فكلٌ يدّعي وصلاً بليلي و ليلي لاتقرّ لهم بذاكا

فلما حصل لي الانقطاع و لله الحمد و الشكر و انست باخبارهم و اقتفيت آثارهم و طلبت الهداية من الله بهم و سئلت النور الالهي لديهم رأيت انه ما من علمٍ الّا و قد نبّهوا عليه و ما من حقٍ الّا دلّوا اليه و ما من خيرٍ الّا و ارشدوا لديه و تكلّموا للناس علي تفاوت درجاتهم من العوام و الخواص و الخصيص بما ينال به كل احد مطلبهم و يعرف كل اناسٍ مشربهم فتكلّموا علي تفاسير السبعة بل السبعين و تكلّموا بلفظ و ارادوا منه معاني سبعين و ادّوا المطالب كلها من الظاهرية و الباطنية و باطن باطنيه في كلماتهم الشريفة بتعبيرات لطيفة في مقام بالتلويح و في الآخر بالاشارة و الآخر بالتصريح و الآخر بالاختلاف و الآخر بالايتلاف و الآخر بالسكوت و الآخر بالفعل و الآخر بالكناية و بلغات اخري غير هذه اللغة العربية المعروفة فان العربية علي سبعين وجهاً و الذي عند الناس هو وجه واحد منها و قد تكلّموا عليهم السلام بجميع الوجوه كيف لا و هم الحجج البالغة علي الخلق اجمعين و اللسان الناطق بالحق علي الخلق باوضح الدلايل و البراهين فاتوا بكل حق و جاؤا بكل صدق و نطقوا بكل وفق و مابقوا شيئاً مما يحتاج اليه الخلق في امر معادهم و معاشهم من المعارف الالهية و احوال العوالم اللاهوتية و الجبروتية [ص 32] و الملكوتية من الغيبة و احوال البرازخ الشبحية المقدارية و العوالم الملكية الجسمية من الشهودية و احوال الدنيا و الآخرة و الظاهر و الباطن لئلّايكون للناس علي الله حجّة باوضح بيان و اشرف تبيان لمن عرف سياقهم و ورد ماءهم و ادرك العلّ و النَّهل فرأيت ان كل ذلك تفسير للقرآن و تبيان لما نزل علي سيّد الانس و الجان و كشف لاسراره باوضح بيان فعلمت مع قصوري و ضعفي ان لا اختلاف في الدين و لا تناقض فيما اتي به سيّد المرسلين و لا في كلمات عترته الطاهرين و احفاده الميامين عليه و عليهم سلام الله ابد الآبدين و دهر الداهرين فعرفت معني كلام مولينا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلّين ما معناه العلم نقطة كثّرها الجهّال ه‍ ، من اصحاب القيل و القال و المراء و الجدال فاطمانت و لله الحمد نفسي و سكن قلبي و استقرّ لُبّي باعطاء مسؤلي و ادراك مأمولي و رفع الشكوك و الشبهات الواردة علي معرفة الميزان القويم و القسطاس المستقيم الذي هو في الثبات كاَنّه بنيان مرصوص او كالجبل لاتحرّكه العواصف و كنت ملازماً للاخبار و معزماً بمطالعة آثار الائمة الاطهار و قرائة القرآن بالعشيّ و الابكار لانهما اصل كل علم و نور و مادة كل خير و حق و قد استمرّ بي الحال علي هذا المنوال بعون الله الملك المتعال من اول بلوغي الي تسعة‌عشر الي العشرين فوفّقني الله سبحانه من غير استحقاق مني و لا استيجاب لحج بيته الحرام و الوقوف في المشاعر العظام و المواقف الكرام و لزيارة قبر سيّد النبيين و ائمة البقيع و فاطمة الطاهرة عليهم [ص 33] سلام الله ما دامت الدنيا و الآخرة و بعد التشرف بذلك التشريف رحلنا من ذلك المكان الشريف و رجعنا نحو المسكن و اردنا الاهل و الوطن الي ان ساقنا التقدير في اثناء الطريق الي البلدة الميشومة الملعونة المسمّاة ببريدة و حاصرتنا فيها الطائفة الخبيثة الشريرة الجماعة الوهابية و منعونا عن الخروج و السفر حتي بقينا فيها ثلثة اشهر فضاق علينا الامر و ادركنا كمال العسر حتي ايسنا نظراً الي الاسباب الظاهرية عن اليسر فنذرت لله سبحانه و عاهدته بانه تعالي بعد ما نجّانا من تلك الورطة المهلكة اكتب اربعين حديثاً من احاديث اهل البيت عليهم السلام و اكشف فيها اسرارها و تلويحاتها و اشاراتها و استخرج لبابها من قشورها و ابيّن باطنها من ظاهرها و اخرق اصداف الالفاظ و اظهر لئالي المعاني المستورة فيها بحيث يرتفع الاختلاف و يتبين الايتلاف و يظهر الحق الصراح الصافي باعانة الله الملك الكافي و اظهر شطراً من خفايا اسرار آل‌محمد عليهم السلام و ما اكرمهم الله و ما انعم عليهم من النعم الجسام و الفضايل العظام كل ذلك علي مقدار وسعي و طاقتي و حسب استعدادي و قابليتي و انّٰي لي ذلك و كيف لي ادراك ما هنالك ، و كل اناء بالذي فيه ينضح ، لانّ كل كلام علي حسب مقدار عقل المتكلم و ان كان يلاحظ المخاطب و ادراك الوصف المختص بهم اللايق لهم متوقف علي معرفتهم حقيقة و انّٰي للانسان الضعيف هذه الدرجة و المرتبة بل لايدّعيها احد علي الحقيقة من المخلوقين و ان ادعوا كذباً و افتراء كما بيّنوا ذلك و قالوا في الزيارة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و [ص 34] اعلي منازل المقرّبين و اعلي درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايطمع في ادراكه طامع ، اذن كيف يكن ( يمكن ظ ) التوصيف فصحّ ما قالوا عليهم السلام بعد هذه الفقرة موالي لااحصي ثناءكم و لاابلغ من المدح كنهكم و من الوصف قدركم ، فاذن انّٰي لي و وصفهم فوالله لو صبّ خردل بحيث سدّ الفضاء و ملأ ما بين الارض و السماء ثم بعد ذلك عُمِّرتُ مع ضعفي و عجزي سيما بعد مرضي و كُلّفتُ ان انقل ذلك الخردل حبة حبة من المشرق الي المغرب حتي ينفد فلو صرفتُ مقدار هذا العمر في ذكر فضايلهم و مناقبهم صلوات الله عليهم لا بل فضيلة منها و ان اُجَدِّدَ التوصيف و ابلغ في المدح و التعريف ماقدرتُ علي ذكر جزء من مائة‌الف جزء من رأس الشعير مما هم عليه من الفضائل و المناقب و استغفر الله عن التحديد بالقليل كيف و هم كلمات الله التي لو كان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمدّه من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ، الّا انّ السافل "٣" يوصف العالي "٢" بما فيه "٣" من مثاله "٢" المُلقٰي في هويته "٣" فيعرف "٣" العالي حسب مقامه "٣" بمثاله "٢" الذي هو عليه "٣" عينه "٢" الذي اعطاها "٢" ايّاه "٣" ليدركه "٢" بحسب مقامه "٣" كما قال الشاعر :

