[ص 1]

الرسالة الجنية

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد المبعوث علي كافة الخلايق من الجن و الانس و الاولين و الآخرين و آله خلفائه المعصومين و امنائه الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم و مخالفيهم و منكري فضائلهم من الجن و الانس اجمعين ابد الآبدين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان بعض الديانين الذين ميزوا الغث من السمين و فرقوا بين السراب و الماء المعين قد سئلني عن مسئلة عويصة صعبة قد تاهت فيها افهام الحكماء و ضلت في حقيقتها احلام العلماء و ان كانت بحسب الظاهر جلية بينة و لكنها علي حسب ما يريد السايل خفية مستجنة قد اتتني في حال تقسيم البال و تشويش الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و اشتغالي باجوبة مسائل قد اتت قبلها فاخرت رسم جوابها الي ان فرغت منها فبادرت الي ذكر كلمات تكشف النقاب و ترفع الحجاب عن وجوه حقيقة الجواب الصواب مع تبلبل البال و تعارض الاحوال و اتيت بما هو الميسور و اكتفيت بالاشارة بمختصر العبارة لعدم اقبال القلب الي بسط المقال و شرح الدقايق و تبيين الحقايق بواضح الاستدلال فان الفطن النبيه يدرك بالاشارة ما لايدركه الغبي بالف عبارة و جعلت كلامه بالفاظه متنا و جوابي كالشرح له حرصا لكمال التوافق و صونا عن احتمال عدم التطابق .

[ص 3] قال سلمه الله تعالي بعد الحمد لله و الصلوة علي رسول الله صلي الله عليه و آله و السلام علي خلفاء الله ما لفظه : لما كان وجود الجن مما نطق به القرآن و شهد عليه الوجدان و البيان كان التجسس و السؤال عن حقيقته مما يرغب اليه الانسان و بمعرفته يستكمل و يسلم عن مضرته في الاسرار و الاعلان .

