فهذه الاوصاف هي علامات المؤمن العارف بالله عز و جل فبهذه الاوصاف و الاعمال تصفو قابليته و تزكو سريرته فيشرق علي قلبه نور اليقين و علي فؤاده نور المحبة و علي صدره نور العلم فكلما ازداد حبا و يقينا و علما ازداد عملا [ص 27] و توجها و اقبالا فازداد استنارة و استضائة لان الله عز و جل قريب المسافة فمن دعاه اجابه و من سئله اعطاه فاذا استنارت قابليته تحملت لظهورات المثال و تلك الظهورات ليست عند من كثفت قابليته و خبثت اعماله فاذا تكلم مثل هذا الشخص بشئ من الاسرار فيصدق و لاينكر عليه لانه لايقول شئ يخالف ما عليه عامة المسلمين الموحدين و ان لميدركوا وجه المطابقة كما ان مولانا و سيدنا القائم عجل الله فرجه يخبر اصحابه بتلك الكلمة فيتفرقون عنه عليه السلام سوي الوزير و احدعشر نقيبا فاذا تفرقوا و جالوا الارض و لميجدوا ملجأ غيره يأتونه مسلمين قابلين لعلمهم بانه عليه السلام معصوم لايخطو ، فكذلك اذا وجدت شيعتهم يتخلقون باخلاقهم و يتأدبون بآدابهم و لايخالفونهم باقوالهم و اعمالهم فتظهر فيهم نقطة مثالهم فيصدر عنهم مثل اقوالهم و اعمالهم و هذا التصديق لايكون الا بعد الاختبار بالعلامات المذكورة مع ان المخلصين من الشيعة لميظهر منهم ما هو مخالف لعقول الخلق و لايظهرون الحكمة لغير اهلها كيف و ان اذاعة سرهم عليهم السلام من افسق ( من افسق الفسوق خل ) و هم لايتجرؤن الي مثل ذلك .
و اما الصوفية فيأبي الله الا ان يفضحهم و يظهر للناس شناعة احوالهم و اقوالهم و مكابرتهم مع الله و ادبارهم عنه لئلايتسلط المنافقون علي المؤمنين و لنيجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا و ان اردت اذكر شناعة امرهم و وقاحتهم و فضايحهم عموما و خصوصا يطول به الكلام فعليك بمطالعة كتب العلماء المدونة فيهم و في صفاتهم و اعمالهم و ان تكتموا و [ص 28] تستروا و اخفوا قبايح امرهم فعلي الله سبحانه ان يظهرها ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة الا ان الذين غطت الشبهات اعينهم و ابصارهم بسوء اعمالهم و ردائة ميولاتهم فلايرون تلك القبايح او لايرونها قبايح ، يرون اقبح ما يأتونه حسنا ، فلايعتمد اذن فيما يقولون و يجب الاعراض عما يصفون فان ما عندهم انما اتي من الخزاين السوأي من سجين قد تصاعد اليهم بمعونة الشياطين و ان الشياطين ليوحون الي اوليائهم ليجادلوكم و ان اطعتموهم انكم لمشركون و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون .
و اما في معرفة البواطن القرآنية فيجب مع ذلك كله زيادة تفصيل معرفة سر الاسلام و سر الايمان و سر التوحيد و سر الاسماء الذاتية و الفعلية و سر العلة و المعلول و سر النبوة و الولاية و سر الدنيا و مبدء نشوها و كينونتها و سر الاختلافات الواقعة فيها و سر الرجعة و سر ظهور الكلمة التامة و سر البرزخ و سر الآخرة و سر القرار و الاستقرار و حقيقة النعيم و الاليم و سر النقطة في بسم الله الرحمن الرحيم موزونا كل هذه الاسرار بالميزان القويم و القسطاس المستقيم علي ما شرحت و فصلت لك و يجب ان يكون جميع ما يذكر من الاسرار و البواطن غير مخالف لما عليه ظاهر الشريعة و غير مناف لما يعتقده العوام من اهل هذه الملة لان النبي صلي الله عليه و آله قد اقرهم علي ذلك و ماغشهم و ماخدعهم حاشاه عن ذلك ثم حاشاه لانه صلي الله عليه و آله بالمؤمنين رؤف رحيم و قد قال صلي الله عليه و [ص 29] آله لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة و معني عدم المخالفة ليس ان ما يأتي به مخالف لمايعقلون و يفهمون و الا لميكن باطنا بل يجب ان لايكون مخالفا لما يعتقده كافة اهل المذهب كالمعاد الجسماني فان عامة الناس و كافتهم يعتقدون ان المعاد هو الجسم الدنياوي فلو قال