اذا رام عاشقها نظرة فلم‌يستطعها فمن لطفها

اعارته طرفاً قد رآها به فكان البصير بها طرفها

و بالجملة لما نذرت هذا النذر و عهدت الله سبحانه هذا العهد سهّل الله علينا العسير و قرّب البعيد و جعل لنا من حفظه و نصر عيناه عاصمة عصمتنا عن ان يصل الينا من هؤلاء الملاعين اعداء الدين سوءاً و اذيةً [ص 35] حتي وصلنا الي مشهد موليٰنا اميرالمؤمنين و تشرّفنا بزيارته و الحمد لله رب العالمين و تشرفنا ايضاً بزيارة ساير المشاهد المشرفة علي ساكنيها آلاف الثناء و التحية و كان في عزمي ان اكتبها في المشاهد المشرفة مستمدّاً من ساداتي و مواليّ الهداية و الرشاد و العصمة عن الخطاء فعاقني عن ذلك التقدير بحيث عجز عنده التدبير حتي خرجنا و عزمنا الوطن مسقط رأسنا الجسماني و الا موطني فيها و مابقيت فيه الا مدة قليلة و هي ثلثة اشهر حتي وفّقني الله سبحانه و تعالي بالرجوع الي المشاهد المشرفة و مجاورة سيّدالشهداء و الصديقين علي جدّه و ابيه و امّه و اخيه و عليه و بنيه صلوات المصلّين ابد الآبدين و دهر الداهرين و عزمت علي الكتابة فعاقتني العوائق حتي مضت سنة كاملة و اجتمعت مع بعض الطلّاب بل فضلاء الاصحاب الذين انار الله قلوبهم بانوار الهداية و حباهم كمال الفهم و الدراية بحيث عرفوا ان الرافع للاختلاف و الواصل الي مقام الايتلاف ليس الّا الاتصال بالائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و ذلك الاتصال لايحصل الا بالتوغّل في آثارهم و اخبارهم و معرفة حقايقها و اسرارها اذ السبيل من الحق الي الخلق و من الخلق الي الحق منحصر فيهم اذ هم الابواب الي ذلك الجناب ، الهي وقف السائلون ببابك و لاذ الفقراء بجنابك ، و رأوا وفّقهم الله و سلك بهم الي مسالك الرضا هذا السراب فظنوه ماءً و سئلوا هذا الفقير المعترف بالقصور و التقصير ان اُلقي اليهم غوالي اللآلي من معاني الاخبار المخزونة في بحار انوار آثار الائمة الاطهار عليهم سلام الله [ص 36] الملك المختار المكنونة في اصداف الكتب و الدفاتر اثمنها و اغلاها و اظهر لهم من غوامض اسرارهم و ظواهر آثارهم اشرفها و اعلاها و اذلّل بكمال التحقيق و التدقيق صعابها و استخرج بجوامع التبيين من قشورها لبابها و اُنبِّهُ علي بعض ما ارادوا من اشاراتها و اشير الي بعض ما لوّحوا في عباراتها و الفقير مع قصور باعي و قلّة اطلاعي لعلمي بنفسي بانّي لستُ من السفن التي يسار بها في هذا البحر المتلاطم مع هذا الموج المتعاظم ماامكنني ردّهم و عدم اسعاف مطلوبهم و مأمولهم لانّ من ظن بحجرٍ خيراً يُلقي الله اليه الحكمة بسببه و لما نذرت سابقاً فاغتنمت الفرصة و سئلت الله التوفيق و الاعانة و التسديد عن الخطاء و العصمة و شرعت في شرح اربعين حديثا علي نحو يدركون مأمولهم و يصلون مطلوبهم ان شاء الله تعالي و لا حول و لا قوّة الا بالله العلي العظيم .

و لكنهم لما طلبوا منّي بيان معرفة علم الحديث و كيفية استنباط العلوم منه و بيان رفع الاختلاف في العلوم و تحقيق كشفه عن كل العلوم و وقوع التعارض و رفعه و انّ الاخبار و الاحاديث لا تناقض و لا تعارض و لا اختلاف فيها بل مرجع الكل الي شيء واحد بل هي طبق القرآن و ذكر بعض احوال السند و الدلالة و امثال ذلك من الامور التي اختلفوا فيها العلماء و صاروا فرقاً متعددة و تحزبوا احزاباً مختلفة غير مؤتلفة وجب ان نقدّم علي الشروع مقدمة تحتوي علي اربعة‌عشر فائدة بعدد المنازل النورية و الحروف النورانية و مثناة العدد الكامل و طبق وجود الوهاب بيد القدرة في المنازل ثم نشرع في المقصود باعانة الله الملك [ص 37] الودود مفيض الخير و الجود .

فاقول واثقاً بالله الملك العلام و جاعلاً نفسي هدفاً لسهام طعن اغاليط الاوهام :

مقدّمة مهمّة فيها اربعة‌عشر فائدة و قد دعانا الي ذلك اظهار الحق الصافي القراح الغير المشوب بشيء من الباطل بوجهٍ ابدا لانهما متشابهان في الظاهر و الصورة بكمال التشابه و نهاية التوافق و اكثر الاشتباهات و الاختلافات انما هي باعتبار الشبهة في موضع الحكم و عدم الاطلاع علي حقيقة الامر و مبدئه و منتهاه و قد تبين في المقدمة بعون الله تعالي شطراً من ذلك مما يجوز بيانه و لايعسر برهانه و نرجو من الله سبحانه ان يحقق بها الحق و يميت بها الباطل بفضله و كرمه بجاه محمد و آله الطاهرين فانه ليس عنده سبحانه من هو اوجه منهم و ليس الحق و الخير الا من عند الله المكنون المخزون عندهم صلوات الله عليهم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

الفائدة الاولي في حقيقة العلم و مبدئه و منتهاه و عوالمه السافل و عوالمه العالية و عوالمه في نفسه و فائدة ايجاده و اللطف فيه و شرفه و انّه اصل كل خير و كمال و بهجة و جمال و بعض الاسرار المودعة في لفظ العلم بالاجمال و جملة من صفات العالم .

الفائدة الثانية في سرّ اختلاف العلوم و تكثّرها و تشتتها و تشعبها بالشعب المختلفة مع وحدة العلم و عدم تعدده و تكثّره و وجه اختلافه في عين ايتلافه و سرّ تكثّره في عين وحدته .