اقول اما نطق القرآن بوجود الجن مما لا اشكال فيه و لا ارتياب و الآيات المحكمة في اثباته ظاهرة الدلالة واضحة المقالة و كذلك الاحاديث النبوية و الآثار المعصومية بل وجود الجن مما انعقد عليه اجماع اهل المذاهب و الاديان التي اتت به الانبياء عليهم السلام عن الله سبحانه و هذا لا اشكال فيه و اما قوله سلمه الله و شهد عليه الوجدان فماادري ما الذي اراد به فان كان المراد به ظهور وجود الجن بصحة البرهان و ادراك العقل بضرورة البيان او ( و خ ) المنتهي الي الضروري كما هو شأن اهل هذا الشأن فدون تحقق هذا الوجدان خرط القتاد علي ان جماعة من العلماء الاعيان صرحوا بانه لا سبيل للعقل الي اثبات الجن و ممن صرح بذلك الفاضل المجلسي (ره) في البحار قال (ره) في الرد علي النافين لوجود الجن ان القول بوجودهم مما انعقد عليه اجماع الآراء و نطق به كلام الله تعالي و كلام الانبياء عليهم السلام و حكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء و ارباب المكاشفات من الاولياء فلا وجه لنفيها كما لا سبيل الي اثباتها بالادلة العقلية انظر الي تصريحه (ره) بالنفي الكلي لاثباتهم بالدليل العقلي علي ان ما ذكروا في اثبات الجن من دون النقل كلها تقريبات و استحسانات لاتسمن و لاتغني من جوع و قد قال الرازي في تفسيره الكبير علي [ص 4] ما نقل عنه المجلسي (ره) في البحار نقلا عن النافين لوجود الجن ان اثبات هذه الاشياء اي الملئكة و الجن بواسطة الدليل و النظر متعذر لانا لانعرف دليلا عقليا يدل علي وجود الجن و الشياطين و ان كان مراده سلمه الله بالوجدان المشاهدة و العيان كما يشعر به ارداف الوجدان بالعيان فذلك قد منعوه اشد المنع و حملوه علي بعض التخيلات عند هيجان بعض الاخلاط كما في البحار نقلا عن بعضهم اما الحس فلم‌يدل دليل علي وجود الجن و اذا كنا لانري صورة و لاسمعنا حسا كيف يمكننا ان ندعي الاحساس و الذين يقولون انا ابصرنا الجن فهم طايفتان اما مجانين قد هاجت عليهم الاخلاط الردية فيتخيل لهم اشياء في الخارج و لا اصل لها كما نشاهد في المرضي و اصحاب الاخلاط الفاسدة يتراءي لهم اشياء لا اصل لها و لا حقيقة و انما هي صور نشأت و حدثت من ذلك الخيال الفاسد الاتري الاحول او انهم كاذبون يتحرون الكذب و قول الزور انتهي ما نقلته بالمعني ، فاذا كان كذلك فدعوي ثبوت الجن بالوجدان و العيان دعوي لا شاهد عليها من البرهان بل هي اصعب ما يرد علي الانسان من اهل هذا الشأن من اصحاب دليل المجادلة و ان كانت بالتي هي احسن نعم لما ان الله سبحانه ابي الا ان يظهر حكمته و يعلن دعوته و يبين امره ليكون الخلق علي بصيرة و بينة ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة وجب ان يكون لكل ما بين الله سبحانه لخلقه في كتابه و فرقانه بيان واضح و عليه برهان و دليل لايح لئلاتكون لهم الحجة عليه و يكون ذلك سببا و وسيلة الي [ص 5] انكارهم متمسكين بعدم جواز التصديق و الاذعان بغير بيان ظاهر و علم زاهر و فهم ثاقب و لما كان ثبوت الجن مما يتعسر بل يتعذر بدليل المجادلة لاقرار ( لاعتراف خ‌ل ) هؤلاء الفحول الذين هم اهل هذا الدليل بالعجز عن اقامة البرهان و مشاهدة الوجدان وجب ان يكون ذلك بدليل الحكمة و مشاهدة الآيات الآفاقية و الانفسية من قوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فوجبت الاشارة الي نوع هذا الدليل لايضاح السبيل لقلة سالكي هذا السبيل و ندرة حاملي هذا الدليل فنقول ان الله سبحانه لما كان كاملا مطلقا من جميع الوجوه وجب ان يكون فعله و مفعوله علي احسن ما يمكن ان يكون في الامكان حتي لايقال لو كان كذلك لكان احسن و حيث ان الله سبحانه انما خلق الخلق لاظهار قدرته و اعلاء كلمته كان كلما يكون فيه ظهور هذا المعني اكثر كان هو الاولي بالاختيار و اجراء فعله سبحانه عليه و لا شك ان امره سبحانه و مجعوله الاول لما كان اول ما يتعلق به الجعل وجب ان يكون في اعلي المراتب من الكمال و لايكون الكامل كاملا الا ان يكون له نور و جمال و لنوره و جماله نور و جمال و لنور نوره و جمال جماله نور و جمال و هكذا الي آخر المراتب و المقامات بل الي ما لا نهاية له من الدرجات و الدركات لعدم التعطيل في الفيض و عدم الانقطاع في المدد و عدم المانع في الافاضة و وجوب الكمال في كل مرتبة الحاكية لكمال الصنع ( الصانع خ‌ل ) و المؤثر الظاهر بكمال القدرة و لايكون الكمال في الشيء الا باظهار اثره اما من جهة [ص 6] تعينه في مقام تحديده كالقيام و القعود بالنسبة اليك او في مقام كينونته و تحققه كالصور الظاهرة منك في المرآة ففي الصورة الاولي انت الفاعل بالامر ( بامر خ‌ل ) بين الامرين و في الثانية الله الفاعل بك و حيث ان الله سبحانه يجري فعله بالاسباب فانت في التفاتك و توجهك الي المرآة فكالصورة الاولي فانه منسوب اليك و في تحقق الصورة في المرآة و تكونها فكالثانية فانت فيها يد لغيرك ليس لك من الامر شيء في تكون نقش الصورة و ان كان لك الامر بالالتفات و التوجه الي نفس المرآة فافهم فقد اوقفتك علي سر غامض ما اسعدك لو وفقت لفهمه و ادراكه فانه نقطة العلم و هي التي كثرها الجاهلون فاذا ثبت ان فعله تعالي يجب ان يكون اكمل ما يكون من حيث الفعل و الايجاد و ان كانت حكمة الانوجاد ربما ينافيها و هي ليست باصلية اولية و انما هي ثانوية عرضية تكون منشاء لتعدد المشية فكانت مشيتان مشية عزم و هي مقتضي الفيض الالهي الاولي و مشية حتم و هي مقتضي الحكمة الثانية و لولاها كان الحتم عزما و لم‌يكن لله سبحانه الا اليمين و بالثانية حصلت الشمال و كلتا يديه يمين و بالجملة فمقتضي الجعل الاول الذاتي هو الكمال و لايكون الشيء كاملا الا ان يكون له لطيفة زايدة علي ذاته و لانعني بالاثر الا هذا و هو الجمال الذي اشرنا اليه سابقا فاذا تحقق هذا فاعلم ان اول مخترع بالاختراع الاول و اول مبتدع بالابتداع الاول و اول ظاهر باول ظهور و اول نور مشرق من صبح الازل هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و قد دل علي ذلك اجماع المسلمين و العقل المستنير و قد ملأنا [ص 7] مصنفاتنا من اثبات هذا المعني و لاسيما شرح الخطبة المباركة الطتنجية فتشعشع نورها و تلألأ ظهورها فخلق الله سبحانه عنها حقيقة الانبياء فتلك الحقيقة اشراق نور الحقيقة الاولي العليا و حيث كانت الحقيقة المحمدية صلي الله عليها اقرب الخلق الي المبدء كان في اكمل مراتب الامكان فقلت جهات الكثرة فيها فظهرت في مقام الكثرة علي اربعة‌عشر هيكلا قصبة الياقوت و حجاب الله في الملك و الملكوت منزهون عن ( عن كل نقصان خ ) جميع النقايص قد طهرهم الله سبحانه عن الواث لوازم الامكان فلايفعلون الا الراجح عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و هم الذين عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون فلايتركون الاولي ابدا و الا لفتروا و اما اول الاشراق عن تلك الحقيقة المقدسة فحيث انه قد بعد عن المبدء و لو بواسطة واحدة كانت الظلمة قد ظهرت بعض آثارها في الجملة و لذا كثرت الافراد المنشعبة من ذلك الاشراق و حيث انه اول ما اشرقت حقيقته من الحقيقة العليا كانت اكمل الموجودات و اشرفها بعد الحقيقة العليا فتناهت كثراتها و كانت مأة‌الف و اربعة و عشرين‌الفا و قد ذكرنا الوجه في ذلك في اجوبة مسائل جناب العالم الكامل الفاضل الملا علي البرغاني و من جهة بعدها لمرتبة واحدة يحصل من افراد هذه الحقيقة ترك الاولي دون المعصية و اقتراف الحرام لكمال قربها و قلة بعدها فالبعد بمرتبة واحدة اقتضي ترك الاولي و اقتضي عدم ارتكاب الحرام فافهم ثم لكمال هذه المرتبة و وقوعها في اعلي الدرجة تشعشع نورها و لمع ظهورها فكان ذلك الاشراق كالاول مبدء تحقق درجة اخري و لما كان هذا الاشراق قد بعد [ص 8] بمرتبتين تمكنت فيه الظلمة و ظهرت آثارها فيه كان الافراد الحاصلة من تشعب ذلك الاشراق لا نهاية لها و لا غاية بل ظهرت افرادها غير متناهية لبعدها و تمكن الظلمة الموجبة للكثرة فيها فلا نهاية لعدد افرادها فتحصل منها المعصية و اقتراف المحارم من حيث خصوصية الافراد لبعدها عن مبدء النور بواسطتين و لما لم‌يبعدوا عن المبدء كثيرا ظهروا علي صورة الحقيقة العليا الاولي و الثانية فظهروا بالصورة الانسانية فهذه الصورة للحقيقة الاولي العليا و الثانية حكت مثالها و ظهرت علي صورتها فالقت في هوية الثانية مثالها فاظهرت عنها افعالها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في وصف الملأ الاعلي و الحقيقة الثالثة حكت مثال الحقيقة الثانية كالثانية للاولي فظهرت علي صورة الثانية التي هي علي صورة الاولي لكمال القرب الي المبدء و عدم تكثر التجلي و المجالي كما اذا قابلت المرآة شخصا ثم قابلت تلك المرآة مرآة اخري فان في الثانية مرآة و صورة ثم قابلت الثانية ثالثة ففيها مرآتان و ثلث صور و هذه الصور كلها ظاهرة لقلة الوسايط و اذا كثرت المرايا تتكثر الصور و تعوج الصورة الظاهرة كانها ليست هي الاولي و ليست هي حكايتها نعم انها هي و لكن الحدود كثرت و المرايا تعددت و الصورة الحقيقية الاولية خفيت و بهذا البيان و التقرير التام تعرف اختلاف صور الموجودات و انحرافها عن الصورة الانسانية مع انها كلها حكايات لصورتها و هي العلة لوجودها و تحققها و الي ما ذكرنا ( ذكرناه خ ) يشير كلام الشاعر و هو مجنون العامري يخاطب ظبيا لما اراد ذبحه فصرعه ثم اطلقه و انشد :