مدعي الباطن و الاسرار ان الجسم لايعود او ان المراد بالجسم في الباطن كذا ( و خل ) كذا نكذبه و نكفره لانه اتي بما يخالف الظاهر و قد قال مولانا الصادق عليه السلام ان قوما آمنوا بالباطن و كفروا بالظاهر فلميك ينفعهم ايمانهم شيئا و ان قوما آمنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلمينفعهم ايمانهم شيئا و لا ايمان ظاهرا الا بباطن و علي هذا يظهر لك بطلان التأويلات و البواطن التي يذكرونها الصوفية كقول رئيسهم مميتالدين بن عربي في قوله تعالي سواء عليهم ءانذرتهم ام لمتنذرهم لايؤمنون بالجبت و الطاغوت و لايريدون سوي الحق المعبود ختم الله علي قلوبهم و علي سمعهم فلايعرفون الا الحق و لايفهمون الا الله و علي ابصارهم غشاوة فلايرون الا نور الله و لهم عذاب عظيم العذاب مشتق من العذب و هو الحلاوة نعم لهم في الخلوة مع محبوبهم لذة عظيمة لايعادلها شئ من لذات الدنيا و الآخرة . و امثال ذلك من التأويلات التي يخالف ما عليه عامة المسلمين فتبا لهم و سحقا ليس لهم حظ من الدين و لا معرفة بما اتي به سيد المرسلين صلي الله عليه و آله اجمعين . و اما المعني الذي يوافق ظاهر ما عليه الفرقة المحقة فكما في قوله تعالي و لقد زينا السماء الدنيا [ص 30] بمصابيح و جعلناها رجوما للشياطين فالسماء الدنيا في الظاهر اما فلك القمر او الفلك المكوكب و المصابيح هي النجوم المركوزة في السماء و الشياطين هم الذين يصعدون الي السماء لاستراق السمع و اما في الباطن فالسماء هو رسول الله صلي الله عليه و آله لانها بمعني العلو و هو اعلي من كل عال و المصابيح هم الائمة سلام الله عليهم و الشياطين هم شياطين الانس و الجن اذ ببركتهم عليهم السلام يدفع شرهم و يؤمن مكرهم و امثالها من الآيات فانها لايخالف ظاهر الآية لانها في مقام المدح و اظهار النعمة و الامتنان بخلاف ما تقدم . فافهم و اتقن هذه الشرايط و العلامات و ميز بها بين اهل الحق من اهل الباطن و بين اهل الباطل من اهل الباطن فان الناس يحتاجون اليها كثيرا لشدة الالتباس و وسواس الخناس في صدور الناس و انت لاتجد هذا الميزان علي هذا الشرح و التفصيل و ايضاح السبيل باقامة الدليل في غير هذا المقام فخذه و اغتنم و كن من الشاكرين .
و اما نحن فلانتفوه انشاء الله تعالي في بواطن القرآن و احاديث اهل البيت عليهم السلام الا بعد ملاحظة هذه الشروط المذكورة و العلامات المسطورة و لكن لايخفي علي جنابك ان بيان هذه البواطن و الاسرار عنهم عليهم السلام لايجب ان يكون بالتصريح في كل موضع و التخصيص في كل مطلب و الا لميتميز بين العالم و الجاهل و لايعرف مقام المؤمن الممتحن عن غيره بل بينوها عليهم السلام بالقاء الاصول و القواعد علي اطوار مختلفة و انحاء متشتتة متفاوتة منها بالتصريح و منها بالتلويح و منها بلحن المقال و [ص 31] منها بلحن الخطاب و منها بدليل التنبيه و الاشارة و منها بدليل الخطاب و منها بالفحوي و منها بالمثال و منها بالبيان و منها بالسؤال و منها بالجواب و منها بالسكوت و منها بالاعراض و الاهمال و منها من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و منها بالجمع و منها بالتفريق و منها بالاعلان و منها بالاخفاء و منها بالناسخ و منها بالمنسوخ و منها بالاجمال و منها بالتفصيل و منها بالكناية و منها بالتشبيه كل ذلك بعموم او خصوص او اطلاق او تقييد و جميعها بدليل الحكمة او بدليل الموعظة الحسنة او بدليل المجادلة بالتي هي احسن و في كل هذه الاطوار لنا طريق الي معرفة تلك البواطن و الاسرار و لو اردنا شرح هذه الطرق و بيان نوع الاستخراج و الاستنباط لطال بنا الكلام و استدعي بسط مقدمات ابي الله الا كتمانها و اخفائها في مثل هذا المقام لاسيما في هذا الزمان .
