد سعيد في بطن امه و الشقي شقي في بطن امه ، فافهم فانه من مكنون العلم و مخزون السرّ لايهتدي اليه الّا الاقلون ثم انّ ذلك النور الالهي المتنزل الي المراتب السافلة للكمال و الاستكمال و الاكمال بعد صعوده الي آخر درجة الهبوط محل الاعراض و الغرائب المانعة عن استقامته الحقيقية الظاهرة فيها الادراكات الغير الثابتة و لا القارّة صعد الي المقام الاعلي بالنسبة الي هذا الادني مقام النفس في ذاتها من غير تعلّقها الي الاجسام الدنيّة و ميلها الي الشهوات الجسدانية و ذلك عند اطاعتها و انقيادها للعقل او توغّلها في المخالفة و افراطها في الكفران و المعصية حتي ترسخ في النكراء و الشيطنة و يثبت عنده الباطل في البراهين القطعية المجتثة بحيث يقطع به و يسكن لديه الاتري الي كثير من المنافقين و انكبابهم بالباطل و اصرارهم عليه حيث قال الرازي في تفسير اهدنا الصراط المستقيم لا شك ان الصراط المستقيم صراط الصديقين و لا شك ان فلان رئيس الصدقين فالله تعالي امرنا بمتابعة فلان و قال في آية انما وليكم الله الآية ، مثل ذلك و اورد خمس ايرادات علي القول بان المراد بامير المؤمنين في الآية الشريفة هو علي عليه السلام و امثالهما كثير و امثاله غير عزيز ، فهذا هو التوغل في النكراء و الشيطنة و هي تزيد و تقوي كعكسها الّا انّا نجري الكلام علي الحق و انت قايس به الباطل بالمقايسة و انما ذكرنا ذلك تنبيهاً الي القاعدة و بالجملة اذا اطاع النفس [ص 96] العقل في ما امرها و نهاها و قبلت منه زالت التفاته عن الشهوات الجسدانية و اللوازم البدنية فتلتفت الي صرافة عالمها و الي صفائها و بهجتها و نورها و عدم كدورتها فتنطبع فيها الصورة كما هي في نفس الامر لعدم حاجب يحجبها و مانع يمنعها فتكون تلك الصورة ثابتة مانعة من النقيض و هو اول مرتبة العلم و لكن لما كان المنع من النقيض قد يكون مسبباً عن ضعف النفس و عدم قوتها و اقتدارها عن التصرفات او دفع النقوض و المحتملات كالبليد و الغالب عليه الرطوبة الفضلية و كالعوام الذي ليس لهم قدم راسخ في معرفة الاشياء لعدم التفاتهم اليها و هؤلاء تحصل لهم الصور المانعة من النقيض لكنها كثيراً مّا ليست بثابتة جازمة بحيث يري الشيء كما هو في الخارج فيدفع جميع الشكوك و الشبهات و المحتملات من النقوض و الوجوه بل منعه من النقيض لعدم قدرة النفس عن الاتيات بمعارض لا انها كذلك في الواقع و قد عرفت ايضاً منّا آنفاً انّ القطع و التقليد ( اليقين ظ ) كما يكون من طرف الحق و النور يكون ايضاً من جهة الباطل و الظلمة اي التوغل في النكراء و الشيطنة فتحصل في هذا المقام اي مقام العلم في وجود الصورة اربع مقامات حاصلة من ضرب اثنين في مثلهما لان تلك الصورة المانعة من النقيض لايخلو اِمّا ان يكون جازمة ثابتة قوية دافعة مع الالتفات لجميع ما يعارضها ام لايكون كذلك بل منعها من النقيض لضعفها و عدم التفاتها الي ما يعارضها لعدم اقتدارها بحيث اذا نبّهتها علي المعارض قبلته و صدقته و تضعف تلك الصورة الاولي و كلا الامرين لايخلو اِمّا ان يكون [ص 97] مطابقة لما في الواقع ام لاتكون مطابقة فهيٰهنا اربع صور :