ففي الصلوتين الاوليين ظهور و لم‌يشرع فيهما الاظهار في القراءة و في الثلثة الاخيرة لما لم‌يكن ظهور شرع في قرائتها الاظهار هذا في مرتبة الفرق و المقابلة بين الليل و النهار كما هو مقرر ان كل صلوة ليلية في مقابلتها نهارية شرع في الاولي الجهر و في الثانية الاخفات و صلوة الجمعة لما كانت نهارية لايقابلها ليلية و هي في مرتبة الجمع جمع فيها بين الظهور و الاظهار و كذا في صلوة العيد لانه يوم مبارك ميمون و المسلمون فيه مجتمعون و هذا هو المراد مما ورد في الخبر الذي اشير اليه في علة الجهر و الاخفات من ان في النهار لما كانت اقامة الصلوة ظاهرة لم‌يحتج لاعلام المارّة اي الخلق السائر من الدنيا الي الآخرة الي الاظهار و الاجهار فانا لله و انا اليه راجعون ، و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب و في الليل لما كانت مخفية لعن الله مخفيها فلو لم‌يجهر بها لم‌يعلم المارّة السائرة الي الآخرة ان هناك صلوة قال علي (ع) اقامة الصلوة هي اقامة ولايتي ، ● فحين ظهور الولاية لايحتاج لاعلام المارة الي الاظهار و بعد خفائها بغلبة ولاة الجور لو لم‌يجهر بها و لم‌يظهر لخفي الحق بالكلية عليهم فلهذه العلة جهر بها و بقي بعد خبايا في زوايا و الله الموفق و المعين .

و اما سرّ الفوقية و التحتية في الظلمات فيظهر من بيان قوله تعالي انطلقوا الي ظل ذي ثلث شعب لا ظليل و لايغني من اللهب انها ترمي بشرر كالقصر كانه جمالات صفر فاعلم ان لكل من الموجودات الاصلية ظلا و كلما يكون الاصل اعلي كان الظل انزل كما تري في ظل الشخص في الماء فان ظل الرأس رأس الظل و ابعد من الشخص من ظل ساير الاجزاء فالظل عكس ذي الظل و لما كانت الولاية المطلقة اعلي الموجودات الامكانية لكونها برزخا بين الوجوب و الامكان و مرتبة الوجود المطلق و يعبّر عنه بالنفس الرحماني كما ان الموجودات المقيدة يعبّر عنها بالحروف و الكلمات علي تفاوت مراتبها و طبقاتها فظلها يجب ان يكون انزل و لهذا قال تعالي ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و النار يقابل النور و لما كانت النفس الانسانية ذات جهتين جهة ادراكية عليا و هي جهة تجردها و جهة تحريكية فعلية سفلي و هي جهة تعلقها و من هذه الجهة لها قوتان شهوية و غضبية و توسط الاولي بين طرفي الافراط و التفريط حكمة و طرفيها جَرْبَزة و بلادة و توسط الثانية عفة و طرفاها الخمود و الشره و توسط الثالثة شجاعة و طرفاها الجبن و التهوّر و يعبر عن الجهتين العليا و السفلي باليدين و كلتا يديه تعالي يمين و هو علي عليه السلام كما مرّ و القوي الثلثة مجتمعة متحدة في الولي و متكثرة متعددة في الظل كما قال تعالي الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون [ص 57] واحد و الظلمة متكثرة فيتحد الاصل و يتكثر الظل و مظهر ظل الحكمة هو الاول كما يظهر من الاخبار و كلام الاخيار انه كان صاحب مكر و خديعة و مظهر ظل الشجاعة هو الثاني فانه كان فظا غليظا و جبانا و في الاخبار ان المراد من الشيطان حيث ما يذكر في القرآن الثاني و هو ناري و مظهر ظل العفة الثالث فانه اول من جعل مال الله دولا و فعل في اموال المسلمين ما فعل و ينكشف مما ذكرنا سرّ ما يظهر من الاخبار ان الظل الاول انزل و ان الثاني سيئة من سيئاته و يليه الثاني و بعده الثالث لان القوة الادراكية اشرف من الغضبية و هي اشرف من الشهوية و لاينافي هذا ما ورد في الخبر ان ولد الزنا شر الثلثة ، بايّ معني فسّر لاختلاف الجهة فافهم و روي في المعاني مقطوعا في تفسيرقوله تعالي و بئر معطلة و قصر مشيد اي مرتفع ، امير المؤمنين هو القصر المشيد و البئر المعطلة فاطمة و ولدها معطلين من الملك و القمي في تفسيره قال هو مثل لآل محمد (ص) و بئر معطلة هو الذي لايستسقي منها و هو الامام الذي قد غاب و لايقتبس منه العلم الي وقت ظهوره (ع) و القصر المشيد هو المرتفع و هو امير المؤمنين (ع) و الائمة منه (ع) و فضائلهم المنتشرة في العالمين المشرقة علي الدنيا و هو قوله تعالي ليظهره علي الدين كله فقوله تعالي انها ترمي بشرر كالقصر ترجع الي الشعب التي هي اصول كل شرّ و هي الشجرة الخبيثة المجتثة التي تخرج من اصل الجحيم و الشرر فرعها و هو كناية عن ولاة الجور و هي شبيهة بالحق الذي عبر عنه بالقصر و يشتبه علي غير اهله و كذا قوله كاَنّه جمالة او جمالات صفر فان الجمل هو علي (ع) فانه جملة الوجود و باب العلم و عين اليقين و فسّر به (ع) الابل في قوله تعالي [ص 58] افلاينظرون الي الابل كيف خلقت فهي السراب الشبيهة بالماء و النار الشبيهة بالنور و من هذا السر ينكشف سرّ اخبار الطينة و الخلط بين الطينتين كما في بعض الاخبار او اللطخ كما في بعض آخر منها و رجوع كل الي اصله في النشأة الآخرة و هذه من اصعب المسائل و اعضلها و ارجو من الله ان يوفقني و يؤيّدني و يسدّدني و يثبتني علي الصراط المستقيم انه ذو فضل عظيم و منّ كريم و لا بد اولا من ذكر بعض الاخبار في هذاالمضمار .

