[ص 28] و الثاني من الوجهين ان يكون المراد من الاثقال الاعمال الصالحة قال الله تعالي فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية و لا شك ان قبولها يتوقف علي ولاية علي (ع) قال الله تعالي انما يتقبل الله من المتقين و حقيقة التقوي الاتقاء من ولاية فلان و فلان فان كل معصية فرع من فروع الشجرة الخبيثة المجتثة اعني شجرة الزقوم التي تخرج من اصل الجحيم طلعها كانه رؤس الشياطين كما ان كل طاعة فرع من فروع الشجرة الطيبة الثابتة اعني شجرة طوبي و كل طاعة من حيث هي طاعة ايمان كما ان كل معصية من حيث هي معصية كفر كما في الحديث لايزني الزاني حين يزني و هو مؤمن و لايسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن . فيفارقه روح الايمان حين المعصية فان تاب رجع و الايمان هو الولاية و يقابله الكفر قال تعالي فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها فتأمل يظهر لك ان شاء الله .

و ان قرئ الشقّ بفتح الشين و الانفس بالوجهين صح ايضا فان الطفل ما لم‌يشق المشيمة لم‌يخرج الي الفضاء الاوسع و كذا الفرخ لا بد له في الخروج من شق البيضة قال اميرالمؤمنين لكميل حين سأله عن الحقيقة هتك الستر لغلبة السر ، فافهم و مما ذكرنا ينكشف سرّ ما ورد في الحديث من ان كل من يسمي او رضي ان يسمي بامير المؤمنين غير علي (ع) من غير الائمة فهو منكوح في استه لما ورد في وجه تسميته به من انه يمير المؤمنين طعام العلم و قد قال رسول الله (ص) انا مدينة العلم و علي بابها ، و قد عرفت ان محل العلم الصدر الذي هو الكرسي اعني النفس فان العلم هو الصورة و مدركها النفس كما ان مدرك المعاني العقل و قال (ع) ان بين جوانحي لعلما جما [ص 29] و قال ان هيهنا لعلما جما ، مشيرا الي صدره الشريف و قال تعالي وسع كرسيه السموات و الارض و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم و هو (ع) نفس النبي (ص) و زوجه ام المؤمنين كما مر فامومته معنوية حقيقية و اذا تسمي غيره بهذا الاسم فهو مدع للامومة في الباطن و لما لم‌تكن معنوية حقيقية بل ادعائية صورية دنيوية فاقتضت حكمته تعالي ان يظهر اثرها في ظاهره بالنكاح الحرام فيصير مأبونا منكوحا في دبره بخلاف النكاح بين العقل و النفس فانه نكاح محلل الهي معنوي و اما عدم تسمية غيره (ع) من الائمة بهذا الاسم فيمكن ان يكون من جهة ان الجمع المحلي يفيد العموم فهو (ع) امير كل مؤمن و مؤمنة بأي معني كان فيدخل في العموم سائر الائمة عليهم السلام فالامارة و الميرة العامتان لاتصلحان الا له (ع) . و يظهر ايضا سرّ قوله (ع) الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه ، فانك قد عرفت ان المؤمن ابوه النور و امه الرحمة فالنور مادته و الرحمة صبغه و صورته و هذه الرحمة هي الولاية و في الزيارة الجامعة : سعد والله من والاكم ، و الناصب مادته الظلمة و صورته ظل الغضب و هو العداوة و الاحكام تابعة للصورة التي هي الام و هي صبغ للمادة فالسعيد سعيد في بطن امه و الشقي شقي في بطن امه .

و بعبارة اخري اصرح و اوضح الرحمة الرحمانية هي الاب و هي تعم المؤمن و الناصب و الرحمة الرحيمية هي الام و هي مختصة بالمؤمن فالرحمة الرحمانية مصبوغة بصبغين متقابلين و لكل حكمه من السعادة و الشقاوة و من كونه (ع) يمينا ينكشف سرّ ما روي لحفظ نور البصر ان يمسح عينيه بعد كل صلوة بيمينه و يقول اعيذ نور بصري بنور الله الذي لايطفي و يتبعه بقراءة آية الكرسي ، فان الصلوة هي الولاية و الولي و اليمين هو علي (ع) [ص 30] و هو نور الله الذي لايطفي و هو الكرسي و هو اسم الله العلي العظيم و في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و جنبه العلي و رحمة الله و بركاته ، و يظهر سرّ كون التختم باليمين من علامات المؤمن يعني جعل اليمين و هو علي (ع) خاتما كما يقال يحرم علي الرجال التختم بالذهب ، فالمؤمن يتختم به و بولايته (ع) اي يتزيّن به و ايضا يقول بانه خاتم الاولياء اي زينتهم و من ختموا به فالولاية قد ختمت به كما ان النبوة قد ختمت بمحمد (ص) فمحمد خاتم الانبياء و علي خاتم الاوصياء و الاولياء . و يظهر ايضا سرّ ما روي عنه (ع) انه قال اني لاجد نفس الرحمن من جانب اليمن ، و سرّ استحباب التختم بالعقيق اليماني .

روي الصدوق في العلل باسناده الي محمد بن ابي عمير قال قلت لابي الحسن موسي (ع) اخبرني عن تختم امير المؤمنين (ع) بيمينه لايّ شيء كان ؟ فقال انما كان يتختم بيمينه لانه امام اصحاب اليمين بعد رسول الله (ص) و قد مدح الله عز و جل اصحاب اليمين و ذم اصحاب الشمال و قد كان رسول الله يتختم بيمينه و هو علامة لشيعتنا يعرفون به و بالمحافظة علي اوقات الصلوة و ايتاء الزكوة و مواساة الاخوان و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر .

و فيها باسناده عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله (ص) لعلي (ع) يا علم تختم باليمين تكن من المقربين قال يا رسول الله و ما المقربون ؟ قال جبرئيل و ميكائيل قال بم اتختم يا رسول الله ؟ قال بالعقيق الاحمر فانه اقرّ لله عز و جل بالوحدانية و لي بالنبوة و لك يا علي بالوصية و لولدك بالامامة و لمحبيك بالجنة و لشيعة ولدك بالفردوس .

