[ص 1]

رسالة في جواب السيد حسن‌رضا الهندي

من مصنفات السيد الاجل الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم ( اعدائهم و مبغضيهم خ‌ل ) اجمعين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد وردت سؤالات غامضة و مسائل مشكلة معضلة للمولي الاولي الجليل و السيد السند النبيل ذي الاخلاق الطيبة الرضية و المكارم السنية المرضية العالم العامل و الفاضل الكامل جناب السيد حسن‌رضا بن سيد قاسم‌علي الاعرجي ( الاعرجي الحسيني خ‌ل ) وفقه الله لمراضيه و جعل مستقبل حاله خيرا من ماضيه و اراد من الفقير الحقير المعترف بالقصور و التقصير جوابها و رفع حجابها و كشف نقابها علي الحقيقة و الواقع بما لاتناله ايدي الشكوك و الاوهام و لاتدنو اليه مناقشات سفلة الاحلام و انا مع قلة البضاعة و عدم الاستطاعة و قصور الباع و قلة الاطلاع قد اتت المسائل ( مسائل خ‌ل ) في وقت قد تراكمت افواج الهموم و تلاطمت امواج الغموم و اضطربت الخواطر علي العموم مع زيادة تراكم الامراض و تصادم الاعراض و تشويش البال و توفر الاختلال فاني للقلب و الخاطر اقبال الي المقال فضلا عن كشف الحال و شرح حقيقة الاحوال و بيان دقايق الاسرار و ذكر غوامض المعاني و دقايق الحقايق بكشف الحجب و الاستار و قد احببت ان تأتيني في غير هذا الوقت لاؤدي بعض حقها من البيان و اكشف نقاب الخفاء عن وجوه المعاني بمزيد التوضيح و التبيان و لكني في سعة مع من اخاطب فانه بدقيق فهمه و ثاقب ذهنه تكفيه الاشارة و يستخرج غوامض الاسرار و المعاني في طي التلويحات و معاريض [ص 3] اللغات فاكتفي بالاشارة و آتي بما هو الميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و جعلت سؤاله بالفاظه الشريفة متنا كما هو عادتي في اجوبة المسائل و جوابي كالشرح له ليطابق كل جواب بسؤاله ( لسؤاله خ‌ل ) ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل احد مطلبهم و الله المستعان و عليه التكلان .

قال سلمه الله ( الله تعالي بسم الله الرحمن الرحيم خ‌ل ) : الحمد لرب البرية و الصلوة علي رسوله محمد خير البرية و علي عترته الطيبة الطاهرة الزكية المرضية اما بعد فيقول العبد الواثق بالله الغني حسن‌رضا بن قاسم‌علي الاعرجي الحسيني الترمدي الهندي غفر الله لهما و تجاوز عنهما قد روي السيد الجليل و العالم النبيل السيد ابن‌طاووس اعلي الله مقامه و رفع في الجنان اعلامه في رسالة سماها بجمال الاسابيع عقيب صلوة جعفر الطيار رضوان الله عليه دعاء عظيم الشان كثير المعاني و البيان المشتمل علي فقرات لطيفة و كلمات شريفة ما اوله يا من لايخفي عليه اللغات و في خلال عباراته هذه الفقرات : و اسئلك باسمك الذي شققته من عظمتك و اسئلك بعظمتك التي شققتها من كبريائك و اسئلك بكبريائك التي شققتها من كينونتك و اسئلك بكينونتك التي شققتها من جودك ( بجودك خ‌ل ) و اسئلك بجودك الذي شققته من عزك و اسئلك بعزك الذي شققته من كرمك و اسئلك بكرمك الذي شققته من رحمتك و اسئلك برحمتك التي شققتها من رافتك و اسئلك برافتك التي شققتها من حلمك و اسئلك بحلمك الذي شققته من لطفك و اسئلك بلطفك الذي شققته من قدرتك ، الخ .

[ص 4] اقول هذا الدعاء من مشهورات ادعية صلوة جعفر رضي الله عنه و قد روته علماؤنا الاعلام في عدة من كتبهم و مصنفاتهم مثل الشيخ الطوسي و السيد بن طاووس و الكفعمي ( الكفعمي و الكليني خ‌ل ) و المجلسي و صاحب كتاب منتخب الاذكار و غيرهم من علمائنا فهو بمحل من القبول عند علمائنا الفحول و لا راد له احد من اهل المعقول و المنقول و لا معارض له في شئ من الفروع و لا من الاصول فهو اذن لا شك فيه انه من آل الله و آل الرسول ( رسول الله خ‌ل ) صلي الله عليهم الا اني لم‌اعثر فيما اعلم علي من تصدي لبيانه و تعرض لشرحه و تبيانه لصعوبة معانيه المشكلة و غموض خفايا اسراره المعضلة و قد ادرجوا سلام الله عليهم في هذا الدعاء لاسيما ( لاسيما في خ‌ل ) هذه الفقرات من المعاني و الاسرار ما لاتدركه العقول و الانظار و لا ( و لاتعيه خ‌ل ) الاسماع و لاتراه الابصار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و قد اعرض علماؤنا الابرار عن شرحه و بيانه و توضيحه و تبيانه لعدم تحمل الناس و تمكن الوسواس الخناس في صدورهم لاجل التمويه و الالتباس او لفقد المشاعر و الحواس التي عليها يبني هذا الاساس فان لكل مطلب يختص به مشعر خاص لايدرك به غيره من ساير الحواس كالمسموعات فانها لاتدرك بالابصار و المبصرات فانها لاتدرك بالاسماع و الناس مختلفون في فقد ( فقدان خ‌ل ) هذه المشاعر و وجدانه كالاعمي و الاصم و السميع و البصير و المشاعر الباطنية علي طبق المشاعر الظاهرية حرفا بحرف و قد قال مولينا الرضا عليه السلام علي ما في عيون‌الاخبار ( العيون خ‌ل ) في حديث عمران الصابي قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، او انهم مااعطوا العبارة للبيان ( للبيان و ان كانت المعاني عندهم باوضح [ص 5] التبيان خ‌ل ) فان هذه العلوم المندرجة ( المندرسة خ‌ل ) في ضمن هذه الفقرات من احكام الاشتقاقات علي هذه الانحاء و الاطوار و الترتيب ( الترتب خ‌ل ) مما تعرف و تعلم بدليل الحكمة كما في قوله عز و جل ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و اني لكافة الناس و الوصول الي سبيل هذا الدليل اذا ( اذ خ‌ل ) ما طلبوا به الغاية و ما وصلوا به الي النهاية ( النهاية و خ‌ل ) هو دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو لايوصل الا الي الظواهر و الرسوم التي هي مأوي اهل العموم و لاينكشف به دقايق حقايق العلوم التي ( التي هي خ‌ل ) لاهل الخصوص علي العموم و هؤلاء لعمري قليلون و في جلابيب الخفاء مستترون محتجبون ( مستورون محجوبون خ‌ل ) و قد قال الشاعر :