الفائدة الثالثة في بيان اقسام العلوم و انحائها و تفاصيل كلياتها و حصرها باعانة الله سبحانه .

الفائدة الرابعة في سرّ اختلاف العلماء و منتحلي العلم فيه مع [ص 38] وحدته و بيان قول اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين العلم نقطة كثّرها الجاهلون و وجه كونه نقطة و كيفية تكثيرها الجاهلون و مبدء هذا الاختلاف و منشأه علي جهة الاجمال .

الفائدة الخامسة في اثبات العلم الواجب علي المكلّف تحصيله و المحرّم و تعيين العلم الوارد في قوله عليه السلام طلب العلم فريضة علي كل مسلم و مسلمة و اطلبوا العلم من المهد الي اللحد و تحقيق القول في شرافة نفس العلم من حيث هو و قبح بعض العلوم .

الفائدة السادسة في سرّ اختلاف علماء اهل الحق المتمسكين بالعلم المطلوب و الواثقين بالركن الشديد و وجه ميلهم الي الاعداء و حدّ الميل و السرّ في ذلك الامور العقلية و نستطرد ايضاً كيفية اختلافهم في الامور النقلية و الوجه في ذلك و القول بانّهم المعذورون في هذا الاختلاف مطلقا او ليسوا بمعذورين كذلك او في العقلية خاصة مطلقا او علي التفصيل و تقسيم العلماء الي اقسام اربعة و تحقيق القول فيها بمعونة الله سبحانه .

الفائدة السابعة في كيفية التخليص عن هذه الاختلافات و وجدان الحق الصحيح الصريح مع هذه الاختلافات الشديدة التي يقطع العاقل بل الجاهل بان الحق ليس الّا في واحد منها و ذكر الميزان القويم و القسطاس المستقيم و القاعدة في معرفة الاشياء كما هي بحيث يكون علي بصيرة من امره و هداية من ربّه و يزول معه عنه كل الشكوك و الشبهات بحيث يدرك الشيء كانه يراه و لايزال و ان خالفه المخالفون و كثر المعاندون و لايشكّ و لايرتاب ابدا و لعمري ان هذا امر عظيم اعاننا الله و اياّكم في ادراكه و [ص 39] الوصول اليه فانه ذو الفضل العظيم و المنّ الجسيم .

الفائدة الثامنة في سرّ وقوع الاختلاف في احاديث اهل بيت محمد سلام الله عليهم اجمعين و تحقيق القول في ذلك .

الفائدة التاسعة في سرّ ايقاع الاختلاف بحيث يعارض بعض الاخبار بعضاً او ينافيه و سرّ تحقيق القول في المحكم و المتشابه و بيان انّ القرآن و الاخبار يشملان علي الناسخ و المنسوخ و المطلق و المقيد و الخاص و العام و الظاهر و الباطن و ظاهر الظاهر الي غيرها و بيان انّ الاختلاف ظاهري صوري لا حقيقي و معنوي .

الفائدة العاشرة في كيفية استنباط الاحكام و استخراج العلوم من الاخبار و كيفية ارجاع هذه الاختلافات الي امر واحد و كيفية اخذ الحقيقة او المجاز او المطلق او المقيد و امثال ذلك .

الفائدة الحادي‌عشر في ان اهل البيت عليهم السلام اجروا كلماتهم الشريفة حسب الادلة الثلٰثة من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و بيان هذه الادلة الثلٰثة و ذكر شرطها و مستندها علي الاجمال .

الفائدة الثاني‌عشر في انّ احاديث اهل البيت عليهم السلام مذكورة فيها كل العلوم سيما معرفة الحقايق الكونية من الحكمة الالهية و الرياضية و الطبيعية و علم الحروف و الاحكام الالهية التكليفية لاصحاب الحقيقة و الطريقة و الشريعة و انها حجّة في كل العلوم من العقلية و النقلية و ان ما خرج عنهم من العلوم باطل فاسد زايل و الوجه في انهم عليهم السلام ماصرّحوا بتلك العلوم و انما رمزوا رمزاً و اشاروا اشارة و لوّحوا تلويحا و انّ السبب في ضلالة الحكماء الموجودين في هذه الازمنة ما هو و تاويل [ص 40] قوله تعالي فخلف من بعدهم خلفاء اضاعوا الصلوة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا الّا من تاب الآية و تحقيق القول في ذلك ان شاء الله .

الفائدة الثالثة‌عشر في ان الشرائط المعتبرة في العمل بالاحكام الشرعية الفرعية و استنباطها من الاحاديث المعصومية هي المعتبرة في العمل بالاحكام النقلية و جعلها حجة في الاعتقادات ام لا بل كل منها شرائط مخصوصة لايشتركان الا في مواضع مخصوصة .

الفائدة الرابعة‌عشر في تحقيق ما اصطلحوا عليه في تقسيم الحديث الي اقسام اربعة من الصحيح و الحسَن و الموثّق و الضعيف و بيان ان لهذا التقسيم هل مأخذ صحيح يعتمد عليه ام لا و ذكر شرذمة من اقوال الاخباريين و الاصوليين و تحقيق القول فيهما .

و اما الفائدة الاولي ففيها اربعة مطالب بعدد انوار الاربعة : الاوّل في فائدة ايجاد العلم و ذكر فضله من شرفه من حيث هو الثاني في حقيقة العلم و عوالمه السافلة و عوالمه العالية و عوالمه الحقيقية و معرفة ان العلم يجد ام لا و انه ضروري ام اكتسابي الثالث في خزائن العلم و حملته و حفظته الرابع في بعض اسرار المودعة في لفظ العلم علي الاجمال حسب ما يحضرني بالبال حال الكتابة علي الاعجال .

لكنّك يا اخي ينبغي ان تعلم اوّلاً قبل الشروع في المقدمة ان المطالب ليست كلها علي نهج واحد و طريق خاص غير متعدد بل المطالب بعضها بل جلّها خفيّة دقيقة جدّاً يخفي بيانه و يعسر برهانه و لايدرك بالظاهر الجلي بل لايزيد الاستدلال بالمجادلة بالتي هي احسن الّا خفاءً و غموضا اذ النتيجة تتبع المقدمتين بل اخسهما و كثيراً من المطالب يحتاج الي [ص 41] المقدمات الطويلة يطول بذكرها الكلام و يخرج عن المقام فاختصرها و اشير الي لُبّها و بعضها ارمزها و الوح بها لئلّايعثر عليها الجاهل ليستريب فينقص ايمانه او ينكر فيكفر و بعضها لايفيها العبارة فيجب الاقتصار علي الاشارة و من هذه الجهة كانت الادلة ثلٰثة كما قال تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن كما سيجيئ بيانه ان شاء الله تعالي .

