[ص 1]

رسالة في جواب الميرزا حسن الهندي الدهلوي العظيم‌آبادي

من مصنفات السيد الاجل الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني انه قد وردت علي مسائل دقيقة منطوية علي مطالب جليلة تقصر دونها الاحلام و تكل لبيان جملة منها اكثر الافهام للمولي الاعظم و العالم المقدم و الفاضل المكرم ذي الفطنة الباهرة و السريرة الطاهرة اللبيب المؤتمن كهف الحاج الميرزا حسن بن امان‌الله الهندي الدهلوي العظيم‌آبادي و طلب من الحقير الفقير جوابها و كشف نقابها و قد اتت في حال قد تراكمت علي الهموم و الاشغال و تكاثرت علي الغموم و اختلال البال و تواتر الامراض المانعة من استقامة الحال و في مثل هذه الحالة لايتمكن الانسان من اداء المقال علي مقتضي حقيقة الحال و لكنني لما الزمت علي نفسي اجابته اتيت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور مكتفيا بالاشارة و مقتصرا علي ادني العبارة اعتمادا علي فهمه العالي و ادراكه السامي و جعلت كلامه اعلي الله مقامه و بلغه في الدارين مرامه متنا و جوابي كالشرح له ليطابق الجواب بالسؤال و علي الله التكلان في جميع الاحوال .

قال سلمه الله : بين لي ايها السيد السند الجليل و المولي الاولي النبيل يا من هو عالم بمعالم الدين و عارف بمعارف اليقين يا من كشف الغطاء من وجوه احاديث سيد المرسلين و اظهر الخفاء عن بطون كلام الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين ما اشكل علي ادراكه و عسر فهمه [ص 3] ليطمئن به قلبي و يسكن فؤادي و هو امور :

الاول - انه يظهر من كلامكم الشريف في رسالة المعاد ان الجسم مركب من الهيولي و الصورة و قلتم هذه الصورة التي في الاولي لاتعود في الاخري لان المطلوب في الآخرة البقاء و الدوام و هذه الصورة الجسمية الدنيوية لاتصلح للدوام و البقاء لتخلل المفاسد المفنية لها فيها و ورود الحوادث المبطلة لها عليها في عاجل الزمان و اسرع الدوران بل يتركب هذه المادة بعينها بصورة اخري محكمة متقنة تدوم و لاتزول و علي هذا يلزم ان يكون الثواب او العقاب علي الجسم الذي هو غير هذا الجسم الذي به اطاع المكلف و عصي و ذلك خلاف العدل منه سبحانه بيانه ان المجموع المركب من جزئين معينين اذا فات احد جزئيه و حل محله جزء آخر فلايكون الثاني هو الاول بل يكون هو غيره فيلزم المحذور و بتقرير آخر ان الجسم مركب من الهيولي و الصورة الخاصة التي لاتتقوم المادة و لاتتحصل الا بها فلما زالت هذه الصورة و تقوم المادة بصورة اخري لايكون الجسم المركب بالصورة الثانية هو المركب بالاولي بل بينهما مغايرة كلية لايتصور مغايرة فوقها و الحال ان مصدر الطاعة و العصيان هو الاول دون الثاني و ان كان الثاني علي كمال التشابه و التماثل بالاول فان احد المتماثلين غير الآخر .

