[ص 1]

شرح اربعين حديثا

( و لم‌يوجد منه الا بعض مقدمته )

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الظاهر لخلقه بخلقه المحتجب عنهم بهم في مستسرات حجب الغيوب القريب المتداني في علوّ ارتفاع بعده بلا حيث فعميت عن ادراكه القلوب القاهر سلطان جبروته شوائب الكثرات و الاضافات في كينونة الوجود و الوجوب الدائم الثابت الباقي الازلي الاحدي فكل شيء دون جلال جمال بهاء ذاته اعدام و سلوب و الصلوة علي اول ظاهرٍ باوّل ظهورٍ في عين كينونة استتار ذاته بغيب الغيوب كيف لا و هو السرّ المقنع بالسرّ المستسر به في الحجاب الابيض الاوّل الاعلي غاية كل مطلوب النور الالهي و الفيض الابداعي الازلي الثانوي الذي استخلصه الله في القدم علي ساير الامم فعنده كل مرضي و مرغوب صلي الله عليه و آله ذوي الجنان الصاقورة الذائق روح القدس من حدائقهم الباكورة النابتة في ارض الجرز البلد الطيب من تلك الحبوب الاصل و الاسطقس لكل مبروء و مذروء فبهم سكنت السواكن و تحرّكت المتحركات و اليهم كل شيء يؤب و لعنة الله علي اعدائهم و مخالفيهم ما تهوي اليهم الافئدة و تسكن عندهم القلوب .

اما بعد فاعلموا يا اخواني الروحانيين و اخلّائي الايمانيين انكم ماخلقتم عبثاً و ماتركتم سدي و انكم مطلوبون لامر عظيم و مسئولون عن خطب جسيم و مااوتي بكم الي هذه الدنيا لتشتغلوا بزخارفها و تلتفتوا الي زينتها و زبرجها و تعتكفوا باكلها و شربها و لبسها و قد ترون باعينكم ان كنتم تبصرون و تفهمون [ص 3] بقلوبكم ان كنتم تفقهون انّ مآل اكلها و شربها اِمّا الي عذرة مذرة اردي ما عندكم من يشتغل بها و يجعلها الي ما يحصل منها لذيذ المآكل او الي جيفة قذرة منتنة مسلوبة النفع لايطمع فيها الا الكلاب الاراذل فبئس ما يؤل اليه امر الاكل و الشرب و حاشا ربّي ان يجعلهما غاية للايجاد و يصيّرهما علة للانوجاد و انما العناية الالهية فيهما حفظ ما يظهر به النور الخفيّ و السرّ الجليّ العلم الالهي الذي هو العلة الغائية في الخلق و الانخلاق و به يصل الي ما يصل اليه الانسان اذ التفت الساق بالساق و جاء يوم التلاق الي ربك يومئذٍ المساق ، فخذوا منهما بقدر الحاجة و هو سدّ الجوع اعلموا يقيناً ان الجوع غذاء الروح و قد قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في تحصيل اشرف ما يتحلي به الانسان من الكمالات الالهية فيما ينسب اليه عليه السلام :

اري العلم في ذلّ و جوع و محنة و بُعدٍ عن الآباء و الاهل و الوطن

و يكفيك فعلهم مصدقاً لقولهم صلي الله عليهم و ازيد من مقدار الحاجة تجيئ مضاهئة الحيوانات و البهائم و الحشرات فتكون موجوداً بما انت حيوان دون ان تكون موجوداً بما انت انسان و بالجملة ماجئتم في هذه الدنيا متوطنين بل مسافرين فتزوّدوا لوطنكم و استعدّوا للرحل الي مقرّكم فانكم كنتم في فضاء وسيع و محل فسيح اراد الله تعالي ان يكملكم و يتمّ ما لاجله خلقكم و يريكم آياته و يشهدكم شواهد صنعه و ملكه لتشرفوا بالعلوم و لايحجبنكم الرسوم فتصلوا الي ما تسئلون بعد ان كنتم تعلمون اذ لولا العلم لم‌تحصل اللذة المطلوبة و لولا المسافرة [ص 4] لم‌يحصل العلم لكونه لايحصل الا بالمعلوم فمن هذه الجهة نوديتم بالادبار لكن بشرط ان لايحجبنكم الاغيار فانّ الاغيار يستلزم الاكدار و لذا كان الادبار عين الاقبال و اليه يشير ما قال مولانا الحسين سلام الله عليه في دعاء عرفة الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير ، فالمسافر لاينسي الوطن و الا لم‌يكن مسافرا هف و علامة ذلك ان لايشتغل بتعمير منزل من منازل سفره و بناء الابنية المحكمة فيها اذ لايفعل ذلك الّا سفيه جاهل باطل او من لايحب الوطن و لايريد المسكن بل يجعل المنزل موطناً لكن سيساق الي موطنه و يؤدّي الي مسكنه و يوقف موقفه فينادي بلسان التوبيخ افلم‌تكونوا اقسمتم من قبل ما لكم من زوال و سكنتم في مساكن الذين ظلموا انفسهم فيقال لهم اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا و اطمأننتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون علي الله غير الحق و كنتم عن آياته تستكبرون ، و من هذه الجهة قال عليه السلام حبّ الوطن من الايمان فبيّن ان الذي لايحب الوطن فليس فيه من علامة الايمان شيء و الدنيا آخر منزل من منازل سفركم و عن قريب ترتحلون و تنتقلون الي اول بيت من بيوت الوطن فلاتشتغلوا فيها بما لاينفع لوطنكم فانها من مزرعة الآخرة فلايغرّنّكم زينتها و زبرجها و لايحجبنّكم غرورها و زخرفها فانها علامة الساكنين المتوطنين الاموات المدفونين في قبور طبايعهم و عاداتهم [ص 5] حيث يقول الله سبحانه الهيٰكم التكاثر حتي زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم ثم لترونّها عين اليقين ثم لتسئلنّ يومئذ عن النعيم آه واغفلتاه من اعمارٍ صرفناها في زخارف الدنيا آه واسوأتاه كم سلكنا مسلك الجهل في متابعة الهوي آه وااسفاه من اوقاتٍ ضيّعناها فيها و لم‌نسلك فيها مسلك التقي آه واخجلتاه كم عصينا ربّنا في متابعة النفس و الهوي لكن يا اخواني زمن الربيع لم‌يفقد من العالم و انكم واردون علي ربّ كريم فلاتاسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم و اجتهدوا ان لاتضيعوا مستقبل اوقاتكم و اسئلوا الله من فضله التوفيق و السداد و العصمة و الهداية و الرشاد فانه سبحانه تعبدكم بذلك و دعاكم لما هنالك و قال عز من قائل و اسئلوا الله من فضله انه كان بكم رحيما و ليس من صفاته ان يامر بالسؤال و يمنع العطية و هو الذي انعم قبل الاستحقاق و اعطي و رزق قبل الاسترزاق و اعلموا ان اوقاتكم و ساعاتكم ثلثة ساعة ماضية فلاتلحقكم فلاتشتغلوا بها بالاسف و الفرح فان الاوّل يورث الحزن المنهي عنه و الثاني يورث الغضب و السخط و ساعة مستقبلة فلاتدرون بمَ تلاقها و ساعة حاضرة و هي التي تنفعكم و تصحبكم و ترافقكم فارفقوا بها لئلاتفارقكم و هي شاهدة عليكم بالسوء فان انفاسكم معدودة و لحظاتكم و خطراتكم محدودة ، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شرّاً يره ، الا انّ ربّكم متفضل بالاعطاء و جواد بالعطية و الحباء فاتوه بالذلة و المسكنة و اعترفوا بالفقر و الفاقة و تقرّبوا اليه [ص 6] بالعجز و الضعف و الانابة فانه يرحمكم و يمدّكم و ينصركم و يذكركم و يثبت اقدامكم انه ذو الفضل العظيم و المنّ الجسيم و انه ارحم الراحمين و لا حول و لا قوّة الا بالله العلي العظيم .