فاوصيك ايها الناظر في هذا الكتاب ان تنظر اليه بعين الانصاف و اعرض عن الجور و الاعتساف فان عرفت مطالبه و ادركت مقصودك منه فاحمد الله و اشكره و ان رأيت شيئاً مخالفاً لنظرك فلاحظه من بعد اخري فان تمّ دليله بالمجادلة بالتي هي احسن فخذه و كن من الشاكرين و الّا فاطلبه بدليل الموعظة الحسنة الذي هو دليل الخواص و ان لم‌يحصل لك المطلوب فاطلبه بدليل الحكمة التي لاَخصِّ الخواص ان كنت منهما و عرفت كيفية الاستدلال بهما و الّا فاعزل نفسك عن النقض و الابرام و جانب اللجاج في الكلام و لاتقف ما ليس لك به علم فان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا و لاتمش في الارض مرحا انك لن‌تخرق الارض و لن‌تبلغ الجبال طولا كل ذلك كانت سيئة عند ربك مكروها لانكم مااوتيتم من العلم الّا قليلا و فوق كل ذي علم عليم ،

عليَّ نحتُ القوافي من مواقعها و ما عليَّ اذا لم‌يفهم البقر

و هذا سبب اكثر اختلافات التي من العلماء فانهم ماميّزوا بين المطالب تمييزاً صحيحاً و مانقّحوها تنقيحاً مليحا و وقعوا فيما وقعوا من الاختلاف [ص 42] و قطعوا طرق الايتلاف فان كثيراً من المطالب لاتتمّ الّا بدليل الموعظة و هم يحاولون اتمامها بدليل المجادلة فلن‌يجدوها و كثيراً منها لاتتم الا بالحكمة و يطلبونها بالموعظة الحسنة او المجادلة فلن‌يصلوا اليها و ح اِمّا ان يطرحوها و يحكموا بفسادها و بطلانها لعدم الدليل و اِمّا ان يتكلفوا في تنزيلها الي المجادلة فيغيّرون خلقة الله فيصفون الشيء بخلاف ما جعله الله عليه فيغيّرون ( فيفترون ظ ) علي الله كذباً و هم لايعلمون و كل ذلك لاستكبارهم عن الاعتراف بالعجز و الاقرار بالذلّ و الفقر و ارعائهم الامر لانفسهم و انحصارهم الدراية و المعرفة لهم فطبع الله علي قلوبهم و علي سمعهم و جعل علي ابصارهم غشاوة و لايزالون مختلفين الّا من رحم ربك و لذلك خلقهم و تمّت كلمة ربّك عليهم بما صبروا اللهم ارحمنا و سدّدنا و اعصمنا و اجعلنا من الذين هديتهم لما اختلفوا الي صراط مستقيم و من الذين تمت كلمتك عليهم صدقاً و عدلاً فانّا عبيدك و ناصيتنا بيدك لا امر لنا مع امرك ماضٍ فينا حكمُك عدل فينا قضاؤك و لا حول و لا قوة الّا بك و افوّض امري الي الله ان الله بصير بالعباد .

و ليعلم اني اجرّ الكلام بحول الله و قوته علي النمط الاوسط لا الايجاز المخل و لا الاطناب الممل و اجمع ان شاء الله تعالي بين الظاهر و الباطن و التنزيل و التاويل ليعلم كل اناس مشربهم و لينال كل احد مطلبهم و تكلمي في الباطن ليس كما زعمته الصوفية الملاحدة خذلهم الله فانهم عاندوا الدين و بنوا امرهم علي المكابرة مع سادتنا الاطيبين الاطهرين بل علي ما وصل الينا منهم صلي الله عليهم و اخذنا عنهم [ص 43] من انوار فيوضاتهم المتشعشعة من لمعات آثارهم و اخبارهم فانّ لكل حق حقيقة و علي كل صواب نور و الي الله ترجع الامور و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و مخالفيهم اجمعين الي يوم الدين و الحمد لله رب العالمين و ها انا اشرع في المقصود .