اقول لا شك و لا ريب ان المركب ينتفي بانتفاء احد اجزائه فان كل جزء له دخل في قوام الحقيقة فاذا انتفي ذلك الجزء انتفت الحقيقة الاولي سواء اتي بدله ام لم‌يات فالباقي حقيقة اخري غير الاول و ذلك مسلم [ص 4] معلوم و كذا لا ريب ان الجسم بل كل شئ مركب من الهيولي و الصورة كما دلت عليه الادلة القطعية من العقلية و النقلية المذكورة في محلها و موقعها الا ان الصورة علي قسمين صورة جوهرية و هي الجسمية التي بها قوام الجسم و تحققه و لولاها لم‌تتحقق و قد مزجها الله سبحانه مع المادة مزجا حقيقيا و الف بينهما تاليفا ذاتيا بسابق مشيته و نافذ ارادته لاينفك احديهما عن الاخري الا بانعدامهما جميعا لما تحقق عندنا ان كل واحدة منهما شرط لتحقق الاخري فلايوجد احديهما الا بالاخري فاذا انتفت احديهما انتفت الاخري فهما المتساوقان المتحاويان الزوجان اللذان هما حقيقة الامكان كما قال عز و جل و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و هذان الجزءان لاينفكان الا و ينفك الشئ المركب و ينعدم و هذه قد تكون اولية و ثانوية و ثالثية و هو المعبر عندهم بالهيولي الاولي و الثانية و الثالثة فافهم فان بيان هذه المطالب يؤدي الي تطويل و تفصيل لسنا الآن بصدده و الصورة الثانية صورة شبحية و هيئة عرضية تتعاور علي الجسم و تتناوب عليه مع انخفاظ (كذا) الجسم الاول المركب من الهيولي و الصورة و بقاء الكينونة الاولي و يكون الاول بها اي بهذه الثانية مصدرا للصفات المختلفة و موضوعا للهيئات المتباينة المتكثرة و هذه هي المسماة عند الحكماء بالجسم التعليمي و الجسد التعليمي و عند اهل البيت عليهم السلام بالبدن النوراني و الشبح الظلي فلو كانت الصورة واحدة و هي جزء الجسم التي بانعدامها او تبدلها بغيرها ينعدم الجسم و الحقيقة لم‌يكن الجسم الواحد [ص 5] موصوفا للصفات موضوعا للعوارض المتفاوتة لان تعاور الاعراض يقتضي بقاء الموضوع فاذا انعدم الموضوع اين يثبت العرض و ذلك واضح انشاء الله و نزيدك توضيحا بذكر مثال ينكشف لك به حقيقة الحال فنقول ان الولد مثلا اذا استقر في الرحم و نزل الي هذه الدنيا لم‌يزل ينتقل من حال الي حال و من طور الي طور و من صورة الي صورة و من هيئة الي هيئة من كونه رضيعا و كونه فطيما و كونه صبيا و كونه مراهقا و كونه بالغا و كونه شابا و كونه تاما و كونه كاملا و كونه شيخا و كونه هرما و كونه ميتا و كونه رميما و كونه ترابا و كونه صحيحا و كونه سقيما و كونه قصيرا و كونه طويلا و كونه صغيرا و كونه كبيرا و كونه مهزولا و كونه سمينا و كونه متلونا بالوان مختلفة من حمرة الي صفرة الي كدرة الي بياض الي خضرة الي سواد الي غير ذلك من الالوان فنقول هذه الصور المختلفة هل تغيره عن حقيقته المركبة المؤلفة من الهيولي و الصورة ام لا بل تلك الحقيقة مصونة محفوظة ترد عليها هذه الصور العرضية و الاشباح التعليمية اثباتا لفقرها و حاجتها الي باريها و منشيها و تبيينا لبقاء موجدها و انه يجلب عن التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان فان كان الاول يلزم ان يكون الشخص حقايق مختلفة و ذوات متباينة لاتصدق كل واحدة منهما علي الاخري و يلزم هذا القول ان يكون زيد الصبي غير زيد الشاب و زيد الشاب غير زيد الشيخ ضرورة ان لكل منها صورة و هيئة غير الآخر فان كانت هذه الصورة هي التي تتقوم به المادة و تتشخص بها فاذا انعدمت [ص 6] انعدمت تلك الحقيقة و اتت حقيقة اخري فاذن فالاسم الموضوع له حال الصبا و الصغر اذا اطلق عليه حال الهرم و الكبر كان مجازا و اذا جني في حال الشباب او في حال الصحة او في حال المرض لايجوز مطالبته عند الكبر لان الجاني حقيقة اخري غيرها فاذا تحمل شهادة في حال لايجوز ان يؤديها في غيرها لان الشاهد قد انعدم بانعدام تلك الحالة و كذا اذا استقرض و استدان و غير ذلك من الاحوال و هذا في البطلان بمكان لايحتاج الي الاستدلال و فساده لايخفي علي الجهال فضلا عن العلماء الابدال فاذا بطل الاول فتعين الثاني و بيانه هو ان الصورة صورتان احديهما جزء ماهية الجسم و مقومة للهيولي و محققة للمركب و هي جوهرية جسمية انبساطية بسيطة اضافية محفوظة في الاطوار و الادوار و الاكوار و الاوطار بها قوام الشئ و تمامه لايمكن انفكاكه عنها و لا استبدالها بغيرها حين كونه و هذا مرادهم بالماهية و قولهم ان قلب الماهية محال و هذه الصورة مع هذه المادة تجري مجري المادة لتلك الصور و الاعراض فهي بمنزلة الهيولي الثانية لا نفسهما فافهم و الثانية صورة عرضية تعتري الجسم لامور خارجية تتميما لقابليته و تكميلا لاستعداده و نضجا لبنيته لاستفاضة امداده و هذه لا دخل لها في حقيقة الجسم و انما هي امور تكتسبها من خارج باطوار شؤنه تذهب و تجيء و لايلزم عود الذاهب و لا ذهاب الآتي الجائي مثلا اذا غلبت الصفراء و اصفر لون الرجل ثم ذهب الصفار بمعالجات و تداوي لايلزم عود الصفرة لانها كانت موجودة معه وقتا و [ص 7] كذا اذا ذهبت صورة الصغر و جاءت صورة الكبر و كذا اذا ذهب اعتدال الصورة و صارت قبيحة لم‌يلزم عود الاولي و كذلك العكس و اذا ذهب الصورة الانسانية الظاهرية و جاءت الصورة البهيمية لايلزم عود الاولي كالذين مسخوا قردة و خنازير فانهم لا شك عند المسخ ماتغيروا عن حقيقتهم و لا خرجوا عن ماهيتهم و الا لم‌يكن