[ص 31] و في الكافي باسناده الي بكير بن اعين قال سألت اباعبدالله (ع) و لايّ علة وضع الحجر في الركن الذي هو فيه و لم‌يوضع في غيره و لايّ علة يقبّل و لايّ علة اخرج من الجنة و وضع الميثاق و العقد فيه و لم‌يوضع في غيره و كيف السبب في ذلك تخبرني جعلني الله فداك فان فكري فيه لعجب قال فقال سألت و اعضلت و استقصيت فافهم الجواب و فرّغ قلبك و اصغ سمعك اخبرك ان شاء الله ان الله تبارك و تعالي وضع الحجر الاسود و هو جوهرة اخرجت من الجنة الي آدم (ع) فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق و ذلك انه لما اخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم حين اخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان تراأي لهم و في ذلك المكان يهبط الطير علي القائم (ع) فاول من يبايعه ذلك الطير و هو والله جبرئيل (ع) و الي ذلك المكان يسند القائم (ع) ظهره و هو الحجة و الدليل علي القائم (ع) و هو الشاهد لمن وافي في ذلك المكان و الشاهد علي من ادي اليه الميثاق و العهد الذي اخذ الله عز و جل علي العباد و اما القُبلة و الالتماس فلعلة العهد تجديداً لذلك العهد و الميثاق و تجريداً للبيعة ليؤدّوا اليه العهد الذي اخذ الله عليهم في الميثاق فيأتوه في كل سنة و يؤدّوا اليه ذلك العهد و الامانة التي اخذ الله عليهم الاتري انك تقول امانتي اديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة والله مايؤدّي ذلك احد غيرشيعتنا فانهم ليأتوه فيعرفهم و يأتيه غيرهم فينكرهم و يكذبهم و ذلك انه لم‌يحفظ ذلك غيرهم فلكم والله يشهد و عليهم والله يشهد بالخفر و الجحود و الحجة البالغة من الله عليهم يوم القيمة و يجيء و له لسان ناطق و عينان في صورته الاولي يعرفه الخلق و لاينكره ، يشهد لمن وافاه و جدّد الميثاق عنده بحفظ العهد و الميثاق و اداء الامانة و [ص 32] يشهد علي كل من انكر و جحد و نسي الميثاق بالكفر و الانكار و اما علة ما اخرجه الله من الجنة فهل تدري ما كان الحجر قلت لا ، قال كان ملكا من عظماء الملئكة عند الله فلما اخذ الله من الملائكة الميثاق كان اول من آمن به و اقرّ ذلك الملك فاتخذه الله امينا علي جميع خلقه فالقمه الميثاق و اودعه عنده و استعبد الخلق ان يجددوا عنده في كل سنة الاقرار بالميثاق و العهد الذي اخذ الله عز و جل عليهم ثم جعله الله مع آدم في الجنة يذكره الميثاق و يجدد عنده الاقرار في كل سنة فلما عصي آدم و اخرج من الجنة انساه الله العهد و الميثاق الذي اخذ الله عليه و علي ولده لمحمد (ص) و لوصيه (ع) و جعله تائها حيران فلما تاب الله علي آدم حوّل ذلك الملك في صورة درّة بيضاء فرماه من الجنة الي آدم و هو بارض الهند فلما نظر اليه انس اليه و هو لايعرفه باكثر من انه جوهرة فانطقه الله عز و جل فقال له يا آدم أتعرفني ؟ قال لا قال اجل استحوذ عليك الشيطان فانساك ذكر ربك ثم تحوّل الي صورته التي كان مع آدم في الجنة فقال لآدم اين العهد و الميثاق ؟ فوثب اليه آدم و ذكر الميثاق و بكي و خضع له و قبّله و جدد الاقرار و العهد و الميثاق ثم حوّله الله عز و جل الي جوهر الحجر درّة بيضاء صافية تضيء فحمله آدم (ع) علي عاتقه اجلالا له و تعظيما فكان اذا عيي حمله عنه جبرئيل (ع) حتي وافي به مكة فمازال يأنس به بمكة و يجدّد الاقرار له في كل يوم و ليلة ثم ان الله عز و جل لما بني الكعبة وضع الحجر في ذلك المكان لانه تبارك و تعالي حين اخذ الميثاق من ولد آدم اخذه في ذلك المكان و في ذلك المكان القم الملك الميثاق و لذلك [ص 33] وضع في ذلك الركن و نحّي آدم من مكان البيت الي الصفا و حوّا الي المروة و وضع الحجر في ذلك الركن فلما نظر آدم من الصفا و قد وضع في الركن كبّر الله و هلله و مجده و لذلك جرت السنة في التكبير و استقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا فان الله اودعه الميثاق و العهد دون غيره من الملئكة لان الله عز و جل لما اخذ الميثاق لله بالربوبية و لمحمد (ص) بالرسالة و النبوة و لعلي (ع) بالوصية اصطكّت فرائص الملائكة فاول من اسرع الي الاقرار ذلك الملك و لم‌يكن فيهم اشد حبا لمحمد (ص) و آل محمد عليه و عليهم السلام منه فلذلك اختاره الله من بينهم و القمه الميثاق و هو يجيء يوم القيمة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكل من وافاه الي ذلك المكان و حفظ الميثاق .

و في هذا الحديث الشريف اسرار لاتصل اليه عقولنا و انا اذكر منها ما افاضه الله عليَّ علي الاجمال .

فاقول ان الكعبة بنيت علي اربعة اركان ركن الي مشرق الاعتدال و يسمّي بالركن العراقي و فيه الحجر و ركن الي القطب الشمالي و يسمّي بالركن الشامي و ركن الي مغرب الاعتدال و يسمّي بالركن المغربي و ركن الي القطب الجنوبي و يسمّي بالركن اليماني فاذا توسّطت البيت و توجّهت الي المشرق بل جعلت البيت انسانا متوجها الي المشرق كان الركن العراقي وجهة لك و وجها له و الركن اليماني علي يمينك و يمينا له و الركن الشمالي علي شمالك و شمالا له و الركن المغربي خلفك و خلفا له و لما كان بناء الكعبة بحذاء البيت المعمور و هو قلب النبي (ص) كما في الاخبار و البيت المعمور بحذاء العرش و العرش له اربعة اركان كما مر كان اركان البيت بحذاء اركان العرش العقل و الروح و النفس و الطبيعة و بعبارة اخري النور الابيض و النور الاصفر و النور الاخضر و [ص 34] النور الاحمر و حملة العرش من الملئكة اربعة جبرئيل و اسرافيل و ميكائيل و عزرائيل و الاول ملك الخلق و الثاني ملك الحيوة و الثالث ملك الرزق و الرابع ملك الموت و الاول علي طبع النار و الثاني علي طبع الهواء و الثالث علي طبع الماء و الرابع علي طبع الارض و للاول من الرياح الجنوب و للثاني منها الصبا و للثالث منها الشمال و للرابع منها الدبور و للاول من الاخلاط الصفراء و للثاني الدم و للثالث البلغم و للرابع السوداء .

