اسرار الصلوة
من تصنيفات المرحوم المبرور الحاج رجبعلي اليزدي رضوان الله عليه
[ص 3] * * * *
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
الحمد لله رب العالمين و العاقبة للمتقين و الصلوة و السلام علي محمد و آله الطاهرين .
و بعد فالمعروض علي اخواني المؤمنين و اخلّائي المتقين ان الصلوة لما كانت عمود الدين اذا قبلت قبل ما سواها و اذا ردّت ردّ ما سواها و فيها اسرار لاتتناهي و قد فتح الله عليَّ باباً منها فرأيت من الواجب عرضه علي الاخوان و هل جزاء الاحسان الا الاحسان قال الله تعالي و اما بنعمة ربّك فحدّث و لاسيما و قد صدر الامر المطاع في الاقطار و الاصقاع من الامير الاعظم ذي المجد الافخم المؤيّد المسدّد المكرم بتأييد الملك المنّان الباسط بساط العدل و الامان في محروسة كرمان محمد ابرٰهيم خان ادام الله دولته و جعله من خاصته و خالصته و لايحرمنا صحبته ان اكتب ما تيسر لي الي الآن و المأمور معذور و الميسور لايترك بالمعسور و الله المستعان و عليه التكلان ● .
[ص 4] فاقول و به استعين و هو الموفّق و المعين انه لما كانت الصلوة صورة الولاية و الولي كما قال (ع) اقامة الصلوة اقامة ولايتي ● و قال تعالي و استعينوا بالصبر و الصلوة و فسّروا عليهم السلام الصبر بمحمد (ص) و الصلوة بعلي (ع) و هي معراج المؤمن فيجب اشتمالها علي عالم الوجود و علي كمال عبودية المعبود و لما كانت العوالم الكلية ثلثة الملك و الملكوت و الجبروت جعلت اركان الصلوة ثلثة القيام و الركوع و السجود و اذكارها ثلثة التكبير و التسبيح باسم العظيم و التسبيح باسم الاعلي ، و الكبرياء عالم الملك و العظمة عالم الملكوت و العلو عالم الجبروت قال الله تعالي قل ايّ شيء اكبر شهادة قل الله و لميقل اصدق و في الدعاء عريض الكبرياء و قال و الذين هم بشهاداتهم قائمون و لميقل لشهاداتهم مقيمون و منه سمّي القائم (ع) بالقائم لانه حي و هو في عالم الشهادة فهو قائم بملكه و شهادته و قال تعالي يا ايها المدّثّر قم فانذر و ربك فكبّر و ثيابك فطهّر و الدثار هو الثوب الفوقاني الظاهر و هو كناية عن تجسده (ع) بالجسد الملكي فوصفه (ص) بالتدثر و امره بالقيام و الانذار و التكبير و التطهير و الكل - [ص 5] كما سينكشف لك ان شاء الله تعالي - متعلق بالملك و قال فسبّح باسم ربك العظيم . و في الحديث انه لما نزل قال (ص) اجعلوها في ركوعكم و قال تعالي سبح اسم ربك الاعلي . و فيه انه لما نزل قال (ص) اجعلوها في سجودكم . فاسم الاعلي مسبّح و اسم العظيم مسبح به و سيظهر سرّه ان شاء الله تعالي قريبا و قال تعالي و لميكن له شريك في الملك و لميكن له وليٌّ من الذلّ و كبّره تكبيرا الي غير ذلك من الآيات .
و قال امير المؤمنين (ع) ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك . و في الدعاء و اسألك باسمك الاعظم الاعظم و ذكرك الاعلي الاعلي . و الاسم الاعظم هو علي (ع) و الذكر الاعلي هو محمد (ص) و قد جعله سيفا لنبوته و آية لرسالته و دلالة علي حجته و يدا لبأسه و تاجا لرأسه فهزم جيوش الشرك باذنه و اباد عساكر الكفر بامره و هو (ص) حمله (ع) لحطّ الاصنام في الكعبة و كسرها ، فالنبي (ص) سبّح و نزّه وجه الارض بقول مطلق عن الشرك بعلي (ع) فالنبي مُسَبَّحٌ و عليٌّ مسبّح به . و قال علي (ع) في حديث معرفته بالنورانية : يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا امير المؤمنين قال انا امير كل مؤمن و مؤمنة ممن مضي و ممن بقي و ايّدت بروح العظمة ، الحديث . و في الدعاء اسألك بكبريائك التي اشتققتها من عظمتك و بعظمتك التي استويت بها علي عرشك و علوت بها في خلقك . فالكبرياء مشتقة من العظمة و العظمة مستعليً بها فافهم . و في الدعاء بعد رفع الرأس من الركوع : الحمد لله رب العالمين اهل الجبروت و الكبرياء و العظمة لله رب العالمين . و في قنوت العيد : اللهم اهل الكبرياء و العظمة و اهل الجود و الجبروت . [ص 6] و في الدعاء تحصّنتُ بذي الملك و الملكوت و اعتصمت بذي العزة و الجبروت .