المسخ عقوبة لهم فان المسوخ اشخاص غيرهم و هو بديهي البطلان بل المسوخ باعيانهم هم الذين كانوا من قبل بصورة الانسان فنزع الله سبحانه عنهم باعمالهم الخبيثة تلك الصورة و البسهم صورة اخري و هم علي ما هم عليه و انما التغيير في الهيئة العرضية و الجسم و الجسد التعليميين و كذلك حكم العكس مثل حكم كلب اصحاب الكهف فان الروايات قد دلت علي انه تنزع عنه الصورة الكلبية و تلبس الصورة الانسانية و يدخل الجنة بعكس المسوخ في الدنيا و الآخرة و كالقرآن المكرم المعظم الذي لاياتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فان الروايات قد استفاضت من سادة البريات عليهم السلام انه يظهر يوم القيمة علي احسن صورة و اجمل هيئة بحيث كلما يمر علي صف من صفوف اهل المحشر يرونه احسن ذلك الصف في جميع ما لهم من المحاسن فيمر علي الملائكة و يرونه احسنهم و يمر علي صف المؤمنين و يرونه احسنهم و يمر علي صف الانبياء المرسلين و يرونه احسنهم الي ان يقف عند الصراط و الميزان و يشهد علي من حفظه و علي من اضاعه فيشفع لمن شاء ممن شاء الله و هكذا مسجد الكوفة فانه ياتي يوم القيمة [ص 8] بصورة رجل محرم عليه ثوب الاحرام فيشفع لمن دخله و تعبد فيه كما روي عنهم عليهم السلام علي ما في البحار و غيره من كتب الاخبار فظهر لك بالبيان الواضح و البرهان اللائح ان هذه الصور و الهيئات غير داخلة في حقيقة الجسم و الذات حتي يلزم من تغييرها تغيير الحقيقة و من انعدامها انعدام الماهية فاذن فالمكلف و المطيع و العاصي هو الشخص الثابت في هذه الاطوار و الجسم المحفوظ في هذه الادوار قد لبس صورة جسمية و هيئة ذاتية هي منشأ تحققها و تحفظها و تميزها عن غيرها مثلا زيد قد نعلم انه شئ واحد متميز عن غيره محفوظ في هذه الصور و الهيئات العرضية بحيث لاتنثلم بكثرة هذه الصور وحدته و لاتغير تغييراتها و اختلافاتها حقيقة فلولا انه لم‌يكن تام التركيب لماتحقق و استقر و استمر مع تعاور هذه الاعراض و زوالها و اضمحلالها فلولا ان هذه الاعراض ليست داخلة في حقيقة ذاته و لا صفاته الذاتية لاثرت في ذاته و لغيرته عن حقيقته و ماهيته مع ان الامر ليس كذلك فثبت الامران بحول الله الملك الديان فاذا عرفت هذا ظهر لك ان مرادنا من تلك العبارة في رسالة المعاد من ان تلك المادة الدنيوية تلبس يوم القيمة الصورة الاعتدالية الحقيقية التي لايتطرق اليها فساد و لا زوال و لا اضمحلال و تنزع الصورة الدنياوية الغير الاعتدالية التي هي بيت للامراض و الاسقام و الدثور و الفناء و الاضمحلال فمرادنا من الصورة في المقامين الصورة العرضية و الشبح المثال المسمي في عرف الحكماء بالجسم التعليمي و في اللغة في احد [ص 9] الاطلاقات بالجسد و في عرف الائمة عليهم السلام بالشبح و البدن و مرادنا بالمادة هي الهيولي مع الصورة الجوهرية الجسمية المحفوظة في اطوار هذه الاشباح المثالية و الاعراض الجسمية كما مثل الامام لابن ابي‌العوجاء باللبنة حين تكسر و تصاغ فانها هي هي بالصورة الاصلية و هي غيرها بالصورة الظاهرية و كما اذا قلنا ان زيدا في الدنيا اذا مرض ثم عوفي انه لبس الصورة الاعتدالية الاضافية التي مقتضاها الصحة و نزع الصورة الغير الاعتدالية التي مقتضاها المرض و تغيير هذه الصور لايستلزم تغييرا في الذات و لا في حقيقة العاصي و المطيع بل الشخص العاصي و المطيع باق علي ما هو عليه في الحالتين عند تعاور الصورتين كما مثلنا لك بالمسوخ الذين مسخوا في هذه الدنيا نزعوا الصورة الانسانية و لبسوا الصورة المسخية و هم علي ما هم عليه في البدن الجسماني في الحالتين و كما اخبر الله سبحانه و تعالي عن الكفار بانه تعالي يحشرهم اعمي مع انهم في الدنيا ذوي الابصار الجسمية كما قال عز من قائل و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي و لا شك ان هيئة الاعمي غير هيئة البصير و قد اخبر الله سبحانه و تعالي بتغايرهما في النشأتين مع ان المعاد واحد في البين و قد دلت ضرورة الاسلام علي ان اهل الجنة جرد مرد في سن ابناء ثلثين سنة مع انهم في الدنيا علي هيئات مختلفة و صور متشتتة و منهم سود كالعبيد و [ص 10] السودان و لقمان عليه السلام منهم و منهم مشوه الخلقة و منهم قبيح الصورة و منهم طوال و منهم قصار و منهم علي الصورة البهيمية مثل كلب اصحاب الكهف كما روي عنهم عليهم السلام علي ما هو المشهور المعروف عند الخاصة و العامة و بالجملة تبديل الصور و الهيئات في الدنيا و الآخرة مثل تبديل الصور و الهيئات في الدنيا باحوالها و اطوارها و شئوناتها و قد ثبت عندك بالضرورة ان هذه التغييرات الدنيوية غير مؤثرة في حقيقة ذات الجسم فكذلك التغييرات الصورية الاخروية حرفا بحرف و هذا هو المعروف من مذهب اهل الاسلام و المذكورة في كلام الملك العلام و المأثور في روايات اهل الذكر عليهم السلام فمن رام في الاعتقاد غير هذا المرام فقد خاب و خسر و كذب و افتري فلا محذور حينئذ في كلامنا و لا تنافي انشاء الله تعالي بعد ما احطت خبرا بما ذكرنا و فصلنا و تعبيري بتلك الطينة اي الجسم المركب من الهيولي و الصورة بالمادة من جهة فهم الناس حيث ان حكمها في طريان هذه الصور المسماة بالاجسام التعليمية حكم المادة بالاضافة الي الصورة لا المادة التي هي الهيولي المجرد عن الصورة مطلقا كما ربما يتوهم فافهم .