و اما بيان ما سئلت ايدك الله بتوفيقه من وجوه هذه التفاسير في هذا الشرح الشريف فاني قد تعمدت في اختصار هذا الشرح و ذكر خفايا الاسرار لمقام السائل عندي و تعمقه و تبادره الي فهم هذه المسائل و سماعها مني و قرائتها علي و طويت اكثر المقدمات المبتنية عليها هذه المطالب و ذكر ادلتها فانها من نوع دليل الحكمة المخفي علي عامة الناس بل و خاصتهم فلايسعنا شرح هذه المطالب علي التفصيل الذي يجده كل طالب لصعوبة مسلكها و دقة مأخذها فان النتيجة من سنخ المقدمات فما كان من الظاهر فمقدماته ظاهرية و ما كان من الباطن فمقدماته باطنية كما قال عليه السلام و سر لايفيده الا سر و سر مقنع بالسر [ص 32] و لكن لما كان لكل سؤال جواب و لكل خطاب اهل و اصحاب فلا بد من ذكر شرذمة من هذا الباب تذكرة و عبرة لاولي الالباب .
فاقول مستعينا بالله ملهم الصواب الذي عنه البدو و اليه الاياب انما ذكرناه في تفسير الحجارة من اطلاقها علي حجر مرمر و الياقوت و الزمرد و في تفسير السماء من اطلاقها علي سماء الارادة اي اعلاها او البرزخ بين سماء المشية و الارادة و امثالها مما هو من هذا النوع قد استخرجناه و استنبطناه من قاعدة شريفة استخرجناها من ثلثة امور قطعية يقينية لا شك فيها و لا ارتياب احدها نص الكتاب الكريم المحكم المنزل علي النبي العظيم صلي الله عليه و آله و ثانيها ضرورة الاسلام و المسلمين و ثالثها العقل المستنير بنور اليقين المطابق للعقلاء اجمعين و هو من قول مولانا الكاظم عليه و علي آبائه و ابنائه السلام او قياس تعرف العقول عدله فباجتماع هذه الثلثة تقررت تلك القاعدة الواحدة و تفرعت عنها فروع غير متناهية و هي من الابواب التي يفتح من كل باب منها الف باب و من كل باب من الالف الف باب الاول قوله تعالي و علم آدم الاسماء كلها الدال بصريحه علي ان الواضع للاسماء كلها هو الله سبحانه و قد ذكرنا وجه دلالته بل و صراحته علي المطلوب و دفع ما اورده عليه من الشبهات فيما كتبنا في الاصول الثاني ثبوت الحكمة لله سبحانه و تعالي و انه تعالي حكيم يضع الاشياء في مواضعها و يرتب بين عللها او مباديها و اسبابها و شرايطها و لوازمها و متمماتها و مكملاتها و لايجعل الاعلي اسفل و الاسفل اعلي و لا التابع متبوعا و لا المتبوع تابعا و الثالث قد دلت العقول [ص 33] السليمة علي ان الالفاظ فروع للمعاني و قوالب لها سواء قلنا بالمناسبة الذاتية بينها و بين المعاني ام لا فاذا كان كذلك يجب ان يكون المعني اذا كان مقدما في الوجود و اصلا و متبوعا ان يكون اللفظ الدال عليه كذلك و اذا كان متاخرا و فرعا فاللفظ الدال عليه كذلك فلو كان المعنيان مختلفان في الرتبة و الوجود بالاصالة و التبعية فلايصح ان يكون اللفظ الدال عليهما واحدا بالاشتراك المعنوي او اللفظي او يكون اللفظ في الثاني الفرعي حقيقة و في الاول مجازا و الا لزم ان يسوي بين الاصل و الفرع في اللفظ او يجعل الفرع اصلا و الاصل فرعا ضرورة ان الحقيقة اشرف و اعلي من المجاز و يلزم اما ان لايكون الله واضعا و قد ابطلناه بالامر الاول او لايكون حكيما فقد ابطلناه بالامر الثاني او لاتكون الالفاظ فرعا للمعاني و مقصودة بالعرض و قد ابطلناه بالامر الثالث فتنقحت لنا قاعدة من هذه الامور و هي ان اللفظ الواحد اذا صح اطلاقه علي معنيين فصاعدا لايخلو اما ان تكون تلك المعاني في رتبة واحدة بمعني ان ليس بينهما ترتب في السببية و المسببية او التقدم و التاخر الوجوديين بمعني ان يكون المقدم له مدخلية في اصل وجود المؤخر لا في ظهوره كالاب و الابن فان الترتب بينهما في الوجود الظهوري لا في التحقق الذاتي فكم من اب هو ابن في الحقيقة و كم من اب يساوي ابنه في