فنقول اما الاوّل - فاعلم ان الله تبارك و تعالي لما تقدّس و تنزّه عن الافتقار و الاستكمال بطل ان يخلق الخلق ليعين ( ليستعين ظ ) بهم او للحاجة اليهم فلم‌يبق الّا ان يخلقهم للتكميل و يوصلهم من مقام الاجمال الي التفصيل فوجب ان يسبب لهم سبباً للوصول الي ذلك و يجعل لهم وصلة الي ما هنالك لضرورة بطلان الاجبار و الاضطرار لاستلزامه الفضيحة و العار كما لايخفي علي اولي البصائر و الابصار و من هذه الجهة ورد النص في هذا الباب عمن عندهم فصل الخطاب انّ الله ابي ان يجري الاشياء الّا بالاسباب و هي لما كان العالم عالم الاختيار المستدعي لوجود الشيء و نقيضه عند الابرار و الاشرار يجب ان تكون الاسباب الموصلة كذلك اذ ايجاد الداعي المقتضي مع عدم ما يدعو اليه و يقتضيه لا ريب في قبحه لكونه عدم الاجابة للسائل المضطر فلايفعله الحكيم القادر العليم و عدم الداعي و المقتضي عند عدم جعله اذ ما لم‌يتعلق به جعله فهو باطل عدم فلايبقي لمن قال بخلافه ثبات قدم باطل قبيح امّا في الكمال فيلزم الاهمال في خلق الخلق من التفصيل و الاجمال و هو محال علي القادر الحكيم المتعالي امّا في ضدّه و نقيضه فلعدم تحقق الاوّل و لاتمام قابلية ظهوره و لئلّايلزم الالجاء و الاضطرار [ص 44] فاذن لكان المحسن اولي بالاساءة من المسيئ و لايستحق شيئاً اصلاً اذ لم‌ينسب اليه شيء قطعاً فاذا صحّ هذا فجعله الله سبحانه و له الحمد و المنّة تلك الاسباب سُلّماً يرتقي به الي اعلي درجات الرشد و الكمال و يسفل عند عدمه الي ادني دركات الضلال لئلّايكون للناس علي الله حجة في المبدء و المآل و ليتميز بين الرشد و الوبال فوجب علي المكلّف المخلوق التمسك بتلك الاسباب ليفوز بالفضل الي ذلك الجناب و ليحصل له الاستكمال و يتحقق له الاتصال و لايمكن ذلك التمسك و الاتصاف الّا بالفعل و الا يلزم ما سبق منا من المفاسد و الفعل و يجب ان يكون بالاختيار لما بيّنّا من قبح الاضطرار فلذا جعله الله سبحانه امداده و قوام وجوده و ضعف بنيته و قوتها بالفعل فلذا اختلفت احواله و تفاوتت اطواره و هو سرّ المحو و الاثبات و الاجلين المحتوم و المقدّر و لما كان الانسان و غيره من المكلفين لامكانهم و فقرهم و عجزهم و جهلهم و قصورهم جاهلين بتلك الاسباب التي تصلحهم و تفسدهم وجب علي الحق سبحانه ان يبيّنها لهم و ان كان بالحال فان الوصف منحصر في الحال و المقال فعلّمهم الحق ذلك و ابان لهم عما هنالك و لما كانت الاسباب علي قسمين قسم يتعلق بلفظ البنية الظاهرية الجسدانية و باصلاح نظام ما بين الشخص و غيره مطلقا من السياسة المدنية و تدبير المنزل المسمّي بامر المعاش و القسم الآخر ما يتعلق بايصال ما خلق لاجله و وجد لغايته من اصلاح النفس و تصفية القلب و تزكية السرّ و النواميس الالهية الشرعية المسمّي بامر المعاد و الاوّل لوجود الثاني و [ص 45] لظهوره و تحققه فانحصر الامر في كل مكلّف بهذين الاثنين و قوام هذين الاثنين و منشئهما و مبدئهما لايكون الّا العلم و به اذ لولاه لاختلت الغاية المستلزمة لجهالة الصانع و سفاهة الممتنعة علي القادر الحكيم فاذن العلم اصل و قوام لكل مكلّف بل موجود و كل مستكمل صالح لكسب الكمالات و كل متسافل و متعالٍ و كل لطيف و كثيف و لولا العلم لقبح الايجاد و لبطل الانوجاد لكونه القبول و لايكون الا بالعلم بالمقبول فعلّة الكون و مداره انما هو العلم و لولاه لم‌يحسن فوجب علي الحق سبحانه ايجادُ ( العلمِ ظ ) بعد ايجاد الذات بل العلم و الايجاد متساوقان و لذا تري الحق سبحانه ذكر العلم بعد خلق الذوات من غير فصل و تراخٍ بل قدّمه عليه ليدلّ علي ما ذكرنا من حكم المساوقة في قوله الحق الرحمن علّم القرآن ثم قال خلق الانسان علّمه البيان و قال ايضاً سبحانه و تعالي اقرء باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرء و ربّك الاكرم الذي علّم بالقلم علّم الانسان ما لم‌يعلم و هذا سرّ ايجاد العلم و منه يظهر لك شرفه و عظمه و سبقه علي كل شيء في المراتب الوصفية و ان كان في بعض المراتب بل كلها يجري حكم المساوقة كما لايخفي علي من له ادني دراية و رويّة و الوجه الآخر تفريعاً علي هذه المقدمة انه لماامتنع التمسك بتلك الاسباب و الاتصاف بها الا بالفعل و كان المكلّفون خصوصاً الانسان ذا عالمين عالم الغيب و الشهادة لا ريب ان العالمين مرتبطين فكل عالم له فعل مخصوص و الّا لم‌يكن و لا شكّ ان عالم الغيب اشرف و الطف و اعظم و اكرم من عالم الشهادة فعالمُ الشهادة [ص 46] انما وجد بعالم الغيب فقوامه به و هو من اسباب وجوده التي جعله الله سبباً له حيث انه تعالي جعل كل عالٍ سبباً لوجود السافل لبطلان الطفرة الباطلة الا عند المسفسطين (ظ) فكما ان الذوات الغيبية بيدها قوام الذوات الشهودية كذلك الافعال الشهودية منوطة بالافعال الغيبية و هي المهيّجة لها و الداعية اليها حسناً كان او قبيحا و لما نظرنا الي الذوات الغيبية المتحققة في العوالم الانسانية وجدناه كثيرة شتي و لبيانها محل آخر الّا انّه مجمع كلياتها ثلٰث مراتب : المرتبة الاُولي مقام لُبّها و سرّها و لطيفتها الذي هو اول ما خلق الله منها و هو الاصل و الاُسّ (ظ) فيها ، المرتبة الثانية مقام قلبها و مظهر سرّها ، المرتبة الثالثة مقام صدرها و محل تشخصها و ظهورها الصورية النورية و هنا مرتبة اخري مقام الحسّ المشترك البرزخ بين العالمين و الملتقي للبحرين و المراتب الاُخر تتبع هذه المراتب من غير اشكال و لما نظرنا في افعالها رأينا ان ليس لها فعل الا العلوم و الادراكات اما المرتبة الاولي ففعلها معرفة الله سبحانه خاصة لكونها المقصود بالذات و هي اول ما برز عن فعل الحق بلا واسطة و الاثر يشابه صفة مؤثره فمعرفة الله التامّة الكاملة لاتعرف و لاتدرك الّا بذلك المشعر الذي هو اعلي مشاعر الانسان و لذا قال تعالي كنت كنزاً مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و اما المراتب الاُخر ففعلها العلم بالاشياء و ادراك حقايقها لادراك عظمة الله و جلاله و نعمه و آلائه و اسمائه و صفاته و تلك الاشياء لها حالات معاني و صور و جسم و البرزخ بين الصورة و الجسم فالمرتبة الثانية فعلها ادراك المعاني [ص 47] الكلية للاشياء و النظر اليها بعين الوحدة مع كثرتها المعنوية علي جهة اليقين بحيث لايخالجها الشكّ و الظن و التخمين و المرتبة الثالثة فعلها ادراك الصور المجردة النورية الذهنية المسمّي بالعلم عند العلماء و اما الحسّ المشترك فمعلوم ان فعلها الاشباح النورية البرزخية المتحققة بين عالم الحسّ و الخيال و ليس لهذه المراتب الغيبية فعل الا هذه العلوم المذكورة فهي الاسباب لاِيصالها علة الغائية و لا شكّ ان عالم الغيب اعلي و اشرف من عالم الشهادة فالسبب الموصل لها الي ما خلق لاجله اعلي و اشرف من السبب الموصل لعالم الشهادة الي ما خلق لاجله و الذي ( لاجله الذي ظ ) هو الافعال البدنية و ذلك بمقتضي الحكمة الالهية و الفطرة الوجودية الظاهر المعلوم لمن له فكر و رويّة و يجيئ ان شاء الله زيادة توضيح لهذا المطلب و قد علمت ان السبب الموصل لاهل عالم الغيب الي ما خلق لاجله انما هو العلم علي اختلاف مراتبه و درجاته كما سيوضح لك عن قريب ان شاء الله فيجب ان يكون اشرف و اعلي من السبب الموصل لاهل عالم الشهادة الذي هو الحركات و السكنات البدنية الجسمية بل العلم هو المهيّج لهذه الافعال و الاعمال و الباعث لها و الداعي اليها بحيث لولاه لم‌يكن للبدن فعلٌ اصلا فصحّ ان المرقي للمكلّفين الي مراتبهم العالية و درجاتهم الرفيعة و مقاماتهم السنيّة انما هو العلم و هو الاصل لكل اختلاف فمن علم و مشي علي وفق علمه و لم‌يكابره فقد تمسّك بالاسباب و فاز الي ذلك الجناب و ادرك كل الصواب و من علم و كابر علمه و لم‌يمش علي وفقه فقد هبط الي اسفل السافلين [ص 48] و تنزل في سجين و من لم‌يعلم اما مطلقاً فلم‌يحسن ايجاده او النظرية او الضرورية في بعض الاحوال فهو موكول امره و مرجو حكمه حتي يعلم و المتمسك بالاسباب يزيد درجته و مقامه و مرتبته حسب زيادة علمه و نقصانه و كماله و تمامه بل لاتري احداً ازيد من الآخر درجة و لو شبراً الّا و تريه ازيد منه علماً بذلك القدر و من العلم نشأ اختلاف الموجودات بالاجناس و الانواع و الفصول و بالانسانية و الحيوانية و النباتية و الجمادية و المعدنية و بالاستقامة و الاعوجاج و الحركة و السكون و الحموضة و الحلاوة و المرارة و الصفاء و الكدورة و القرب و البعد و حسن الخلقة و سوئها و الطهارة و النجاسة و الحرارة و البرودة و الشرافة و الدنائة و امثال ذلك من الاختلافات الكثيرة و كل ذلك حال العرض في التكليف الاوّل و الثاني و الثالث و لو اطلت الكلام في هذا المقام لادّي الي ما لاينبغي لانه كشف اسرار القدر و اعلم ان الذي ذكرنا ان العلم اصل كل اختلاف و سبب كل هداية و ضلال و علّة كل صحّة و اختلال ليس لان العلم له جهتان جهة يستدعي الخير و النور و اخري يستدعي الظلمة و الشرّ كما هو المترائي من ظاهر الكلام بل هو خير محض للممكن و نور صرف و حاشا ان يستدعي هو في ذاته شيئاً من الشرور و النقايص بل هذه الاختلافات انما نشأت بموافقته و مخالفته و مكابرته و عدم مكابرته فالشرور انما نشأت من مخالفته و مقابلته للمرآة السوداء و العوجاء و الا فهو خير محض و نور بحت من حيث ذاته لانّه سبب الوصول الي الله و الجلوس معه علي سرير الانس و الاستقرار في محل القرب الّا انّ ضدّ كل شريف يكون في كمال [ص 49] الدنائة و الشريف كل الشريف يكون رحمة لقوم و غضب لآخرين اَماقرأتَ القرآن قوله تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الّا خسارا هل في القرآن نقص و قصور ابدا و قوله تعالي فسوف ياتي الله بقوم يحبّهم و يحبّونه اذلّة علي المؤمنين اعزّة علي الكافرين و قوله تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب المفسّر السور برسول الله صلي الله عليه و آله و الباب بعلي اميرالمؤمنين عليه السلام و امثال ذلك من الآيات و الروايات المعضدة لما قلنا كثيرة جدا (ظ) حمل علي هذا قولنا العلم سبب كل اختلاف كما انّ عليّاً عليه السلام كان كذلك و لذا قال تعالي عمّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون المكني به ( عليّ ظ ) عليه السلام و قال رسول الله صلي الله عليه و آله فيه عليه السلام مااختلف في الله و لا فيّ و انما الاختلاف فيك يا علي ، فتدبر ذلك و كن علي بصيرة من امرك .