فاقول روي الشيخ الكليني في الكافي في كتاب الايمان و الكفر عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد و غير واحد عن الحسين بن الحسن جميعا عن محمد بن اورمة عن محمد بن علي عن اسمعيل بن يسار عن عثمان بن يوسف قال اخبرني عبدالله بن كيسان عن ابي‌عبدالله (ع) قال قلت له جعلت فداك انا موليك عبدالله بن كيسان قال اما النسب فاعرفه و اما انت فلست اعرفك قال قلت له اني ولدت بالجبل و نشأت في ارض فارس و انني اخالط الناس في التجارات و غير ذلك فاخالط الرجل فاري له حسن السمت و حسن الخلق و كثرة امانة ثم افتّشه فأبينه عن عداوتكم و اخالط الرجل فاري منه سوء الخلق و قلة امانة و ذعارة ثم افتشه فأبينه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك قال فقال اماعلمت يا بن كيسان ان الله عز و جل اخذ طينة من الجنة و طينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه و هذه من هذه فما رأيت من اولئك من الامانة و حسن الخلق و حسن السمت فمما مسّهم من طينة الجنة و هم يعودون الي ما خلقوا منه و ما رأيت من هؤلاء من قلة الامانة و سوء الخلق و الذعارة فمما مستهم من طينة النار و هم يعودون الي ما خلقوا منه .

[ص 59] و باسناده عن الحسن بن علي بن ابي حمزة عن ابرهيم عن ابي‌عبدالله (ع) قال ان الله عز و جل لما اراد ان يخلق آدم بعث جبرئيل (ع) في اول ساعة من يوم الجمعة فقبض من يمينه قبضة بلغت قبضته من السماء السابعة الي السماء الدنيا و اخذ من كل سماء تربة و قبض قبضة اخري من الارض السابعة العليا الي الارض السابعة القصوي فامر الله عز و جل كلمته فامسك القبضة الاولي بيمينه و القبضة الاخري بشماله ففلق الطين فلقتين فذرأ من الارض ذرواً و من السموات ذروا فقال للذي بيمينه منك الرسل و الانبياء و الاوصياء و الصديقون و المؤمنون و السعداء و من اريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال و قال للذي بشماله منك الجبارون المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هوانه و شقوته فوجب لهم ما قال كما قال ثم ان الطينتين خلطا جميعا و ذلك قول الله جل و عز ان الله فالق الحب و النوي فالحب طينة المؤمنين التي القي الله عليها محبته و النوي طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير و انما سمّي النوي من اجل انه نأي عن كل خير و تباعد عنه و قال جل و عز يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر و الميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن و الميت الكافر و ذلك قوله عز و جل أومن كان ميتا فاحييناه فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كان حيوته حين فرق الله عز و جل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله جل و عز المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها الي النور و يخرج الكافر من النور الي الظلمة بعد دخوله الي النور و ذلك قوله عز و جل [ص 60] لينذر من كان حيا و يحق القول علي الكافرين .

و روي المحقق الكاشاني رحمه الله في الوافي في كتاب الايمان و الكفر من غير الكتب الاربعة حديثا طويلا في خلق الطينتين و المزج و التمييز و الرد الي الاصل و استشهد بآيات كثيرة كقوله تعالي كما بدأكم تعودون و قوله و لاتزر وازرة وزر اخري و قوله و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و ليسألن يوم القيمة عما كانوا يعملون و قوله ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم و قوله الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون و قوله الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش الا اللمم يعني المزاج ان ربك واسع المغفرة هو اعلم بكم اذ انشأكم من الارض الطيبة و الارض الخبيثة و اذ انتم أجنة في بطون امهاتكم فلاتزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقي . و الاخبار في هذا الباب مختلفة جدا و الجمع بينها في غاية الاشكال .