[ص 9]

ايا شبه ليلي لاتراع فانني انا لك من دون الانام صديق

فعينك عيناها و جيدك جيدها و لكن عظم الساق منك دقيق

فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال و لما كان الاشراق الثالث علي حسب مقتضي ( مقتضي حسب خ‌ل ) حكمة الله سبحانه كاملا وجب ان يكون له اشراق و لا ريب ان هذا الاشراق في الرتبة الرابعة قويت فيه جهة الظلمة فتكثرت شعب تلك الحقيقة و تميزت فلا نهاية لافرادها و لا حد تنتهي اليه اشخاصها و تغيرت فيها الصورة الانسانية و ظهرت علي صور شتي و اطوار كثيرة ليست تشبه الصورة الانسانية و البهيمية و غيرها من الصور في الصور الذاتية و ان كانت تظهر بصورها و تتشكل باشكالها بالصورة العرضية كما سنبين لك ان شاء الله تعالي فقد حصل مما بيناه اربع مراتب الاولي الحقيقة العليا الاولي الثانية اشراق نورها الثالثة اشراق الثانية و الرابعة اشراق الثالثة فالرتبة الاولي هي المسماة بالحقيقة المحمدية صلي الله عليها و الرتبة الثانية هي المسماة بحقيقة الانبياء قد ظهرت في مأة‌الف و اربعة و عشرين‌الف شخص و فرد تصدق ( يصدق خ‌ل ) تلك الحقيقة الكلية عليها من باب التشكيك كما ان الحقيقة الاولي ظهرت في اربعة‌عشر هيكلا هياكل التوحيد و اشباح التفريد و التجريد و المرتبة الثالثة هي المسماة بحقيقة الرعية من الانسان و لا حد لافرادها و لا نهاية لاشخاصها و الكل علي الصورة الانسانية المعتدلة و المرتبة الرابعة هي المسماة بحقيقة الجن و لانعني بالجن الا الحقيقة الواقعة في الرتبة الرابعة و هي اشراق اشراق الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و هي متشعشعة من [ص 10] نور الانسان مستشرقة منها واقفة تحت احاطتها و لها الهيمنة و الاحاطة عليها و هي باب فيضها و وجهة مبدئها و سر حقيقتها فوجب وجودها لاحكام ( لوجوب احكام خ‌ل ) صنع مبدئها و اتقان حكم باريها و هو سبحانه علي كل شيء قدير لايدع الحكمة و لايترك الاولي كيف لا و هو سبحانه عاقب الانبياء عليهم السلام و عاتبهم و اجري عليهم العقوبة بتركهم الاولي و كيف يتركه سبحانه و هو الذي عير فاعلي ذلك بقوله عز و جل اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم فافهم و هذا هو ما وعدنا لك من دليل الحكمة علي وجود الجن و تحققها و تذوتها في الجملة و اما صفاتها و احوالها فسنخبرك ان شاء الله تعالي .