الرتبة كالعين الذي علي البصر و الركبة و الينبوع و الشمس و الذهب و امثالها من المعاني فانها كلها في رتبة واحدة و ان اختلفت بحسب القوابل ام لا بل بينهما ترتب و تقدم و تاخر في الوجود فحينئذ [ص 34] ننظر في الاول اما ان يكون اللفظ الدال علي الجميع حقيقة او حقيقة في بعض و مجاز في الآخر او موضوع للجهة الجامعة فيكون الاشتراك معنوية او تلحظ فيه الخصوصية فيكون الاشتراك لفظيا و كل هذه الامور تصح و تحتمل اذا دل الدليل علي واحد منها اما في القسم الثاني فيجب القطع بان استعماله في المعني الاولي الاصلي المتقدم حقيقة و في الثاني ان وجدت علايم الحقيقة فننظر فان كان يمكن ان يكون بين المعنيين جهة جامعة و ان كان المعني الاول اقدم او لايمكن فان كان الاول فيكون الاشتراك معنويا و الصدق من باب التشكيك و ان كان الثاني فتكون حقيقة ثانية بعد حقيقة و ان لمتوجد علائم الحقيقة فهو مجاز و اما في المعني الاول المقدم في الوجود فهو حقيقة وجدت فيها علايم الحقيقة من التبادر و عدم صحة السلب و الاطراد و غيرها علي حسب متفاهم عامة اهل اللغة ام لمتوجد لان هذه العلامات يرجع اليها عند الالتباس و اما عند حصول القطع بالموضوع له فيجب القول به و ان لمتوجد هذه العلايم فيكون سبيله سبيل الحقيقة المهجورة فان العربية علي سبعين وجها فالذي عند الناس وجه واحد منها و الكلام في هذا المقام طويل و الاشارة كافية لاهلها .
فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحجر يستعمل في المعني المعروف عند العامة و الخاصة و يطلق ايضا علي آلمحمد سلام الله عليهم كما في قوله تعالي و اذ استسقي موسي لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر و قد روي عنهم عليهم السلام ان موسي في الباطن اشارة الي رسول الله صلي الله عليه و آله و عصاه [ص 35] اميرالمؤمنين عليه السلام كما قال عليه السلام انا عصا موسي و الحجر هي فاطمة عليها السلام و العيون الاثنتاعشرة هم الائمة الطاهرة من بطن فاطمة عليها السلام فعلي عصا باعتبار و عين باعتبار آخر و في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام الذي زاره بها الخضر عليه السلام كنت كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف و بالجملة اطلاق الحجر عليهم عموما و خصوصا قد ورد لتصلبهم سلام الله عليهم في طاعة الله و ثباتهم علي الحق و يطلق الحجر ايضا علي الطبيعة و يطلق ايضا علي الجسم و حينئذ فيكون الاطلاق عليهم سلام الله عليهم من باب الحقيقة لان السموات و الارض و الجبال و الاحجار كلها خلقت من شعاع انوارهم و من فاضل طينتهم و آثارهم و هم قد سبقوها في الوجود فلو كان الاطلاق من باب المجاز لزم الاخلال في الحكمة علي ما تقدم و كذلك اطلاق الحجر علي الطبيعة فانه ايضا من باب الحقيقة لان الطبيعة مبدء الاجسام السماوية و السموات مبدء العناصر و العناصر مبدء المعادن التي منها الاحجار فافهم فاذا قلنا حجر مرمر بناء علي الوجه الظاهري فان موسي عليه السلام لما ضرب عصاه البحر فانفلق البحر و تشعب باثنيعشر شعبة كالطود العظيم فانعقد الماء حجرا و لا شك ان الماء الخالص اذا انعقد حجرا لاينعقد الا مرمرا كما هو المعروف المشتهر بين اهل العبر و النظر بل و كافة البشر و اما في الوجه الباطني فان بحر الولاية لما ضرب موسي عصاه فيه فانفلق ذلك البحر الي الاثنيعشر فلقة فتحصصت الولاية الي اثنتيعشر حصة فكان الحجر حينئذ الزمرد الاخضر [ص 36] لان الامام عليه السلام مظهر النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة الذي هو احد اركان العرش كما في الحديث عن اميرالمؤمنين عليه السلام و لذا كانت السادة الذرية