قال المحقق المتقدم في الوافي و قد اطلعت علي حديث مبسوط في الطينات و بدو الخلايق جامع لاكثر مقاصدهما تأبي نفسي الا ايراده في هذا المقام لتضمنه فوائد جمة و لايضاحه لبعض مهمات هذا الباب و هو ما رواه بعض مشايخنا رحمهم الله عن احمد بن محمد الكوفي رضي الله عنه عن حنان بن سدير الصيرفي عن ابي اسحق الليثي قال قلت للامام الباقر (ع) محمد بن علي (ع) يا بن رسول الله اخبرني عن المؤمن من شيعة امير المؤمنين (ع) اذا بلغ و كمل في المعرفة هل يزني ؟ قال لا قلت فيشرب خمرا ؟ قال لا قلت فيذنب ذنبا ؟ قال لا قال الراوي فتحيرت من ذلك و كثر تعجبي منه فقلت يا بن رسول الله اني اجد من شيعة امير المؤمنين (ع) و من مواليكم من يشرب الخمر و يأكل الربا و يزني و يلوط و يتهاون بالصلوة و الزكوة و الصوم و الحج و [ص 61] الجهاد و ابواب البرّ حتي ان اخاه المؤمن يأتيه في حاجة يسيرة فلايقضيها له فكيف هذا و من ايّ شيء هذا ؟ قال فتبسم الامام عليه السلام و قال يا ابااسحق عندك شيء غير ما ذكرت قلت نعم يا بن رسول الله و اني اجد الناصب الذي لااشك في كفره يتورع عن هذه الاشياء لايستحل الخمر و لايستحل اذي المؤمن و لايتهاون بالصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و الجهاد و يقوم بحوايج المؤمنين و المسلمين لله و في الله تعالي فكيف هذا و لِمَ هذا فقال (ع) يا ابرهيم لهذا امر باطن و سرّ مكنون و باب مغلق مخزون و قد خفي عليك و علي كثير من امثالك و اصحابك و ان الله عز و جل لم‌يأذن ان يخرج سرّه و غيبه الا الي من يحتمله و هو اهله قلت يا بن رسول الله اني والله لمحتمل من اسراركم و لست بمعاند و لا بناصب فقال (ع) يا ابراهيم نعم انت كذلك و لكن علمنا صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان و ان التقية من ديننا و دين آبائنا و من لا تقية له فلا دين له يا ابرهيم لو قلت ان تارك التقية كتارك الصلوة لكنت صادقا يا ابرهيم ان من حديثنا و سرّنا و باطن علمنا ما لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن فقلت يا سيدي و مولاي فمن يحتمله اذاً ؟ قال من شاء الله و شئنا الا من اذاع سرّنا الّا الي اهله فليس منا ثلثا الا من اذاع سرنا اذاقه الله حرّ الحديد ثم قال يا ابرهيم خذ ما سألتني علما باطنا مخزونا في علم الله تعالي الذي حباه الله جل جلاله به رسوله (ص) و حبا به رسوله وصيه اميرالمؤمنين صلوات الله عليه ثم قرأ (ع) هذه الآية [ص 62] عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول ويحك يا ابرهيم قد سألتني عن المؤمنين من شيعة مولانا امير المؤمنين (ع) و عن زُهّاد الناصبة و عُبّادهم ، من هيهنا قال الله عز و جل و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا و من هيهنا قال الله عز و جل عاملة ناصبة تصلي نارا حامية تسقي من عين آنية و هذا الناصب قد جبل علي بغضنا و ردّ فضلنا و يبطل خلافة ابينا امير المؤمنين (ع) و يثبت خلافة معوية و بني امية و يزعم انهم خلفاء الله في ارضه و يزعم ان من خرج عليهم وجب عليه القتل و يروي في ذلك كذبا و زورا و يروي ان الصلوة جائزة خلف من غلب و ان كان خارجيا ظالما و يروي ان الامام الحسين بن علي صلوات الله عليهما كان خارجيا خرج علي يزيد بن معوية و يزعم انه يجب علي كل مسلم ان يدفع زكوة ماله الي السلطان و ان كان ظالما يا ابرهيم هذا كله ردّ علي الله تعالي و علي رسوله (ص) سبحان الله قد افتروا علي الله الكذب و تقولوا علي رسول الله (ص) الباطل و خالفوا الله و خالفوا رسوله و خلفاءه ، يا ابرهيم لَاَشرحنَّ هذا من كتاب الله الذي لايستطيعون له انكارا و لا منه فرارا و من ردّ حرفا من كتاب الله فقد كفر بالله و رسوله فقلت يا بن رسول الله ان الذي سألتك في كتاب الله قال نعم هذا الذي سألتني من امر شيعة امير المؤمنين صلوات الله عليه و امر عدوّه الناصب في كتاب الله عز و جل قلت يا بن رسول الله هذا بعينه ؟ قال نعم هذا بعينه في كتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد يا ابرهيم اقرأ هذه الآية [ص 63] الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة هو اعلم بكم اذ انشأكم من الارض أتدري ما هذه الارض ؟ قلت لا قال (ع) اعلم ان الله عز و جل خلق ارضا طيبة طاهرة و فجر فيها ماءً عذبا زلالا فراتا سائغا فعرض عليها ولايتنا اهل البيت فقبلتها فاجري عليها ذلك الماء سبعة ايام ثم نضب عنها ذلك الماء بعد السابع فاخذ من صفوة هذه الطين طينا فجعله طين الائمة عليهم السلام ثم اخذ جل جلاله ثفل هذا الطين فخلق منه شيعتنا و محبّونا من فضل طينتنا فلو ترك طينتكم يا ابرهيم كما ترك طينتنا لكنتم انتم و نحن سواء قلت يا بن رسول الله ما صنع بطينتنا ؟ قال مزج طينتكم و لم‌يمزج طينتنا قلت يا بن رسول الله (ص) و بماذا مزج طينتنا ؟ قال (ع) خلق الله ايضا ارضا سبخة خبيثة منتنة و فجر فيها ماءً اجاجا مالحا آسنا ثم عرض عليها جلت عظمته ولاية امير المؤمنين (ع) فلم‌تقبلها و اجري ذلك الماء عليها سبعة ايام ثم نضب ذلك الماء عنها ثم اخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث و خلق منه ائمة الكفر و الطغاة و الفجرة ثم عمد الي بقية ذلك الطين فمزج بطينتكم فلو ترك طينتهم علي حاله و لم‌يمزج بطينتكم ماعملوا ابدا عملا صالحا و لاادّوا امانة الي احد و لاشهدوا الشهادتين و لاصاموا و لاصلّوا و لازكّوا و لاحجّوا و لاشبّهوكم في الصور ايضا ، يا ابرهيم ليس شيء اعظم علي المؤمن ان يري صورة حسنة في عدوّ من اعداء الله عز و جل و المؤمن لايعلم ان تلك الصورة من طين المؤمن و مزاجه ، يا ابرهيم ثم مزج الطينتان بالماء الاول و الماء الثاني فما تري من شيعتنا و محبينا من ربوا و زنا و لواطة و خيانة و شرب خمر و ترك صلوة و صيام و زكوة و حج و جهاد فهي كلها من عدوّنا الناصب [ص 64] و سنخه و مزاجه الذي مزج بطينته و ما رأيته في هذا العدوّ الناصب من الزهد و العبادة و المواظبة علي الصلوة و اداء الزكوة و الصوم و الحج و الجهاد و اعمال البر و الخير فذلك كله من طين المؤمن و سنخه و مزاجه فاذا عرض اعمال المؤمن و اعمال الناصب علي الله يقول الله عز و جل انا عدل لااجور و منصف لااظلم و عزتي و جلالي و ارتفاع مكاني مااظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب و طينته و مزاجه هذه الاعمال الصالحة كلها من طين المؤمن و مزاجه و الاعمال الردية التي كانت من المؤمن من طين العدوّ الناصب و يلزم الله تعالي كل واحد منهم ما هو من اصله و جوهره و طينته و هو اعلم بعباده من الخلايق كلهم أفتري يا ابرهيم هيهنا ظلما او جورا او عدوانا ؟ ثم قرأ (ع) معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انا اذا لظالمون يا ابرهيم ان الشمس اذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلها أهو بائن من القرصة ام هو متصل بها شعاعها يبلغ في الدنيا في المشرق و المغرب حتي اذا غابت يعود الشعاع و يرجع اليها أليس ذلك كذلك قلت بلي يا بن رسول الله قال فكذلك كل شيء يرجع الي اصله و جوهره و عنصره فاذا كان يوم القيمة ينزع الله تعالي من العدوّ الناصب سنخ المؤمن و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع اعماله الصالحة و يرده الي المؤمن و ينزع الله تعالي من المؤمن سنخ الناصب و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع اعماله السيئة الردية و يرده الي الناصب عدلا منه جل جلاله و تقدست اسماؤه و يقول للناصب لا ظلم عليك ان هذه الاعمال الخبيثة من طينتك و مزاجك و انت اولي بها و هذه الاعمال الصالحة من طين المؤمن و مزاجه و هو اولي بها [ص 65] اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان الله سريع الحساب أفتري هيهنا ظلما و جورا ؟ قلت لا يا بن رسول الله بل اري حكمة بالغة فاضلة و عدلاً بينا واضحا ثم قال (ع) ازيدك بيانا في هذا المعني من القرآن ؟ قلت بلي يا بن رسول الله قال (ع) أليس الله عز و جل يقول الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات اولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة و رزق كريم و قال عز و جل و الذين كفروا الي جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون فقلت سبحان الله العظيم ما اوضح ذلك لمن فهمه و ما اعمي قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته فقال (ع) يا ابرهيم هذا ما قال الله تعالي ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا مارضي الله تعالي ان يشبههم بالحمير و البقر و الكلاب و الدواب حتي زادهم فقال بل هم اضل سبيلا يا ابرهيم قال الله عز و جل ذكره في اعداءنا الناصبة و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا و قال عز و جل يحسبون انهم يحسنون صنعا و قال جل جلاله و يحسبون انهم علي شيء الا انهم هم الكاذبون و قال جل و عز الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا كذلك الناصب يحسب ما قدم من عمله نافعة حتي اذا جاءه لم يجده شيئا ثم ضرب مثلا آخر او كظلمات في بحر لجّيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يكد يريها و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور ثم قال (ع) يا ابرهيم ازيدك في هذا المعني من القرآن ؟ قلت بلي يا بن رسول الله قال (ع) [ص 66] يبدل الله سيئاتهم حسنات و كان الله غفورا رحيما يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات و حسنات اعدائنا سيئات يفعل الله ما يشاء و يحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه لايسأل عما يفعل و هم يسألون هذا يا ابرهيم من باطن علم الله المكنون و من سرّه المخزون الاازيدك من هذا الباطن شيئا في الصدور ؟ قلت بلي يا بن رسول الله قال (ع) قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء و انهم لكاذبون و ليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم و ليسألن يوم القيمة عما كانوا يفترون والله الذي لا اله الا هو فالق الاصباح فاطر السموات و الارض لقد اخبرتك بالحق و انبأتك بالصدق و الله اعلم و احكم .