لله تحت قباب العرش ( الارض خ‌ل ) طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا

قال سلمه الله تعالي : و لما كانت المعاني المقصورة ( المقصودة خ‌ل ) من هذه الكلمات الطيبة من المطالب الغامضة و المقاصد الصعبة التي لم‌يكشف ( لم‌ينكشف خ‌ل ) عن وجوهها لثام الحجاب و لم‌يرفع عن غرايبها ( عرايسها خ‌ل ) المستورة النقاب و لم‌يفض بكرها الا الراسخون في العلم و اولوا الالباب من الائمة النجباء النقباء الامناء الاطياب او العارفون بكلامهم و الآنسون بمذاقهم و مرامهم من العرفاء العلماء الذين هم ورثة الانبياء بلا شك و لا ارتياب .

اقول اعلم ان لكلامهم عليهم السلام من الادعية و الخطب و ساير الاحاديث ثلثة وجوه من المعاني :

الوجه الاول : يختص بهم عليهم السلام و هم المتفردون في فهمه و ادراكه دون غيرهم كما قالوا عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب [ص 6] لايحتمله احد حتي الملك المقرب او النبي المرسل او المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان الحديث ، و هذا لهم خاصة دون ساير الخلق و هم ( هو خ‌ل ) علي ثلاثة اقسام :

قسم هو خاص بهم ليس لاحد فيه نصيب لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن و ذلك لامتناع الوصول اليه و استحالة الدنو منه لان الكلام علي مقتضي عقل المتكلم و قد دلت الادلة القطعية ( القطعية علي خ‌ل ) ان عقلهم عليهم السلام هو عقل الكل الاول ( هو العقل الكلي الاولي خ‌ل ) الذي خلقه الله سبحانه قبل الخلق و قبل الكون و المكان و الزمان فاستنطقه ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احب الي منك و لااكملتك الا في من احب و قد ثبت بالدليل القطعي من العقلي و النقلي ان عقول الخلق و مداركهم و مشاعرهم انما خلقت من شعاع نور العقل الاول كما قال بعض العلماء شعرا :

ستعرف ان العقل و النقل واحد و ذلك معلوم بحكم الضرورة

ببرهان ان العقل نور نبينا و ذلك كلي باصل الحقيقة

و ان عقول الانبياء و حزبهم و اشياعهم من شمسه كالاشعة

و قد اقمنا علي ذلك براهين قطعية و السنة و الدلالة العقلية ( براهين قطعية من الكتاب و السنة و الادلة العقلية خ‌ل ) في الرسالة الموضوعة في بيان العلل ( العلل الاربع خ‌ل ) فمن اراد الوقوف علي حقيقة الامر فليطلب ثمة فاذا كانت مشاعر الخلق من اشعة العقل الكلي و هو عقلهم عليهم السلام استحال للشعاع ان ينال ما يناله حقيقة المنير و الا كان الشعاع منيرا هذا خلف فللمنير مقام ليس للشعاع فيه نصيب و ان [ص 7] بلغ في الترقي ما بلغ ( ما بلغ فانه انما يترقي في شعاع خ‌ل ) و هو وجه واحد للمنير فطلبه ما عند المنير طلب للمحال ( عند المنير محال خ‌ل ) و وقوع في الزوال و الاضمحلال ( زوال و اضمحلال خ‌ل ) فثبت انه ( ان خ‌ل ) لكلامهم (ع) معني يختصون به عليهم السلام ليس لاحد فيه ( فيها خ‌ل ) نصيب .

و قسم آخر يعلمون من يشاؤن بان يرقوه بعناية خاصة لاتشمل غيره و ليست لكل احد طلبها و لذا قالوا عليهم السلام في جواب من قال فمن يحتمله قال عليه السلام من شئنا و هؤلاء الذين شملتهم عناية خاصة بتعليم خاص لولا ذلك لم‌يدركوه و لم‌يعلموه .

و قسم ثالث جعلوه عليهم السلام حظ القلوب الصافية و الحواس المجتمعة و المشاعر الغير المضطربة فلولاها لم‌يكن ادراك تلك المعاني و تلك الاسرار و الحقايق و ان بلغوا في علو المرتبة و سمو المقام لما ( ما خ‌ل ) بلغوا فان لاجتماع القلب و سكون الخاطر ( الحواس خ‌ل ) شان لايضاهيه شان و مقام لايدانيه مقام و الاشارة الي المقامات ( مقامات خ‌ل ) الثلثة في قول مولانا الصادق عليه السلام ما معناه ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد حتي الملك المقرب و النبي المرسل او ( و خ‌ل ) المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال عليه السلام نحن و في رواية من شئنا و في رواية او مدينة حصينة و هي القلب المجتمع فجاءت الرواية المذكورة شارحة للمقامات المزبورة و العقل ايضا شاهد علي هذه المقامات المسطورة .