الطيبة العلوية اختصوا بلباس اخضر و لا اقل من العمامة الخضراء و اما في التاويل فالبحر اسفل الارواح و الحجر المنعقد من ذلك البحر الطبيعة في اثنيعشر طورا و هي من حيث انها فعالة في البدن في العالم الاكبر و الاصغر فتكون حارة يابسة لان الفعل يقتضي الحركة التي تقتضي الحرارة و كل حار يابس اذا لميمنعه مانع يظهر علي لون الحمرة و لما كان عالم الطبيعة اول تنزل الارواح كانت صافية غير مشوبة فكانت هي الياقوتة الحمراء كما ورد التصريح به في كلامهم عليهم السلام في كيفية خلق السموات و الارض ان الله تعالي لما اراد ان يخلق السموات و الارض خلق ياقوتة حمراء و نظر اليها بعين الهيبة الخ ، و تفصيل هذه المطالب لايسع هذا المقام و مرادنا نوع الاشارة الي نوع المطلب و لما كان استعمال المشترك في اكثر من معني واحد و استعمال اللفظ المجازي و استعماله في الحقيقة الاولي و الثانية و الثالثة جايزا عندنا علي ما استفدنا منهم سلام الله عليهم فجاز ارادة هذه المعاني كلها عند اطلاق واحد فيراد كل معني في مكانه و مرتبته و هذا لا اشكال فيه انشاء الله .
و اما قولنا و المشبه عين المشبه به فهو ليس من تتمة الدليل و انما هو بيان لقوله عليه السلام في الدعاء في قلب الغمر كالحجر و كون المشبه عين المشبه به مسئلة تكلم فيها اهل المعاني و البيان فالمرجع في ذلك الي كتبهم و ان [ص 37] كان لنا في هذه المسئلة تحقيق رشيق انيق و كذلك اطلاق الماء علي الزمان و القبة علي العرش علي ما فصلت لك في الحجارة حرفا بحرف فان الزمان مقدم علي هذا الماء المعروف بالضرورة و اطلاق الماء علي الزمان ايضا عند اهل العلم معلوم ظاهر كما يظهر من التتبع في كلمات العلماء و كذلك القبة فان العرش اعلي القبب و اشرفها و اعظمها فينصرف الاطلاق اليه اولا ثم ما دونه و كذلك القول في السماء و اطلاقها علي المشية و الارادة و الحقيقة المحمدية و غيرها من المراتب فان السماء جهة العلو كما قال تعالي و نزلنا من السماء ماء مباركا و قال تعالي فليمدد بسبب الي السماء و ذلك معلوم واضح بعد هذا البيان انشاء الله تعالي .
و اما ما ذكرنا في تفسير الفلك انه دخان تصاعد الخ ، فانه ماخوذ من حديث رواه المجلسي (ره) في البحار و غيره في غيره نعم ليس فيها صريح حرارة شمس اسم الله القابض و قد استفدناها من حديث المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام في بيان الاكوان الستة و من قوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قوله تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال مولانا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و امثالها من الآيات و الروايات التي يستخرج منها قاعدة كلية هذه و اشباهها من فروعها .
و اما تفسير القدر هو مضمون ما ورد عن مولانا الرضا عليه السلام و مولانا الكاظم عليه السلام علي ما روي الكليني في الكافي .
و اما قولنا يوم الاثنين وقت العصر ثاني شهر رمضان في بيت النون و [ص 38] المقدر هو الكاف في اول الشهر المذكور في بلد الاختراع اي آخر تلك البلدة بعد الزوال في بيت الالف حين مالت الي الباء و الله من ورائهم محيط فمرادنا من الايام المذكورة في امثال هذا المقام هو ايام الشان من قوله عز و جل كل يوم هو في شان فليس المراد من اليوم مقدار قطع محدد الجهات دورة واحدة المحدد في اربعة و عشرين ساعة قطعا و انما ذلك من ايام الشان و منها يوم الجمعة التي ياتي اهل الجنة فيها لزيارة الرب سبحانه و تعالي بزيارة اوليائه مع ان الجنة ليس فيها ليل و لا نهار لتمتاز الايام و ايام الشان علم خاص مشتمل علي مسائل و مطالب جليلة نبيلة موجودة عند اهلها يطول الكلام بذكرها .