قال سلمه الله : و هذا التغيير ليس من قبيل ازالة الكثافات و رفع الاوساخ فان الشئ لايتغير حقيقته عند ازالة كثافاته منه لانها ليست عينه و لا جزء منه حتي يفني بفنائها و يتغير ماهيته بتغيرها بخلاف تبدل الصورة بالصورة لانها جزء الجسم و الكل يتغير بتغيير الجزء و القول [ص 11] بعدم ذاتية الصورة الدنيوية المعبر عنها في اصطلاحكم بالكثافات و الاوساخ للجسم مع قولكم بتركب الجسم من المادة و الصورة عجيب عجيب .

اقول اذا عرفت مرادنا من الصورة و انها هي الهيئات المشخصة المعينة و انها علي قسمين جوهرية و عرضية و الجوهرية هي التي جزء ماهية الجسم و بها يتميز هذا الجسم من غيره مع اختلاف اعراضه و هيئاته و بها يتحفظ الجسم متميزا عن غيره في تلك الهيئات و الاعراض كما مثلنا لك من جسم زيد المتميز من غيره الثابت الموجود المحفوظ عن التغيير الذاتي عند تغيير عوارضه و صوره و هيئاته و صورة عرضية غير ذاتية كما مثلنا لك عرفت انه لايبقي اشكال و لا مقال و عرفت ان هذه الهيئات الثانوية من قبيل الكثافات و الاوساخ كصفرته عند هيجان المرة الصفراء و حمرته عند هيجان الدم و بياضه عند هيجان البلغم و سواده عند هيجان السوداء و تشويه خلقته عند الامراض الباردة مثل اللقوة و الفالج او الحارة مثل الجذام و امثاله و مثل صورة الصغر و الكبر و صورة الشباب و الشيخوخة و امثالها و هذه ليست عينه و لا جزء منه حتي يفني بفنائها و يتغير ماهيته بتغيرها و قولكم بخلاف تبدل الصورة الخ ، ان اردتم بالصورة الصورة الجوهرية فكما قلتم و ذكرتم من انها جزء الجسم و الكل يتغير بتغيير الجزء و ليست تلك الصورة مرادنا و لا هي مقصودنا فانها لاتنفك عن الجسم لا في الدنيا و لا في الآخرة بل يحشر يوم القيمة و يدخل الجنة و النار علي ما هو عليه من [ص 12] الصورة الجوهرية الدنياوية و هي المراد من الطينة الباقية المستديرة في القبر كما روي عن الصادق عليه السلام و هذا لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و لاينازع فيه احد من المسلمين و ان اردتم بالصورة الصورة الثانوية المسماة بالجسم التعليمي و الجسد التعليمي فلانسلم ان تبدلها يستلزم تبدل الجسم و تغيره عن حقيقته لانها ليست جزء منه و لا عينه و انما هي اعراض خارجة تكتسبه بقوابل الاعمال و اطوار الاستعداد فتمحي و تثبت لان الله يمحو ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و هذه هي عين الكثافة و الوسخ كما بينا و اوضحنا انظر الي بني‌اسرائيل و ما اخبره الله سبحانه عنهم من تبديل صورهم الانسانية الي الصورة الاخري البهيمية عقوبة لهم و نكالا و هم علي ما هم عليه من الحقيقة الجسمية فلو كان مطلق تبديل الصورة يقتضي فناء الحقيقة لما بدل الله سبحانه صورتهم الانسانية بالصورة البهيمية و ذلك معلوم عند من له ادني فطنة و صفاء الطوية فاذن فقولكم و القول بعدم ذاتية الصورة الدنيوية المعبر عنها في اصطلاحكم بالكثافات و الاوساخ للجسم مع قولكم بتركب الجسم من المادة و الصورة فعجيب عجيب عجيب عجيب لان مبني ذلك علي الفرق بين الجسم الطبيعي و الجسم التعليمي و ذلك ليس مما تفردنا به بل كتب العلماء و الحكماء مشحونة بذلك و من المعلومات الاولية عندهم ان الجسم التعليمي غير الجسم الطبيعي و انما هو عارض له و اختلاف الجسم التعليمي لايقدح في ثبات الجسم الطبيعي و بقائه لانهما [ص 13] امران متغايران اقترن الثاني بالاول لسر اقتضته الحكمة الالهية يطول بذكرها الكلام و علي من يفهم الكلام السلام .

قال سلمه الله : و الثاني - ان بيانكم بطون القرآن و الاحاديث المعضلة المتشابهة مثل قولكم في شرح دعاء سمات علي قوله عليه السلام علي قبة الزمان فالزمان هو الماء و القبة هي العرش كان حاويا له قبل ان يخلق الله السموات و الارض و ايضا في الشرح في تفسير الحجارة انه بناء علي الوجه الظاهري هو حجر مرمر و علي التاويل كما ذكرنا هو حجر الياقوت و علي الباطن هو الزمرد و مع هذه المنافاة قلتم لا منافاة بينها اذ كل في مكانه موجود و المشبه عين المشبه به فاني ماعثرت علي هذا الدليل كيف ينطبق علي الدعوي و هكذا قولكم في الشرح في تفسير الفلك انه دخان تصاعد بحرارة شمس اسم الله القابض من البحر المتحصل من ذوبان الياقوتة الحمراء حين نظر اليها الحق سبحانه بنظر الهيبة المثار بالريح و في تفسير السماء انه سماء الارادة اي اعلاها او البرزخ بين سماء المشية و الارادة الخ و في تفسير التقدير انه التخطيط بالهندسة و ذلك كان يوم الاثنين وقت العصر ثاني شهر رمضان في بلدة الابتداع في بيت النون و المقدر هو الكاف في اول الشهر المذكور في بلد الاختراع الي آخر تلك البلدة بعد النزول في بيت الالف القائم حين مالت الي الباء و الله من ورائهم محيط و ايضا في الشرح علي قوله عليه السلام و اسئلك اللهم بمجدك الذي كلمت به عبدك و رسولك موسي بن عمران قلتم ان الكلام كان في يوم الخميس و الاستماع كان في [ص 14] يوم الجمعة اول الزوال و العبد صار بعد العصر في يوم الجمعة وقت قرائة هذا الدعاء المبارك فصار رسولا يوم السبت انتهي و هو خلاف ما هو المشهور بين العلماء الا ان يكون لهذا الكلام باطن يطابق المشهور .