الوجه الثاني : يختص باناس مخصوصين من المؤمنين الممتحنين و الانبياء و المرسلين ( الانبياء المرسلين خ‌ل ) و الملائكة المقربين كما نطقت به اخبار كثيرة و روايات عديدة قد عقد الكليني ثقة الاسلام (ره) بابا في هذا المعني و ذكر عدة روايات بمضمونه و في هذا المقام اربع مقامات :

[ص 8] الاول لاكابر الانبياء المرسلين من اولي العزم في مقاماتهم و مراتبهم و لهم فيها مراتب عديدة كمعرفتهم في مقام الاسرار و في مقام الانوار و في مقام الارواح و في مقام الاشباح و في مقام الاظلة ( الامثلة خ‌ل ) و الذر و غيرها من المقامات و المراتب التي اغلبها لم‌نذكر خوفا للتطويل و صونا من اصحاب القال و القيل .

الثاني لاواسطهم من غير اولي العزم من الساكنين في البيت المعمور و السقف المرفوع و هم الخواص الذين ادركوا الحقايق من كلماتهم عليهم السلام بترك المجازات و اثبتوا المجازات لفقد الحقايق و هم المعنيون في الباطن في قوله عز و جل و اوحي ربك الي النحل و هم منتحلوا العلوم و الاسرار و المعارف ان اتخذي من الجبال اي من احكام الولاية الظاهرة في علي اميرالمؤمنين عليه السلام و هو الجبل المحيط بالعالم و الجبل الذي هو وتد الارض في قوله تعالي و الجبال اوتادا و هو جمع في صورة الافراد و مفرد في حقيقة الجمع و يشهد عليه آية الولاية في قوله تعالي الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون اتي بصورة الجمع و اراد ( و المراد خ‌ل ) المفرد و قوله تعالي اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين في تفسير النبي صلي الله عليه و آله اما النبيون فانا و اما الصديقون فاخي علي بن ابي‌طالب الحديث ، بيوتا اي قواعد كلية و قوانين الهية تجتمع عندنا ( عندها خ‌ل ) و تستخرج منها احكام الجزئيات و اطوار العلوم في انحاء الخصوصيات و من الشجر و هي احكام النبوة المطلقة الظاهرة في رسول الله صلي الله عليه و آله كما قال صلي الله عليه و آله [ص 9] انا الشجرة ( الشجرة و هو المعني من قوله تعالي خ‌ل ) يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية ، و مما يعرشون و هم الحقايق المتحصلة من اتصال خاتم النبوة بخاتم الولاية و مبدؤهم اللؤلؤ و المرجان في قوله تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان فباي آلاء ربكما تكذبان و بالجملة قد امتثل ( اشتمل خ‌ل ) هؤلاء الاكابر قوله عز و جل فوقفوا بالباب و لاذوا بذلك الجناب ( بالجناب خ‌ل ) و علموا ان العلوم كلها بقضها و قضيضها انما تحصلت و تأصلت و تحققت و تشيأت ( نشأت خ‌ل ) من مزج هذين البحرين و اختلاط ذين الطتنجين و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الواقف علي الطتنجين و شرح هذا المقام طويل و لايسعنا ( لايسعني خ‌ل ) الآن اكثر من هذا و الاشارة كافية لاهلها و لاهل هذه المرتبة مقامات عديدة و مراتب كثيرة حسب وقوفهم عند مشعر من المشاعر الغيبية و الشهودية .

الثالث لاخص الخواص و هم الخصيصون من المؤمنين الممتحنين و هم نالوا ما رشح من الانبياء عليهم السلام في المقام الثاني بل الثالث علي ذواتهم و حقايقهم فذواتهم رشحة من تلك الرشحات فاين هم حينئذ من الاصل الثابت البات ( النابت خ‌ل ) و اين الثريا من يد المتناول و قد اقيمت البراهين القطعية علي ان الانبياء خلقت من شعاعهم الرعية و اين الشعاع من المنير فما عند الرعية و ان بلغت في الترقي ما بلغت شعاع و رشح من الانبياء كيف ما كانوا من اولي العزم و غيرهم و المرسلين و غيرهم و ما سمعت في الاحاديث من مساوات المؤمنين الممتحنين مع الانبياء و المرسلين في ادراك العلوم و المعارف و الاسرار فليس ذلك من جهة [ص 10] تساويهم معهم في الرتبة او ( و خ‌ل ) في مقدار المعرفة بل انما هي لاجل متابعتهم و حكايتهم لمثالهم و محاذاتهم لعزة جلالهم لا بمعني لحوقهم في مرتبتهم كما تسمع من اهل النجوم من جعل السيارات في البروج مع ان فلك البروج هو المكوكب فاذا حاذي كوكبا ( كوكب خ‌ل ) كالقمر مثلا الذي هو اسفل الكواكب برج الحمل الذي في فلك البروج قالوا ان القمر في برج الحمل و لا شك ان القمر ماصعد من مكانه الا ان الحكم جري عليه من باب المحاذات لا الحقيقة الواقعية و هذا معني ما ورد ان من عمل العمل الفلاني كان مع رسول الله صلي الله عليه و آله في درجته او مع اميرالمؤمنين عليه السلام في درجته اذ لايراد به الدرجة الحقيقية كيف و قد ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايطمع في ادراكه طامع و الله سبحانه و تعالي يقول و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون فافهم فقد اطلعتك علي باب من العلم ينفتح منها الف باب و الله ملهم الصواب ( اعلم بالصواب خ‌ل ) .

الرابع للخواص من المؤمنين الممتحنين و هم الذين عرفوا باطن القرآن و سره و لم‌يعثروا علي باطن باطنه و سر سره و كذلك في احاديثهم عليهم السلام فقد عرفوا بطي الاشارات و ضمن التلويحات و معاريض اللغات ما لايسعه ( ما يصفه خ‌ل ) وصف واصف و حكم الملائكة في المراتب و التفاوت حكم المؤمنين الممتحنين مع الانبياء و المرسلين لان الشيعة المخلصين اصلهم و منشأهم و منتهاهم و قد قالوا عليهم السلام في عدة روايات في بيان الخلق الاول فسبحنا ( فسبحنا فسبحت شيعتنا خ‌ل ) فسبحت الملائكة و [ص 11] قدسنا و قدست شيعتنا و قدست الملائكة و كبرنا و كبرت شيعتنا فكبرت الملائكة الحديث ، فاذا عرفت ذلك عرفت ما في قولكم من اتصال ( الاتصال خ‌ل ) العارفين بكلامهم من العرفاء العلماء بالائمة النقباء النجباء من الاجمال فان الاتصال و ان حصل الا انه صوري كاتصال الحاصل بين الشعاع و الشمس و اما في الحقيقة فلا نسبة و لا ارتباط فان الذي عندهم عليهم السلام لايصل الي غيرهم و هم البئر المعطلة و القصر المشيد و قد قال الشاعر و نعم ما قال و قد اجاد في المقال :