و اما قولنا ثاني شهر رمضان فهو اشارة الي قوله عليه السلام ان مبدء السنة و اولها شهر رمضان فهو اذن مبدء الوجود لبطلان الطفرة .
و اما بلد الابتداع فالمراد به عالم الابتداع الذي هو الخلق الاول علي ما في كلام مولانا الرضا عليه السلام ان المشية و الارادة و الابداع معناها واحد و اسماؤها ثلثة و قال الصادق عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و لما كان التقدير في الرتبة الثانية قلنا ثاني شهر رمضان كالنون التي هي ثاني الكاف في قوله تعالي كن فيكون و الكاف هي قوي بسم الله الرحمن الرحيم بعد ملاحظة النقطة التي هي ظهور الاحدية فيها عند مقام ظهور الواحدية و هو بلد الاختراع اي عالمه اي مقام المشية و قولنا آخر تلك البلدة اشارة الي ان المشية لها مقامان احدهما رتبة ذاتها و الثانية رتبة تعلقها و التقدير انما يكون بالتعلق لا بالذات [ص 39] وحدها فيكون تعلق المشية بالمشاء في آخر عالمها و قولنا بعد الزوال اشارة الي ان الزوال هو مبدء الشئ و العالم و اصل وجوده كما في كلام مولانا الرضا عليه السلام لذي الرياستين ان الله لما خلق العالم كان طالع الدنيا السرطان و الكواكب كانت في اشرافها ه ، فتكون الشمس في وسط السماء لانها في برج الحمل و هو الرابع علي هذا التقدير فيكون اول الخلق وقت الزوال و لذا سمي ظهرا لظهور نور الشمس في جميع الاطوار و لما كان التقدير رتبة ثانية وجب ان يكون بعد الزوال .
و اما قولنا في بيت الالف القائم حين مالت الي الباء اشارة الي العقل و ادباره حين امر به في قوله عليه السلام لما خلق الله العقل استنطقه قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر و اما هذا التعبير الخاص بيانه موكول الي علم الحروف الذي هو عن اميرالمؤمنين عليه السلام باتفاق من اهله معتضدا بجملة من الروايات .
و قولنا و الله من ورائهم محيط اشارة الي انه سبحانه سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب و ان هذه المبادي و الاسباب و العلل كلها بجعله سبحانه مقهورة تحت جلال عزته و مضمحلة دون كبرياء قدرته الحاصل و لو اردنا شرح هذه الاحوال علي مقتضي الحال لطال المقال و لايمكن ذلك لانه متوقف علي معرفة حقايق الاشياء علي ما هي عليه في نفس الامر بقدر الطاقة البشرية و اين الكلام من الوفاء بهذا المرام و انما ذكرت ما ذكرت اشارة الي نوع البيان و انه انما استفيد من امناء الملك الديان .
و اما قولكم و هذا خلاف المشهور بين العلماء فهو غريب من مثل جنابكم لان مناط الحقيقة و [ص 40] البطلان ليس الشهرة بين العلماء الاعيان كيف و الله سبحانه و تعالي يقول و مااوتيتم من العلم الا قليلا و فوق كل ذي علم عليم و قال الصادق عليه السلام ماوصل اليكم من فضلنا الا الف غير معطوفة نعم اذا كانت الشهرة و الاجماع بين الفرقة المحقة ينافي ما ذكرناه فالامر كما قلتم مع ان الامر ليس كذلك فانا لاننكر المعاني الظاهرية المعروفة عند العلماء و المشتهرة عندهم حتي يرد علينا ما قلتم بل نقول مع هذه المعاني المشهورة للكلام معان اخر غير مشهورة و غير معروفة عندهم و انما هي عند اناس مخصوصين معلومين بالصفات معروفين معلومين بالعلامات اماسمعت قول مولنا الصادق عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان اماسمعت قول الباقر عليه السلام المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر نعم اذا عرضت ما ذكرناه علي المشهور لاينكرونه و لايصدقونه اذ لميعثروا علي دليله و لميسلكوا منهاجه و سبيله و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم و قد قال الصادق عليه السلام اني لاتكلم بكلمة و اريد احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج و لا ريب ان هذه المعاني كلها ليست مشهورة بين العلماء فاذا اظهر عالم بعض تلك المعاني فليس للباقين انكاره الا اذا اتي بشئ يعارضهم و ينافيهم بحيث يكون تصديقه يستلزم تكذيبهم و تكذيبه يستلزم تصديقهم فحينئذ يرجح المشهور المجمع عليه كما قال عليه السلام خذ ما اشتهر بين اصحابك و اترك الشاذ النادر فان المجمع عليه [ص 41] لا ريب فيه و اما فيما نحن فيه فليس كذلك اذ لا منافاة بين هذه الكلمات و بين المشهور فيجب عليهم قبوله ان وجد في القائل تلك الصفات و العلامات المذكورة و الا فليتوقف و لايجوز لهم الانكار تصديقا بما رواه جابر علي ما في الكافي عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان حديث آلمحمد صعب مستصعب لايؤمن به الا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد امتحن الله قلبه للايمان فما ورد عليكم من حديث آلمحمد صلي الله عليه و آله فلانت له قلوبكم و عرفتموه فاقبلوا و ما اشمازت منه قلوبكم و انكرتموه فردوه الي الله و الي الرسول و الي العالم من آلمحمد و انما الهالك ان يحدث احدكم بشئ منه لايحتمله فيقول والله ماكان هذا والله ماكان هذا و الانكار هو الكفر انتهي .