اقول اعلم ان اشتمال القرآن و كلمات اهل البيت عليهم السلام علي وجوه التاويل و الباطن و باطن الباطن و باطن باطن الباطن و هكذا الي السبعة او الي السبعين و تاويل التاويل و تاويل تاويل التاويل و هكذا الي السبعة او الي السبعين و ظاهر الظاهر و ظاهر ظاهر الظاهر و هكذا الي السبعة او السبعين مما لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و قد دلت عليه الادلة القطعية من العقلية و النقلية و استفاضت عليه الروايات من الائمة السادات عليهم السلام و كذا لا اشكال في ان جميع هذه المراتب و المقامات بجملتها و حذافيرها لايوجد الا عند الائمة المعصومين عليهم السلام و من ادعي ذلك غيرهم فقد قال كذبا و اتي باطلا و كذا لا اشكال في انهم سلام الله عليهم علموا بعض الخواص من شيعتهم بعض تلك الاسرار و اودعوا عليهم السلام في قلوب بعضهم بعض تلك الانوار حسب انقطاعهم اليهم و قبولهم منهم و اخذهم عنهم كما استفاضت بذلك الاخبار كقولهم عليهم السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله لان علم العلماء صعب مستصعب لايحتمله الا الملك المقرب او النبي المرسل او المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان الحديث ، و قولهم عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد حتي الملك [ص 15] المقرب او النبي المرسل او المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال عليه السلام من شئنا او مدينة حصينة و هي القلب المجتمع و قولهم عليهم السلام نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و امثالها من الروايات الواردة في هذا الباب و لا ريب ان جماعة من المفسدين من الصوفية الملحدين اعداء الدين و خلفاء الشياطين لعنهم الله الي يوم الدين ادعوا انهم من اهل الباطن و عندهم من تلك الاسرار و قلوبهم مستضيئة بتلك الانوار و اتوا باشياء مموهة و امورا ملبسة قد ضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل و لما كانت دعويهم انما هي في البواطن و الاسرار و انما هي من نفثات الشياطين و اخبارهم اولئك الملاعين كما قال عز و جل و ان الشياطين ليوحون الي اوليائهم اشتبه علي الناس ممن لم‌يطلعوا علي حقايق العلوم الالهية و دقايق الرسوم الصمدانية فصاروا لم‌يميزوا بين الغث و السمين و لم‌يفرقوا بين اهل الحق و بين اولئك فتشبثت طايفة بذيل اولئك الملحدين زعما منهم بانهم ارباب الكشف و اليقين و اصحاب البصيرة في الدين فوقعوا فيما وقعوا من الخسران المبين و انكر آخرون اولئك الابرار الاطهار من المؤمنين الممتحنين الحاملين لاسرار الائمة الطاهرين المتادبين بآدابهم الناهجين منهجهم حتي هجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فاستلانوا من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و استأنسوا بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون و انما كان انكارهم لاجل انهم اتوا بما لايعلمون و تكلموا بما لايعرفون فظنوا انهم اولئك الاشرار الملحدون [ص 16] فانكروهم اشد الانكار مع انهم ممن يجب عليهم طاعتهم لينالوا بها منازل الابرار و لكن لما كان لله الحجة البالغة و الدلايل الظاهرة و الآيات الباهرة و الانوار الساطعة و النجوم المضيئة و لم‌يدع الخلق في ظلمة عمياء و لا دهمة بهماء جعل للخلق علم هداية و دليل رشد و ميزان قويم يعرف به الحق من الباطل و الغث من السمين و هم الائمة الهداة عليهم السلام و ما ظهر من الكتاب و السنة باوضح الدلالة حتي لاتبقي لمحتج حجة و لولا ذلك لماقامت حجة الله علي الخلق و لكان للخلق حجة علي الله و هو سبحانه يقول لئلايكون للناس علي الله حجة بعد الرسل و قال عز و جل اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و قال قبله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشوني فوجب ان نذكر بعض العلامات الماخوذة من سادة البريات عليهم السلام لبيان الفريقين و امتياز كل منهما عن الآخر لقطع حجة المعاند و رفع شبهة الجاهل .

فنقول اعلم ان لاهل الحق علامات بها يمتازون عن غيرهم فاذا وجدتها في احد فاعلم انه القرية الظاهرة التي قد امرت بالسير فيها الي القرية المباركة و تلك العلامات علي وجهين منها ما يتعلق بعلمهم و منها ما يتعلق بعملهم .

و اما الاولي فاعلم انهم اذا نظروا في مسئلة من المسائل لاينظرون فيها حتي يرتفع ثلث خصال و تجتمع خمس خصال اما الاولي :

فاولها ان يتمحض قصدهم و نيتهم في معرفة تلك المسئلة من العلم لله سبحانه ليتوصل بها الي طاعته و رضاه من عمل او قول او ظهور قدرة و عظمة يوجب كمال الخوف او نعمة و [ص 17] احسان يوجب الرجاء و الطمع او جلال يقهره عن نفسه او جمال يجذبه اليه و يفقده عن نفسه لينقطع الي ربه و امثال ذلك من الاحوال الراجعة الي الحق سبحانه و لايطلبها ليعاند بها العلماء و يماري بها السفهاء او يصرف اليه وجوه الناس او ليغزر علمه ليعرف بذلك و يشتهر به و امثال ذلك من انواع العصبية و الجدال و المراء كما تري في اغلب احوال الناس و الثانية ان لايكون حين النظر مانوسا بطايفة من اهل العلم او غيره ليميل قلبه اليهم و الي ما يقولون فان حبك للشئ يعمي و يصم و قد يكون علي باطل و خطاء فيقع فيما وقعوا فيه بل يكون انسه بالله و ميله فيما عند الله من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا و الآخرة و الثالثة ان لايكون عنده قاعدة قد اخذها من غير اهل بيت العلم علي النمط الذي نذكره انشاء الله فان من عنده قاعدة لايامن ان يركن اليها و يعرف العلم اليها و قد تكون باطلة فاسدة فيقع في الخطاء و الغلط كما تري الآن اغلب الناس يطرحون الاخبار الصحيحة المتكثرة و ينكرونها لمخالفتها لقاعدتهم و قد تكون القاعدة باطلة .