بئر معطلة و قصر مشرف مثل لآل‌محمد مستطرف

فالقصر مجدهم الذي لايرتقي و البئر علمهم الذي لاينزف

الوجه الثالث - يختص بعامة ( لعامة خ‌ل ) الناس من المكلفين كما قالوا عليهم السلام نحن لانخاطب الناس الا بما يعرفون و هؤلاء ( هؤلاء هم خ‌ل ) العوام من اهل المجادلة بالتي هي احسن و لهم مقامات كثيرة و مراتب عديدة حسب وقوفهم في مقام مشعر من المشاعر و هي لاتحصي و لاتتناهي يتفاوتون في الفهم و الادراك و السعة و الاحاطة القشرية الا ان كلياتها عشرون مقاما اعلاها الواقف مقام النفس المجردة و اسفلها مقام التراب و بينهما متوسطات فما يلي الاشرف اشرف و ما يلي الاخس اخس و اما المقامات فنعدها بالاجمال لاداء التفصيل الي التطويل و عدم مساعدة الوقت مع الزمان القليل و هي النفس و الطبيعة و المادة و المثال و جسم الكل و العرش و الكرسي و فلك البروج و فلك المنازل و فلك زحل و فلك المشتري و فلك المريخ و فلك الشمس و فلك الزهرة و فلك عطارد و فلك القمر و كرة النار و كرة الهواء و كرة الماء و كرة التراب [ص 12] و انما ذكرنا هذه الكلمات تفصيلا لاجمال كلامكم و لانها كالمقدمة لما سنذكره انشاء الله تعالي في الاجوبة و الله ولي التوفيق .

قال سلمه الله تعالي : و قد كانت تختلج بخاطري الفاتر شكوك و شبهات في معاني هذه الكلمات التامات الزاكيات فاردت ان اعرضها علي من يكون بيانه الشافي يشفي العليل و تبيانه الوافي يروي الغليل فماوجدت اليق بهذه المسئلة و احري بحل عقد تلك المعضلة الا السيد السند الصديد ( السديد خ ) الجليل و العالم العامل الكامل النبيل العارف الماهر العريف و الفاضل المتبحر الغطريف البحر الزاخر و السحاب الماطر فخر العلماء و شرف العرفاء هو الذي باعه في العلوم طويل و له في كشف دقايق الاحاديث الصعبة و في حل عقد اسرار الاخبار المعضلة شان جليل اعني المولي الاولي الاجل الاكمل الافخم ذا المحامد و المناقب و المفاخر و المكارم مولينا العلام الفهام السيد كاظم متعنا الله و جميع المستفيدين بكثرة افاداته و اجري في اودية قلوبنا ينابيع افاضاته فالمامول من جنابه الكريم ان يكشف لي من شواهد المعاني نقابها و يرفع عن وجوه الدقايق و الحقايق استارها و حجابها لنهتدي بها هدي المهتدين و نكون علي ذلك من الشاكرين .

اقول هو سلمه الله تعالي ظن السراب ماء و الصدا صوتا و اللاشئ شيئا و لكن الله سبحانه و تعالي عند ظن كل امرئ من ظن بحجر خيرا القي الله الخير ( الخير به خ‌ل ) اليه رب لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون و ما اردتم من كشف النقاب عن شواهد المعاني و رفع الحجاب عن وجوه دقايق حقايق المباني فاعلم انه قد قال مولانا الصادق عليه السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان [ص 13] وقته حضر اهله و قد سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن مسئلة فاجاب عنها ثم سئل ثانيا فاجاب عنها ثم سئل ثالثة ( ثم سئل عنها ثالثا خ‌ل ) فقال عليه السلام ما كل ما يعلم العالم يقدر ان يفيده ( يفسره خ‌ل ) فان من العلوم ما تحتمل و منها ما لاتحتمل و من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و قد قال مولينا سيد الساجدين عليه السلام في الابيات المنسوبة اليه :

اني لاكتم من علمي جواهره كيلايري العلم ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما ياتونه حسنا