و يدل علي ما ذكرنا من طبايع الرياح ما رواه القمي في تفسيره عن الباقر (ع) في حديث طويل في صفة خلق آدم : ثم خلط المائين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفأهما قدّام عرشه و هما سلالة من طين ثم امر ملئكة الجهات الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور ان يجولوا علي هذه السلالة الطين فابرأوها و انشأوها ثم جزّوها و فصّلوها و اجروا فيها الطبايع الاربع فالدم من ناحية الصبا و البلغم من ناحية الشمال و المِرّة الصفراء من ناحية الجنوب و المِرّة السوداء من ناحية الدبور ، الحديث .

و يدل عليه ايضا ما روي عن الرضا (ع) من ان سلطان الدم من الولادة الي خمسةعشر سنة و هو سن الصبي و ما روي في الحديث البُعد بين البئر و البالوعة من انه اذا كانت البالوعة في جهة الجنوب و البئر في جهة الشمال كفت خمسة اذرع لان مبادي المياه كلها من مهبّ الشمال و الدبور اشتقاقه من الدبر و من معانيه الموت و ايضا الانسان في سن الصبي مقبل و يقابله الدبور فهو فيه مدبر .

[ص 35] و لي مؤيدات اخر لهذا التفصيل مثمرة لليقين و ان لم‌ينفع غيري و كان شيخنا الاوحد الامجد زين العارفين الشيخ احمد بن زين الدين الاحسائي مدّ الله ظله و نفعنا به يقول بان الجنوب حارة رطبة و الصبا باردة رطبة و الشمال باردة يابسة و الدبور حارة يابسة و ذكره في مصنفاته الشريفة .

و يدل عليه من الاخبار ما رواه في العلل في حديث طويل عن ابي جعفر عن امير المؤمنين (ع) في باب التاسع و التسعين في علة الطبايع و الشهوات و المحبات الي ان قال : فجالت الملئكة عليها و هي الشمال و الصبا و الجنوب و الدبور فاجروا فيها الطبايع الاربع قال و الريح في الطبايع في البدن من ناحية الشمال قال و البلغم في الطبايع الاربع في البدن من ناحية الصبا قال و المرّة في الطبايع الاربع في البدن من ناحية الدبور و الدم في الطبايع الاربع في البدن من ناحية الجنوب .

و في العلل عن الحسن بن علي عن رسول الله صلوات الله عليهم انه سأله بعض اليهود عن اشياء فكان فيما سألوه ان قال له احدهم لايّ شيء سمّيت الكعبة كعبة فقال النبي (ص) لانها وسط الدنيا . و فيه عن الصادق (ع) انه سئل لم سميت الكعبة كعبة ؟ قال لانها مربعة فقيل له و لم صارت مربعة ؟ قال لانها بحذاء البيت المعمور و هو مربع فقيل له و لم صار البيت المعمور مربعا ؟ قال لانه بحذاء العرش و هو مربع فقيل و لم صار العرش مربعا ؟ قال لان الكلمات التي بني العرش عليها اربع و هي سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر . و فيه عن ابي الحسن الرضا (ع) علة وضع البيت وسط الارض لانه الموضع الذي من تحته دحيت الارض و كل ريح تهب في الدنيا فانها تخرج من تحت الركن الشامي و هي اول بقعة وضعت في الارض [ص 36] لانها الوسط ليكون الفرض لاهل الشرق و الغرب في ذلك علي السواء . و فيه عن ابي‌عبدالله (ع) ان الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي فاذا اراد الله عز و جل ان يرسل منها شيئا اخرجه اما جنوبا فجنوب و اما شمالا فشمال و اما الصبا فصبا و اما دبورا فدبور ثم قال و آية ذلك انك لاتزال تري هذا الركن متحركا ابدا في الشتاء و الصيف و الليل و النهار . و فيه عنه (ع) ان الحجر الاسود و الركن اليماني عن يمين العرش و انما امر الله تبارك و تعالي ان يستلم ما عن يمين العرش قلت فكيف صار مقام ابراهيم (ع) عن يساره ؟ قال لان لابراهيم مقاما في القيمة و لمحمد (ص) مقاما فمقام محمد (ص) عن يمين عرش ربنا و مقام ابراهيم (ع) عن شمال عرشه فمقام ابراهيم (ع) في مقامه يوم القيامة و عرش ربنا مقبل غير مدبر . و فيه عنه (ع) قال مر عمر بن الخطاب علي الحجر الاسود فقال والله يا حجر انا نعلم انك حجر لاتضر و لاتنفع الا انا رأينا رسول الله (ص) يحبك فنحن نحبك فقال له امير المؤمنين (ع) كيف يا ابن الخطاب فوالله ليبعثنه الله يوم القيمة و له لسان و شفتان فيشهد لمن وافاه فهو يمين الله في ارضه يبايع بها خلقه فقال عمر لاابقانا الله في بلد لايكون فيه علي بن ابيطالب . و فيه انه سَئل رجل امير المؤمنين (ع) عن اكرم وادٍ علي وجه الارض فقال له وادٍ يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء .

[ص 37] فالركن المشرقي هو الركن الايمن الاعلي و الركن اليماني هو الركن الايمن الاسفل و اما الجهات فالذي يظهر من الاخبار و كلام اهل الاعتبار ان المشرق حار يابس و المغرب بارد رطب و الشمال حار رطب و الجنوب بارد يابس .

و يدل عليه قوله (ع) ان الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي و ما رواه في الكافي باسناده الي ابي بصير قال سألت اباجعفر (ع) عن الرياح الاربع الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و قال له ان الناس يذكرون ان الشمال من الجنة و الجنوب من النار فقال ان لله من رياح يعذب بها من يشاء فلكل ريح منها ملك موكل بها الي ان قال فاذا اراد الله ان يهبّ شمالا امر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت رياح الشمال حيث يريد الله من البر و البحر و اذا اراد الله ان يبعث جنوبا امر الملك الذي اسمه الجنوب فيهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر و البحر حيث يريد الله و اذا اراد الله ان يبعث الصبا حيث يريد الله عز و جل في البر و البحر امر الملك الذي اسمه الصبا فيهبط علي البيت فقام علي الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا في البر و البحر حيث يريد الله و اذا اراد الله ان يبعث دبورا امر الملك الذي اسمه الدبور فيهبط علي البيت فقام علي الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر و البحر ، الحديث .