و اعلموا يا اخواني انه لا خير الا بيد الله و لا حق الا من عند الله و لا حول و لا قوة الا بالله يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني فلا كمال الا من عنده و لا خير الا بيده و لا رغبة الا فيما لديه و لا توكّل الا عليه و لا ركون الا اليه و لا ملجأ و لا ملاذ الا هو و لا طاقة الا به و لا حكم الا له كلكم صائرون الي حكمه و اموركم آئلة الي امره فانا لله و انا اليه راجعون ، فانقطعوا اليه و التجأوا به و توكلوا عليه و ارغبوا فيما لديه و اعرضوا عن كل ما سواه و اقطعوا كل ما عداه و لاتنظروا الي الاسباب و لاتجمدوا عليها يا اولي الالباب فانه سبب عادم السبب و مسبب الاسباب من غير سبب فانه شيء بيده و هو القادر القاهر علي اهل مملكته فلاتطلبوا الّا منه و لاترغبوا الا اليه فانّ طلب المحتاج الي المحتاج سفه من رايه و ضلة من عقله فكم قد رأيت من اناسٍ طلبوا العز بغيره فذلّوا و راموا الثروة من سواه فافتقروا و حاولوا الارتفاع فاتضعوا اليس الله بكافٍ عبده بلٰي فان من يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لايحتسب و من يتوكل علي الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شيء قدرا ، فاسمعوا يا اخواني و عوا فسيذكرون ما اقول لكم و افوّض امري الي الله ان الله بصير بالعباد جعلنا الله و ايّاكم ممن توكل عليه و انقطع اليه و طلب ما لديه فانه علي كل شيء قدير و ما ذلك عليه بعزيز .

[ص 7] و اعلموا ان الله سبحانه واحد احد صمد لايدخل فيه شيء و لايخرج منه شيء و لايساويه شيء و لايدانيه شيء و لايعادله شيء و لايضادّه شيء و لاينادّه شيء و لا هو كشيء و لا لشيء و لا من شيء و لا علي شيء و لا في شيء و لا عن شيء و لا منه شيء و لا عليه شيء و لا فيه شيء و لا بشيء و ليس كمثله شيء و لايشابهه شيء و لايماثله شيء و لايجاوره شيء و لايساوقه شيء و لايحاويه شيء و لايناسبه شيء و لايعانده شيء بل هو الفرد القديم الازليّ الابديّ الذي حارت العقول في بيداء كبرياء جلال عظمته فضلاً عن ادراك جمال بهاء وجهه و انقطعت الافئدة دون السير في مجالي مظاهر اسمائه المستقرّة في ظله فضلاً عن اتّصال ذاته و اكتناهه و مشاهدة قدسه و علاه فما ظنكم بساير المشاعر و المدارك تعالي ربّي و تقدّس عن مجانسة المخلوقين المصنوعين و عن مناسبة المقدورين المربوبين فلايعرف و لايدرك و هو هو فلايعلم ما هو الا هو فانقطع السبيل و ضلّ الدليل و عدم الكثير و القليل فتباين المناسب و خابت المئارب و وقف كل طالب و راغب فانتفي الاتصال فلا جواب في محل المقال فمن اين تطلب الوصال و الي‌مَ القيل و القال و حتي‌مَ المراء و الجدال تنبّه لعلك تقول اذن كيف ماامرتنا به سابقاً من الرغبة الي الله و طلب ما لديه و الانقطاع اليه و تحصيل ما عنده اليس هذا طلب المحال و الخلاف في المقال لكني اقول الامر كما ذكرت و الحكم كما وصفت الا انه تبارك و تعالي لطفاً منه و تحنّناً و تفضّلاً علي عباده و تعميراً لبلاده خلق اناساً اقوياء امناء نجباء فاصطفاهم و اختصهم و اجتباهم و من [ص 8] الرذايل الامكانية وقاهم و كل حق و خير حباهم و كلما سئلوه اتاهم بحقيقة ما هم اهله لانّ الله تعالي اعلم حيث يجعل رسالته فجعلهم خزنةً لعلمه و حفظةً لسرّه و قيماً بامره و اركاناً لتوحيده و شهداء في عباده و مناراً في بلاده و اشهدهم خلق السموات و الارض فاتخذهم اعضاداً لخلقه و امناء في بريته و باباً لحكمته و نوراً و انواراً لاهل طاعته و باساً لاهل طغيانه و عرشاً لاستوائه و نوراً لاحتوائه و حافظاً و حفظةً لوحييه التكويني و التشريعي فجعلهم مبدءً لكل خير و اصلاً لكل حق و اساساً لكل صدق اِن ذكر الخير هم اصله و فرعه و معدنه و ماويٰه و منتهاه فجعل عندهم كلما اراد الحق سبحانه او يصل الي الخلق حيث كانوا ابواباً لفيوضاته و امداداته الي انفسهم و الي الخلق من احكام الخلق و الحيوة و الموت و الرزق بوجهيه الكوني و الشرعي و ابواب الخلق الي الله سبحانه في تصعيد اعمالهم و اعطاء كل ذي حق من المراتب الكونية و الشرعية حقه و سوقهم الي كل مخلوق رزقه و هم القوّام في البلاد و عين الله في العباد و وجهه الي طريق الرشاد و هم عناصر الابرار و دعائم الاخيار و ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و هم الخزائن الغيبية التي مفتاحها عند الله سبحانه و هم البيوت التي اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و هم العباد المكرمون الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و حيث كان الحق سبحانه و تعالي كما وصفت لك من علوّ ذاته المقدسة عن ان يصل اليها شيء او يخرج منها شيء او يدخل فيها شيء خلق الخلق كرماً و جوداً و جعل كلما يحتاج اليه [ص 9] المخلوقات الممكنات بايّ نحوٍ منها ذواتها و صفاتها و جواهرها و اعراضها و علوياتها و سفلياتها و ملكوتها و ملكها و افلاكها و عناصرها و اضافاتها و ارتباطاتها و اقتراناتها و جهاتها و حيثياتها و اعتباراتها و كلّما لها و بها و منها و اليها و فيها و عنها مما يحتاجون اليه في اصل الخلقة و في اصل الدوام و البقاء و اسباب الترقي و التوقع و التنزل و التسافل و الامداد و الافاضة في المواد و الصور و غير ذلك عند تلك الحقايق المقدسة التي هي في الحقيقة شيء واحد و حقيقة واحدة و خزنها عندها و هي الخزانة الاولية للشيء من الخزاين في قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه فيفيض الحق سبحانه من تلك الخزائن المنشعبة من الخزينة العليا علي المستحقين و السائلين الطالبين المحتاجين ما يربها (كذا) فقرهم في ابقائهم لا في اصل ذواتهم فانها فقير لايربها (كذا) شيء بتسخير الملائكة المسخرات و تدبير المدبرات و حفظ المعقبات و كل ذلك بيد الله سبحانه لاستقلالهم في انفسهم و لا في شيء مما هم عليه و لذا قال تعالي عباد مكرمون الي ان قال و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و المراد بادعائهم الالوهية النظر في انفسهم من جهة الاستقلال و التذوت و انّا في هذه الافعال مستقلون لادعاء الربوبية الظاهرة كما اتفق لفرعون و احزابه و هذا معني التفويض الصحيح الواردة في الاخبار المتكثرة فاين امرك في هذه المذكورات علي حدّ ما قال الله تعالي و بيّنه في القرآن لمن يعقل و يفهم من الآية المتقدمة عباد مكرمون الي آخرها و من قوله [ص 10] تعالي انا لنحن نحيي و نميت و نحن الوارثون و قوله تعالي قل يتوفيٰكم ملك الموت الذي وكّل بكم و قوله تعالي الذين تتوفيٰهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم الآية ، فاذا عرفت وجه الجمع بين هاتين الآيتين علمت معني التفويض الحق و الباطل فكل شيء خاضع لله و خاشع له منقاد لامره و نهيه و كل شيء بيده و كل خير و حق من عنده و كل مطلوب و مرغوب لديه لا اله اّلا هو لكنه ليس في ذاته كما زعمه بعض الضالّين المضلّين تعالي ربي و تقدّس بل انما هو في ملكه و خلقه و خزائنه الغيبية و الشهودية فاذا اقلبت اليه تعالي و طلبت ما لديه بقلب خاشع و جنان خاضع و انقطعت اليه يفتح لك بابا من تلك الابواب فيفيض عليك من رحمته الواسعة و المكتوبة ما يناسب مقامك و يليق مرتبتك و اضعاف ما سئلت و طلبت و يزيدك من فضله انه متفضل كريم و جواد حليم .