و اما الثانية من الخصال الوجودية :

فاولها ان يكون باقيا علي الفطرة الاصلية الاولية غير مغير لها بمتابعة الشيطان فلم‌تسبقه الشكوك و الشبهات و علامته ان يكون دائم النظر و التفكر في خلق الله من السموات و الارض و خلق نفسه و احواله و عظيم التحير حين ما ينظر اليها و علامة ذلك صفاء طويته و ذكاء سريرته و علامته ان لايشغله علم عن الآخر بل يكون الاشياء عنده بعضها دليلا علي الآخر فلايقال فيه انه كامل في علم دون [ص 18] العلم بل العلوم كلها عنده علي حد سواء لان الباقي علي الفطرة يري آية الوحدة في كل شئ فعين بصيرته مفتوحة فلايفرق عنده في الرؤية بين شئ و شئ كما في العين الجسمي اذا كانت مفتوحة يري الاجسام علي اختلاف الوانها و احوالها و كذلك عين القلب اذا كانت مفتوحة و اما الذي يقتصر علي شئ فلايعرف الآخر فهي كالاعمي الذي يعلمونه بعض الاشياء فلايعلم الا الذي علم و قولي كل العلوم علي حد سواء ، مرادي انه عرف اللطيفة السارية في العلوم كلها و هي النقطة التي قالها عليه السلام و لايلزم ان يكون ظهور تلك النقطة علي التفصيل كلها حاضرة عنده بل اذا طلب كلما اراد منها وجد بمشاهدة تلك النقطة فيها و يستدل بكلها علي كلها كما مر فهم من فهم الثانية ان يجد لها دليلا من كتاب الله سبحانه من الآيات المحكمات التي هن ام الكتاب بحيث لايمكن انكارها و اما المعاند فلايقطعه الف حجة و لايتشبث في الاستدلال بالمتشابهات و هي التي لم‌تظهر دلالتها و المراد منها اما بنفسها او بامر خارج منها كالاخبار الموضحة لها المعينة للمراد منها و ان كانت هي علي الظاهر مجملة فانها حينئذ ليست من المتشابهات و الثالثة ان يجد لها دليلا من احاديث اهل البيت عليهم السلام كما ذكرنا في الكتاب و يجتنب عن الاحاديث التي لم‌يقبلها الاصحاب الا اذا كانت راجعة اليها و ان لايكون لها معارض اقوي بل لايجد معارضا اصلا اذ التعارض في الاخبار امر صوري لا حقيقة له و اما تغيير المغيرين و المبدلين و سهو الساهين و الناسين في الرواية و امثالها فجعلوا عليهم [ص 19] السلام في ارشاداتهم قراين و ادلة تنفيها و تثبت الامر الواقعي المراد و لولا ذلك لمااستقام قولهم عليهم السلام ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لننقله الي شيعتنا فخذوها و صفوها تجدوها نقية صافية و اياكم و الاوعية فنكبوها فانها اوعية سوء ، هذا معني الحديث فلولا القراين الناصبة لماتتاتي التصفية فان الخلق جهال لايعلمون شيئا الا ما علموهم اياه كما قال صلي الله عليه و آله هنا يا ابن‌عباس لاتجد في يد احد حقا الا بتعليمي و تعليم علي عليه السلام و الكلام في هذا المقام طويل و الاشارة كافية لمن اهتدي الي السبيل و لم‌يتعود بالقال و القيل فمجمل القول انه لايتمسك برواية علي خلاف القانون الذي جرت العادة بين الفرقة المحقة في التمسك بها فان هذه الطايفة لاتزال علي الحق حتي تقوم الساعة و الرابعة ان يدل عليها العقل المستنير بنور الله و المستوقد بضياء ائمة الهدي عليهم السلام و معناه انه تربي و نشأ في شدة الاعتناء و النظر في اخبارهم مع اعتقاد الجازم بانهم عليهم السلام لايهملون رعاياهم و غنمهم و عالما بانه حين ما ينظر و يلاحظ الاخبار هو بين يدي امامه و سيده يتعلم منه عليه السلام كما قالوا نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء و هو عليه السلام لاتمنع غيبته عن مشاهدة رعيته و اصلاح احوالهم و طرد الشيطان و الباطل عنهم كما قال تعالي و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته علي الذي من عدوه فوكزه موسي فقضي عليه قال هذا من [ص 20] عمل الشيطان انه عدو مضل مبين و قال رسول الله صلي الله عليه و آله كلما كان في الامم الماضية يكون في هذه الامة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة و هذا هو العقل المستنير فيجب ان يكون له دليل عقلي عليها اي علي المسئلة زائدا عما دل عليه الكتاب و السنة ليكون علي بصيرة و معرفة و الخامسة ان يجد لها دليلا عيانيا شهوديا في العالم فانه كتاب اكبر كتب الله سبحانه بيده و بناه بحكمته و رباه بقدرته و حفظه بصنيعه و جعله من اعظم آياته و حث الناس بقرائته حيث يقول قل انظروا ماذا في السموات و الارض و يقول و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و كاين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق .

ثم ان الله سبحانه بين كيفية الاستدلال بتلك الآيات فقال و ان كل لما جميع لدينا محضرون ثم جعل لهذا آية و دليلا ليعرف الخلق كيفية هذا الحشر و العود بعد موت الخلق و اضمحلالهم فقال سبحانه و آية لهم الارض الميتة احييناها و اخرجنا منها حبا فمنه ياكلون و جعلنا فيها جنات الآية ، ثم شرح هذه الآية في سورة ق حيث قال سبحانه و نزلنا من السماء ماء مباركا فانبتنا به جنات و حب الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد و احيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج و القرآن مشحون ببيان هذه الاحوال و بالجملة ماخلق الله سبحانه شيئا و ماكلف الله العباد بامر الا و قد بينه باكمل التبيان و البيان الكامل انما يتم بالبيانين الحالي و المقالي [ص 21] فالبيان الحالي هو العالم و المقالي هو الكتاب و السنة و كل منهما شرح و بيان للآخر و مطابق له و في صورة المخالفة يظهر بطلان الاستدلال فلاتخالف السنة الكتاب ابدا و لا العكس و لا العالم الامرين .

فاذا تطابقت هذه الادلة الاربعة مع عدم مخالفة الفرقة المحقة التي لازال الحق فيهم ففي مخالفتهم عدول عن الحق و العادل عن الحق لاينجو و مع بقاء الفطرة الاصلية الغير المعوجة و مع رفع تلك الخصال وجب ان يكون حقا و الا لكان الحق مغريا بالباطل و مخلفا للوعد تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا اما الوعد فقد قال الله عز و جل الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين و المجاهدة علي ما تحقق علي اكمل المراتب الا كما ذكرنا لانه هو الطريق المؤدي الي الحق قطعا و لاتصح ان تكون المجاهدة بالادبار و الاعراض عن الحق سبحانه كما في مقابلات ما ذكر فيجب علي الله سبحانه الهداية و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و اما الاغراء بالباطل فلايمكن فرض وقوعه بالنسبة الي الله سبحانه مع ان الله سبحانه نص بوفاء العهد الذي عاهد من هداية المحسنين حيث قال فهدي الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فاثبت الهداية للمؤمنين ثم شرح الايمان و اوضح حقيقته فيما يتعلق بالعلم او مع العمل بقوله الحق فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و المخاطب في الظاهر هو رسول الله صلي الله عليه و آله و في الباطن هو اميرالمؤمنين عليه [ص 22] السلام و الاخلاص في حكم اميرالمؤمنين عليه السلام هو الذي ذكرنا من ملاحظة الادلة الاربعة ثم بين الله سبحانه اصابة المؤمنين فيما صاروا اليه من معتقداتهم و اعمالهم و عدم خطائهم فيما ينسبون الي الله تعالي بقوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قال مولانا الباقر عليه السلام نحن القري التي بارك الله فيها و القري الظاهرة شيعتنا ، فنص سبحانه و تعالي باتباع الشيعة المؤمنين الذين هداهم الله بالحق مع اختلاف الناس في الاداء و نص ايضا علي انهم لايخطون اذ حكم للسائرين فيهم الآخذين عنهم بالامن و لايكون الا الامن من الخطاء فاثبت صحة مجاهدتهم في الله لترتب الآثار عليهم و هي الهداية و قد قلنا ان المجاهدة في العلم لاتكون الا كما ذكرناه و كلما سواه طريق الهلاك و الوبار و سبيل الخسران و النار .

ثم ان كل شئ لما كان له ثلث جهات جهة الي الحق و جهة الي نفسه من حيث انه اثر لغيره و جهة الي غيره من حيث ارتباطاته لترتب نظام معيشته في دنياه و آخرته عليه و لكل مقام احكام و اقتضاءات تجري علي ذلك المقام و لكل مرتبة دليل خاص بتلك المرتبة فللثالثة دليل المجادلة و للثانية دليل الموعظة الحسنة و للاولي دليل الحكمة و في كل مقام يجب تحقق تلك الخصال كلها من الوجودية و العدمية فيكون العارف ( للعارف خ‌ل ) من المؤمنين الممتحنين و الشيعة المخلصين اربعة و عشرين دليلا و ميزانا في معرفة كل شئ و في كل واحد ربما يتطرق فيه الخطاء و اما اذا اجتمعت [ص 23] فيمتنع ذلك لما ذكرنا فاذا عجز عن اتيان هذه الامور كلها في شئ من الاشياء و ان تمكن عنه في اغلبها و اكثرها فذلك لايوثق به و اما اذا كان في كل شئ بحيث لايشذ عنه شئ اتي بالمذكورات فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و وجب علي الخلق اتباعه و الاقتداء به فيما يجهلون من امور دينهم و دنياهم و آخرتهم و عقباهم و هو قليل من المؤمنين و هو اعز من الكبريت الاحمر و هؤلاء الذين عندهم من الاسرار ما لايتحمله الا الصديقون و الابرار فاذا سمعت منهم شيئا فلاتقابله بالانكار و سلم الامر له تسلم بشرط تحقق الامر الثاني فيهم كما نذكره انشاء الله فاذا رأيت فيهم ما يخالف ذلك فتبرء منهم فانهم اعداء الدين و خصماء النبيين و خلفاء الشياطين و هذا الذي ذكرنا هو علامة اهل الحق في العلم .