[ص 38] فالركن الذي فيه الحجر هو ركن العقل و هو اقرب الموجودات المقيدة الي مشرق شمس الحقيقة فالملك الذي يسمّي حجرا يجب ان يكون فيه لانه كما مرّ اشدّهم حباً لمحمد (ص) و اسرعهم اقراراً فهو افضل الملائكة كما ورد انه سئل لم صرت افضل الانبياء ؟ فقال لاني اول من اقر و قال بلي ، فهذا الملك اذا تراأي و تجسد في الملك فلا بد ان يتراأي في هذا المكان و القائم (ع) اذا ظهر يسند ظهره الي هذا الركن البتة لان اعتماد ملكه الذي هو جهة ظهوره لنا علي ملكوته و جبروته و في هذا المقام يهبط الطير عليه فان الملك اذا نزل و هبط و تجسد في مقام حفظ المواثيق فلا بد ان يكون حجرا صلبا حافظا محفوظا باقيا من لدن آدم الي ابد الدهر حتي يجاء كل سنة و يؤدّي المواثيق اليه و يحفظها و اذا نزل علي القائم في مقام نصرته فلا بد ان يكون علي صورة الطير ليظهر جهات قوته و هي اجنحته و لمصالح اخر بادني تأمل يظهر و الحجر لونها البياض كما ان لون العقل البياض و اذا نزل من عالم النور الي عالم الظلمة يصير ظاهره اسود و هي سواد ظلمة الكثرة و عالم الشرك كما اشار اليه في الحديث و انما هبط علي آدم و هو بارض هند اعني سرانديب لانه من بلاد خط الاستواء و آدم سقط من السماء مستويا كما اشير اليه بقوله تعالي الذي خلقك فسوّيٰك فعدلك و قوله تعالي فاذا سوّيته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين و في حديث آخر انه سقط علي الصفا بمكة و هذا ايضا يرجع اليه كما قال الصادق (ع) في جواب ابن ابي العوجاء في وصف الكعبة : منصوب علي استواء الكمال و مجتمع العظمة و الجلال . و هذا بخلاف حوّاء فانها لما خلقت من الضلع الايسر لآدم لان مربع آدم خمسة و اربعون لان له تسعة بيوت فاذا [ص 39] بدأت من الواحد و ختمت بالتسعة و جمعت من الواحد الي تسعة حصلت لك خمسة و اربعون بعدد اسمه الشريف و حصلت المطابقة بينه و بين الكعبة التي هي مربع تام من هذه الجهة ايضا و كل ضلع من هذا المربع خمسةعشر بعدد حواء و الضلع الاعلي هو الضلع الناري و الاسفل هو الترابي و الايمن هو الهوائي و الايسر هو المائي و هو النفس كما عرفت في اركان البيت و حوّاء خلقت من الضلع الايسر لآدم كما قال خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فمن غلبة البرودة و الرطوبة تحتاج الي تعديل فمن هذه الجهة سقطت بجدة تحت نقطة الانقلاب الصيفي و لاجلها سميت بجدة لسقوط جدتنا اعني حوّاء بها و هي علي مرحلتين من مكة تقريبا و عرضها شمالي يقرب من الميل الكلي و آدم هو المربع التام فهو مستو في نفسه معدل في اصله .

و يدل عليهما ما رواه الصدوق في العلل في باب علة خلق الكلب بسنده عن علي بن ابيطالب (ع) ان النبي (ص) سئل مما خلق الله عز و جل الكلب ؟ قال خلقه من بزاق ابليس قيل و كيف ذلك يا رسول الله (ص) ؟ قال لما اهبط الله آدم و حوّا الي الارض اهبطهما كالفرخين المرتعشين فعدا ابليس الملعون الي السباع و كانوا قبل آدم في الارض فقال لهم ان طيرين قد وقعا من السماء لم‌ير الراؤن اعظم منهما تعالوا فكلوهما فتعادت السباع معه و جعل ابليس يحثّهم و يصيح و يعدهم بقرب المسافة فوقع من فيه من عجلة كلامه بزاق فخلق الله عز و جل من ذلك البزاق كلبين احدهما ذكر و الآخر انثي فقاما حول آدم و حوّاء الكلبة بجدة و الكلب بهند فلم‌يترك السباع ان يقربوهما و من ذلك اليوم الكلب عدوّ السبع و السبع عدوّ الكلب .

[ص 40] و في هذا الحديث الشريف ايضا اسرار اذكر ما تيسر لي منها فيما بعد ان شاء الله تعالي .

فالركن المشرقي هو الاصل و الركن اليماني عن يمينه و من هذه العلة سمّي اليمن بيمن و الاول هو النبي (ص) و بابه مفتوح و الثاني هو علي (ع) و هو اليمين و بابه مسدود في الظاهر و هو مستجار و هو بحذاء الباب لعن الله من منع من فتحه و سيفتح ان شاء الله تعالي و الركن الشامي عن يساره و لهذه العلة سمي بشام فاصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و اصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة و لما كان هو و الركن المغربي بعيدين عن ركن العقل باطنا و ظاهرا جعل عليهما الحجر اعني حجر اسمعيل (ع) و هو صورة العقل و لهذا سمّي باسمه ليجبر نقصهما و ليدخلا تحت حكم العقل .

و في الكافي عن ابي‌عبدالله (ع) قال ان آدم لما اهبط الي الارض هبط علي الصفا و لذلك سمي الصفا لان المصطفي (ص) هبط عليه فقطع للجبل اسم من اسم آدم لقول الله عز و جل ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين و هبطت حوّا علي المروة و انما سميت المروة بالمروة لان المرأة هبطت عليها فقطعت للجبل اسم من المرأة و هما جبلان عن يمين الكعبة و شمالها .