فالعوالم باعتبار عقلٌ و نفسٌ و جسدٌ و باعتبار عقلٌ و روحٌ و نفسٌ و جسدٌ فافهم و القيام بعد الركوع في وجهٍ دليل علي طلوع شمس الولاية من مغربها عجل الله فرجه و في وجهٍ دليل علي الرجعة و في وجهٍ دليل علي شهادة البرزخ و الجلوس ايضا قيام في الجملة لكنه في عالم آخر قال تعالي ثم نفخ فيه اخري فاذا هم قيام ينظرون و يعدّ نصف القيام و هو قيام النصف الاعلي و لهذا شرع في ذكره التكبير و الميت لما كان جسدا بلا روح شرع في صلوته القيام و التكبيرات الخمس و لميشرع فيها قراءة لعدم الرقي فيها الي عالم آخر و لا ركوع و لا سجود لما ذكرنا من انه جسد و لا نفس له و لا عقل و لميشرع فيها تسليم لانه تحية تلاقي الاجساد بعد الغيبة و لا غيبة فيها .
و عن الرضا (ع) فيما كتبه للمأمون في اصول الدين و ليس في صلوة الجنايز تسليم لان التسليم في صلوة فيها ركوع و سجود و ليس في صلوة الجنايز ركوع و لا سجود و لميجب فيها طهارة لانها للدخول في عالم القدس من الملكوت و الجبروت و انت في هذه الصلوة لاتخرج من الملك لانه لا ملكوت لها و لا جبروت فلاتحتاج الي طهارة فهي صلوة الميت و ميت الصلوة . و في العلل عن الرضا (ع) انه قال و انما جوزنا الصلوة بغير وضوء ● لانه ليس فيها ركوع و [ص 7] لا سجود و انما يجب الوضوء في الصلوة التي فيها ركوع او سجود . و في حديث آخر في الوافي ما مضمونه انه يجوز الصلوة علي الميت بغير وضوء لانها تكبير و تسبيح و تهليل كما تكبّر و تهلل و تسبّح في بيتك ، فاشار (ع) بقوله « في بيتك » الي انك لاتخرج في هذه الصلوة من بيتك و هو الملك بل عالم العناصر الي عالم القدس حتي تحتاج الي تحصيل المناسبة و التطهير و في علة عدد التكبيرات في هذه الصلوة ان اصول الاسلام خمسة فاخذ من كل اصل تكبير و الاسلام هو الظاهر شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكة و اولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ، ان الدين عند الله الاسلام فذكر الشهادة و العبودية و العلم و القيام و الدين و الاسلام فافهم . و في حديث آخر انه لماكانت الصلوة المفروضة في اليوم و الليلة خمسا اخذ من كل صلوة تكبير . و قد علمت ان الصلوة صورة الولاية و هي الظاهر كما قال علي (ع) ظاهري ولاية ، و قد علمت ان التكبير ايضا ذكر القيام ففيه دلالة من وجهين و شُرِعَ بعد التكبيرة الاولي منها الشهادتان اشارة الي ما ذكرنا من كونها شهادة علي شهادة و يظهر من هذا سرّ تسمية المشاهد المشرفة بالمشاهد لانها محل شهادتهم و ملكهم و جسدهم عليهم السلام . و في الزيارة الرجبية الحمد لله الذي اشهدنا مشهد اوليائه في رجب . اي احضر شهادتنا في محل شهادتهم و الا فهُم سواسية الحضور بالنسبة الي جميع الامكنة فالذي ترتب علي الذهاب هو احضار الاجساد في محالّ الاجساد و يظهر سرّ استحباب التكبير و القيام عند الزيارة و السلام و ذكر الشهادة في اكثر الزيارات و سرّ السلام لانه تحية ملاقات الاجساد و الابدان [ص 8] و يظهر سرّ استحباب التكبير ثلثا و الشهادتين بعد الشراء و يظهر ايضا سرّ تأخير