فاذا تأملت في هذه الروايات و ما قدمنا من الكلمات يظهر لك انه لايمكن التصريح في كل مطلب و التوضيح في كل مقصد خصوصا علم هذا الدعاء الشريف الذي هو من غامض العلوم و الاسرار و منطو علي حقايق الحكم و الانوار و هي لاتعرف و لاتنال الا بدليل الحكمة التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا و اقلها دليل الموعظة الحسنة و لاتعرف بالمجادلة بالتي هي احسن التي هي المشتهرة الآن بين الناس من العوام و الخواص و الا لكان علم هذا الدعاء و امثاله من الادعية الغامضة و الخطب الصعبة المستصعبة عند الناس من اوضح الواضحات و ابين البينات لانه جار علي مذاقهم و سار علي طريقتهم و منوالهم مع ان الامر ليس كذلك و انت تعلم ببديهتك ان الدعوي نتيجة للدليل و النتيجة تابعة للمقدمات فتكون علي وفقها و طبقها فلايمكن ان تكون الدعوي باطنية ( باطنيا خ‌ل ) و المقدمات ظاهرية او بالعكس كما لايمكن في [ص 14] العادة ان يكون الوالدان انسانين و النتيجة التي هي الولد حمارا او كلبا و هذا ظاهر معلوم انشاء الله تعالي فاذن لايكون الدليل و البيان الا علي طبق الدعوي و النتيجة فان كانت الدعوي ظاهرية فالدليل ظاهري و ان كانت باطنية سرية فالدليل كذلك و هو معني قوله عليه السلام و سر لايفيده الا سر و سر مقنع بالسر هذا مع ما تري في هذا الزمان من ان الجور قد مد باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فكثر مجيبوه و عظم ملبوه فمدار الكفر و الايمان علي علمهم و جهلهم و الحق و الباطل علي خيالهم و فهمهم المعروف ما عرفوا ( عرفوه خ‌ل ) و المنكر ما انكروه فاذا وجدوا شيئا يخالف فهمهم تلقوه ( يلقوه خ‌ل ) بالانكار و رموا صاحبه بالكفر و الالحاد كانهم لم‌يسمعوا قوله تعالي و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و قوله تعالي بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لماياتهم تاويله و قوله تعالي و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم بلي ( بل خ‌ل ) قد سمعوها و وعوها و لكن قد احلولت الدنيا في اعينهم و راقهم زبرجها و الي الله المشتكي فحينئذ فما عسي ان نقول فلايسع الكلام الا بالتلويح و الاشارة صونا عن الاغيار و حفظا عن صفوة شوب الاكدار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و قد قال مولانا علي بن الحسين عليهما السلام لاتتكلم بما تسارع العقول الي انكاره و ان كان عندك اعتذاره فليس كلما تسمعه نكرا اوسعته عذرا و الله ولي التوفيق و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله : لما كانت تلك الشبهات ناشئة من مقدمات عديدة مسلمة عند القوم و قواعد مقررة مضبوطة بلا شك و لا ريب و لا لوم و نذكر اولا تلك [ص 15] المقدمات بلا تعرض للحجة و الدليل معرضا عن ذكر ادلتها خوفا من التطويل و ها انا اشرع في المقدمات و هي ستة الاولي ان صفاته تعالي شأنه عين ذاته المقدسة ( المقدس خ‌ل ) و الثانية ان المشتق و الاشتقاق هو القطع او ( هو القطع و الانقطاع خ‌ل ) اقتطاع الفرع من الاصل الثالثة ان المشتق غير المشتق منه الرابعة ان المشتق منه اصل للمشتق و المشتق فرعه الخامسة ان المشتق منه مقدم علي المشتق السادسة ان المشتق من الشئ المشتق من ( من الشيء خ‌ل ) الآخر هو المشتق من الشئ الآخر و هكذا الي سبعة وسايط بل الي الف واسطة ( وسايط خ‌ل ) .