و اما العلامة الثانية التي في العمل فهي ان يكون جميع اعماله و اقواله كلها مطابقة لما عليه الشريعة الغراء النبوية العامة للمخلوقين كلها فلاينكر شيئا منها بادعاء ان الباطن غير الظاهر و ان هذه الاعمال لاهل الظاهر و اما المطلوب من العارفين فاخلاص القلب و لطافة السر لا هذه الاعمال المشترك فيها ساير الخلق فان ذلك من صفات الفسقة من اهل الجور حيث تشاغلوا عن الطاعات بل يكون المؤمن كما وصفه اميرالمؤمنين عليه السلام بعض صفاتهم لهمام و انا اذكر الحديث انشاء الله بطوله لما فيه من المنافع الجليلة و اظهار اهل الحق و امتيازه من اهل الباطل .

روي الكليني (ره) باسناده الي ابي‌عبدالله عليه السلام قال قام رجل يقال له همام و [ص 24] كان عابدا ناسكا مجتهدا الي اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يخطب فقال يا اميرالمؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر اليه فقال عليه السلام يا همام المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه و حزنه في قلبه اوسع شئ صدرا و اذل شئ نفسا زاجر عن كل فان حاض علي كل حسن لا حقود و لا حسود و لا وثاب و لا سباب و لا عياب و لا مغتاب يكره الرفعة و يشنأ السمعة طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت وقور ذكور شكور مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة رصين الوفاء قليل الاذي لا متأفك و لا متهتك ان ضحك لم‌يخرق و ان غضب لم‌ينزق ضحكه تبسم و استفهامه تعلم و مراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة لايبخل و لايعجل و لايضجر و لايبطر و لايحيف في حكمه و لايجور في علمه نفسه اصلب من الصلد و مكادحته احلي من الشهد لا جشع و لا هلع و لا عنف و لا صلف و لا متكلف و لا متعمق جميل المنازعة كريم المراجعة عدل ان غضب رفيق ان طلب لايتهور و لايتهتك و لايتجبر خالص الود وثيق العهد وفي العهد شفيق وصول حليم خمول قليل الفضول راض عن الله عز و جل مخالف لهواه لايغلظ علي من دونه و لايخوض فيما لايعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين و لايخرق الثناء سمعه و لاينكي الطمع قلبه و لايصرف اللعب حكمه و لايطلع الجاهل علمه قوال عمال عالم حازم لا بفحاش و لا طياش وصول في غير عنف بذول في غير سرف لا بختال و لا بغدار و لايقتفي اثرا و لايحيف بشرا رفيق بالخلق ساع في [ص 25] الارض عون للضعيف غوث للملهوف و لايهتك سترا و لايكشف سرا كثير البلوي قليل الشكوي ان راي خيرا ذكره و ان عاين شرا ستره يستر العيب و يحفظ الغيب و يقيل العثرة و يغفر الزلة لايطلع علي نصح فيذره و لايدع جنح حيف فيصلحه امين رصين تقي نقي زكي رضي يقبل العذر و يجمل الذكر و يحسن بالناس الظن و يتهم علي العيب نفسه يحب في الله بفقه و علم و يقطع في الله بحزم و عزم لايخرق به فرح و لايطيش به مرح مذكر للعالم معلم للجاهل لايتوقع له بائقة و لايخاف له غايلة كل سعي اخلص عنده من سعيه و كل نفس اصلح عنده من نفسه عالم بعيبه شاغل بغمه لايثق بغير ربه قريب وحيد حزين يحب في الله و يجاهد في الله ليبتغي رضاه و لاينتقم لنفسه بنفسه و لايوالي في سخط ربه مجالس لاهل الفقر مصادق لاهل الصدق موازر لاهل الحق عون للغريب اب لليتيم بعل للارملة حفي باهل المسكنة مرجو لكل كريمة مأمول لكل شدة هشاش بشاش لا بعباس و لا بجساس صليب كظام بسام دقيق النظر عظيم الحذر لايجهل و ان جهل عليه لايبخل و ان بخل عليه صبر و عقل فاستحيي و قنع فاستغني حياؤه يعلو شهوته و وده يعلو حسده و عفوه يعلو حقده لاينطق بغير صواب و لايلبس الا الاقتصاد مشيه التواضع خاضع لربه بطاعته راض عنه في كل حالاته نيته خالصة اعماله ليس فيها غش و لا خديعة نظره عبرة و سكوته فكر و كلامه حكمة مناصحا متبادلا متواخيا ناصح في السر و العلانية لايهجو اخاه و لايغتابه و لايمكر به و لايأسف علي ما فاته و [ص 26] لايحزن علي ما اصابه و لايرجو ما لايجوز له الرجاء و لايفشل في الشدة و لايبطر في الرخاء يمزج الحلم بالعلم و العقل بالصبر تراه بعيدا كسله دائما نشاطه قريبا امله قليلا زلله متوقعا لاجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منفيا جهله سهلا امره حزينا لذنبه ميتة شهوته كظوما غيظه صافيا خلقه ( قلبه خ ) آمنا منه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما امره كثيرا ذكره يخالط الناس ليعلم و يصمت ليسلم و يسئل ليفهم و يتجر ليغنم لاينصت للخير ليفخر به و لايتكلم ليتبختر به علي من سواه نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته فاراح الناس من نفسه ان بغي عليه صبر حتي يكون الله الذي ينتصر له بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة و دنوه ممن دني منه لين و رحمة ليس تباعده تكبرا و لا عظمة و لا دنوه خديعة و لا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن بعده من اهل البر قال قال فصاح همام صيحة ثم وقع مغشيا عليه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام اما والله لقد كنت اخافها عليه فقال هكذا تصنع المواعظ البالغة باهلها فقال له قائل فما بالك يا اميرالمؤمنين فقال عليه السلام ان لكل اجلا لن‌يعدوه و سببا لايتجاوزه فمهلا لاتعد فانما نفث علي لسانك شيطان ، انتهي صلي الله علي قائله .