صلوة الزيارة للقريب و تقديمها للبعيد لان الزائر اذا حضر احد المشاهد المشرفة حصل له ملاقات جسد المزور (ع) فيجب السلام لانه تحية شرعت في اول الملاقاة و لهذا يقبح لمن لاقي احدا ان يؤخر السلام عن ساير الكلام و ان كان مدحا بل يسلّم اولا ثم يتكلم فهنا لما حصل التلاقي للزائر فاولا يسلّم ثم يقيم الصلوة التي هي اقامة ولايتهم كما مر في الحديث المروي عن امير المؤمنين (ع) و اما البعيد فلما لميحصل له التلاقي فلا بد ان يقيم الصلوة اولا لانها جسدٌ صَلوٰتيٌ لهم عليهم السلام فاذا صلّي فقد اقام احد مظاهرهم و اجسادهم و صار بحكم الملاقي فحسن السلام لحصول الملاقاة بعد اقامة الصلوة و قد سألني بعض الاصدقاء عن كيفية الصلوة لزيارة العاشوراء فقلت اذا زرته في مشهده المقدس صليت ركعتين بعد السجدة و دعوت بعدها و اما في سائر البلاد فاصلي الركعتين اولا ثم اقرؤ الزيارة الي ان اسجد و اقرؤ الدعاء بعدالسجدة واما اذا كان في مشهد امير المؤمنين (ع) فازوره ثم اصلي ست ركعات ثم ازور الحسين (ع) بهذه الزيارة لان صلوتها داخلة في الست و اما اذا ازورهما من بُعد فأصلي ركعتين ثم ازور امير المؤمنين (ع) ثم اصلي ركعتين ● و ازور الحسين (ع) هذا ما عندي و العلم عند اهله . *
[ص 9] و يظهر سرّ استحباب التكبير و القيام و الشهادة بتوحيد الالوهية اي المعبودية و بالرسالة و التهليل في الاذان و الاقامة و الذي يظهر من التعليل في عدد التكبيرات السبعة الافتتاحية من ان بكل تكبيرة قطع (ع) حجابا ان المراد من الحجب السبعة السموات السبع في وجه و الكرسي اعني فلك البروج بازاء الركوع و العرش اعني فلك الاطلس بازاء السجود و في حال الاذان و الاقامة يكون المصلي في عالم العناصر الاربع فهو في بيته فالشهادة التي فيها المصلي حال الاذان و الاقامة غير الشهادة التي فيها ابتداء العروج ، و الكرسي صدر الوجود و نفسه و محل الصور و العرش قلبه و عقله و مجمع المعاني فالمصلي حال الاذان و الاقامة لميشرع في العروج و اول عروجه اذا شرع في الافتتاح و كذا يظهر سرّ شرع الشهادتين في حال الجلوس بعد السجود للتشهد قبل السلام الذي يدل علي رجوعه عن معراجه و ملاقاته لمن هو في عالم الملك و يظهر سرّ الاستغفار بين التكبيرتين في الجلوس بين السجدتين لانه طلب الغفر و هو الستر لان الجلوس التفات الي عالم الملك فيستغفر و يرجع الي عالم القرب و كذا الاستغفار بعد التسبيحات الاربع قبل الركوع و سرّ القرائة كما ورد انه يقال اقرأ و ارق فكلما قرأ كتاب نفسه المطابق للكتاب المكنون و اللوح المحفوظ رقي الي فوق و السورة واحد السور سمّيت بها لانها محيطة بجملة من الموجودات كسور البلد به و هي مختلفة في الكلية و الجزئية و اتمها احاطة سورة الفاتحة و هي ام الكتاب فافهم .
[ص 10] و يظهر سرّ استحباب التجنح في حال التكبير و القنوط ( القنوت ظ ) برفع اليدين و في حالة الركوع و السجود كما ورد في الحديث ليحصل التشبه بالملائكة و لان الجناحين لا بد منهما في العروج و سرّ النهي عن الافتراش الذي هو تشبّه بالسبع كما في النص .