اقول هذه المقدمات كلها صحيحة مسلمة لا شك فيها و لا ارتياب فالمنكر المتوقف في احدي هذه المقدمات مكابر لعقله و معارض لوجدانه و لكن هنا مقدمة اخري سابعة لا بد ان تضم بهذه المقدمات ليظهر الحق الثابت البات و تزول الشكوك و الشبهات و يرتفع الاشكال و الاشتباهات و هي ان الصفة علي قسمين ذاتية و فعلية و الذاتية هي عين الذات و الفعلية حادثة بحدوث الفعل عند التعلق بالمفعولات مثلا اذا قلت زيد ناطق و الناطق ( فالناطق خ‌ل ) صفة ذاتية لزيد عين ذاته او جزء ذاته لايمكن تحققه بدونها فتدور مع زيد وجودا و عدما و اذا قلت زيد قائم فالقائم صفة لزيد فعلية ( فعلية و خ‌ل ) متحققة عند تعلق فعله بالقيام فقبل هذا التعلق لم‌يكن لهذه الصفة وجود و لا ذكر و لا رسم مع ان موصوف هذه الصفة هو زيد كما ان موصوف صفة ناطق هو زيد الا ان الفرق بينهما ان زيدا في الصفة ( صفة خ‌ل ) الذاتية بذاته و كنه هويته موصوف تلك الصفة بخلاف الصفة الفعلية فانه فيها موصوف باعتبار ظهوره بالفعل لا [ص 16] بالذات بل في الحقيقة و الواقع موصوف تلك الصفة هو الفعل المتقوم بالذات لا حقيقة الذات البحت و لذا قالوا انها صفات الفعل لا صفات الذات و لكن لما كان الفعل مضمحلا عند ظهور الذات نسبت الصفة الي الذات لاجل اضمحلال موصوفها و غيبته عند ظهور الذات كاضمحلال نور السراج عند ظهور نور الشمس فنسبة صفات الفعل الي الذات لاجل اضمحلال موصوفها لا لان الذات هي الموصوفة لتلك الصفات ليجري عليها النفي و الاثبات او يعتريها تغير الحالات و تختلف بحسب النسب و الاضافات و ذلك معلوم بضرورة مذهب الشيعة فان صفاته تعالي منها ما يثبت و ينفي و منها ما ليس كذلك كما تقول شاء و لم‌يشأ و اراد و لم‌يرد و خلق و لم‌يخلق و احيي و امات و شاء و كره و غفر و عذب و انعم و عاقب فلو كانت هذه الصفات عين ذاته تعالي و الصفة الذاتية هي ذاته بلا مغايرة يلزم عند اثباتها اثبات الذات و عند نفيها نفيها و هذا في البطلان بمكان فوجب ان تكون هذه الصفات للافعال و توصيف ( يوصف خ‌ل ) الذات بها لاجل اضمحلال موصوفها عند ظهور الذات و لذا قالوا ان الذات غيبت الصفات و لا شك و لا ريب ان الصفات الفعلية حادثة بحدوث الفعل عند التعلق ( تعلق خ‌ل ) بالمفعول فاذا كانت حادثة تجري عليها صفات الحوادث من الشق و الاشتقاق و ( مع خ‌ل ) القطع و الاقتطاع و الوصل و الانفصال و الرتق و الفتق و امثال ذلك الا ان جريانها في الصفات الفعلية الحادثة اشرف و ابسط و اقرب الي الوحدة و البساطة من جريانها في غيرها من المفعولات ضرورة ان المفعول اثر للفعل و تطرق [ص 17] الكثرة و الاختلاف في المفعول الاثر ( للاثر خ‌ل ) اكثر منه في الفعل المؤثر اذ لايجري عليه ما هو اجراه فافهم و اتقن هذه المقدمة فانها باب من ابواب العلوم المكنونة ثم ان هنا مقدمة اخري ثامنة و هي متممة لتلك المقدمات و مزيلة للشكوك و الشبهات و هي ان اللفظ قد يطلق و يراد به الذات او صفة من الصفات الذاتية و قد يطلق و يراد به الفعل او صفة من الصفات الفعلية اما من باب الحقيقة بعد الحقيقة ان قلنا ان الذات يصح ان يوضع بازائها اسم او لفظ او من باب التعبير كما في ( التعبير في خ‌ل ) الاول كما في قوله عليه السلام و اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و ذاته حقاقه و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه و من باب الحقيقة في الثاني او من باب الحقيقة في الاول سواء كان للذات البحت كما هو مختار قوم او للذات الظاهرة كما هو عند اهل البيت عليهم السلام و من باب المجاز في الثاني كما هو المعروف المشهور عندهم و علي اي حال هذا الاطلاق علي هذا النمط شايع ذايع في القرآن و في كلمات اهل البيت عليهم السلام و اطلاقات العلماء الاعلام مثلا لفظ العلم يطلق و يراد به ذات الله سبحانه و تعالي و يعد من الصفات الذاتية التي هي عين ذاته بلا فرض المغايرة و قد يطلق و يراد به الفعل و المشية و قد يطلق و يراد به الحقيقة المحمدية و قد يطلق و يراد به ما في اللوح المحفوظ و قد يطلق و يراد به ما في الالواح الجزئية لوح المحو و الاثبات اما الاول فكما في قوله عليه السلام علي ما رواه ثقة الاسلام في الكافي و علم الله السابق المشية و اما الثاني فكما في قوله عليه السلام في حديث جابر الي ان قال عليه السلام و اما [ص 18] المعاني فنحن معانيه و نحن علمه و نحن حكمه ( كلمته خ‌ل ) و نحن حقه الحديث و اما الثالث فكما في قوله تعالي الم‌تعلم ان الله يعلم ما في السموات و الارض ان ذلك في كتاب و قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قوله تعالي فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب الآية ، و الكتاب اما هو اللوح المحفوظ او القرآن و الاول هو الاشهر في الروايات و عند المفسرين و اما الرابع فكما في قوله عليه السلام ان لله علمين علم علمه ملائكته و علم استاثره في علم الغيب عنده و قد عقد الكليني و المجلسي رحمهما الله في الكافي و البحار بابا لبيان هذين العلمين و اوردا اخبارا عديدة في ذلك و قوله عليه السلام في دعاء السحر اللهم اني اسئلك من علمك بانفذه و كل علمك نافذ و لا ريب و لا شك ان ذات الله لاتقبل التشكيك و المعلوم لايوصف بالنفوذ بالبديهة و قوله تعالي فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين و قوله تعالي ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب و امثالها بالآيات ( من الآيات خ‌ل ) و الروايات في انحاء الاطلاقات و لا شك ان المراد من هذه الاطلاقات كلها حادث لايجري علي القديم مع ان العلم من الصفات الذاتية بالضرورة عند جميع اهل الاسلام فيكون لهذا اللفظ اطلاقان اطلاق يراد به القديم و الآخر يراد به الحادث ففي الاول هو من الصفات الذاتية و في الثاني هو من الصفات الفعلية حادث تجري عليه صفات الحادثات و هكذا القول في القدرة فانها مرة تطلق و تراد ( يراد خ‌ل ) بها الذات فتكون حينئذ من الصفات الذاتية و مرة تطلق و تراد بها القدرة الظاهرة في المخلوقات المقترنة بها تكون حينئذ من الصفات الفعلية ( الفعلية و هو ظاهر معلوم ان شاء الله خ‌ل ) [ص 19] كما في قوله عليه السلام في دعاء السحر اللهم اني اسئلك بقدرتك التي استطلت بها علي كل شئ و كل قدرتك مستطيلة و كل سور موجبة كلية يقتضي تعدد الافراد و القول بتعدد الذات باعتبار الفعل زندقة محضة فلم‌يبق الا القول بان هذه القدرة هي القدرة الظاهرة في المقدورات الواقعة عليها المقترنة بها فتكون من الصفات الفعلية و هو ظاهر معلوم انشاء الله تعالي و هكذا القول في العظمة و الجلال و الكبرياء و القدس و البهاء و امثالها من معاني الصفات و مبادي المشتقات فانها كلها يطلق علي الوجهين و قد شرح دعاء السحر هذا المعني الذي ذكرناه باكمل شرح و اوضح تبيين فراجع فيه و تأمل تجد ما نقوله ظاهرا واضحا فافهم موفقا راشدا و اشرب عذبا صافيا .

قال سلمه الله تعالي : فاذا تمهدت هذه المقدمات فنقول الاول ما المراد من هذه الكلمات الشريفة و ما ظاهرها و ما باطنها و هل المراد من الاسم المشتق من العظمة هو الاسم المبارك العظيم و المشتق من الكبرياء بواسطة العظمة هو الاسم الشريف الكبير و هكذا الي الآخر ام غير تلك الاسماء .

اقول اما الكلام في الاشتقاق و بيان خصوص معاني هذه الصفات و انحاء اطلاقاتها و جريان احكامها في مجاري مواردها و مصادرها فسيجيء في محلها المسئول عنها مستوفي و اما بيان هذه الكلمات و المعاني المودعة في هذه الفقرات ،