قال المحقق و هذا الحديث رواه الصدوق طيّب الله ثراه ايضا في علل الشرايع علي اختلاف في الفاظه و قال في بيانه : و جملة القول في بيان السرّ فيه انه قد تحقق و ثبت ان كلا من العوالم الثلثة له مدخل في خلق الانسان و في طينته و مادته من كل حظ و نصيب فلعل الارض الطيبة كناية عما له في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي من الارواح المثالية و القوي الخيالية الفلكية المعبر عنهم بالمدبرات امرا و الماء العذب عما له في طينته من افاضات عالم الجبروت الذي منه الجواهر القدسية و الارواح العالية المجردة عن الصور المعبّر عنهم بالسابقات سبقا و الارض الخبيثة عما له في طينته من اجزاء عالم الملك الذي منه الابدان العنصرية المسخّرة لما فوقها و الماء الاجاج المالح الآسن عما له في طينته من تهيجات الاوهام الباطلة و الاهواء الردية الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت مما لا اصل له و لا حقيقة ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه افاضة الجبروت من ذلك و الثفل منه ما غلب عليه اثر الملكوت منه و كدورة [ص 67] الطين المنتن الخبيث عما غلب عليه طبايع عالم الملك و ما يتبعه من الاهواء المضلة و انما لم‌يذكر نصيب عالم الملك للائمة عليهم السلام مع ان ابدانهم العنصرية منه لانهم لم‌يتعلقوا بهذه الدنيا و لا بهذه الاجساد تعلق ركون و اخلاد فهم و ان كانوا في النشأة الفانية بابدانهم العنصرية و لكنهم ليسوا من اهلها كما مضي بيانه قال الصادق (ع) في حديث حفص بن غياث يا حفص ماانزلت الدنيا من نفسي الا بمنزلة الميتة اذا اضطررت اليها اكلت منها ، فلا جرم نفضوا اذيالهم منه بالكلية اذا ارتحلوا عنها و لم‌يبق معهم منها كدورة و انما لم‌يذكر نصيب الناصب و ائمة الكفر من افاضة عالم الجبروت مع ان لهم منه حظ الشعور و الادراك و غير ذلك لعدم تعلقهم به و لا ركونهم اليه و لذا نريهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم و الحكمة و يثقل عليهم فهم الاسرار و المعارف فليس لهم من ذلك العالم الا كباسط كفيه الي الماء ليبلغ فاه و ما هو ببالغه و ما دعاء الكافرين الا في ضلال ، نسوا الله فانسيهم انفسهم فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين اخلدوا الي الارض و اتبعوا اهوائهم فاذا جاء يوم الفصل و ميّز الله الخبيث من الطيب ارتقي من غلب عليه من افاضات الجبروت الي الجبروت و اعلي الجنان و التحق بالمقربين و من غلب عليه آثار الملكوت الي الملكوت و مواصلة الحور العين و الولدان و التحق باصحاب اليمين و بقي من غلب عليه الملك في الحسرة و الثبور و الهوان و التعذب بالنيران اذ فرق الموت بينه و بين محبوباته و مشتهياته فالاشقياء و ان انتقلوا الي نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيتها بالعرض الا انهم يحملون معهم من الدنيا من صور اعمالهم و اخلاقهم و عقايدهم مما لايمكن انفكاكهم عنه ما يتأذون به و يعذبون بمجاورته من سموم و حميم و ظل من يحموم و من حيات و عقارب [ص 68] ذوات لذع و سموم و من ذهب و فضة كنزوها في دار الدنيا و لم‌ينفقونها ( لم‌ينفقوها ظ ) في سبيل الله و اشربت في قلوبهم محبتها فتكوي بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون و من آلهة يعبدونها من دون الله من حجر او خشب او حيوان او غيرها مما يعتقدون فيه انه ينفعهم و هو يضرّهم اذ يقال لهم انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم .

و بالجملة المرء مع من احب فمحبوب الاشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له و لا اصل بل هو متاع الغرور فاذا كان يوم القيمة و برزت حواقّ الامور كسد متاعهم و صار لاشيئا محضا فيتألمون لذلك و يتمنون الرجوع الي الدنيا التي هي وطنهم المألوف لانهم من اهلها ليسوا من اهل النشأة الباقية لانهم رضوا بالحيوة الدنيا و اطمأنوا بها فاذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم اعمالهم التي احاطت بهم و جميع المعاصي و الشهوات يرجع الي متاع هذه النشأة الدنياوية و محبتها فمن كان من اهلها فعذب بمفارقتها لا محالة و من ليس من اهلها و انما ابتلي بها و ارتكبها مع ايمان منه بقبحها و خوف من الله تعالي في اتيانها فلا جرم يندم علي ارتكابها اذا رجع الي عقله و اناب الي ربه فيصير ندامته عليها و الاعتراف بها و ذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالي سببا لتنوير قلبه و هذا معني تبديل سيئاتهم حسنات فالاشقياء انما عذبوا بما لم‌يفعلوا لحنينهم الي ذلك و شهوتهم له و عقد ضمائرهم علي فعله دائما ان تيسر لهم لانهم كانوا من اهله و من جنسه و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و السعداء انما لم‌يخلدوا في العذاب و لم‌يشتد عليهم العقاب بما فعلوا من القبايح لانهم ارتكبوا علي كره من عقولهم و خوف من ربهم لانهم لم‌يكونوا من اهلها و لا من جنسها بل اثيبوا [ص 69] بما لم‌يفعلوا من الخيرات لحنينهم اليه و عزمهم عليه و عقد ضمائرهم علي فعله دائما ان تيسر لهم فانما الاعمال بالنيات و انما لكل امرئ ما نوي و انما ينوي كل ما ناسب طينته و يقتضيه جبلته كما قال الله سبحانه قل كل يعمل علي شاكلته و لهذا ورد في الحديث ان كلا من اهل الجنة و النار انما يخلدون علي نياتهم . و انما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الاشقياء مما آنسوا به قليلا و الفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا . روي الشيخ الصدوق في اعتقاداته مرسلا انه لايصيب احدا من اهل التوحيد الم في النار اذا دخلوها و انما يصيبهم الآلام عند الخروج منها فيكون تلك الآلام جزاء بما كسبت ايديهم و ما الله بظلام للعبيد انتهي .