و اعلم ان القيام مرتبة الشيعة كما ورد ان قلوب شيعتهم خلقت من فاضل طينة ابدانهم و اجسادهم عليهم السلام و الركوع مرتبة الولي قال الله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون و ورد ان كل امام يتصدق في حال الركوع فايتاء الزكوة في حال الركوع من علائم الامام (ع) و في كون المتصدق به خاتما سرّ فانه (ع) خاتم الاوصياء و نحن الفقراء الواقفون ببابه اللائذون بجنابه و السجود مرتبة النبي (ص) قال الله تعالي و كن من الساجدين و قال و من الليل فاسجد له و قال الذي يريٰك حين تقوم و تقلبك في الساجدين فعن الباقر (ع) قال الذي يريك حين تقوم في النبوة و تقلبك في الساجدين قال في اصلاب النبيين . و في المجمع عنهما (ع) قالا في اصلاب النبيين نبي بعد نبي حتي اخرجه من صلب ابيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم (ع) . الي غير ذلك من الآيات فهو (ص) قائم بملكه و جسده ساجد بحقيقته و عقله يا ايها المزّمّل قم الليل الا قليلا ، يا ايها المدّثّر قم فانذر و الوصي قائم بشهادته راكع بولايته و نفسه و في قوله تعالي في قصة داود (ع) فاستغفر ربه و خرّ راكعا و اناب اشارة الي ان الركوع هو الولاية و انه لما توقف فيها ابتلي بما ابتلي فلما تاب استغفر و خرّ راكعا يعني مقرّا بالولاية و اناب و يظهر سرّ استحباب رفع اليدين معا في التكبير و وضعهما معا في السجود و تقديم وضع اليمني علي اليسري علي الركبتين في الركوع لان القيام جسد الصلوة و الركوع نفسها و السجود عقلها .
[ص 11] ففي العلل في باب علل الوضوء و الصلوة في حديث المعراج بعد الامر بالقرائة ثم طأطأ يديك و اجعلهما علي ركبتيك فانظر الي عرشي قال رسول الله (ص) فنظرت الي عظمته ذهبت لها نفسي و غشي عليّ فالهمت ان قلت سبحان ربي العظيم و بحمده لعظم ما رأيت فلما قلت ذلك تجلي الغشي عني حتي قلتها سبعا الهم ذلك فرجعت الي نفسي كما كانت فمن اجل ذلك صار في الركوع سبحان ربي العظيم و بحمده فقال ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت الي شيء ذهب منه عقلي فاستقبلت الارض بوجهي و يدي فالهمت ان قلت سبحان ربي الاعلي و بحمده لعلوّ ما رأيت فقلتها سبعا فرجعت الي نفسي ● كلما قلت واحدة منها تجلي عني الغشي فقعدت فصار السجود فيه سبحان ربي الاعلي و بحمده و صارت القعدة بين السجدتين و استراحة من الغشي و علوّ ما رأيت فالهمني ربي عز و جل و طالبتني نفسي ان ارفع رأسي فرفعت و نظرت الي ذلك العلو فغشي عليَّ فخررت بوجهي و استقبلت الارض بوجهي و يدي و قلت سبحان ربي الاعلي و بحمده فقلتها سبعا ثم رفعت رأسي فقعدت قبل القيام لأثنّي النظر في العلوم فمن اجل ذلك صارت سجدتين و ركعة و من اجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة الحديث ،
هكذا في النسخة التي عندي و الظاهر « في العلو » بدل « في العلوم » و ان كان له ايضا وجه وجيه و قوله (ص) فرجعت الي نفسي ، نظير قوله (ص) في دعاء الحجب فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان ، فافهم و الجسد ليس له الا جهة التعلق و التدنس و العقل ليس له الا جهة التجرد و التقدس و النفس ذات جهتين فكلتا يدي الجسد يسار و كلتا يدي العقل يمين و النفس ذات يمين و يسار باعتبار تعدد النفس باعتبار و باعتبار تعلقها فعلا و تجردها ذاتا باعتبار [ص 12] و لها من كل جهة قوي و ينبغي ان يكون جهة اليسار تابعة لجهة اليمين و ايضا لما كان الركوع مرتبة الوصي الذي هو نفس النبي (ص) و هو اليمين كما ورد في قوله تعالي و اما ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين ان المعني ان كان من اصحاب علي (ع) فسلام لك منهم فانهم لايؤذونك و غير اصحابه (ع) يؤذونك و هما ايضا متطابقان في العدد و هو مائة و عشرة فينبغي تقديمه و متابعة غيره له .