ثم اعلموا يا اخواني بلّغكم الله اقصي الاماني انه لا سبيل الي ان يكون فعل الحق الحكيم القادر العليم الغني الكريم خالياً عن الفائدة و الغرض و لايدّعيه الّا من في قلبه مرض و لا سبيل الي ان يكون الفائدة عائدة و راجعة الي ذاته سبحانه لتعاليه عن الاستكمال و تقدّسه عن الاهمال فتعين عودها الي المخلوقين المربوبين المصنوعين الفقراء المحتاجين و لما كان الانتفاع هو الامر الثانوي المترتب علي اصل الخلقة و الحقيقة و ان كان علي حدّ المساوقة و مقدماً من حيث العلم و المقصودية و تأملنا في الثواني الراجعة الي الاوايل و المترتبة عليها رايناها بين الامرين اما كمال او نقصان او نور او ظلمة او خير او شرّ او [ص 11] لذّة او شدّة و الثواني كلها باطلة لا سبيل للحق اليها فتعين الاوايل صارت غاية الايجاد و الانوجاد و فائدة الخلق و الانخلاق هو تحلي المخلوقات بالكمالات و ترقيهم بها الي الدرجات و لما كان المقتضي لايترتب اثره الا بعد رفع الموانع فوجب التخلي و التنزه عن النقايص و عن اراذل الصفات و سوء القابليات و لما كان فعل الحق القادر الحكيم الغني العليم يجب ان يكون علي احسن ما يتصوره الانسان بحيث لايقول احد لامتناعه فيه لو كان كذا لكان احسن ارتفعت الموانع و الا يلزم ترجيح المرجوح المنافي لحكمة الحكيم و كان الايجاد لايتصور الا علي امرين اِمّا بالاجبار و الاضطرار و اِما بالعناية و الاختيار و الاول لايليق بالاختيار لمن له اعتبار و في دقايق الامور اختبار فتعيّن الثاني لكونه اشرف المباني و اعلي المعاني و به ينال اقصي الاماني ما فطرهم علي الكمالات التي خلقهم لاجلها و ان كان فطرهم عليها بالجعل فيهم ما اذا طلبوا وجدوا و اذا سئلوا اجابوا و اذا نظروا ابصروا و اذا التفتوا (ظ) طلبوا و هو من معاني قوله عليه السلام كل مولودٍ ولد علي الفطرة لكن ابواه يهوّدانه و ينصّرانه و في بعض الروايات و يمجّسانه ، فجعل الحق سبحانه و تعالي في الخلق سيما في الانسان المكرم المقدم علي كل مخلوق و مذروء و مبروء مادة كل كمال و اصل كل بهاء و جمال و سبب كل بينونة و اتصال و علّة كل ميل و اقبال الذي به يصل ما يصل اليه الانسان من المراتب و الدرجات و به يرقي اقصي المقامات و به يسفل الي ادني الدركات و يتصل باَرذل النكبات و ذلك هو العلم اذ هو [ص 12] الحيوة الاصلية لكل الكمالات بل السعادة الابدية لكل من في الارضين و السموات فماوصل احد الي مقام الامن الّا من جهة العلم و مابلغ شخص الي رتبة و كمال الا بالعلم و ماحاز حسناً و جمالاً الا بالعلم و مانال مقصداً و مراماً الا بالعلم و ماادرك قرباً و مقاماً الا بالعلم و ماتنبي نبي الا بالعلم و ماارسل رسول الا بالعلم و ماتقرب ملك الا بالعلم و ماامتحن مؤمن الا بالعلم و ماطرد فاجر و فاسق الا بالعلم ، فمراتب الموجودات ذوي الشعور و الاختيار انما تعالت و تسافلت و تلطفت و تغلظت و جلّت و دقّت و اشرفت و اختلفت و ائتلفت و تصاغرت و تكبرت بالعلم و بيان هذه الجملة علي التفصيل حسب وسعي و طاقتي و لا حول و لا قوة الا بالله يجئ فيما بعد ان شاء الله تعالي ، سبحانه من حليم كريم خلق من غير استحقاق و جاد بالانفاق من غير استرزاق و وفق للكمال و دلّ علي الوصال و من هذه الجهة تكثرت الروايات بل و تواترت في شرافة العلم و فضيلته و نبالة مكانه و محله و هي كما علمت للعلم من حيث هو هو لا من حيث المعلوم الخاص كما توهمه جماعة الّا ان الكلام الحق الرافع للاختلاف الباعث للايتلاف و وجهه حرمة بعض العلوم و وجوب الاعراض عنها مع شرافة حقيقة العلم يجئ ان شاء الله تعالي في احدي مقامات هذا الكتاب فترصد .