و اقول معترفا باني لست من اهل هذا المضمار المستفاد من الآيات و الاخبار و كلام اهل المعرفة و الاعتبار ان الله سبحانه متفرد بالوحدانية و متوحد بالفردانية و خلق الممكنات ازواجا كما قال تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و قال عز و جل سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض و من انفسهم و مما لايعلمون و في الحديث ضادّ النور بالظلمة و الظل بالحرور ، و الزوجية علي انحاء شتي فالكليات مضادّها من الكليات و الجزئيات من الجزئيات فالنور يضاده الظلمة و العقل الكلي يضاده الجهل الكلي و العليون يضاده السجين و اليمين يضادها الشمال فلا بد لكل علوي ان يكون له ضد من السفلي و كلما يكون الاصل اعلي و اشرف فالضد يكون اخس و انزل و السبب الاولي لهذا التضاد تقابل الاسماء و الصفات فالاسماء الحسني تقابلها الاسماء السوءي و لما كان اولي المراتب في الوجود الخلقي مرتبة المحبة كما [ص 70] في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف ، فاولي المراتب في الجهة المقابلة البغض و الاول هو الوجود المطلق و يقابله العدم المطلق و بالتزييل الفؤادي لما كان للوجود المطلق مراتب من الارض الطيبة و الماء العذب و الطينة المخمرة منهما فيكون في الطرف المقابل ارضا خبيثة و ماء ملحا اجاجا و طينة مخمرة منهما و يكون كل مادة للمقيدات التي من سنخه و اول الوجودات المقيدة العقل الكلي فيكون في مقابله الجهل الكلي و كلما نزل في قوس النزول الاصل صعد ظله في العكس و لما كان الوجود هو النور فكلما نزل خالطه الظلمة و في الطرف المقابل لما كان اول المراتب الظلمة المحضة فكلما صعد خالطها شيء من النور فاذا انتهي النزول الي عالم الملك في الاصل ظهر مقابله فيه و اذا رجع الي الله صارا علي عكس حكم النزول فكلما صعد الاصل غلب عليه النورية و ضعفت الظلمة و في الطرف المقابل علي العكس و لما كان التشريع علي طبق التكوين و الوجودات الشرعية علي حذو الشرعيات الوجودية فيجري في التشريعيات كل ما جري في التكوينيات حذو النعل بالنعل فكما ان الولاية الحقة الوجودية تقابلها الولاية الباطلة العدمية في التكوينيات فكذلك الولاية الحقة الشرعية تقابلها الولاية الباطلة الظلية في التشريعيات و لكل مظاهر ملكية ففي الزيارة الجامعة خلقكم الله انوارا فجعلكم بعرشه محدقين حتي منّ علينا بكم فجعلكم في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه . و البيوت هي اجسادهم الشريفة عليهم السلام التي هي محالّ بيتوتتهم في عالم الملك المعبر عنه بالليل فمن جهة انهم انوار محدقة بالعرش نازلة الي هذا العالم في بيوت و باعتبار الظاهر هم البيوت ثم قال (ع) و جعل صلوتنا عليكم و ما خصنا به من ولايتكم طيبا لخلقنا و طهارة لانفسنا و تزكية لنا و كفارة لذنوبنا . يعني جعل وصلنا بكم بقبول ولايتكم و تنويرنا بمحبتكم طيبا لخلقنا و طهارة و تزكية و كفارة فان [ص 71] الشعاع شعاع مع اتصاله بالمنير و اذا قطع عنه بطل و اضمحل و كذلك في الولاية الخبيثة فروعها موصولة بها و كل راجع الي اصله بالرجوع الي الله قال تعالي كل الينا راجعون و قال عز و جل الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون . انظر ما اصرح الآية في المراد فالولي يخرج ما اتصل به من اشعته النورانية من الظلمات الي النور بكل معني و اعتبار و الظل الباطل المعبر عنه بالطاغوت يخرج فروعه من النور الي الظلمات و هي النار الموقدة التي تطلع علي الافئدة لعدم معرفتها للولي و الاستكبار عن قبول ولايته .

فقد ظهر ان طيَن الائمة عليهم السلام - بفتح الياء - انوار محضة و طين شيعتهم من دون ذلك فان الشعاع دون المنير فهي مخلوطة بشيء من الظلمة علي تفاوت مراتبهم في القرب من المنير و البعد منه الي ظهورهم في المظاهر الملكية و طين رؤساء الكفر من الظلمة المحضة و طين فروعهم من فوق ذلك علي تفاوت دركاتهم في القرب من اصولهم و البعد عنها فتختلط بشيء من النور و في كل منهما بكل من جهتي النورية و الظلمة فروع من المعارف و الاعتقادات الباطلة و الشكوك و الجهالات و المعاصي ففي كل منهما خلط باعتبار عدم التمييز بين الجهتين و لطخ باعتبار الذاتية و العرضية و قد عرفت انه كلما نزل الاصل صعد الظل و اختلط الاصل بالظلمة و الظل بالنور و اذا عرج و رجع الاصل نزل و هبط الظل و خلص كل عما يخالطه و يتبعه فروعه اليه يصعد الكلم الطيّب و العمل الصالح يرفعه اي الكلم الطيّب يرفع العمل الصالح او العمل الصالح يرفع الكلم الطيب او يرفعهما الله كما وردت الرواية بكل منها و [ص 72] يميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم فهذا ما تيسر من البيان لكني اقول كما قال الشيخ الرئيس في اشاراته هذه اشارات الي اصول و تنبيهات علي جمل يستبصر بها من تيسر له و لاينتفع بها من تعسر عليه و كل ميسر لما خلق له .