فاعلم اولا ان ذات الله سبحانه و تعالي كما علم من ضرورة الاسلام و بداهة الفرقة المحقة لايشتق من شئ و لايشتق منه شئ [ص 20] و لا فيها تقدم و لا تاخر و لا تكثر و لا نسبة و لا ارتباط و لا اعتبار و لا جهة و لا كيف و لا حيث و لا مفهوم و لا مصداق و لا انتزاع و لا تعدد بوجه من الوجوه لا في الفرض و لا في الاعتبار و لا في الواقع و الحقيقة و لا في الاحكام ( احكام خ‌ل ) النفس الامرية بل هو واحد احدي الذات و الصفات بكل الجهات و الاعتبارات و ان الصفات الذاتية هي عين ذاته البسيطة الاحدية بلا فرض المغايرة لا مفهوما و لا مدلولا و لا مصداقا و لا اعتبارا فانقطع الكلام في ذاته تعالي و كذا في صفاته الذاتية فان الكلام فيها بعينه هو الكلام في الذات لعدم فرض المغايرة و لاتجري عليها الاشتقاق ( و لايجري عليها الاشتقاقات خ‌ل ) و التفريع و التقديم و التاخير كما عرفت في المقدمة السابعة و انما الاشتقاق و التقديم و التاخير في الصفات الفعلية التي هي من اشرف الحوادث و اعلاها و اقدمها و اسناها و قد عرفت ايضا في المقدمة الثامنة ان الالفاظ التي تطلق و تراد بها الصفات الذاتية قد تطلق و تراد بها الصفات الفعلية علي ما فصلنا ( فصل خ‌ل ) لك آنفا فاذن فالمراد من العظمة و الكبرياء و الجود و العز و القدرة و امثالها المذكورة في هذه الفقرات من الصفات الفعلية لا الذاتية فاذن يصح فيها هذه التفريعات و تجري عليها هذه الاشتقاقات و ان كانت هذه الالفاظ تطلق و تراد ( تراد بها خ‌ل ) عين الذات البحت تعالي و تقدس و لا منافاة بين الاطلاقين كما مر .

و ثانيا ان تعدد الصفات الفعلية انما يتحقق بتعدد ظهور الفعل بتعلقه بالمتعلقات الخاصة و المفعولات المشخصة مثلا اذا تعلق فعلك بالقيام اشتق لك و ظهر الاسم القائم و اذا تعلق بالقعود ظهر الاسم القاعد [ص 21] و اذا تعلق بالكلام ظهر الاسم المتكلم و هكذا تتعدد اسماؤك و يتكثر ( تتكثر خ ) بتعدد متعلقات افعالك و تعدد مجاري صنعك و آثارك و الفعل واحد و تعدده بتعلقه علي حد ما قال الشاعر :

و ما الوجه الا واحد غير انه اذا انت عددت المرايا تعددا

فهذه الاسماء كلها مشتقة من الفعل و متفرعة عليه و لذا كان الفعل اصلا في الاشتقاق و هو العامل في الاسماء كلها مطلقا مشتقة كانت او جامدة علي ما هو الحق في المسئلة فظهر لك من هذا البيان ان صفات الله سبحانه و تعالي الفعلية انما تتعدد و تختلف و تتكثر بتعدد الآثار و اختلاف المصنوعات فله بعدد كل اثر اسم و اشتق ( اثر اسم مشتق خ‌ل ) من فعله المتعلق به فلا نهاية لاسمائه ( للاسماء خ‌ل ) اذ لا نهاية لآثاره الا ان الاسماء تختلف بالعظام و غيرها كما شرحنا و فصلنا في مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و فعله تعالي واحد علي كل حال كما قال عز من قائل و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قال ( و كما قال خ‌ل ) تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت .

و ثالثا انه تعالي و ان كان قادرا ان يوجد الاشياء من الاسباب و المسببات و العلل و المعلولات و المتممات و المكملات و سائر اطوار الكاينات و اوطار الموجودات الممكنات دفعة واحدة بلا تقديم و لا تاخير و لا قبلية و لا بعدية و لكنه سبحانه اقتضت مصلحته و سبقت كلمته و نفذت مشيته ان يجعل للاسماء ( للاشياء خ‌ل ) عللا و اسبابا و شرايط و لوازم يجريها علي حسب اسبابها و شرايطها و لوازمها و صارت الاشياء بتدبير الله سبحانه بعضها يتفرع علي بعض و بعضها يتقدم علي الآخر و تكون للاشياء اسباب و وسايط [ص 22] كثيرة هي اصل بالنسبة الي ما بعدها و فرع بالنسبة الي ما قبلها كما في الزيارة لامير المؤمنين عليه السلام السلام علي الاصل القديم و الفرع الكريم الزيارة ، و لما كانت هذه الاسباب و الوسايط كلها حادثة لا بد من تعلق فعل المحدث به فيكون المتعلقات الفعلية ايضا بعضها متفرعا علي بعض و مشتقا عن الآخر كما تري اشتقاق الفعل المضارع عن الفعل الماضي و اشتقاق ساير الافعال عنه علي ما ياتي تفصيله ان شاء الله تعالي .

و رابعا بعد تحقق الوسايط في الايجاد و التقدم و التاخر و العلية و المعلولية لا شك و لا ريب ان ما قرب الي المبدء كان ابسط و اشرف و اقرب الي الوحدة مما بعد عنه و هكذا تترامي سلسلة الشرافة و الخساسة و الوحدة و الكثرة و الاجمال و التفصيل بترامي سلسلة القرب و البعد الي ما لا نهاية له في اطوار الموجودات تختلف الاشياء بالوحدة و البساطة و الكثرة و الاختلاف و احكام الوسايط تعرف من الطرفين فتفطن .

و خامسا ان القدرة و العظمة و الكبرياء و الرحمة و اللطف و الكرم و العزة الذاتية هو عين ذاته سبحانه بلا فرض المغايرة و اما الفعلية فهي تظهر في تعلقات الفعل بالمفعولات مثلا اذا اعطي سبحانه و تعالي من غير استحقاق ظهر جوده و اذا قهر الموجودات و افناهم استولي عليهم ظهرت عزته و هيمنته و اذا اخذ بنواصي الخلق و اعطي كل ذي حق حقه ظهرت قدرته و قيوميته و اذا اشرق بنوره الوجودي آفاق ظلمات الامكان ظهر بهاؤه و سناؤه و نوره و برهانه و هكذا ساير الظهورات انما هي في اطوار هذه التعلقات و هي كلها حادثة واردة علي [ص 23] حادث و القديم سبحانه و تعالي منزه عن الحوادث و عن صفاتها و احوالها سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