قال سلمه الله تعالي : ما حقيقة الجن و بدو خلقتهم و مقام مرتبتهم و نسبتهم الي الانسان و كيفية تكليفهم و اصنافهم و اقسامهم و تشكلهم بالاشكال المختلفة و هل ما جري علي السنة الناس لاسيما عند المنطقيين ان الجن جسم ناري يتشكل بالاشكال المختلفة حتي الكلب و الخنزير مقتبس من اي قاعدة هل هو من الشرع او العقل و ما الدليل علي جميع ما ذكر مفصلا مشروحا .

اقول اما حقيقة الجن فهي ما ذكرنا من انها اشراق نور حقيقة الانسان المشرقة من نور حقيقة الانبياء المشرقة من الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و هذا الاشراق و ان كان عرضيا بالنسبة الي مبدئه قائما به قيام صدور لا عروض كالاعراض المصطلحة عند الحكماء لكنه ذاتي بالنسبة الي رتبة ذاته الاتري شعاع الشمس فانه عرضي بالنسبة الي الشمس [ص 11] لكنه ذاتي بالنسبة الي مقام نفسه و قولنا عرضي مرادنا انه قائم بالغير لان الحق عند اهل الحق ان كلما قام بالغير عرض و كلما قوم الغير جوهر و ذلك في الامكان بحكم الاقتران و الله سبحانه ليس بجوهر و لا عرض و القيام علي اربعة اقسام قيام صدوري كقيام الشعاع بالشمس و قيام عروضي كقيام البياض بالجسم و قيام تحققي كقيام الجزء من حيث هو بالكل و بالعكس و قيام الصورة بالمادة و قيام ظهوري كقيام ظهور نور الشمس بالارض فاذا اطلقنا العرض نريد به احد هذه الوجوه فحقيقة الجن نور اشرق من حقيقة الانسان فهي من حيث هي نور لكنه بالنسبة الي افراده و اشخاصه ينصبغ بصبغها و يجري عليه حكمها فان الحكم علي المادة انما هو علي حسب ما يلحقها من الصورة و هي من حيث هي لا حكم لها من احكام الصورة الاتري الماء النازل من السماء فانه طهور في نفسه عذب في ذاته لكنه يجري في الارض و ما يقع عليه فيقع عليه احكامها فكان سما في الافعي و مرا في الحنظل و حلوا في السكر و مقويا و مفرحا في اللؤلؤ و كك الجن فان اختلاف مراتبهم و احوالهم في الحسن و القبح لاينافي كونهم من نور حقيقة الانسان .