قال سلمه الله : و بالجمله هذه البطون و امثالها لاتخلو من حالتين اما وقع التصريح بها عن الراسخين في العلم عليهم صلوات الله تعالي و حينئذ لا مجال للقيل و القال او لا و علي هذا التقدير بيان البطون اما ان يكون بمحض تشهي النفس و ذلك هو الخسران المبين و حاشا عن ذلك علماء الدين و نواب الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين و اما بنصب القراين و لا عبرة بها ايضا بل واجب ان لايجترء علي مثلها لان بطون القرآن و الاحاديث لايعلمها الا هو و الراسخون في العلم كيف و البطون غير ما هو دال عليه اللفظ بحسب المعني اللغوي و مراد القائل انما يفهم بحسب استعماله الالفاظ في المعاني الموضوعة او المجازية [ص 42] المحفوفة بالقراين الظاهرة الدالة علي المراد كتعبير الرجل الشجاع بالاسد في قولك رايت الاسد في الحمام بقرينة الحمام فان اسقطت لفظ الحمام و قلت رايت الاسد محال ان يفهم ان المراد من الاسد هو الرجل الا بتصريح القائل و مثل تعبير علي عليه السلام بالنبأ العظيم في قوله تعالي عم يتسائلون عن النبأ العظيم فانه لايمكن لاحد ان يفهم ذلك الا بتصريح و بيان من الله سبحانه و بيان امنائه بتعليمه تعالي اياهم عليهم السلام و اكثر بطون القرآن و الاحاديث و الادعية المنقولة عن المعصومين عليهم السلام من هذا القبيل اي ليس لبطونها القراين الظاهرة و الا لكان الاطلاع علي بطون القرآن لكل احد ممكن متيسر غير متعسر و لذا منعنا عن تفسير القرآن براينا لان عقولنا قاصرة عن ادراكه لكمال اختفاء بطونه و احتجاب شئونه و اما التفسير بالبطن الذي فسر به المعصوم عليه السلام في محل خاص في محل آخر متماثل فعدم جوازه ايضا غير بعيد لبطلان القياس و لاحتمال ان يكون البطن الذي فسر به المعصوم عليه السلام مخصوصا بهذا المحل غير مطلوب في محل متماثل له نعم ان وقع التصريح عن الشارع المقدس بان هذا اللفظ مثلا متي اطلق و حيث اطلق المراد منه هذا المعني الباطني فلا غبار و لا عثار مثل ما روي عن ابنعباس انه مانزل الله آية فيها يا ايها الذين الا و علي راسها و اميرها .