ثم اعلموا يا اخواني انّ كل شريف صعب المنال و كل عظيم عزيز الوصال و منيع الاتصال و كثير الطلّاب و عظيم الآداب و قليل الاصحاب و نادر الاحباب لم‌يكثر طلّابه و لكل مقصد و يزيد اصحابه و لكل مطلب و ان كان مخالفاً لما هو لاجله فانّ من قرب [ص 13] السراج استنار و ان كان يبغضه و الشريف الكامل في الشرافة ينتفع منه كل احد باغراضهم المختلفة و من الناس من يكتفي بالاسم و منهم من يكفيه الرسم و من هذه الجهة تري العلم قد كثر طلّابه و تزايدت خطّابه و توفرت منتحلوه و تكثرت حاملوه لكن من جهة عظم شانه و نبالة مكانه و مطلوبيته الحقيقية و مرغوبيته الرافعية له شرايط و آداب و لوازم و اسباب و متممات و مكملات و مقوّمات و مقتضيات و طريقة انيقة و دقيقة لا بدّ من رعايتها و حقيقة خفيّة شريفة لا بدّ من ملاحظتها اذ كلما يكثر شرفه و مقداره و يعلو مقامه و اعتباره تزيد شرائط الوصول اليه و تبعد مسافة الاتصال به اذ الظهور لايكون الا في مقام الصعود و الفعل بعد النزول و القوة فكل ما هو اعلي مرتبة و اسني درجة لايظهر الا بعد ظهور المراتب التحتية المتحققة فلاتصل اليه الا بعد قطع تلك الدرجات فكلما الاعلي فالاعلي و الامثل فالامثل و لذا تري الدرجة الحيوانية و المرتبة الانسانية و المنزلة الالهية الملكوتية لاتظهر الا بعد تمام مرتبة النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم ثم الانشاء الخلق الآخر الذي هي المرتبة الاولي ثم حتي يبلغ الشخص ليظهر المرتبة الثانية في اغلب الاحوال ثم الي اربعين سنة ليظهر المرتبة الثالثة في الامام المعصوم عليه السلام و هذا تمثيل يمكنك تستخرج منه حقيقة الامر فيما ذكرناه و كذلك العلم فانه اشرف الدرجات و المقامات في المراتب الوصفية و الدرجات الثانوية فتكثرت شرائطه و اسباب وجوده و متممات ظهوره و مكملات شروقه و [ص 14] مقوّمات بقائه و استمراره و مقتضيات وجوده و طريقة طلبه و تحصيله و الحقيقة المخفية التي هي لُبّه و اصله و اسّه و اسطقسه و حيث كانت الطلبة ذات اغراض مختلفة و ميولات متشتتة و اذهان و عقول غير مؤتلفة و اوهام و تخيّلات غير متّحدة فماراعوه حق رعايته و ماسلكوه حق مسلكه و مااتوا البيت من بابه و ماجاؤوا بشرائطه و آدابه فاختلّت عليهم الامور فاخذ ذلك البناء المحكم المتقن في الانهدام و الدثور فتشعبت طرق العلم و اختلفت سبله و ظهر في كل حسب ما اتي به من الشرايط و الآداب الصحيحة او السقيمة ، المستقيمة او المعوجة فاخذ نصيباً من ذلك المقابل حسب مرآة ذاته و حقيقته او كسبه و طلبه فمن اتي بالمرآة العوجاء اخذ نصيبه من الصورة المعوجة لانه مقتضي ما اتي به من الشرائط و من اتي بالمرآة المتزلزلة الغير الثابتة اخذ نصيبه من الصورة كذلك و علي هذا القياس و ليس المقابل الا شيء واحد و هذا الاختلاف ليس حقيقياً بل انما هو من اجل اختلاف الناس في تحصيل طلب العلم و اختلاف اوهامهم و افهامهم و عقولهم و ادراكهم حسب ما اجابوا في عالم الذرّ و حسب ما غيّروا فطرة الله التي فطر الناس عليها و قد قال تعالي في هذا المقام ما ابينه و اوضحه و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الّا خسارا فالماء انما هو شيء واحد و قال ايضا و انزل من السماء ماءً فسالت اودية بقدرها و قد قال الشاعر في هذا المقام :

اري الاحسان عند الحر زيناً و عند النذل منقصةً و ذمّا [ص 15] 

كقطر الماء في الاصداف دُرّ و في بطن الافاعي صار سمّا

و من هذه الجهة كثر الاختلافات المتضادّة و المتناقضة و المتباينة و امثالها في شيء واحد بحيث يقطع ان ليس الحق الّا واحدا منها و كل ما سواه باطل و هو مخفي فيها كليلة القدر في الليالي و اسم الاعظم في الاسماء الي ان زال الامر الي ان لاتجد اثنين متفقين في شيء واحد و لذا قال موليٰنا اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون ، و سنزيدك البيان ان شاء الله تعالي بحيث يغنيك عن الكلام و ينجلي الظلام و يكشف عن وجه المقصود اللثام و تري الامر واضحاً لايحاً باعانة الله الملك العلّام .