و اعلم اني كنت كثير الفكر في هذه المسألة الغامضة شديد النظر فيها لعلة طلب المرجح في ردّ عمل كل شخص معين الي شخص معين في طرفي المحب و المبغض و الشيعة و الناصب الي ليلة القدر من سنة خمس و ثلثين و مأتين بعد الالف من الهجرة المقدسة فلما قرأت في تلك الليلة المباركة التي فيها يفرق كل امر حكيم سورة العنكبوت الي قوله عز و جل و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و ليسألن يوم القيمة عما كانوا يعملون ذكرت المسألة و وقفت سائلا ببابه و لذت بجنابه فالهمت بما كتبت و الهمت ايضا بان الكبوت فعول و صيغة مبالغة من الكبت و هو الردّ بعنف و تذليل كما قال تعالي كبتوا كما كبت الذين من قبلهم و هو ملعون في هذه الآية كما في غيرها و بيوتهم الموهونة في مقابل البيوت التي اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و بعد ان كتبت رأيت من شيخنا المتقدم ادام الله علوّه و مجده كلاما في شرح بعض اخبار الطينة في اجوبة بعض المسائل لكنه مرموز يعسر فهمه جدا من اراده فليرجع اليه و ينكشف ايضا لمن تدبر و تأمل فيما مر سرّ ما ورد في الخبر من ان النبي (ص) قام عشر سنين علي اطراف اصابعه حتي تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه يقوم الليل اجمع حتي عوتب في ذلك فقال الله عز و جل ماانزلنا عليك القرآن لتشقي بل لتسعد به فاعلم انه (ص) لما كان مأمورا بالاستقامة في قوله تعالي [ص 73] فاستقم كما امرت و مأمورا بالقيام بالليل بقوله تعالي قم الليل الا قليلا و الشريعة صورة الطريقة فيجب التطابق بينهما و لما كانت طريقته مستقيمة في الغاية و القيام عالم الملك و شمس الحقيقة غاربة فيه و هو العين الحمئة فاراد (ص) تحصيل الاستقامة التامة في قيامه بالليل ليحصل التطابق الكلي كما ذكرنا و لايكون الا بالقيام علي اطراف الاصابع في العشرة الكاملة فلما كمل العشر و تم استقام كما امر و شاب لقوله (ص) شيبتني سورة هود ، و اصفرّ وجهه بظهور الروح الاعظم فيه فان الصفرة لون الروح كما عرفت و الوجه هو الاربعةعشر المشار اليهم بقوله عز و جل و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم و بقوله عز اسمه طه و هم خمسة اي اهل الكساء و تسعة من ذرية الحسين (ع) و هم اليد و هم الذين تابوا معه و رجعوا الي الله في قوله تعالي و من تاب معك و هم الفجر و الليالي العشر و الشفع و الوتر و الليل اذا يسر ، فالليالي العشر الحسن (ع) و التسعة من ذرية الحسين عليهم السلام و الفجر هو الحسين (ع) و الشفع امير المؤمنين زوج البتول عليهما السلام و الوتر رسول الله (ص) و لهذا وجبت عليه بقوله تعالي و من الليل فتهجد به نافلة لك ، و الليل اذا يسر فاطمة عليها السلام كما في الرواية و يظهر منه سرّ كراهة الاطراق في الصلوة حال القيام لمنافاته للاستقامة المطلوبة و سرّ قولهم عليهم السلام لا صلوة لمن لم‌يقم صلبه في الصلوة ، و سرّ طلب الاستقامة حال القيام بقوله جل ذكره اهدنا الصراط المستقيم و لما حصلت الاستقامة المعنوية فيهم صلوات الله عليهم خففت في الصورة الشرعية لكونها سمحة سهلة و العجب انهم نقطة و هم دائرة و هم كرة و هم خط مستقيم و هم مثلث و هم مربع و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

[ص 74] و يظهر ايضا سرّ ما روي عن اميرالمؤمنين (ع) من ان كل ما في القرآن فهو في الفاتحة و كل ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم و كل ما في البسملة فهو في باء البسملة و كل ما في الباء فهو في النقطة و انا النقطة التي تحت الباء ، فاعلم ان الكتاب التدويني علي طبق الكتاب التكويني و فاتحة الكتاب هي السبع المثاني و في الحديث عنهم عليهم السلام نحن السبع المثاني ، و لا شك انهم (ع) فاتحة الكتاب التكويني و قال تعالي و كل شيء احصيناه في امام مبين و قال و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و كل ما في الكتاب التكويني فهو فيهم عليهم السلام و البسملة هي اعظم آية في القرآن كما في الحديث و هي فاتحة الفاتحة و كل ما في الفاتحة فهو في البسملة و الباء فاتحة فاتحة الفاتحة فكل ما في البسملة فهو في بائها و النقطة مبدأ الحروف كلها فهي فاتحة فاتحة فاتحة الفاتحة فكل ما في الباء فهو في النقطة و الحاصل ان كل ما هو متقدم في الوجود فهو اتم مما هو متأخر كما في قاعدة الامكان الاشرف الموروثة عن الحكماء فهو يشتمل عليه و زيادة و التدوين علي طبق التكوين و الوضع من الحكيم يطابق الطبع و النقطة و ان كانت متأخرة في الصورة عن الحرف لكنها كما عرفت متقدمة عليه في المعني و هو متقدم علي الكلمة المتألفة من الحروف و هي متقدمة علي الكلام و في هذا التقدم و التأخّر سرّ و هو انه (ع) له جهتان كما عرفت فباعتبار الولاية الكسبية التبعية متأخرة عن الباء التي هي الحقيقة المحمدية (ص) كما قال (ع) انا عبد من عبيد محمد (ص) و قال انا من محمد كالضوء من الضوء ، [ص 75] و باعتبار الولاية الذاتية التي هي البرزخية الكبري و هي مرتبة وحدتهما صلي الله عليه و آلهما الطيبين كما مر متقدمة علي الحروف كلها و كلهم في هذه المرتبة من شيعته بل هو نفسه باعتبار المرتبة الاولي من شيعة نفسه باعتبار المرتبة الثانية فافهم و لاتتوهم و اغتنم و كن من الشاكرين و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين .

و يظهر ايضا سرّ كون معجزة موسي (ع) في العصاء و اليد اليمني كما قال تعالي فالقي عصاه فاذا هي ثعبان مبين و نزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين و قد روي ان موسي كان آدم شديد الادمة فاعلم ان موسي لما كان مثلث الكيان كان له جسد و نفس و عقل فجسده ملكه و نفسه ملكوته و عقله جبروته و العقل الذي هو الفاعل يمينه و النفس التي هي المنفعلة يساره فمظهر العقل هو اليد اليمني و مظهر النفس التي يجيء العصيان منها هي العصا و لهذا يستحب اخذها باليمني كما قال عز من قائل و ما تلك بيمينك يا موسي قال هي عصاي و منه يظهر سرّ ما روي ان من بلغ اربعين و لم يأخذ العصا فقد عصي و في الكافي بسنده عن ابي بصير قال قال ابوعبدالله (ع) ان العبد لفي فسحة من امره ما بينه و بين اربعين سنة فاذا بلغ اربعين سنة اوحي الله تعالي الي ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلّظا و شدّدا و تحفظا و اكتبا عليه قليل عمله و كثيره و صغيره و كبيره ، و لما كان موسي بحسب صورته الملكية ادم شديد الادمة مائلا الي السواد كما عرفت في نظائره و كان مدة في تربية فرعون استضعفه و استصغره قال تعالي حكاية عن فرعون ام انا خير من هذا الذي هو مهين و لايكاد يبين فلو لاالقي عليه اسورة من ذهب او جاء معه الملئكة مقرنين فاراد الله عز و جل ان يريه كبريائه و عظمته و علوّه فامر موسي بالقاء العصا [ص 76] فالقيها فاذا هي حية تسعي فان الظاهر عنوان الباطن فان النفس ما دامت غير ملقاة تكون ميتة في الحقيقة و اذا القيت حييت فموتها في حيوتها و حيوتها في موتها ،

اقتلوني يا ثقاتي ان في قتلي حيوتي و مماتي في حيوتي و حيوتي في مماتي

فلما حييت بالله اضمحل عنده كل باطل فاذا هي تلقف ما يأفكون و ظهرت لهم عظمة موسي ثم ترقي و نزع يده من جيبه فاذا هي بيضاء للناظرين و قد عرفت ان البياض لون العقل و البيضاء من اسماء الشمس فبزغت شمس عقله من جيبه و تجلت في يمينه و غلب ضوءها ضوء الشمس و ظهر علو موسي فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين و القي السحرة ساجدين ● و اليه الاشارة بقوله تعالي فاوجس في نفسه خيفة موسي قلنا لاتخف انك انت الاعلي فقد عرفت ان الخوف من لوازم العلم و ان محله الصدر و هو النفس و لما كان موسي نبيا و مرتبته السجود و ذكره تسبيح الاعلي قيل له انك انت الاعلي ، و خرّوا له سجّدا . و في البصائر عن الصادق (ع) ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم ثم قال ان موسي لما سأل امر واحد من الكروبيين فتجلي للجبل و جعله دكا ، قال شيخنا المتقدم ادام الله علوه و مجده هو عقل موسي تجلي للجبل و في تفسير ظاهر الظاهر ان اشتقاق الجبل من الجبلة و الله العالم .

[ص 77] هذا ما تيسر لي من ذكر بعض الاسرار المتعلقة ببعض العبادات و ارجو من الله ان يجعل لي حظا وافرا منها و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل ، و ما توفيقي الا بالله عليه توكلت و اليه انيب و لنختم الكلام بذكر بعض الفوائد المهمة ليكون كالتتمة :

الاولي قد اشتهر ان اللهم كان اصله يا الله فحذف حرف النداء و عوض عنها الميم المشددة فاعلم ان النداء قد وضع لدعاء البعيد و المناجات انما يكون مع القريب كما روي ان موسي علي نبينا و آله و عليه السلام قال يا رب أبعيد انت فاناديك ام قريب فاناجيك ؟ فاوحي الله اليه ان يا موسي انا جليس من ذكرني و قال تعالي و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فهو تعالي وصف نفسه بالقرب حال الدعاء فلايناسبه وجود حرف النداء و لما كان اللائق ان يكون الوضع علي طباق الطبع و التدوين علي وزان التكوين و الواجب مقدم علي الممكن و العلة مقدمة علي المعلول و مراتب الوجود باعتبار اربعون في قوس النزول و الانسان في آخرها و هو ايضا في نفسه عالم صغير منطوي ( منطو ظ ) علي العالم الكبير فمراتبه اربعون و هو في العالم الكبير آخر المراتب فهو نهاية قوس النزول الوجودي و بداية قوس الصعود الشهودي و لهذا سمي بمطلع الفجر في لسان العرفاء و الطفرة مستحيلة فما لم‌يصل الفيض الي المراتب السابقة لايمكن وصولها الي المرتبة اللاحقة عوض عن حرف النداء الميم في آخره و بالاعتبار الآخر هو الميم و هو الداعي و المستفيض كما قيل :

[ص 78]