و المعني منهما و من سرانديب و جدّة واحد فيمين الكعبة التي هي صورة عرش الرحمن الجهة العقلية و شمالها الجهة النفسية فالرجل مظهر العقل و هو فاعل و المرأة جهة النفس و هي منفعلة و لهذا خصّوا (ع) الغيرة بالرجل و سمّوا ما في النساء بالحسد و عنوا عليهم السلام بالبلدين في الحديث الاول اعني سرانديب و جدّة و بالجبلين في الحديث الاخير اعني الصفا و المروة جسدي آدم و حوّا الذين ( اللذين [ص 41] ظ ) هبطا من الجنة عليهما و مما ذكرنا يظهر سرّ اختلاف مسافة الحرم من الجهات الاربع باعتبار القرب و البعد من مشرق الشمس و في تحديدها اختلاف في الظاهر فذكر شيخنا الاوحد الشيخ احمد الاحسائي ادام الله علوّه و مجده في بعض اجوبته ان حدود الحرم اثني عشر ميلا طولا و عرضا فمن المشرق الي الكعبة احدعشر ميلا و من المغرب ميل واحد و من الشمال اربعة اميال و من الجنوب ثمانية .

و هذا التحديد باعتبار الباطن غريب قريب علي ما افهم و الله العالم لان جهة المشرق غاية القوة للوجود المقيد و جهة المغرب غاية ضعفه ففي الجهة الاولي النور احدعشر جزء و الظلمة جزء واحد للتميز و التحديد و في الثانية بالعكس لسدّ الرمق و في الجهتين الاخيرين لوحظ الذكورة و الانوثة لان جهة اليمين للرجل و جهة اليسار للمرءة و للذكر مثل حظ الانثيين . و يدل عليه في الجملة ما رواه في العلل في باب علة التحريف الي اليسار باسناده عن المفضل بن عمر قال سألت اباعبدالله (ع) عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه فقال ان الحجر الاسود لما انزل به من الجنة و وضع في موضعه جعل انصاب الحرم من حيث لحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة اربعة اميال و عن يسار الكعبة ثمانية اميال كله اثني عشر ميلا فاذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد الكعبة لقلة انصاب الحرم و اذا انحرف ذات اليسار لم‌يكن خارجا عن حد القبلة بحملها علي يمين الكعبة باعتبار يمين المصلي و يسارها باعتبار يساره في البلاد الشرقية و هو ظاهر و منه يظهر سرّ استحباب التياسر في هذه البلاد لان يسار المصلي هي يمين الكعبة حقيقة فيستحب لشيعة علي (ع) الذي هو اليمين لكونهم من اصحابه الميل اليه فالانحراف الي اليسار في الحقيقة انحراف عن اليسار الي اليمين فاغتنم و كن من الشاكرين و مخالفونا يميلون الي يمينهم و [ص 42] هو ميل الي يسار الكعبة و هو الركن الشمالي الشامي و هو ركنهم قال تعالي فاصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و اصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة و السابقون السابقون اولئك المقربون ثم بعد ذكر ما للمقربين قال و اصحاب اليمين ما اصحاب اليمين ثم ذكر ما لهم ثم قال و اصحاب الشمال ما اصحاب الشمال الي آخر ما قال و السابقون هم الائمة و اولهم علي (ع) بعد النبي (ص) و اصحابه يمانيون و اصحاب الميمنة و اصحاب اليمين و النواصب شاميون و اصحاب المشئمة و اصحاب الشمال و بعض الفضلاء المعاصرين ادام الله تأييده بعد ما سمع مني هذا السر في هذه الآيات قال نقلوا ان اصحاب امير المؤمنين (ع) في حرب صفين كانوا من اهل اليمن و قتلوا و لم يبق منهم الا مأتان فاراد تعالي ان ينص لاهل الاشارة علي اصحاب معاوية بانهم من اهل الشام الذي هو علي شمال الكعبة بقوله اولا و اصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة و ثانيا بقوله و اصحاب الشمال ما اصحاب الشمال و علي اصحاب علي (ع) بقوله اولا و اصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و ثانيا بقوله و اصحاب اليمين ما اصحاب اليمين و الشمال بالكسر كما يطلق علي ما يقابل اليمين يطلق علي الريح و علي ما يقابل الجنوب قال في القاموس الشمال و يكسر الريح التي تهبّ من قبل الحجر و قال الراغب في مفرداته الشمال الريح الهابّة من شمال الكعبة و يشير اليه ما رواه في العلل باسناده الي ابي رافع قال ان رسول الله (ص) خطب الناس فقال ايها الناس ان الله عز و جل امر موسي (ع) و هرون ان يبنيا لقومهما بمصر بيوتا وامرهما ان لايبيت في مسجدهما جنب و لايقرب فيه النساء الا هرون و ذريته و ان عليا مني بمنزلة هرون من موسي فلايحل لاحد ان يقرب النساء في مسجدي و لايبيت فيه جنب الا عليٌّ و ذريته فمن سائه ذلك فهيهنا و [ص 43] ضرب بيده نحو الشام ، فاشار (ص) بقوله هذا الي ان اهل الشام من اصحاب الشمال و اصحاب علي (ع)هم اصحاب اليمين فافهم . و روي فيها ايضا عن حذيفة بن اسيد الغفاري قال ان النبي (ص) قام خطيبا فقال ان رجالا لايجدون في انفسهم ان اسكن عليا في المسجد و اخرجهم والله مااخرجتهم و اسكنته بل الله اخرجهم و اسكنه ان الله عز و جل اوحي الي موسي و اخيه ان تبوءا لقومكما بمصر بيوتا و اجعلوا بيوتكم قبلة و اقيموا الصلوة ثم امر موسي ان لايسكن مسجده و لاينكح فيه النساء و لايدخله جنب الا هرون و ذريته و ان عليا مني بمنزلة هرون من موسي و هو اخي دون اهلي و لايحل لاحد ان ينكح فيه الا عليّ و ذريته فمن ساءه فهيهنا و اشار بيده نحو الشام .

و هذه الآية في سورة يونس و لها باطن الهمني الله به و هو ان المراد من موسي و هرون هو النبي (ص) و الوصي (ع) و القوم مصدر بمعني القيام كما في القاموس و مصر هو الملك او محله و هو مسكن فرعون و البيوت هي الاجساد الطاهرة الملكية للائمة (ع) التي هي محال بيتوتتهم و هي قبلة للناس يتوجهون اليها عند اقامتهم ولايتهم و اطاعتهم لهم فيما يأمرون به و ينهون عنه في العالم الملكي و قد عرفت ان القيام هو الملك و قال تعالي حكاية عن فرعون أليس لي ملك مصر و قال تعالي ان اول بيت و هو علي (ع) وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين و قال بعد آية النور في بيوت و هم الائمة (ع) اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ و الآصال رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار و [ص 44] قال (ع) اقامة الصلوة اقامة ولايتي ، فافهم الاشارات في الاخبار و الآيات فقد كررتها للتذكر فتذكر .