ثم اعلموا يا اخواني بلّغكم الله تعالي اقصي الآمال و الاماني و يعرّفكم الامور كما هي ان الفقير الحقير المعترف بالقصور و التقصير في خدمة مولاه العلي الكبير الضايع عمره بالاشتغال بالسوء الصارف اوقاته بما لايعنيه من الهوي اصغر الناس جِرماً و عملاً و اكبرهم جُرماً و زللاً العبد المذنب الجاني الفاني الغريق في بحار الآثام و المعاصي محمدكاظم بن محمدقاسم الهاشمي النبوي العلوي الفاطمي الحسيني الموسوي حشرهم الله تعالي مع آبائهم الكرام و ساداتهم العظام انه خير مصير و مقام في اوايل بلوغي الي سبعة‌عشر سنة لما خُضتُ في اغلب العلوم و سبحتُ في لجّة تلك الرسوم المتداولة بين اهل العموم وجدت فيها من كثرة الاختلافات و وقوع المعارضات و المناقضات و المباينات شيئاً متجاوز الحدّ و الغاية و متعدي المقدار و النهاية حتي انّ شخصاً واحداً يناقض نفسه في مقامات و يدور اختلافهم مع [ص 16] الدقايق و الساعات و لهم في كل مقامٍ مقال و في كل وقت تبدل احوال و كل ذلك سريع الزوال و شديد الانتقال مدعياً بانّ المدار مع القطع فندور معه حيثما دار و ان لم‌يكن له ثبات و قرار كالشبح المرئي من بعيد هذا حالهم في كل مسئلة مسئلة في كل علم و اما العلوم فالخطب فيها اعظم و الامر فيها اشدّ حتي انهم زعموا ان العلوم لا ارتباط بين بعضها مع بعض و لا اقتران و لا اتّصال و لايصدق هذا بشيء من ذاك و لا ذاك بشيء من هذا و جعلوا العلوم بعضها اختراعياً و جعلياً لا اثر له في الواقع الا بحمل الجاعل اذ لو لم‌يجعله كذا لم‌يكن كذا و بعضها اموراً وهميةً خياليةً اخترع بالعقول المستقلة الغير الثابتة فلايعتنون اليها بوجه ابدا و بعضها مادة الضلال و التضليل فيحرمون الاشتغال بها و جملة تلك العلوم يرونها في بعض الاحوال اموراً متحققة ثابتة يحرمون النظر في غيرها لاصالتها و ثباتها و بقائها و يطعنون علي ما في يد الآخرين الي ان ( آل ظ ) الامر الي اني ماوجدت اثنين يصوب احدهما الآخر و يصدق الآخر له بل الكل يري الحق لنفسه و يطعن و يردّ ما عند غيره و لايزالون مختلفين و كنت اتأمّل في نفسي و اتدبّر مع شخصي ان هذه العلوم لايخلو اِمّا ان تكون حكاية عما في الواقع و نفس الامر ام لا فان كان الثاني فلا فائدة فيها بوجه ابدا و ان كان الاوّل فليس في الواقع الّا شيء واحد و حقيقة واحدة فما هذه الكثرات العظيمة و الاختلافات الشديدة و ربما يفضي هذا الي الافتراء بالله سبحانه و تعالي فاذن الجهل احسن من العلم بدليل الموعظة الحسنة لانّك ان سكتت و ماحكمت فلا عليك باس [ص 17] قطعاً و ان تكلّمت مع هذه الاختلافات العظيمة و القطع بان الحق ليس الا واحد منها ربما تتكلم بخلاف الحق فاذن اين تهرب من توبيخ قوله تعالي قل آلله اذن لكم ام علي الله تفترون اذ ليست هذه المسائل ضرورية لمكان الاختلاف فكيف تعتمد علي عقلك مع ان مخالفك ايضاً يدعي مثل ما تدعي و لايثبت حقيّتك قطع حجة المخالف اذ يتفق كثيراً ما انّ جملة الحق لايقدرون علي اثبات ما عندهم الّا ان يكون عندك ميزان متفق عليه بين الكل حتي يمكنك الركون اليه و الوقوف عنده و يقطع كل حجة دونه و العقل لايصلح لذلك لما عرفت من ان هذه الاختلافات انما نشأت منه لا ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان بل التميز المطلق في الانسان الصالح لذلك و للنكراء و الشيطنة و الكتاب كذلك ايضاً لما ستعلم ان شاء الله من عظمته و دقّته و خفائه و احتجاج كل الطوائف و منتحلي كل المذاهب به حتي اليهود و النصاري في مقام الالزام ، و الامر في السنّة اعظم و اعظم و اعظم لانها تزيد علي الكتاب بتطرق الاختلافات في الالفاظ و المتون و المتواترات لاتفي بالكل و المحفوفات بقرائن القطع كذلك و الاجماع لو حصل فانه تمام الامر لكنه انّٰي يحصل مع هذه الاختلافات العظيمة و المناقضات الشديدة الّا في مواضع عديدة و هي لاتفي لادراك العلوم و استخراج الحقايق و الرسوم و التثبّت عنده بغير المعصوم و المجموع من حيث المجموع لا شكّ و لا ريب انها لاتنهض بمحية (كذا) كل العلوم او اغلبها علي قدر الطاقة الانسانية و البشرية و هذا لايستريبه عاقل و لذا تري الفقهاء و المجتهدين رضوان [ص 18] الله عليهم مع تمسّكهم بهذه الاربعة تمسّكاً كليّاً مااوصلتهم الي جميع الاحكام الالهية الشرعية و مااوصلتهم الي مقام القطع الثابت الجازم الواقعي و لا عندهم الا بما هو تكليفهم في زمان الحيرة و القطع اليه في عالم الشدّة فكيف الامر في علوم العقلية و معرفة احوال الموجودات الغيبية و احوال السموات و الارضين و العرش و الكرسي و احوال الآخرة و نعيمها و اليمها و كيفية ترتيبها و صراطها و ميزانها و كيفية الجواهر العلوية و الجواهر المفارقة و العوالم الغيبية و الخزائن الالهية بل و كيفية الالفاظ و الصفات و نسبتها الي الذوات و انشعاب العلوم منها بحيث يقف الانسان موقف القطع بينه و بين الله اذ ليس فيها و في غيرها مما لم‌يذكر تصريحات كتابية و لا معصومية بحيث تركن اليها و لا الاجماعات المحصّلة بحيث تقع عندها الم‌تر ان هذه العلوم المتداولة بين الناس و المشتهرة بين العوام و الخواص من النحو و الصرف و امثال ذلك كم وقع الاختلاف فيها فمن اين يحصل الاجماع في جميعها فما ظنك بغيرها من العلوم الدقيقة الخفيّة التي لايطلع عليها في نفسها الا الاوحدي فكيف علا برهانها و دليلها و لو فرض تحقق الاجماع في الكل لم‌تحصل البصيرة التامّة في العلم و ان قطع بحقيّته للاجماع الا انه ليس بصيراً خبيراً محيطاً بحقيقة الامر و الواقع بحيث يرد الشكوك الواردة و الشبهات العارضة و الموانع الواقعة و هو في الحقيقة نوع تقليد الاتري الناس كيف ملجأون في اثبات المعاد الجسماني و خلود الكفّار في النار الي الاجماع و اذا اوردت عليهم الشبهات [ص 19] المذكورة في تلك المقامات يلجئون ايضا الي الاجماع و هو قاصر في عقله بل مجوز و محتمل عند عقله لكنه مايقدر بردّ الاجماع الي ان تقوي الشبهة و تجويز عقله شيئاً فشيئا الي ان يخدش في الاجماع كما اتفق لبعض العلماء من الشيعة الاثني‌عشرية بعد ما حكم بعدم الخلود في العذاب بعد ما حكم بالخلود في النار قال و اما اجماع العلماء الظاهريين من الفقهاء و المتكلمين فلايقاوم كشف اهل الباطن لاختلاف المسلكين ، الي آخر كلامه . انظر كيف خدش في الاجماع بعد ما حكم بحقيّته و ذلك للجهل بالواقع و نفس الامر فلو انه علم مبدء العذاب و سبب دخول النار و اقتضاء كينونات اهل النار العذاب الدائمي مع تحقق الاجماع فلايزيله شيء فاذن هو كالجبل لاتحرّكه العواصف للعلم بجهات الشيء و اعتباراته و حيثياته و علله و اسبابه و شرائطه و اجرائه و موانعه و متمماته و مكملاته من جهة العقل و العلم و البصيرة و اعتقاد الحقيّة مع اعتضاده بالميزان القويم و القسطاس المستقيم الذي هو الاجماع ففي