ثم اعلم ان بعض الفضلاء ذكر في مقام فضيلة العلم و شرافته كلاماً لا باس بذكره هنا قال في شرحه علي اصول الكافي :

و اما طريق العقل فاعلم ان العلم عبارة عن حضور الصور المجردة عن المواد و الاجسام عند العقل و لا شكّ ان اشرف الممكنات و اعلاها و انورها هو الموجود الذي لا تعلّق له بالامور الجسمانية و ايضاً قد تقرر في علم النفس ان النفس في اول الفطرة امر بالقوة في باب العقل و المعقول كالهيولي التي لا صورة لها في ذاتها في باب الحسّ و المحسوس فاذا ادركت اوايل العلوم و الضروريات حصل لها استعداد [ص 50] ادراك النظريات و صارت عقلاً بالملكة ثم اذا تكررت (ظ) منه الافكار و الانظار فصارت باشراف النور العقلي علي ذاتها من المبدء الاعلي عقلاً بالفعل و عاقلة و معقولة فيصير وجودها وجوداً آخر عقلياً بعد ما كان وجودها وجوداً حسّيّاً حيوانيّاً فتكون احد سكان عالم الجبروت بعد ما كانت احد سكان العالم الادني فايّ فضيلة و كمال اشرف و اعلي من فضيلة العلم و كماله الذي يجعل الاموات احياءً و الظلمات انواراً اعني الاموات بالقياس الي الحيوة العقلية و اعني بالظلمات ظلمات الجهل و العمي .