و اما بدو خلقة الجن فهو الذي ذكرناه من ان الله سبحانه خلقهم من ذلك النور اي الاثر كما خلق الانسان الرعية من نور الانبياء و كما خلق الشعاع من السراج و خلق النهار من اشراق الشمس و معني ذلك ان الله سبحانه قد خلق من ذلك النور و الاشراق بحرا اي مادة يضم صلوح ذلك النور و الحقيقة الوحدانية للظهور بالافراد و التشعب [ص 12] بالاشخاص فتلك الصلاحية لتلك الحقيقة عبارة عن البحر الصالح للتموج بالامواج المختلفة الغير المتمايزة قبل التموج و البحر عبارة عند اهل الاسرار عن الشيء الواحد السيال الساري الغير المتمايز الاجزاء و هو المراد من البحر غالبا في اخبار اهل البيت عليهم السلام و ذلك البحر قسمه الله سبحانه بلطيف حكمته بملاحظة لطيفه و كثيفه الي قسمين فمن اللطيف خلق سبحانه السماء ( و منها الماء خ‌ل ) و من الكثيف الزبد خلق سبحانه الارض و ما بينهما متوسطات فاخذ سبحانه جزء من الماء و جزء من الارض فالذي من الماء ينحل الي الجزئين جزء من النار و جزء من الهواء و الماء لايراد منه الجسم البارد السيال بل المراد منه الرطوبة الحاملة للحيوة الحاملة للحرارة الغريزية فالمراد من الماء هو الحامل للعلويين و المراد من الارض هي الحاملة للسفليين فالماء البارد الرطب الوجه الاعلي منهما و الارض الباردة اليابسة الوجه الاسفل و اطلاق الماء علي الوجه الاعلي و الارض علي الوجه الاسفل شايع ذايع و منه قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شيء حي و قوله تعالي و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض فتحققت اربعة اجزاء و هي اربعة اركان فتمت بها حقيقة وجود الجن و هكذا حقيقة كل شيء فان الاعتدال هو الاصل في حقيقة الاكوان و قولهم بان الاعتدال لايحصل به المزاج فقد هدمنا بنيانه و ازلنا اركانه في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و هذا هو الاصل في بدو خلقة الجن و كيفية تركيبهم في الفطرة الاولي العليا و لهم فطرة ثانية و هي التي ظهرت احكامها و غلبت طباعها فبدت آثارها و هي غلبة النار في مزاجهم و [ص 13] طبيعتهم و خلقهم من النار كما افصح عنه كثير من الآيات و الاخبار و ناهيك قوله تعالي خلق الانسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار و بيان ذلك ان الجن و ان قلنا سابقا ان حقيقتهم واقعة في الرتبة الرابعة من السلسلة الطولية و لكنها في الحقيقة رتبتهم هي الرتبة الخامسة و انما ذكرنا ذلك من جهة ظهور المراتب مشروحة العلل و مبينة الاسباب و الا فهناك رتبة اخري هي الاولي و هي الاصل في الحدوث و الاحداث و الوجود و الايجاد و الاختراع و الابتداع و هو الفعل المعبر عنه بالمشية و الارادة و هذه المراتب مراتب المفعولات المشاآت المكونات من حيث هي كك فقيد الحيثية لاعتبار الحقيقة المحمدية صلي الله عليها فانما جعلناها اول المراتب في مقام المفعولية دون الفعلية فان لها مقامين فلنقبض عن الكلام و للحيطان آذان فالمراتب حينئذ خمس الاولي المشية و الاختراع الثانية الحقيقة المحمدية من حيث انها محل المشية و مقام بحر صاد اول المداد لقلم الاستعداد الثالثة حقيقة الانبياء الرابعة حقيقة الانسان فالجن انما وقعت في الرتبة الخامسة و لما كان هذه المراتب و ان تركبت من العناصر الاربعة لما برهنا عليه لاسيما في شرح الخطبة الطتنجية ان كل شيء تعلق به الجعل و كل حادث من حيث هو حادث انما تركب من العناصر الاربعة في كل عالم بحسبه الا ان كل عنصر في كل مركب بحسب مقام ذلك المركب بمرتبته قد غلب ظهور عنصر منها يعني ان تلك الرتبة مقام ظهور ذلك العنصر و غلبته و ان كان ما سواه فيه كما تقول فلان صفراوي او بلغمي او [ص 14] دموي مع وجود باقي العناصر فيه فاذا اتقنت هذه الدقيقة الانيقة فاعلم ان في المشية قد غلب ظهور عنصر النار حتي اطلقت عليها النار في قوله عز و جل يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و لاجل ظهور هذا العنصر و غلبته فيها خفيت و استترت و استجنت و استترت ( استسرت خ‌ل ) بالاسرار حتي خفيت و التبست و اشتبه علي الناس امرها فمنهم من يجعلها امرا اعتباريا لا تحقق لها في الخارج بل انما يعتبرها الذهن اعتبارا و منهم من يجعلها عين ذات الله سبحانه لم‌يتعلق بها جعل جاعل و منهم من يجعلها من الاحوال فليست هي عين ذات الله و لا غيرها فلولاغلبت ناريتها لماخفيت و ماارتفعت عن البصاير و المدارك و لولا خفاؤها لمااختلفوا فيها فقد ظهرت المشية بالنار فجرت عليها آثارها من الخفاء و الاستجنان و في الحقيقة المحمدية صلي الله عليها قد غلب ظهور الهواء و لذا اختصت بالنبوة و الولاية من احكام المشية الظاهرة في المشاء فان الهواء سبيل النار و دليلها الي الماء و التراب فهما ينفعلان لما ظهرا لهما من آثار الفاعل التي حملتها الهواء فالهواء رابط بين النار التي هي جهة المبدء و بين التراب لتوسط الماء فالنار هي الموصلة الممدة و التراب هو القابل المستفيض و الهواء سبيل النار الي الماء و الماء سبيل الهواء الي التراب و هو المركز محل السكون في الجملة فافهم الدقيقة بسر الحقيقة و تعيها اذن واعية ففي حقيقة الانبياء عليهم السلام قد غلب ظهور الماء و لذا ظهروا بالنبوة الخاصة في الرتبة الثانية فهم دليل الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و سبيلها الي الخلق [ص 15] الرعية كما في الزيارة و ان الانبياء دعاة هداة رشدكم انتم الاول و الآخر و خاتمته كما ان الماء دليل الهواء في ايصال سر النار الي التراب القابل الحامل المستفيض و اليهم الاشارة علي بعض وجوه التأويل بقوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قد قال مولينا الباقر عليه السلام نحن القري التي بارك الله فيها و القري الظاهرة شيعتنا و الانبياء عليهم السلام وجوه الشيعة و اصولها و لذا قلنا ان في مقام حقيقة الانبياء قد ظهرت غلبة الماء و في حقيقة الانسان الرعية قد ظهرت غلبة التراب لانهم الرعايا محل القبول و الانفعال ( الانفصال خ‌ل ) و حفظ ما يرد عليهم من الاحكام الوجودية الكونية و الشرعية فهو في مقام التراب فالالف في العالم التدويني مقام المشية و الباء تحكي مقام الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و هو قوله صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و الجيم مقام حقيقة الانبياء و الدال مقام حقيقة الانسان فتمت العناصر بظهورها و آثارها و ان كان في كل مرتبة كلها فلما بدت حقيقة الجن من حقيقة الانسان التي تم عندها ظهور العناصر و لم‌يكن مرتبة بعد التراب وجب ان يكون في الرتبة الخامسة ظهور سر النار الكامنة في التراب ففي هذه المرتبة نار قد اوقدت من التراب و لما كان الجن هي الرتبة الخامسة وجب ان يظهر فيها سر النار في المبدء الثاني فكانت تلك النار هي التي اوقدت و ظهرت من الشجر الاخضر الذي هو التراب بسر الغلبة و حقيقة الانسان هي الشجر [ص 16] الاخضر فوجب ان يكون في الجن غلبة النار و لذا سميت جنا لخفائها و استجنانها كما هو شأن من غلبت عليه النار فلما وجب ذلك زاد ( اراد خ‌ل ) سبحانه علي تلك العناصر الاركان المستخرجة من بخار الماء و زبد البحر جزئين من الحرارة و اليبوسة فغلبت علي الاجزاء الاخر فقال سبحانه و خلق الجان من مارج من نار و هي النار التي قد خلصت و صفيت من فاضل اشراق التراب و لذا عبر عنها بالمارج اشارة الي هذه الدقيقة الانيقة فكانت الجن قد خلقت من نار الشجر الاخضر باضافة الماء و الهواء و التراب و لكن اعتبار ما سوي النار فيها ضعيف و قد يعبر عنها بالهواء المجاور للنار التي لايجري عليها الا حكم النار و هو نار السموم و هو قوله تعالي و الجان خلقناه من قبل من نار السموم و لذا قال مولينا الصادق عليه السلام في قوله تعالي حكاية عن ابليس انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين قد غالط لعنه الله فانه خلق من نار الشجر الاخضر المخلوق من فاضل طينة آدم فالشجر الاخضر في هذا الحديث الشريف هو رتبة الجن الشعاع المخلوق من طينة الانسان و هو كما ذكرنا سابقا انحل الي ماء و ارض و النار انما خلصت من هذه الحقيقة كما يشعر عليه من الدالة علي التبعيض في قوله تعالي من الشجر الاخضر فالنار قد خلصت و مرجت ( مزجت خ‌ل ) من هذه الشجرة التي جميع الجان اغصانها و الجن قد خلقت من هذه النار و الشجرة شجرة الجان خلقت من فاضل طينة الانسان و الوجه الآخر الظاهر لبيان الحديث الشريف صلي الله علي قائله ان النار التي خلقت منها الجن انما خلقت من الشجر الاخضر و هو حقيقة الانسان الغالبة عليها [ص 17] ظهور التراب و الشجر الاخضر الذي هو عبارة عن حقيقة الانسان انما خلق من فاضل طينة آدم اي حقيقة الانبياء فنار الجن نازلة عن التراب الذي هو الغالب في حقيقة الانسان بمرتبة فيكون نزولها عن مقام آدم نبي الله بمرتبتين فنار الجن شعاع شعاع طينة آدم لقد كررت العبارة و رددتها للتفهيم و لكن الجن حيث كانت في الرتبة الخامسة من السلسلة الطولية فكانت تحكي ظهور الرتبة الاولي الغالب عليها عنصر النار فكانت تحتها في الرتبة الثانية الشعاعية كالهاء التي جعلت تحت الالف لانقطاع مراتب العناصر بعد الدال فالهاء نار لكنها انزل من نارية الالف بعشر او ثلثين فافهم التقريب و ذكر شيخنا العلامة رفع الله في الدارين اعلامه في كشكوله عن السيد حيدر شيخ الشهيد الثاني (ره) ان الانسانية من الف جزء تسعمأة جزء من التراب و تسعين من الماء و تسعة من الهواء و جزء من النار و الابليسية من الف جزء سبعمأة من التراب و مأة و خمسون من الماء و مأة من الهواء و خمسون من النار و العلامة ايضا ذكر ذلك و قال فصار آدم لغلبة الطين ظاهره مظلم و باطنه مشرق و ابليس لغلبة النار باطنه مظلم و ظاهره محرق ه‍ ، و هذه كلمات صناعية ان رجعت الي ما ذكرنا بضرب من التأويل فهو حق و الا فلا فان الذي ذكرنا لك هو الذي اقتضاه الدليل القطعي و مذهب الاسلام و مذهب الفرقة الناجية و ماذا بعد الحق الا الضلال فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم ،

فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فتاخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا [ص 18] 

و اما مرتبتهم فقد ذكرنا ان الجن انما خلقهم الله سبحانه في الرتبة الخامسة من مراتب الحدوث من الفعل و المفعول اي من الخلق و الامر مما شمله لفظ العلي العظيم فالرتبة الاولي رتبة الفعل و المشية و الارادة و الاختراع و الابتداع و الكاف المستديرة علي نفسها و الرتبة الثانية الحقيقة المقدسة و فلك الولاية المطلقة قصبة الياقوت و حجاب الله في الملك و الملكوت و الجبروت و اللاهوت و الرتبة الثالثة حقيقة الانبياء عليهم السلام و الرتبة الرابعة مقام الانسان الرعية و الرتبة الخامسة رتبة الجن و هي ادني من رتبة الانسان بمرتبة و هي شعاع لتلك الحقيقة قوامها و تحققها بحقيقة الانسان الرعية بحيث اذا فقدت تلك الرتبة انعدمت حقيقة الجن كما اذا لم‌تطلع الشمس لم‌يوجد حقيقة النهار الكاين المتحقق من نور الشمس فالجن طوع يمين الانس كالاشعة للشمس و هو قوله تعالي و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و قد اجمع القائلون بوجود الجن علي عدم تفضيلها علي الانس و قد صرح سبحانه بذلك في القرآن بقوله تعالي لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم و قوله تعالي و صوركم فاحسن صوركم و قال اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غائب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم و الصراط الممدود بين الجنة و النار ه‍ ، فاذا كان الانسان له الفضل [ص 19] علي الجن و الطفرة في الوجود باطلة وجب ان يتعلق الجعل الالهي بالانسان قبل الجن فلو كان الانسان و الجن من حقيقة واحدة و الفضل بالصورة لماكان للانسان فضل علي الجن بالذات لتساويهما و انما كان الفضل بالعرض و هو ينافي الفضل الحقيقي الذي يجب ان يحمل عليه كلام الله سبحانه عند الاطلاق و عدم التقييد بحالة واحدة و الفضل الذاتي يقتضي ان يكون ( تكون خ‌ل ) الذات الاخري من شعاع الاولي و الا تساويتا فاين الفضل و قولك ان الانس افضل من الجن كقولك ان الله سبحانه ارحم الراحمين و اكرم الاكرمين و خير الرازقين و احسن الخالقين و اجود من اعطي و اكرم من سئل و قولك ان النبي افضل من الرعية و قد قال الله سبحانه لنبيه صلي الله عليه و آله يا محمد فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي ساير الخلق ه‍ ، و الكل من هذا النوع فافهم و ثبت (تثبت خ‌ل ) ثبتك الله تعالي .