اقول قد ظهر مما سبق جواب هذه الكلمات من ان التفسير بالراي و التشهي لايجوز بحال من الاحوال و ان العالم المتكلم بالباطن ان كان مما [ص 43] اجتمعت فيه تلك الصفات و العلامات المذكورة سابقا فلايحتاج الي التصريح في كل موضع بل تكفيه الاشارة و التلويح و الكناية و الاستعارة و اثبات اللوازم و امثالها ذكرنا سابقا من وجوه الاستدلال و الاستنباط لانه وصل الي نقطة العلم و عرف الله سبحانه و تعالي بالله و عرف الرسول بالرسالة و عرف اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و عرف العبودية و عرف اسرار الربوبية و اطوار الحقايق الخلقية في الهياكل الانسانية و الشيطانية فيعرف كلام الله و كلام امنائه لانه عرف السياق و عرف الخلاف و الوفاق و عرف مقتضي مقام الربوبية في الاداء فلايشتبه عليه امر و لايلتبس عليه حكم لانه قد عرف مراد الله من كتابه بسره كما قال الصادق عليه السلام لايصلح الافتاء الا من عرف مراد الله من كتابه بسره و هو ممن عرف لحن المقال و تصاريف الكلمة الواحدة في غالب الاحوال كما قال الصادق عليه السلام انا لانعد رجلا من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و يعرف اللحن و قال ايضا عليه السلام انتم افقه ( افقه الناس خل ) ما عرفتم معني كلامنا و ان الكلمة منا لتنصرف الي سبعين وجها لنا لكل منها المخرج فاذا كان الامر كذلك و نال العالم هذه المرتبة الجليلة فهو ممن قال الصادق عليه السلام انظروا الي رجل منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا و لميقبل منه فكانما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا الراد علي الله و هو علي حد الشرك بالله فقوله عليه السلام عرف احكامنا الاحكام جمع مضاف يفيد العموم الاستغراقي و [ص 44] هي ليست خاصة بالاحكام الفقهية بل جميع الاحكام المنسوبة اليهم من العقلية و النقلية و الاصولية و الفروعية و الباطنية و الظاهرية و الغيبية و الشهودية و الواقعية و النفس الامرية و غيرها من الاحكام الالهية المنسوبة الي العترة الطاهرة سلام الله عليهم في الدنيا و الآخرة و معرفة تلك الاحكام جهات التلقي عنهم عليهم السلام علي انحاء مختلفة و اوضاع متفاوتة علي ما يرونه من المصلحة و منها بالاشارة و التلويح و منها بالعبارة و التصريح و منها بدلالة الاقتضاء و التنبيه و منها بانحاء الاشارة و التشبيه و منها بقذف في القلوب و منها بواسطة اوعية السوء و منها بروايات ضعيفة و منها باخبار صحيحة و منها ما قدمنا ذكره من جهات التعريف و اطوار التوصيف و هذا المؤمن الممتحن يتلقي عنهم صلوات الله عليهم علي جهة القطع و اليقين دون الظن و التخمين فاذا قال قولا و تكلم بكلام و نسبته الي ائمته سلام الله عليهم وجب علي الناس تصديقه و الاذعان له و عدم الانكار له و الا شملته عقوبة ما في ذيل الرواية المذكورة لانه محفوظ بعين عناية الله و مستور بجلباب حمايته و هو القرية الظاهرة للسير الي القري المباركة التي يجب علي الناس السير فيها ليالي و اياما آمنين و هذا كله اذا اجتمعت فيه تلك الصفات المذكورة و العلامات المسطورة في العلم و العمل و الا فاحذر و فر منه فرارك من الاسد فانه ضال مغوي و مضل عن الصراط السوي و اما من لميكن بهذه المثابة كما تجد في عامة الناس و العلماء الذين اقتصروا علي ظواهر اللغة و اخذها من [ص 45] حملتها المعلومين الآخذين من العرب العرباء فهؤلاء لايجوز لهم التغوص في الباطن و التكلم بما يخالف الظاهر الا بنص صحيح صريح لايعارضه شئ من كتاب او سنة او اجماع او عقل مستقيم علي ذلك فانه يجوز له القول بالباطن حينئذ و اما اذا لميكن له نص صريح فلايجوز له التكلم بالباطن فانه تقول علي الله و افتراء عليه و ان قال حقا في الواقع فيتوجه عليه توبيخ قوله تعالي قل ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون فظهر لك بعون الله تعالي من هذا البيان التام المشبع العام انه لايجوز تفسير القرآن بالراي و التشهي فضلا عن التعدي الي باطنه و سره الغيبي بل يجب القول فيه بما اوقف الله سبحانه عليه ببيان امنائه عليهم السلام الا ان البيان يختلف بحسب اختلاف المتعلمين فمنهم من تكفيه الاشاره و منهم من لايكتفي بالف عبارة و الله المستعان و عليه التكلان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم هذا اشارة الي جواب ما سئلت ايدك الله و سددك فخذه و كن من الشاكرين فان ما ذكرنا لك لاتجد في كتاب و لا سؤال و لا في جواب و لايشمله خطاب و انما هو ثمرة الانقطاع الي الائمة الاطياب عليهم سلام الله في كل باب و علي الله المعول في المبدء و المئاب و عنه نلتمس الهام الصواب .