هذه الحالة يقال له انه علي بصيرة من امره فاذا فقد واحد من الامرين ترتفع البصيرة الّا انّ لكل واحد جهة مزيّة فان العقل اولي بالبصيرة كما انّ الاجماع و امثاله من الموازين القسط اولي باعتقاد الحقيّة و هذا ظاهر معلوم لمن له عينان و لسان و شفتان و هذا كله لو فرضنا الاجماع في كل مسئلة في كل علم و بطلانه ضروري و فساده بديهي اذ غاية ما تحصل الاجماعات في الامور العامة البلوي في بعض مواضعها و مواردها فمن اين يعرف الباقي من العلوم المتداولة فكيف العلوم الغير المتداولة و [ص 20] الامور المخفية التي بيد الناس ، ان قلت بالكتاب فانت الذي تقول لايظهر لغير المعصوم من احكامه الا قليل ان قلنا بحجيته و قد منعها جماعة متمسكين بادلة عقلية و نقلية فما الذي يرفع اولاً هذا الخلاف هل هو الكتاب و هو المصادرة علي المطلوب او غيرها و الغير هل هو السنّة قد اتفقوا باعتبار المتواترات و حجيتها و الركون عندها و اتفقوا ايضاً بانه لايوجد الا قليل اما اللفظي فظاهر و اما المعنوي فهو بالنسبة الي غيره من الاخبار كالشعرة البيضاء في البقرة السوداء و اختلفوا في اخبار الآحاد فمنهم من اعتبرها و منهم من لم‌يعتبرها فايّ شيء يرفع هذا الخلاف اوّلاً ان قلتم بالكتاب فليس فيه نص علي زعمكم و ان قلتم بالسنّة فليس في المتواترات ما يدلّ علي ذلك و الا فلا معني للاختلاف و ان قلتم بالآحاد فقد اتيتم بالمصادرة و هذا كله لو فرضنا دلالة الكتاب و السنّة بالدلالة الظاهرة علي كل العلوم من العقليات و معرفة اعيان الموجودات مع انهم منعوها منعاً كلياً مستدلاً بان المعصوم ليس شانه بيان غير الاحكام الشرعية الفرعية حتي انهم منعوا استنباط الاحكام اللغوية منها لما ذكر فما ظنّك بساير العلوم الدقيقة المآخذ الخفيّة المطلب حتي انّي سمعتهم يقولون انّ الانبياء و المرسلين مابعثوا الا لبيان الاحكام الشرعية الفرعية و ليس شانهم عليهم السلام بيان الحقايق الوجودية و الاعيان الغيبية و الشهودية و العلوم الادبية و النكات البيانية و الدقايق المنطقية و الحكمية فان الناس مستغنون في هذه الامور عنهم عليهم السلام لاستقلال عقولهم فيها و استبداد آرائهم فيها فان تكلم المعصوم عليه السلام في غير الاحكام الفرعية فانما هو من قبيل الندرة و البيان انهم عالمون بها فاذا كان كذلك فكيف يمكنهم استناد علومهم جزئيّها و كليّها الي الكتاب و السنّة فانحصر الامر بالعقل و العقل لايأمن [ص 21] من الخطاء لعدم العصمة و كثرة المعارضات من استحكام سلطان الهوي في القلب الذي جلّ ادراكه الباطل اذ العقل الذي هو مدار العلوم و المدارك و مدار التكليف ليس ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان بل هو التميز المطلق الذي يصلح ان يكون كذلك و ان يكون نكراء و شيطنة و الاوّل انما يتحقق بمتابعة الحق و الاعراض عن الباطل فما يدريك ان الذي انت عليه من الاعتقاد و العلم هل من العقل الذي هو ما عبد به الرحمن او من النكراء و الشيطنة فانّ الثاني يشابه الاوّل تشابهاً كلياً كما ورد به النص و يشهد بذلك الاعتبار و التفرقة بينهما في غاية الصعوبة و الدقة و لايمكن لافراد الناس الّا لآحادهم و من هذه الجهة تري كلمات اهل الحق و الباطل متشابهة لكن الفرق في المعني و الحقيقة من العليين و السجين و لولا خوف الاطالة لكنت اقرء عليك من ذلك شطراً عظيما فاذا كان العقل في نفسه مشتبهاً امره و ملتبساً شانه كيف يجعل المدار و الميزان و لعمري ان هذا ميزان مستقيم لكل احد و ينقطع الكلام و البحث مع كل احد و يلزم منه اعتبار كل دين لانّ الكل يدعي ذلك و لعمري انه مع ذلك لايكون احد علي بصيرة من امره و دينه لانّه بعد ما تحقق عنده ان الذي يدرك لاينحصر بالحق بل قد يدرك الباطل بل هو اظهر من غيره فكيف يعتمد بعلمه مع انه يجوز ان يكون جهلاً مركباً فاذا قام الاحتمال لم‌يبق الاعتماد ، لايقال ان هذا باطل لانّ ذلك الاحتمال لايعارض حجية هذا القطع فان القول بان الاحتمال اذا قام بطل الاستدلال انما يستقيم اذا كان الاحتمال المساوي و الا فلايلتفت [ص 22] اليه لانّه سفسطة الاتري انّ الذي يري الشيء بالعين و يقطع به قطعاً عيانياً فلايلتفت الي احتمالات بعيدة بان يقول لعله حصل لي مرض في العين او بعد ذلك الشيء انما هو شبح من غير اصل و امثال ذلك لانّا نقول لانريد بالاحتمال مطلقا بل المعتبر فان الذي ما تحقق بصره هل هو صحيح او مريض و هل هو سالم او احول و الامر مشتبه عليه هذا لايمكن الركون الي ما يري و القطع بانه مطابق للواقع و ان كان يري شيئاً و يقطع به احتمال ان يكون مريض العين بالاحتمال المساوي بل له ان يقول اني اري كذا و الله اعلم بالواقع كما قال ذلك الرجل و اما اذا تحقق بصره و علم اِما من جهة اصل الخلقة او بموافقة الاكثر و الاغلب او غير ذلك من الامور الخارجية و قطع حقيقة انه سالم من المرض و العيب فحينئذ اذا ابصر شيئاً لايلتفت الي الاحتمال فانه لايقاوم القطع الذي عنده بصحّة بصره و هذا بخلاف الاولي فانه يجب عليه السكوت و الصمت و كذلك حال العقل فانك بعد ما قطعت انه ينقلب نكراء و يتكدر صفاءه و جودة ادراكه و يبقي ايضا علي حاله من الصفاء و ادراك الحق و قطعت بانّ غير المعصوم يجوز له هذا و ذاك و ان اختلفت مراتبه شدّة و ضعفاً ماتحققت ان عقلك من ايهما في كل الاوقات و في كل وقت اذ الانسان لايبقي علي حالة واحدة و انما هو دائم السيلان و الانتقال من حال الي حال فكيف تعتمد عليه و تركن اليه و تسكن لديه و تقول هذا هو الحق و انت ماتحققت و ماتيقنت ان كلما يدركه هو حق بل يجب ان يقول عندي كذا و هو متزلزل في الواقع هل الحق معه او مع غيره [ص 23] فاصطلح الكل و آل امر الكل الي الحق فليس عليك ان تطعن علي الآخر و تردّ قوله و تبطله في الواقع و مع ذلك كله و الكل حياري و المقيد بقيد الجهل و الشك اساري و حاشا ربّي ثم حاشا ثم حاشا ان يجعل الخلق علي هذه الحيرة فان قلت انّا نحقق عقولنا و نستبصره و نقطع بانها سالمة عن الكدورات او النكراء و هي باقية علي الصفاء الاصلية و الجودة الدانية فيبقي لنا الاعتماد عليها قلت بمَ حققته أبالعقل او بالآخر و الاول يستلزم الدور او التسلسل في غير الامور الضرورية اذ ليس الكلام فيها فتامل و الثاني ماابقيت شيئا فان قلت و علي الله ان يسدّد العقل عن الخطاء حفظاً لدينه قلت و لو سلّمنا ذلك نقول يجب علي الله تسديد الكل او البعض فالاوّل في محل المنع جدّا و الثاني هذا البعض المعيّن او الغير المعيّن و الثاني لايفيد لرفع الاختلاف لصلوحية الدعوي للكل و اشتراك الكل في عدم البصيرة و ان اختار البعض الواقع من حيث لايشعر لانّ شعوره ان كان العقل فهو ممنوع و ان كان بغيره من نوع الالهام او الوحي فهو الخارج عما نحن فيه مع انه لايرفع الاختلاف الّا اذا اتي بقراين صحّة قبول