و اما نسبة الجن الي الانس فقد تبين مما سبق ( انها خ‌ل ) نسبة الشعاع الي المنير و نسبة الصورة الي الشاخص و انهم تبع للانس و انهم طوع يمينهم يدورون معهم حيث ما ارادوا ( داروا خ‌ل ) و يميلون حيثما مالوا يستمدون منهم و يأخذون عنهم و يستندون اليهم و اما ما تري من انفعال الانس منهم و خوفهم اياهم فذلك في مقام ( مقام قوله تعالي خ‌ل ) ثم رددناه اسفل سافلين فلما تنزل الانسان و خرج عن موطنه لزمته عوارض الادبار و نسي نفسه و مقامه و مرتبته حتي صار اذل كل شيء و احقره فالنار تحرقه و الهواء يقسمه و الماء يغرقه و التراب يدفنه و السباع تأكله و الجن تخيفه و الحر يذيبه و البرد [ص 20] يجمده و الحديد يقطعه و جميع الكاينات تتصرف فيه و هو ذليل حقير لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و اذا طهر الانسان عن الادناس و وصل الي موطنه مقام الاستيناس ينفعل كل شيء منه و هو لاينفعل من شيء و يؤثر في كل شيء و هو لايتأثر من شيء الاتري اولياء الله كيف تنفعل الاشياء منهم ( لهم خ‌ل ) و تخضع و تنقاد لهم و تسكن الي طاعتهم و الاشياء طرا طوع يمينهم و هم النقباء الابدال و النجباء اصحاب غرايب الافعال فان قلت هب ان الانسان تنزل فهو في اي رتبة تكون يجب ان لاينفعل من الجن و غيرها فان الشعاع لايؤثر في المنير علي كل حال قلت للانسان مقامان مقام نفسه و هو في ذلك المقام منير و لاينفعل هناك من شعاعه و مقام ظهور في الرتبة السفلي بحكم و للبسنا عليهم ما يلبسون بعد قوله تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و هو في هذا المقام في حكم اهل تلك الرتبة في جميع ما يرد عليها و يصدر منها و هو قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم ففي هذه الرتبة تجري عليه جميع اطوارها و احوالها فيفعل و ينفعل و يؤثر و يتأثر فاهل السلسلة الطولية كل عليا بالنسبة الي السفلي لها مقامان مقام علية و فيها لها الهيمنة العليا و السلطنة الكبري فلايصل اليها شيء من احوال المرتبة السفلي و مقام قطبية و فيها باب الفيض الي السافل لان الشيء لاينتهي الا الي مثله لقوله عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، و لولا خوفي من اشباه الناس و ما في قلوبهم من وسواس الخناس لاطلقت عنان القلم في هذا المضمار و لاريتكم ما لم‌تدركه البصائر و الابصار [ص 21] و لكني ممتثل قول مولاي سيد الساجدين عليه السلام لاتتكلم بما تسارع العقول الي انكاره و ان كان عندك اعتذاره و ليس كلما تسمعه نكرا اوسعته عذرا .