و ذكر بعض المشايخ المعاصرين ناقلا عن التواريخ و بعض المناسك ان طول الحرم دور مكة و هو الذي يدور بانصاب الحرم سبعة و ثلاثون ميلا حدّه من طريق المدينة دون التنعيم بقليل و قيل ان التنعيم علي ثلثة اميال من مكة و من طريق اليمن علي سبعة اميال عند اضائة لبن - بكسر اللام و سكون الباء الموحدة بعدها نون - و من طريق الجوانة من جهة البرور المعروف الآن بشعب آل عبد بن خالد علي تسعة اميال و من طريق جدّة علي عشرة اميال عند البئر المعروف الآن ببئر شميس . و عن ابن ادريس (ره) ان نصفه في الحل و نصفه في الحرم و قيل انه من جهة يمينه بقليل و من طريق الطائف علي عرفات من طريق غير الجبل فسبعة اميال عند جمهور المورّخين و الله اعلم انتهي .

و المسافة الي عرفات اربعة فراسخ و هي في جهة مشرق البيت و السير اليها سير الي المشرق و هي بريد فاذا سافر العبد من الكعبة التي جعلها الله قياما اي ملكا الي الموقف تم سيره الي الله و عرفه و اذا عرفه رجع الي البيت فيصير سفرا تاما بريد ذاهبا و بريد جائيا فيجب عليه القصر فمن حيث ان الله تعالي جعلها قياما فهي صورة عالم الملك فهي مبدأ السير الي الله و مني و المشعر وسط المسافة و عرفة آخرها فحين الذهاب لما كان مأمورا بالمضي حيث امر بلا التفات لقوله تعالي فاسر باهلك بقطع من الليل و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون لم‌يشرع له عمل الا اللبث بالليل بمني التي هي محل الاماني و الآمال الحاجبة حتي تطلع عليه الشمس و يجوز بنورها عن هذا المحل و يصل الي مقام معرفة النفس التي هي عين معرفة الرب و يشهد له ان من حدود عرفات اراك [ص 45] فهي اشارة الي اني اراك في هذا الموقف و اذا رآه عرفه و هذا تمام قوس الاقبال و غاية القرب و يكون الحق سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به فاذا ادبر و رجع الي الخلق صار يد الحق و عينه واذنه و لسانه و شرعت له عبادات و مناسك بحسب مقاماته و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره علي الله و هو اجره ، هذا طور .

و طور آخر ان اول السير من عرفة فيوقفه قبل الدخول الي الحرم ليستعد له و يأخذ اهبته و بعد الدخول في الحرم يوقفه في مقام آخر قبل الوصول الي البيت فاذا طال التضرع و كمل الاستعداد اذن له في زيارة بيته و الدخول فيه لانه بمنزلة العرش و هذا مروي عن اميرالمؤمنين (ع) و في العلل عن الصادق (ع) انه سئل عن ذلك فقال لان الكعبة بيت الله و الحرم حجابه و المشعر بابه فلما ان قصده الزائرون وقفهم بالباب حتي اذن لهم بالدخول ثم وقفهم بالحجاب الثاني و هو مزدلفة فلما نظر الي طول تضرعهم امرهم بتقريب قربانهم فلما قرّبوا قربانهم و قضوا تفثهم و تطهروا من الذنوب التي كانت لهم حجابا دونهم امرهم بالزيارة علي طهارة ، الحديث .

و يؤيد الوجه الاول تسمية البيت بيتا فان اشتقاقه من البيتوتة و هي انما يكون بالليل و منه يظهر سرّ استحباب صلوة ركعتين تحت السماء و الاعتراف بعدها بالذنوب لمن لم‌يكن بعرفات فان الصلوة معراج المؤمن و هي الولاية و الولي و هو السبيل الي الله كما قال (ع) نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، فاذا صلي صلوة تامة و عرف نفسه و اعترف بذنوبه التي هي من جهة نفسه باعتبار و عرف ربه وصل الي عرفات و وقف بها فيدعوا بما بدء له من المأثور و غيره و قد ورد في علة تسمية [ص 46] عرفات ان جبرئيل (ع) لما اوقف آدم (ع) كما في حديث و ابرهيم علي نبينا و آله و عليه الصلوة و السلام كما في آخر في هذا المقام قال لهما اعترف بذنبك و في حديث علي ما ببالي ان آدم عرف حوّا بعد ما هبط من الجنة و افترقا ثم اجتمعا في هذا الموقف و هما في الباطن العقل و النفس و هما زوجان فهذا المقام في كل اعتبار مقام معرفة النفس بكلا المعنيين و صفاتها و لوازمها و انما يكون تحت السماء لان الموقف ليس فيه بناء و لانه مقام المعرفة فلايناسب الحجاب و لان البيت كما عرفت مقام البيتوتة و هي بالليل و هو يوم عرفة فاعرف و في الحديث المروي في الكافي و العلل ان جبرئيل (ع) اخذ الكبش الذي فدي بها اسمعيل من قلة ثبير ، و في القاموس ثبير كامير جبل عظيم بالمزدلفة و الذي يظهر لي من الاخبار الواردة في ان المراد من الذبح العظيم هو الحسين (ع) و عبّروا عليهم السلام عنه بالكبش الاملح اي المختلط لونه من السواد و البياض كما عبّر عز اسمه عنه (ع) بالفجر و بصلوة الفجر لاختلاط ضوئه بالظلمة ان ثبيرا فعيل بمعني المفعول او الفاعل و الثبور بمعني الهلاك و مصيبته (ع) فوق كل مصيبة و هو الذي يقول في مصيبته الثقلان و الملئكة واثبوراه فهو عليه السلام مأخوذ من قلة ثبير الذي هو جبل عظيم بمزدلفة اي المحل الذي يحصل فيه الزلفي و هو (ع) ايضا الجبل العظيم كما فسّروا (ع) قوله تعالي و الجبال اوتادا بالائمة عليهم السلام و هو (ع) ايضا الهالك بالطف كما ورد في تفسير قوله تعالي كهيعص ففي الاكمال عن الحجة القائم (ع) في حديث انه سئل عن تأويلها فقال (ع) هذه الحروف من انباء الغيب اطلع الله عبده زكريا عليها ثم قصّها علي محمد (ص) و ذلك ان زكريا (ع) سئل ربه ان يعلّمه اسماء الخمسة فاهبط الله عليه جبرئيل (ع) [ص 47] فعلّمه اياها فكان زكريا اذا ذكر محمدا (ص) و عليا (ع) و فاطمة و الحسن سري عنه همّه و انجلي كربه و اذا ذكر الحسين (ع) خنقته العبرة و وقعت عليه البهرة فقال ذات يوم الهي ما بالي اذا ذكرت اربعا منهم تسلّيت باسمائهم من همومي و اذا ذكرت الحسين (ع) تدمع عيني و تثور زفرتي فانبأه تبارك و تعالي عن قصته فقال كهيعص فالكاف اسم كربلاء و الهاء هلاك العترة و الياء يزيد لعنه الله و هو ظالم الحسين (ع) و العين عطشه و الصاد صبره ● فلما سمع بذلك زكريا لم‌يفارق المسجد ثلثة ايام و منع فيه الناس من الدخول عليه و اقبل علي البكاء و النحيب و كانت ندبته الهي اتفجع خير خلقك بولده اتنزل بلوي هذه الرزية بفنائه أتلبس عليا و فاطمة ثياب هذه المصيبة الرزية الهي اتحلّ كرب هذه الفجيعة بساحتها ثم كان يقول الهي ارزقني ولدا تقرّ به عيني عند الكبر و اجعله وارثا وصيا و اجعل محله مني محل [ص 48] الحسين (ع) فاذا رزقتنيه فافتنّي بحبه ثم افجعني به كما تفجع محمدا (ص) حبيبك بولده فرزقه الله يحيي و فجعه به و كان حمل يحيي ستة اشهر و حمل الحسين (ع) كذلك ، و مما ذكرنا يظهر سرّ ما ورد من انه يستحب في الصلوة علي الميت ان يقوم الامام او المنفرد محاذيا لوسط الرجل و صدر المرأة و في رواية محاذيا لرأسه و صدرها . فقد عرفت ان الرجل مظهر العقل و المرءة مظهر النفس و في الانسان الصدر مظهر النفس و محل الصور العلمية و القلب مظهر العقل و مجمع المعاني و في الحديث و العقل وسط الكل ، هذا باعتبار .