اقول و لا حول و لا قوّة الا بالله العلي العظيم انّ هذا الكلام ان قلنا بحقيّته و سلّمنا صحّته لايوصل الّا الي عالم الصورة و الظاهر الحاصل من دليل المجادلة بالتي هي احسن لكنّا لانسلّمه و لانقبل صحّته مطلقا فانّ قوله « العلم عبارة عن حضور الصورة » فيه انّ العلم ليس منحصراً فيما ذكر و ان اصطلحوا عليه فان كلام الله و كلام المعصوم عليهم السلام ليس جارياً علي ما اصطلح عليه القوم من الطوائف المخصوصة من الحكماء المشّائين و من تبعهم بل كلامهم جارٍ علي الحقيقة و الواقع و الاعتبار يقتضي ذلك علي العموم فاذن اين المعاني الكلية المجردة عن الصورة النفسية و المثالية و الجسمية عن العلم مع انّ مدركها العقل الذي هو اشرف من النفس المدرك للصورة كما اعترف و اذا موّهت بتنزيل المعالي الكلية الي الصورة بانّ الصورة اعمّ من ان تكون كلية او جزئية قلت هل للعقل ادراك ام لا فان قلت نعم قلت هل ادراك العقل بعينه هو ادراك النفس فان قلت نعم قلت اذن لا فرق بين العقل و النفس [ص 51] فان الاثر كاشف عن قوة المؤثر و ضعفه و وحدته و كثرته فاذا كان الاثران متشابهان من كل الوجوه دلّ علي اتحاد المؤثر و انت قد قلت بان العقل اشرف من النفس و اعلي و هو من عالم الجبروت و هي من عالم الملكوت و الفرق بينهما في القوة سبعون درجة فكلما كان اشرف و اعلي جدير ان يكون اثره اعلي و اشرف و النفس لا شكّ انها تدرك الصور فيجب ان يدرك العقل المعاني فادراكه احق بان يكون علماً فلا اختصاص للعلم بالصورة المجردة فان ابيت ان يكون ادراك العقل المعاني مع انكم قد اعترفتم به في كتبكم و ان المعاني تدركه القوة العاقلة و قلت من جهة ان المعاني فيها الصور النوعية المعنوية تدخل في ادراك النفس قلت لك اذن ليس للعقل ادراك ام له ادراك فان قلت بالاوّل فقد كذبت نفسك و كابرت وجدانك فان قلت بالثاني فلم‌نضايق عليك بالتعيين و يثبت المطلوب و يبطل قولك ان اردت حصر العلم فيما ذكرت او اردت حصر العلم الذي هو شريف فيما ذكرت فان قلت العقل الذي هو اشرف و اعظم و اعلي هو الذوات النورية و الكلمات الالهية الموجودة في صقع الربوبية المعدودة من عالم القدم و اما الذي في الانسان فليس الّا مرتبة من مراتب النفس اذا ترقت كما هو المشهور المعروف عندهم قلت قد دلّ العقل و النقل و الوجدان و المشاهدة و قام البرهان علي بطلان هذا القول كما برهنّا عليه غير مرّة في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و ليس هذا مقام البرهان عليه لادائه الي الاطناب و التطويل و يخرجنا عما كنّا فيه و ايضاً علي هذا يلزم ان يكون العلم بالحقايق اللاهوتية المجردة عن المواد و الصور و المدّة الجبروتية و البرزخية و الملكوتية [ص 52] النفسية و الشبحية المقدارية و الصورة الجسمية التي لا كيف لها و لا جهة و لاتدرك الّا بعد كشف سبحات الجلال من غير اشارة التي هي محل المعارف الالهية و الفيوضات الخاصّة السبحانية خارجاً عن العلم الشريف اذ ليس فيه صورة ضرورة وجوب تطابق العلم بالمعلوم و انطباقه عليه مع انّ هو العلم حقيقة و غيره بالنسبة اليه جهل صرف و بالجملة ليس العلم مطلقا عبارة عما ذكر و ان كان في بعض مراتبه عبارة عما ذكر اي العلم النفسي و ان كان قد اشتهر به و ورد في الاخبار تعبير عنه الّا انّ ذلك كله حسب مقدار المخاطبين من العوام اهل المجادلة بالتي هي احسن لوفورهم و كثرتهم و اكثر احتجاجات الائمة عليهم السلام معهم لانهم يتكلمون مع الناس مقدار عقولهم كما لايخفي علي اولي النهٰي و قوله « و لا شك ان اشرف الممكنات و اعلاها و انورها هو الموجود الذي لا تعلق له بالامور الجسمانية » فيه انه ان اراد انّ المجردات اشرف من الماديات فلا شك فيه و لا ريب يعتريه لكن هذا لايدلّ علي انّ العلم اشرف كل كمال و جمال و بهاء في الممكن اذ قصاراه ان العلم الذي هو عبارة عن حصور الصور المجردة اه ، اشرف من الصور المقدارية و الصور الجسمية و هذا ينال في المراد فان الكمال ليس في الاجسام و لا في الجسمانيات و لا فيها خير يعتني به و يعتمد عليه فالقول بانّ العلم اشرف من الاجسام في الحقيقة نقص له لمن يعقل و يفهم و ليس هذا فضل له و لا شرف له كما قال الشاعر :

يقولون لي فضِّل عليّاً عليهما و كيف اقول الدرّ خير من الحصي [ص 53] 

الم‌تر ان السيف يذري بحاله اذا قيل ان السيف خير من العصا

و اما اذا ادعيت بان الصور المجردة احسن ما في الامكان فلانسلّمه و لانقبله ضرورة ان المعاني المجردة اعلي و اشرف منها و كذا الحقيقة المطلقة اللطيفة الربانية آية الله و نوره و صفة معرفته المجردة عن المواد و الصور مطلقا اشرف منها بل مقام العلم المصطلح آخر المراتب المجردة و ادني المقامات و اول مقام دليل المجادلة و بعده عشرون مقاماً كلها دركات الهالكين فيها ظلمات و رعد و برق يجعلون اي الواقفون فيها اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت و الله محيط بالكافرين بل المراد ان العلم اشرف من كل كمال و ابهٰي من كل جمال بحيث لا كمال و لا جمال لاحد الا بعلمه و الزيادة بالزيادة كما اشرنا سابقا و برهنّا عليه اشارة .

قوله « قد تقرر في علم النفس انّ النفس في اول الفطرة امر بالقوة » الي ان قال « كالهيولي في باب الحسّ و المحسوس » فيه انه لا اختصاص لهذه القوّة الحاصلة للنفس في النطفة و قبلها من الاشجار و السحاب و الماء و الهواء و النار و الافلاك و عند الملائكة المدبّرات و المسخّرات و بعدها من العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و تمام الخلقة و احوال الرضاع و الفطم و الصبي و غير ذلك من الاحوال بين النفس و ساير المراتب الغيبية العالية مما قبلها من الحقيقة الوجودية اللطيفة الالهية الخلقية و العقل و الروح و مما بعدها من الطبيعة و المادة و المثال فانها كانت موجودات غيبية اوليّة خلقها الله تعالي بلطيف صنعه و فعله فعلاً اوليّاً في كمال الشعور و الادراك و الاختيار فهي كانت اموراً فعليةً متحققة و ماكانت فيها من القوة من شيء نظراً الي قاعدتهم كما هي الحق [ص 54] من ان كل مجرد اشرف من المادي و كل شريف اقدم في الوجود من الوضيع بقاعدة امكان الاشرف و لا شكّ ان العقول و النفوس و الارواح من المجردات فهي اقدم في الوجود من الماديات فاذن خلقها قبلها بل خلق الاجسام بها و هو سرّ ما ورد انّ الارواح قد خلقت قبل الاجسام باربعة‌آلاف سنة و لما اراد الحق سبحانه بلطف صنعه و مقتضي حكمته ان ينزّلها الي عالم الناسوت و حوزة الملك بهموت فلما تنزلت مايمكن ان يكون العالي ظاهراً بعد التنزل الي السافل حال التنزل و حيثيته فغابت الانوار كلها في المواد الجسمية و الهيولي الثانية قبل ان يمتاز محال ظهورها كالارض للشمس و المرآة للصورة بل كلما كان اشرف كان ظهوره ابطأ لان غيبوبته و قوّته كان اول و اقدم و هذه الغيبوبة و عدم ظهور آثارها سمّوه بالقوة و قالوا جهلاً بحقيقة الحال ان القوّة مقدمة علي الفعل و ما بالقوة قبل ما بالفعل بل سهوا سهواً بيّناً و خبطوا خبط عشواء و الحقّ انّ ما بالفعل مقدّم بالوجود علي ما بالفعل ( بالقوة ظ ) و ان كان ظهوره متأخر عنه و ذلك لما قلنا و اقمنا عليه الحجة بما قالوا بل الحصولي ايضاً مقدمة علي الصورة بالذات و ان كانت متأخرة عنها في الظهور الّا انهم لما اقتصروا علي الظاهر و التفتوا الي ظاهر الحال و ذهلوا عن الحقيقة و ماالتفتوا اليها تكلّموا بالامور القشرية و لو كشفت لك حقيقة الامر لرأيت الحق و رأيت بطلان ما قالوا صريحا و ان كان قد ظهر الامر في الحقايق الغيبية و الذوات المجردة النوريّة و وجه تقدّمها علي قوّتها و بطلان القول بالانحصار كما ادعي ادّعاه المدعٖي و امر [ص 55] الهيولي و تقدّمها محجوب (ظ) عليهم لقصورهم عن معرفة حقيقة الهيولي و الصورة و سينكشف لك الامر في خلال الكلام بعون الله الملك العلّام .