فاذا تمهد ( تمهدت خ‌ل ) هذه المقدمات و عرفت هذه المقامات فاعلم ان الاشتقاق المقصود في هذه الفقرات هو اقتطاع فرع عن ( من خ‌ل ) اصل يكون جامعا لظهوره و حاملا لنوره و هذا الاقتطاع هو التفريع و الاستخراج المتداول في كلامهم كما سياتي انشاء الله تعالي بيانه و يظهر دليله و برهانه و هذه الفقرات المباركة تشتمل علي اثني‌عشر فصلا و معني من معاني الصفات الفعلية الالهية التي عليها مدار الوجودات ( الموجودات خ‌ل ) الخلقية و الحوادث الامكانية و جميع الامكان و الاكوان و الاعيان و كل ما حوته الزمان و المكان انما تحققت و تاصلت بهذه الصفات و مشتقات هذه المبادي فلها عند الله سبحانه شان من الشان و مقام يربو عن التعداد و التبيان و خواصها و تاثيراتها يقصر عن تذكارها اللسان بل يضيق عن تحملها الجنان اذ يشتق منها الاسماء العظام التي تدور عليها الاجابة في اطوار المعاني و البيان فلنعرض عن ذكر خواصها و بيان تاثيراتها و افعالها لانها خارجة عما نحن بصدده من البيان و احد هذه الصفات المندرجة في هذه الفقرات مبدء لاشتقاق الجميع و ما اشتق من شئ عما سواه و لايقال انه جامد ( انه جامد اذ لايعقل في الحدوث الجمود الا اذا ادبر عن ربه و التهي بنفسه و هو جامد خ‌ل ) عن الاشتقاق و ناس اصله و هائم في اودية نفسه و لذا كان معمولا لكل عامل و منفعلا عن كل فاعل و متاثرا بكل تاثير و قابلا لانحاء التبديل و التغيير فكيف يعقل هذا فيما هو الاصل لجميع الاشتقاقات و المبدء [ص 24] لكافة الظهورات و المنشأ لعامة الآيات و اليد لداحي المدحوات و باري المسموكات و هو ظاهر لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و هذا الاصل المشتق منه هو ( هو الاول خ‌ل ) الذي وقع في هذه الكلمات في الآخر لبيان انه هو الاول و الآخر و هو الباطن و الظاهر و هو المعبر عنه في هذه الفقرات الشريفة بالقدرة و هي القدرة التي استطال الله بها علي كل شئ و واحد الآخر ( آخر خ‌ل ) من الصفات المذكورة في هذه الفقرات الشريفة مشتق منتهي ليس مبدء الاشتقاق و لا محلا للتفريع و الاستنباط في عالم الظهور و مقام البروز و ان كانت مادة الفيض لاتنقطع و سلسلة الافاضة لاتتناهي كما قال عز من قائل لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد و هذا هو الآخر الواقع في هذا الدعاء في الاول و هو المعبر عنه بالاسم الذي اشتق من العظمة و عشرة في الوسط كل واحد ( واحدة خ‌ل ) منها مبدء بالنسبة الي ما تحتها و مشتق بالنسبة الي ما فوقها و هي الاصول التي عليها تدور الفصول و توضيح هذا المقال و تفصيل هذا الاجمال هو ان المراد بالقدرة في هذا المقام هو ظهوره سبحانه بفعله بايجاده بنفسه كما ان الصفات الاضافية و الاسماء الرابطية كلها راجعة الي القدرة كذلك الحوادث و كينونات الخلايق و ذوات الموجودات و صفاتها و احوالها في اطوارها و اكوارها و ادوارها و اوطارها بجميع انحائها ترجع الي الفعل و تتقوم به و تتفرع عليه و تشتق منه بنحو من انحاء الاشتقاقات فبالفعل ظهرت قدرة الفاعل و بالقدرة ظهرت الاسماء و الصفات الاضافية كلها فلك ان تقول ان الفعل الاول هو قدرة الله التي استطال بها علي كل [ص 25] شئ و لك ايضا ان تقول ان الفعل محل للقدرة و القدرة حالة فيه حلول الظاهر في المظهر و هذه القدرة ليست هي عين ذات الله سبحانه فانها لاتحل في شئ و لايحلها شئ و انما هي ظهور لتلك القدرة الذاتية و آية لها جعلها الله سبحانه و تعالي مبدء و اصلا لتكوين الكاينات و ايجاد الممكنات و هو سبحانه و تعالي بكل شئ محيط و علي كل شئ قدير و هذه القدرة مبدء لاشتقاق جميع المشتقات و هي لاتشتق من شئ سواها لان المشتق فرع للمشتق منه و ليس وراها شئ لتشتق ( تشتق خ‌ل ) منه لانه آدم الاول و اما الذات سبحانه و تعالي و ان كانت هذه القدرة التي هي الفعل مضمحلة دون جلال عظمتها و مستقهرة تحت هيمنة قيوميتها و متقومة ( مقومة خ‌ل ) بها و منفعلة عنها و لكنه سبحانه ليس بينه و بين خلقه فصل و لا وصل و لا نسبة و لا اقتران و لا كيف فاني يعقل هناك الاشتقاق اذ عدم ذكر الاشياء عنده بالفراق و التلاق فاذن فالقدرة مبدأ و مشتق عن نفسه بنفسه علي حد قول الصادق عليه السلام خلق الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و تفصيل هذا الاجمال لايسعه المجال لانه داء ( الداء خ‌ل ) العضال و مزال اقدام الرجال و قد استوفينا شرحه في اجوبة المسائل الرشيدية و انما قلنا باشتقاقها لعدم تعلق الجمود في الحادث الا علي النحو الذي ذكرناه سابقا و ذلك النحو لايجري في هذا المقام فافهم و تفطن ، ثم لما خلق الله الفعل الذي ظهرت به القدرة خلق سبحانه به المحبة في اصل الايجاد ( المحبة فهي اصل للايجاد خ‌ل ) و الانوجاد كما قال في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فالمحبة مقدمة علي الخلق و علة للايجاد و لما كانت هي اقرب الاشياء الي المبدء كان ابسطها و اشرفها و اعلاها و [ص 26] ادقها و اغمضها و اخفيها و لذا كانت سرا سارية في الموجودات و معني منطو عليه الذوات و الصفات و هي في باطن الحقايق الكاينات فقد قلت في هذا المعني شعرا :