و باعتبار آخر لما كان العقل اول الموجودات المقيدة فهو بمنزلة الرأس و اعلي الموجودات الممكنة و لما كانت الشريعة علي طبق الحقيقة فالشارع سن في الصلوة علي المرأة ان يقوم الامام او المنفرد محاذيا لصدرها لانها نفس و هو مظهر لها و في الصلوة علي الرجل لانه عقل يجوز ملاحظة اوليته و وسطيته فيحاذي باول الاعتبارين رأسه و بثانيهما وسطه فافهم و اغتنم .

و يظهر ايضا سرّ كراهة السود من الثياب الا ثلثة العمامة و الكساء و الخف و هو انه لما كان الشريعة علي طبق الحقيقة و كانت العوالم الكلية ثلثة الجبروت و الملكوت و الملك ، و الجبروت عالم القدس و الطهارة و النور و كذا الملكوت و اما الملك فهو عالم السواد و الظلمة فاذا اعتبرنا المراتب في الصورة كان جسد الانسان بمنزلة عالم الجبروت و الشعار بحذاء الملكوت كما يشير اليه قوله تعالي و من يعظم شعائر الله فانها من تقوي القلوب و قال في الصدر او خلقا مما يكبر في صدوركم فالصدر في ذلك الاعتبار من عالم الكبرياء و القلب من عالم العظمة و في هذا الاعتبار الدثار بمنزلة الملك كما في قوله تعالي [ص 49] يا ايها المدّثّر قم فانذر و ربّك فكبّر و المعروف من عادة الناس في اللباس ان العمامة مرتبة الظاهر في الرأس فهي بمنزلة الملك و القلنسوة وسطه فهي بمنزلة الملكوت و الرأس باطنه فهي بمنزلة الجبروت و كذا في الكساء و القميص و الجسد و في الخف و السراويل و الجورب و الرجل فالثلثة المستثناة عالم الظاهر و هو عالم الكثرة و البعد و الظلمة و السواد فالتشريع علي طبق التكوين و يظهر من هذه الفائدة سر نزول القرآن في ليلة القدر اي الضيق او التقدير اي وضع الحدود و الضيق اما لكثرة الملئكة او لانه من لوازم التنزل و الظلمة كالسعة للنور و لهذا سمي النهار نهارا و يظهر سر مواعدة موسي اربعين ليلة و سرّ سواد ثياب الكعبة و سرّ كون ماء الحيوة في الظلمات و سرّ سواد الحجر الاسود و سرّ استحباب كتابة القرآن بالسواد فانها آخر مراتبه في النزول و سرّ غروب الشمس في عين حمئة و طلوعها علي قوم لم‌يجعل لهم من دونها سترا و سرّ امره صلي الله عليه و آله بالقيام بالليل الي غير ذلك من الاسرار كما يظهر لمن تتبع الآثار و نظر فيها بعين الاعتبار .