و اما كيفية تكليفهم فاعلم ان اصل تكليفهم و انهم مكلفون بالفروع و الاصول زيادة علي ما دل علي تكليف جميع الموجودات الصامتة و الناطقة من ساير الجمادات و النباتات و الحيوانات يدل عليه قوله تعالي قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن الي آخر الآيات و قوله تعالي و اذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الي قومهم منذرين قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي مصدقا لما بين يديه يهدي الي الحق و الي طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجركم من عذاب اليم و امثالها من الآيات الكثيرة الدالة علي تكليفهم و ذلك لا شك فيه و لا ريب يعتريه و اما كيفية تكليفهم فهي ان الله سبحانه و تعالي قبل خلق آدم عليه السلام بعث اليهم نبيا اسمه يوسف ابن يانان كما في البحار عن العلل و العيون بالاسناد عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال سأل الشامي اميرالمؤمنين عليه السلام عن اسم ابي الجن فقال عليه السلام شومان و في نسخة شونان و في اخري يانان و هو الذي خلق من مارج من نار و سأله هل بعث الله نبيا الي الجن فقال عليه السلام نعم بعث اليهم نبيا يقال له يوسف فدعاهم الي الله عز و جل فقتلوه و هذا كان مبعوثا عليهم قبل ان يخلق آدم كما سيمر عليك ذكر ما يدل عليه في ما بعد ثم بعد ما خلق الله آدم عليه السلام بعث اليهم الانبياء من [ص 22] سنخهم لكنهم يأخذون من بني آدم من الانبياء المبعوثين اليهم كما يدل عليه قوله تعالي فلما قضي ولوا الي قومهم منذرين و هو قوله تعالي يا معشر الجن و الانس الم‌ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي و ينذرونكم لقاء يومكم هذا الآية ، و لما ان الله سبحانه اتقن صنع كل شيء وجب ان يكون نبي الجن متلقيا من نبي الانس لبطلان الطفرة فقد يكون ذلك من ظاهرية نبي الانس كما سبق في الآية الشريفة و قد يكون من باطنه دون ظاهره و الاول كما كان في نبينا صلي الله عليه و آله فانهم كانوا يأتون اليه و يتلقون منه صلي الله عليه و آله كجن النصيبين و بئر ذات العلم و بالجملة كافة الجن بجميع مراتبهم و اطوارهم كانوا يأخذون منه صلي الله عليه و آله كالموجودات كلها فانه مبعوث علي كافة الحوادث لقوله تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و قد قال الطبرسي في مجمع البيان انه مابعث علي الجن من الانبياء غير نبينا صلي الله عليه و آله و ليس ببعيد و قوله تعالي حكاية عن جن نصيبين انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي لايدل علي ان موسي (ع) كان مبعوثا عليهم كما في الانس لان الانس كلهم كانوا عاملين بشريعة موسي قبل ان تنسخ و لم‌يكن موسي عليه السلام مبعوثا الا علي بني‌اسرائيل خاصة و كذلك الجن كانوا عاملين بشريعته و لم‌يكن مبعوثا عليهم لان عموم البعثة غير عموم الشريعة و لااجتمعا الا في نبينا صلي الله عليه و آله و قولي هذا لايدل علي عدم لزوم توسط الانس في ايصال الفيض الي الجن في كل حال [ص 23] لانه ( لان خ‌ل ) منه ايصال الوحي فان واسطة الانس لا بد منها في الحقيقة و لايمكن ان يوصل اليهم شيء الا بواسطة الانس في الحقيقة و الذات لبطلان الطفرة و انما الكلام في ظاهر البشرية في مقام انما انا بشر مثلكم يوحي الي و قوله تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون و بالجملة فان نبي الجن يستمد من نبينا صلي الله عليه و آله في كل وقت و اوان قبل وجود آدم و بعد وجود آدم و هو صلي الله عليه و آله يمده من في ( الفيض خ‌ل ) الالهي في التكويني و التشريعي بيده و تلك اليد حقيقة الانسان من حيث هي لا خصوص الافراد و الاشخاص فعلي هذا جاز ان يكون استمداد انبياء الجن مخصوصا بنبينا صلي الله عليه و آله كاختصاصه صلي الله عليه و آله بامداد ساير الموجودات حرفا بحرف و ذلك لكلية بشريته دون ساير الانبياء عليهم السلام و الحاصل ان الله سبحانه و تعالي بعث اليهم الانبياء و كلفهم بالاصول و الفروع اما الاصول فهم مكلفون بما كلف به الانسان في الاعتقادات من التوحيد و النبوة و الامامة و المعاد و احكامه و اطواره من النشر و الحشر و الحساب و الميزان و الصراط و الجنة و النار الا ان تكليفهم في هذه الاعتقادات علي نحو التبعية فالانس اعتقادهم بالاصول و الالباب و الجن اعتقادهم بالقشور و الصفات و لذا كانت جنتهم الحظاير و هي من شعاع جنة الانس و نارهم الحظاير ايضا و هي ظل للنيران التي اعدت للانس فمعرفتهم بالتوحيد فرع معرفة الانس ( به خ‌ل ) و كذا معرفة اركان التوحيد و مظاهره و حملته و ابوابه و خزانه فحيث كانوا مكلفين باعتقاد هذه الاصول اختلفت اديانهم و مذاهبهم [ص 24] بحسب اختلافهم في الاعتقادات ففيهم اليهود و النصاري و الزنادقة و عبدة الاوثان و النواصب و منكري فضائل اهل البيت عليهم السلام و يشير الي ما ذكرنا قوله تعالي حكاية عنهم انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي الآية ، و فيها دلالة واضحة بانهم كانوا من اليهود و في تفسير علي بن ابرهيم قال الجن من ولد الجان منهم مؤمنون و كافرون و يهود و نصاري و يختلف اديانهم و لا ريب ان هذا الاختلاف بحسب اختلاف ما يلزمهم من العقايد في التوحيد و النبوة و الولاية و اركانها و حدودها و اما تكلفيهم في الفروع فهو مثل تكليف الانسان في النوع و لكن تختلف احكام فروعهم بحسب اختلاف الموضوعات كما اختلف في الانسان اذا اختلف الموضوع كالصلوة الواجبة عليه اذا كان في الحضر او السفر او الخوف او المرض او غير ذلك من الاحوال الجارية عليه التي بسببها تختلف احكام تكليفهم باعتبار اختلاف تلك الموضوعات و العلم بتلك التفاصيل لايمكن الا لمن اشهده الله خلق السموات و الارض و خلقه ( خلق خ‌ل ) نفسه كالانسان حرفا بحرف و لذا تري ان الهواء و النار لايتنجسان بهذه النجاسات العشر و قد عرفت بدلالة الاخبار و الآيات ان الجن خلقوا من النار و السموم فيجب ان لايتنجسوا بهذه النجاسات و كذلك الطهارات انما تطهر الاجسام الكثيفة و الجن اجسام لطيفة فلاتجري عليهم احكام الطهارات و النجاسات التي للانس فلهم طهارة و نجاسة غير ما هو المعروف عند الانس نعم نجاسة الكفر تسري فيهم و تنجسهم كالانس فقد اشرت لك نوع المسئلة فتتبع و استخرج جزئياتها فانا نلقي اليكم الاصول و عليكم التفريع .