قوله و الاعتماد علي عقله من خوارق العادات و ما جرت عادة الحق سبحانه في هذه الازمنة علي هذا لغير المعصوم و الاوّل كالثاني في بعض الصور و يحتاج الي معرفتهم لعله يكون عندهم ميزان لرفع الاختلاف بالنسبة الي كل العلوم لمن طلب ذلك لانّ الله علي كل شيء قدير و ما ذلك عليه بعزيز فان قلت ان الذي زعمت و ذكرت مخالف للاجماع الضروري القائم باعتبار هذه الاربعة اي الكتاب و [ص 24] السنة و الاجماع و العقل و لايعتبر ما يخالف الاجماع قلت ماانكرت حجية هذه الاربعة فيما تحققت و لا احد اثبت حجيّتها فيما لم‌تتحقق فان قلت لا مطلب الا و فيه احد هذه الاربعة قلت ينبغي ان يكون كذلك الا انه علي ما هو المعروف و سيجئ تحقيق هذه المقامات علي اكمل تنقيح و تفصيل ان شاء الله في احدي مقدمات هذا الكتاب عند ذكر الميزان المستقيم و القسطاس القويم و الحاصل انّي لما نظرت الي هذه الاختلافات الشديدة و المناقضات العظيمة و المعارضات القديمة و الحديثة و رأيت ان الذي في يدهم لو كان الامر كما يزعمون لايرفع خلافاً و لا يثبت وفاقاً بل يقوي شبهة المتخالفين و يصلح التمسك بهم في كل امورهم بحيث صار الجهل احسن للناس من العلم و اسلم بهم و اقوم اذ في العلم المصطلح لايزيد الا التحيّر و الاضطراب بل يؤل الي ما لاينبغي بخلاف الجهل فانه طريق السلامة و غايته عدم الصورة و هذا و ان كان نقصاً الّا انه اولي بالاختيار من غيره لتضمنه الضرر الكلي الذي هو الافتراء علي الله سبحانه كما عرفت و التقوّل عليه و قد قال تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله و لو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و الحكم بما ليس له علم قطعي واقعي و ان كان عنده علم قطعي ظاهري الا في الامور العلاجية المحتاج اليها المستحيل علمها و قطعها لافراد الناس الا المخصوصين عند الله سبحانه و تعالي بالقوي القدسية و النفس الملكوتية الالهية كالاحكام التكليفية الشرعية الفرعية اذ لا سبيل للقطع بها و ادراك حسنها و قبحها الا للمعصوم عليه السلام و اما غيره فلم‌يبق له [ص 25] الّا تقليده و الاخذ عنه فيقطع بالواقع لانه عليه السلام لايميل الي الهوي و لايعصي ربّه ابدا فهو ابدا ( مؤيّد ظ ) بالروح القدس منزه عن السهو و النسيان بل الانسان علي ما هو الحق و لايقطع لانه ادرك الواقع فانه محال في حقه لما سنذكره و هذا اذا ادرك المعصوم عليه السلام و سمع منه فهو قاطع بالواقع غير شاكٍّ و لا مرتاب و ان غاب عنه عليه السلام فلو حصل له القطع في بعض المواضع بالقراين لايحصل له في كثيرها و التكليف اذا كان باقياً و ادراك الواقع في حقه محال و كذا ادراك ما يوصله الي الواقع و المحال لايجوز نحوه الاقبال فلم‌يبق لهم الا الاعتماد بما يعرفون و يدركون حيث ما بلغ ادراكهم و لذا صحّ اختلافهم و جاز العمل فيما يختلفون بما يختلفون لانّهم في ضنك و ضيق و مخمصة شديدة فيحل لهم ما حرم عليهم لادائه الي اقبح القبيحين و اكثرهما فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه لمن اتقي كما سنفصله ان شاء الله تعالي و هؤلاء لا اثم عليهم و لا لوم لوجود الاضطرار و اما غيرهم في غير العلم الذي اضطروا اليه لايجوز لهم التكلم و التفوّه الّا ان يكونوا علي بصيرة من امرهم و هداية من ربهم و ان يجانبوا التقليد و يقفوا علي الرأي السديد و لولاها فالسكوت لهم اولي و الصمت لهم احسن و البقاء علي الجهل اقوم حتي يعلمهم الله سبحانه من فضله ، و البصيرة التامة و المعرفة الكاملة بحيث يدرك الشيء كانّه يراه لاتحصل الّا بامرين احدهما الاسباب الموجودة المعروفة المشهورة بين الناس و هي الادلة الاربعة و قد عرفت بعض احوالها حسب ما بيّنوها و نقّحوها [ص 26] من انها علي هذا لو اوصلت علي بعض العلوم في بعض مسائلها لم‌توصل الي كلها في كل مسائلها سيّما العلوم الدقيقة و المسائل الغامضة و ثانيهما الاعانة الخارجية من التأييدات الالهية و العنايات الربانية و الافاضات السبحانية و هذه تمام الامر لو حصلت فيتحقق في صدره نور العلم فيدرك صور الاشياء و اشباحها النورية كما هي عليه و يشرق في قلبه نور اليقين فيحيط علي صورها و معانيها و ظاهرها و باطنها و قشرها و لُبّها و يتجلي في فؤاده نور المعرفة فينكشف له حقايق الاشياء و اسرارها و انوارها و لُبّ لُبّها و حقيقة حقايقها و لطيفة ظواهرها فيعرف الحيث و الكيف و الكمّ و يعرف مفصوله و موصوله و ما يؤل اليه اموره فهو علي بصيرة من امره و هداية من ربه و هنالك يعرف القرآن و ما اودع الله في سرّ الانسان فيعرف اللطيفة في قوله الحق سبحانه الرحمن علّم القرآن خلق الانسان علّمه البيان فيجد اذن كمال الايتلاف و ينقطع عنده الاختلاف فيصدق بقوله الحق و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا و بالجملة يظهر له من خفيّات الامور و خبيات الاسرار ما لو ذكرت قليلاً منها لطال الكلام فنخرج عن المقام و يفوتنا المراد و ان كان في ذكره الفوائد العظام و سنذكرها ان شاء الله تعالي في خلال الكلام و الحقير الفقير الي الله الكبير لما فطنت في الامر الاول و دققت النظر فيها و تعمقت الفكر فيما ذكروا في معناها كما ذكروا ماوجدتها الّا مثل ما سمعت قليلا منها فحار قلبي و طار لُبّي و اضطرب جناني و ارتعدت اركاني من فقدان اشرف الكمالات و اعلي [ص 27] الصفات و احسن الاخلاق بل اصل كل كمال علي الاطلاق و من المقام علي الجهل اذ لو تكلّفت فيه كما يتكلفون من الحكماء الذين هم اجهل الجهلاء و احمق الحمقاء المعتمدين علي عقولهم الناقصة فجاؤا بخسران الدنيا و الآخرة او الصوفية الملاحدة اعداء الدين و مخربي شريعة سيّد المرسلين تاركي الدنيا للدنيا شبكة للاضلال و الاغواء مستعمل الرياضات الغير المشروعة و مظهر العقايد الفاسدة الباطلة الغير المأثورة او كالمتكلمين الذين ماميّزوا الغث من السمين و اقتصروا علي الاصول التي اكثرها باطلة علي اليقين و اكتفوا بالعثر و الظاهر و ماعثروا علي الحقيقة و الواقع بالبرهان الباهر او كالفقهاء المستعملين للرأي و القياس الموسوسين في صدور الناس و اكتفوا بالاستحسان و جعلوا ذلك وصلة الي الملك الديّان فعمت قلوبهم عن حقيقة البرهان و تاهوا في تيه الضلالة و الجهالة مع العميان او كالذين اعرضوا عن الاجماع و العقل و اكتفوا بصرف القول و النقل و انت قد عرفت حاله و علمت مبدئه و مآله علي ما زعموا في بيانه و ذكروا في تبيانه و انّي لو تكلّفت في العلم كما تكلفوا لكنت في الاثبات مصداق قوله تعالي ان‌يتبعون الّا الظن و ان هم الّا يخرصون و قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم و في النفي مصداق قوله تعالي بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و في الكل مصداق قوله تعالي قل آلله اذن لكم ام علي الله تفترون .