و اما سرّ الجهر و الاخفات في قراءة الصلوة فقد روي في العلل باسناده عن محمد بن حمزة قال قلت لابي‌عبدالله (ع) لايّ علة يجهر في صلوة الفجر و صلوة المغرب و صلوة العشاء الآخرة و ساير الصلوات مثل الظهر و العصر لايجهر فيها ؟ الي ان قال عليه السلام : لان النبي (ص) لما اسري به الي السماء كان اول صلوة فرضه الله عليه صلوة الظهر يوم الجمعة فاضاف الله عز و جل اليه الملئكة تصلي خلفه و امر الله عز و جل نبيه صلي الله عليه و آله ان يجهر بالقرائة ليبين لهم فضله ثم افترض عليه العصر و لم‌يضف اليه احدا و امره ان يخفي القرائة لانه لم‌يكن ورائه احد ثم افترض عليه [ص 50] المغرب ثم اضاف اليه الملئكة فامره بالاجهار و كذلك العشاء الآخرة فلما كان قرب الفجر افترض الله عز و جل عليه الفجر فامره بالاجهار ليبيّن للناس فضله كما بيّن للملئكة فلهذه العلة يجهر فيها ، الحديث ، فاعلم انه كما يظهر من الآيات و الاخبار و يشهد له الاعتبار ان اليوم عبارة عن اقبال العبد الي الله و الليل عبارة عن ادباره عنه تعالي و لما كان السير العروجي من الكثرة الي الوحدة و من الظلمات الي النور فالاسراء يقع بالليل لكن العروج في اليوم كما قال تعالي تعرج الملئكة و الروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة و السرّ فيه ان العبد اذا اقبل علي الله اشرق عليه شمس الحقيقة و ظهر له اثر التوحيد فيطلع الفجر فيكون يوما و اذا ادبر و نزل صار وجهه الي الظلمة و الكثرة و الظلمة مقبلة عليه فيصير ليلا كما قال تعالي انا انزلناه في ليلة القدر و ما ادريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر تنزل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام ففي الاسراء في العروج ما لم‌يصل الي مقام الجمع لم‌يظهر له الولاية المطلقة الكلية و في العروج يصل اولا الي ظاهر الولاية ثم الي باطنها فاول صلوة افترضه الله عليه صلوة الظهر يوم الجمعة و لما كانت ظهرا فما وصلت بعد الي مقام التوحيد فلاتخلوا عن كثرة و لذا اضاف اليه الملئكة و امره بالاجهار ليبين للملائكة فضله ثم لما ترقي الي مقام التوحيد و هو معرفة النفس بحذف الاضافات و فك القيود و الآصار و الاغلال بشهود الوحدة الحقة و الولاية المطلقة كان (ص) منفردا في صلوته و لم‌يضف اليه احدا لانه لم‌يكن هناك احد ففي هذا المقام لايجوز شرعا و لا حقيقة الاجهار بالقرائة كما قال تعالي و خشعت الاصوات للرحمن فلاتسمع الا همسا بعد قوله [ص 51] و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لاتري فيها عوجا و لا امتا و قال و كم اهلكنا قبلهم من قرن هل تحسّ منهم من احد او تسمع لهم ركزا و هذا في مقام ظهور نور الوجه و هلاك كل شيء كما عبر عنه امير المومنين (ع) بقوله محو الموهوم مع صحو المعلوم و قوله جذب الاحدية لصفة التوحيد ، و هذا في مقام دني او ادني و اذا رجع عن السفر و ادبر يكون نظره بالله و سمعه بالله بل عين الله و سمعه و اذنه و يصير ليلا فاول صلوة افترضها الله عليه بالليل صلوة المغرب ثم صلوة العشاء الآخرة و اذا تم قوس الادبار طلع الفجر لان آخر قوس الادبار اول قوس الاقبال لكنه صلي الله عليه و آله يكون في عالم الناسوت لانه بعد تمام المعراج بطي مراحل قوسي الاقبال و الادبار فاضاف اليه الناس و امره بالاجهار ليبين لهم فضله كما بينه للملئكة في حالتي الاقبال و الادبار فظهر ان يوم العروج لم تشرع صلوة في اوله بل اول صلوة افترضها الله عليه اول الزوال و في وسط النهار لانه ما لم‌تزل الشمس لم‌يحتج الي اقامة الصلوة و من هنا يظهر سرّ الاسفار الاربعة و ان الاول هو السفر من الخلق الي الحق من غير تقييد بالحق و الثاني هو السفر في الحق بالحق و الثالث هو السفر من الحق الي الخلق بالحق و الرابع هو السفر في الخلق بالحق فافهم فانه دقيق جدا و قبل الاطلاع علي هذا الحديث الشريف سألني بعض الاكابر عن علة الجهر و الاخفات فاجبته بما في الحديث الآتي ثم تدبرت في استكشاف سرّه و خلوت بنفسي و استعنت بربي في كشف الاعضال فنفث في روعي و خطر بالبال ان الصلوة لما كانت صورة الولاية و الولي كما عرفت و الوجود التشريعي علي طبق التشريع الوجودي و الصلوات الخمس موزعة علي الخمسة صلوات الله عليهم [ص 52] فالظهر لرسول الله (ص) و هو عقل الكل و هو ظاهر في بطونه و العصر لامير المؤمنين (ع) لانه نفس الله و نفس النبي و نفس الكل كما اشير اليه في قوله تعالي تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك و قوله تعالي و انفسنا و انفسكم و قوله تعالي أفمن هو قائم علي كل نفس بما كسبت و في تفسير ظاهر الظاهر عليّ كل نفس و العقل اذا عصر صار نفسا و فسّروا قوله تعالي و العصر به (ع) و نورهما كان ظاهرا في وقتهما بتفاوت و المغرب لفاطمة عليها السلام لقصر زمانها بعد غروب شمس النبوة و لهذا ورد ان لكل صلوة وقتين الا المغرب ، فان وقتها عند وجوب الشمس اي غروبها و سقوطها و العشاء للحسن (ع) من جهة خفاء الحق في زمانه و لهذا سميت بصلوة العتمة و هي الظلمة و صلوة العشاء فان الاعشي من لايبصر بالليل و الفجر للحسين (ع) لان بشهادته انفجر عن الظلام و ظهر شيء من النور للانام فالاوليان نهاريتان و الثالثة و الرابعة ليليتان و الخامسة و ان كانت نهارية لكنها قريبة من الليل كما ورد انه يجهر فيها بالقراءة لان النبي (ص) كان يغلّس بها لقربها من الليل و الغَلَس محركة الظلام و قال (ص) اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله و عترتي فانهما لن يفترقا حتي يردا عليَّ الحوض ، فهم مع الكتاب و الكتاب معهم بل هم الكتاب كما قال تعالي الم ذلك الكتاب لا ريب فيه لانه عين اليقين و باب علم الرسول الامين هدي للمتقين و هم شيعته من الاولين و الآخرين الذين اتقوا من ولاية فلان و فلان و فلان و قال تعالي الله نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة صدر النبي (ص) فيها مصباح فيه نور العلم يعني النبوة [ص 53] المصباح في زجاجة يعني صدر العلم من صدر محمد (ص) الي قلب علي عليه السلام الزجاجة كانها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ابراهيمية زيتونة لا شرقية و لا غربية لا يهودية و لا نصرانية قال الله تعالي ماكان ابرهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ماكان من المشركين و في الحديث قال ذاك امير المؤمنين علي بن ابيطالب (ع) لا يهودي و لا نصراني ● ثم قال او كظلمات في بحر لجي و هي ولاية الطواغيت يغشاه موج ولاية الاول من فوقه موج ولاية الثاني من فوقه سحاب ولاية الثالث ● و سيظهر ان شاء الله تعالي سرّ الفوقية .