قوله « فصارت باشراق النور العقلي علي ذاتها من مبدء الاعلي عقلاً بالفعل و عاقلة و معقولة فيصر وجودها وجوداً آخر عقليّا بعد ما كان وجودها وجودا حسّيّاً حيوانيّا » فيه ان الشيء لايجاوز محله و مقامه و ما منا الا له مقام معلوم ، فلايكون الجسم روحاً ابدا و لا الروح جسماً ابدا و لا العقل نفساً ابدا بل كل شيء في مقامه يحصل له الترقي في رتبته و قد اطلنا الكلام في هذا المقام في تفسير آية الكرسي فالنفس ان ترقت في الادراك فهو لاعتدال النسبة الانسانية و الصدر الجسماني في النضج و الصلاحية لا لنقص في ذاتها و ان كان فيها نقص ليست كمالاتها فعلية لكنها بمعني آخر كما انّ الشمس اذا اشرقت علي الحجرة الصماء لاتجد ظهوراً لنورها فيها الّا قليلا و اذا اشرقت علي الزجاجة كان ظهور نورها اكثر و ازيد و اذا اشرقت علي البلور كان ظهور نورها فيها ضعف ما كان في الزجاجة بحيث يحرق ما يقابله و ليس هذا التفاوت لاجل تفاوت في ذات الشمس بالنسبة الي اشراقها في الاشياء الثلاثة و ان كان لها تفاوت في ازدياد النور و نقصانها بالنسبة الي ذاتها و ذلك حكم ثاني و كذلك النفس بالنسبة الي البدن حرفاً بحرف و ان ترقت النفس في النورية و طلب الخير و الاقبال الي الله فهو باعتبار اكتسابها من نور العقل و استمدادها من نوره و اطاعتها له فتترقي الي النفس اللوّامة بعد ما كانت امّارة بالسوء ثم منها الي الملهمة ثم منها الي المطمئنة ثم منها الي الراضية [ص 56] ثم منها الي المرضية ثم منها الي الكاملة ثم تترقي في تلك المرتبة الي ما شاء الله حسب اعمالها من الادراكات الحقّة و التصوّرات النورية فلايخرج عن مقامها ابدا فان اردت ان تعرف صدق ما ذكرنا بعين اليقين فقابل مرآة الحكماء فان فيها تمام الامر ثم العقل ايضاً يترقي الي مقاماتها الاربعة فلايخرج عنها ابدا و لايصل الي مقام الفؤاد نور الله الذي به يعرف و الفؤاد و ان ترقي بكل ما هو عليه فلايصل الي مقامات المشية و الارادة و هما و ان ترقتا فلايصلان الي مقام الذات سبحانه و تعالي و لعمري انّ خروج الشيء عن مقامه و مرتبته كلام لايتفوّه به العاقل اللبيب و كل هذه الاغلاط و الاشتباهات انما هو لاعراضهم عن ائمة الدين و عدم الاستضاءة من مشكٰوة اخبارهم و عدم الانتفاع بضياء آثارهم صلي الله عليهم .

و بالجملة حق القول انّ العلم اشرف كل كمال و ابهي كل بهاء و جمال و اعظم كل عظمة و جلال فلا فخر الّا بالعلم و لا شرف لشيء من الاشياء لا الملائكة المقرب و لا النبيّ المرسل الّا بالعلم فاذا كان شرف الشيء بالغير بحيث اذا اخذ منه ذلك الغير سلب الشرافة فذلك الغير اولي بالشرافة مما يتشرف به و هذا ظاهر معلوم ان شاء الله تعالي و من هذه الجهة ورد في القرآن تعظيم العلم و تبجيله و شرفه في مواضع عديدة :

منها قوله تعالي شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكة و اولوا العلم ، فانه تعالي بدء بنفسه اوّلاً و ثنّي بالملئكة و ثلّث باهل العلم و ان كان المجموع ينبئ عن العلم لانّ الشهادة لايكون الّا بالعلم و ناهيك بهذا شرفاً و فضلاً و جلالة .

[ص 57] و منها قوله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات ، اعلم ان الله تعالي ذكر الدرجات لاربعة اصناف : اوّلها للمؤمنين من اهل بدر في قوله تعالي انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم الي قوله تعالي لهم درجات عند ربهم ، و الثانية للمجاهدين قال تعالي فضّل الله المجاهدين باموالهم و انفسهم علي القاعدين درجة ، و الثالثة من عمل الصالحات قال تعالي من يات ربّه مؤمناً قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلٰي ، الرابعة للعلماء قال تعالي و الذين اوتوا العلم درجات و لا ريب ان الدرجات ثلاثة يرجع الي العلم اذ لولاه لم‌يتحقق الايمان و لا المجاهدة و لا الاعمال الصالحة و لكن المراتب الثلاثة خصوصيات ما اطلق في الرابع فهو يشمل الجميع فتفهم و قد روي عن ابن‌عباس للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمس‌مائة عام و هو حق لا شك فيه و بيانه و بيان هذا التحديد الخاص يطول به الكلام .

منها قوله تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون ، اعلم انه عز و جل قد فرّق في كتابه بين امور و اضدادها فرّق بين الطيّب و الخبيث فقال هل يستوي الخبيث و الطيب و فرّق بين الاعمي و البصير قال تعالي هل يستوي الاعمٰي و البصير و فرّق بين الجنة و النار قال تعالي لايستوي اصحاب النار و اصحاب الجنة و فرّق بين النور و الظلمة و بين الظل و الحرور و بين الاحياء و الاموات قال تعالي مايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و النور و لا الظل و لا الحرور و مايستوي الاحياء و لا الاموات ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور و اذ تامّلتَ [ص 58] و امعنت النظر وجدت كل ما جوز (ظ) من الفرق بين العلم و الجهل اِمّا بالحقيقة في الكل او علي التشبيه و التمثيل في بعض و الاول يطول بذكره الكلام تركته للاختصار و امتحاناً لاذهان الاذكياء فاذن العلم هو اصل كل خير و مخالفه اصل كل شرّ .