و اما الفقه الذي عند فقهائنا رضوان الله عليهم فهو و ان كان حقاً في زمان الغيبة و خفاء الحجة و ظلمة المحجة الّا انّه لايوصل الانسان [ص 28] الي المراتب العالية من المعرفة المستلزمة لكمال المحبة المستلزمة للاخلاص الذي لايقبل عملاً الّا به و لاتعلو درجة و لاتنقص الا به و الا ففي فعل الاعمال الصالحة الظاهرية العالي و السافل متشاركان و لذا وردت الاحاديث بل و تواترت معنيً انّ عمل العالم افضل من الف عمل العابد او ازيد كما نذكرها في مقامها و ليس المراد بالعابد الذي لايصحّ عمله و عبادته علي الظاهر المفسّر عمله بالاخلال في الاركان او الاجزاء او الشرايط او المتممات اذ حينئذٍ ليس بعابد و قد دلّ العقل و النقل و الاجماع علي ان الثواب بقدر المعرفة المورثة للاقبال و غيره و ان نوم العالم افضل من عبادة السنة للعابد و لايشكّ فيه العامي فضلاً عن العالم و فضل العارف بالله المنقطع عما سوي الله المخلص العمل لله الناظر في الاشياء علي جهة الاضمحلال الغير الواثق الا بالله و العالم بالاحكام الشرعية المستنبط لها عن الادلة التفصيلية علي الفقيه الصرف المصطلح العالم بعلمه كفضل العالم علي العابد لجمع الاول الفضلين اللذين هما شرف الدنيا و الآخرة و فقدان الثاني اشرفهما و ليس المراد بالمعرفة المعرفة الاجمالية المشترك فيها العوام بل المراد التفصيلية حسب الطاقة الامكانية البشرية و من انكر ذلك فليسئل الله ان يصلح وجدانه فاذا صحّ هذا فالمعرفة التامة الكاملة القابلة للرتبة الانسانية لاتحصل الّا بمعرفة حقايق الاشياء و كينوناتها و لوازمها و شرايطها و ذواتها و صفاتها و غيبها و شهادتها و علويها و سفليها و غيرها منها لانّ الله تعالي ابي ان يعرف الّا منها لانّه اري آياته فيها من الآفاق و الانفس و ضرب الامثال [ص 29] للناس ليسلموا بعد معرفتها من شرّ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس و هو قول مولينا الحسين عليه السلام في الدعاء الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السرّ عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير الدعاء ، و لا شك ان الموجودات مختلفة فكلما كان اشرف و الطف فيه آثار جلال الله و عظمته و جبروته و ملكه و صنعه و آياته اعظم و اشدّ و لا شبهة انّ الموجودات الغيبية الغيبة ( العلية ظ ) فيها من الشواهد الربوبية الظاهرة للمشاعر الصافية الزكية ما لو وصل احد الي حِكَمِها العرشية فاز بالسفر الي الاسفار الحقيقية و صعد في البدء و المعاد بالاطلاع علي المبدء و المعاد فيرسخ في الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر فيكون من الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة اَلّاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، و لما كانت العوالم الغيبية لاتدرك الا بالمشاعر الغيبية و هي قد تختل و تمرض و تفسد او تعوجّ و يحسبها صاحبها صحيحاً سليماً مستقيماً فتشتبه الامور و تبهم و ذلك لامور نذكرها ان شاء الله تعالي في مقامها و يصير ذلك سبباً للاختلاف في معرفة الله سبحانه و صفاته و اسمائه الواحدة الغير المتعددة و لا المختلفة و لا المتكثرة و ربما يؤدّي ذلك الي توصيف الحق تعالي بالصفات الغير اللايقة حسب قابلية المرتبة الانسانية لانّ المرآة حيث ما اعوجت تعوج صورة المقابل فيريه معوجاً [ص 30] و ليس هو كذلك فينقلب الفوز العظيم بالعذاب الاليم فتنحت الدرجة الي اسفل السافلين و لو كان حقاً تكون درجته في اعلي عليين فوجب البرهان الموصل الي الحق المبين و المميّز الغثّ من السمين و حيث فقد ذلك فلايصحّ الكلام الّا بما قد قام عليه الاجماع الضروري و لكنه قد فات عنه امر عظيم و حرم عن خطب جسيم فجديرٌ ان يبقي علي الاسف و الحزن مقيماً لانه قد ادركه حرماناً عظيماً و اصابه بلاءً اليما و من هذه الجهة قد كثر قلقي و اضطرابي و عظمت غُصّتي و اختصاري (كذا) فاستغثت الله و ابتهلت اليه و اعترفت بذُلّي و عجزي لديه و توكّلت في جميع الامور عليه و سئلته النجاة عن هذه المهلكة و الخلاص من هذه الوعرة المستنكرة و البلوغ الي درجات المعرفة و الوصول الي مقامات المحبة لان الراحل اليه قريب المسافة و انه سبحانه لايحتجب عن خلقه الّا ان تحجبهم الآمال دونه حتي استجاب لي و منّ عليَّ و له الحمد و الفضل باسباب يطول بذكرها بتوفيق التوسل الي الائمة الهادية و التمسك بالعترة الطاهرين و الوصول الي القرية المباركة بواسطة القرية الظاهرة و الاخلاص في محبتهم و الاقرار بولايتهم و الانقطاع اليهم و الاعراض عن كل ما عداهم و تفويض الامور اليهم و الدخول في شدايد الامور عليهم و التبري عن اعدائهم و مخالفيهم و معرفة انّ العلم هم معدنه و اصله و فرعه و مبدءه و منتهاه و ان لايخرج الي احدٍ حقٌ اِلّا من عندهم و لايظهر لاحد خير الّا منهم و انهم المتصرفون في امور العباد و المدبّرون لاحوال البلاد و انهم حجج الله حيّاً و ميّتاّ و انهم [ص 31] نور الله ظاهراً و باطناً لايخفي انوارهم و ان غابت اجسادهم و هم المعلّمون للشيعة و موصلوهم الي احسن الطريقة لمن انقطع اليهم و اعرض عن اعدائهم علي نهج يجيء بيانه و ياتي برهانه و الّا