و يظهر سرّ استحباب النظر في حال القيام الي موضع السجود لان النظر في مبدء السير ينبغي ان يكون الي الغاية و اقرب ما يكون العبد الي الله و هو ساجد و في حال الركوع الي ما بين القدمين ليكون في سيره علي بصيرة لان الركوع طريقة و صراط و سبيل بل محطّ النظر في الاحوال واحد و هو العقل ففي حال التشهد ينظر الي الحجر و هو من اسماء العقل قال تعالي هل في ذلك قسم لذي حجر و في حال القنوت الي باطن الكف و باطن الكف عقل لانه يكف عما لاينبغي و الموصوف باطن الصفة كما انه يحجر و يعقل و ينهي و في حال السجود الي طرف الانف لان العقل يأنف و يستنكف عن القبيح و عما لاينبغي و في حال الركوع الي ما بين القدمين لان العقل وسط الكل فموضع النظر في جميع الاحوال شيء واحد باطنا و ان اختلف في الظاهر و ظني ان المصلي اذا حبس نظره علي حاله حال السجود و لم يلتفت يقع في كل حال الي ما في الحديث و هو قوله تعالي فاسر باهلك بقطع من الليل و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فيتحد موضع النظر في جميع الاحوال ظاهرا و باطنا و لكني ماقدرت علي حبسه كذلك حتي يتبين و أتيقن . [ص 13] و في الحديث و بلع اطراف اصابعك عين ركبتيك ، و في رواية اخري « باطراف » بزيادة الباء و المعني واحد . و في الكافي عن الصادق (ع) في حديث المعراج فدني رسول الله من صاد و هو ماء يسيل من ساق العرش الايمن ، الحديث . و في العلل عن الكاظم (ع) في حديث انه سئل و ما صاد الذي امران يغتسل منه ؟ يعني النبي (ص) لما اسري به فقال عين تنفجر من ركن من اركان العرش يقال لها ماء الحيوة ، الحديث . و العرش له اربعة اركان العقل و هو الركن الايمن الاعلي و هو النور الابيض و الروح و هو الركن الايمن الاسفل و هو المراد من الساق و هو النور الاصفر و النفس و هي الركن الايسر الاعلي و هو النور الاخضر و الطبيعة و هي الركن الايسر الاسفل و هو النور الاحمر و هو الساق الاخري و تبليع اطراف الاصابع عين الركبتين اشارة الي الامتصاص برؤس الاصابع التي هي كرؤس الاقلام او كاَفواه العروق من العين التي في ساق العرش لتحصيل الحيوة الحقيقية .
و اعلم انه يعبّر عن المراتب الثلث بعبارات مختلفة بحسب اختلاف المقامات فتارة يعبّر عنها بالشريعة و الطريقة و الحقيقة و اخري بالعلم و اليقين و المعرفة و اخري بالقيام و الركوع و السجود و اخري بالكبرياء و العظمة و العلو و اخري بالملك و الملكوت و الجبروت و اخري بالشيعة و الوصي و النبي و طورا بعلم اليقين و عين اليقين و حق اليقين و اخري بالخوف و الرجاء و المحبة و اخري بالانذار و التبشير و الرضوان و اخري بالايمان مع العمل و الايمان الايقاني و الاحسان و تارة بالدنيا و البرزخ و الآخرة و مرة بالولاية الظاهرة التبعية و الرسالة و النبوة و اخري بالرسالة و النبوة و الولاية الحقيقية الي غير ذلك من العبارات و الاعتبارات [ص 14] فالعوالم الثلثة تجري في كل شيء بحسبه و قد يكون الشيء من عالم باعتبار و من عالم آخر باعتبار و مشتملا علي العوالم الثلثة باعتبار فلاتغفل فانه باب يفتح منه ابواب و هو الاصل في هذا الباب لمن وفق و كل ميسر لما خلق له و يظهر منه سرّ قوله تعالي اقيموا الصلوة و قوله تعالي و انها لكبيرة الا علي الخاشعين و قول المقيم قد قامت الصلوة فان الصلوة باعتبار انها شريعة مقامة و قائمة و كبيرة اي من عالم الكبرياء و هو الملك و كذا باعتبار انها صورة الولاية و من جهة اخري مشتملة علي القيام و الركوع و السجود و التكبير و التسبيحين اعني العوالم الثلثة .
و مما ذكرنا يظهر ان الشيعة شريعة و الولي و الوصي طريقة و النبي حقيقة اما الاول فمن وجوه : احدها باعتبار تفسير ظاهر الظاهر و اما الثاني فلأن الائمة صلوات الله عليهم انفُسُ النبي (ص) كما في قوله تعالي و انفسنا و انفسكم و كما في قوله تعالي و تحمل اثقالكم الي بلد لمتكونوا بالغيه الا بشقّ الانفس و في قوله تعالي لاتكلّف الا نفسك و هو علي (ع) كما قال (ص) يا علي انت نفسي التي بين جنبيّ ، و الطريقة تتعلق بالاخلاق التي هي صفات نفسانية و سلوكها بالتعديل طريق للوصول الي الحقيقة و في الزيارة انتم السبيل الاعظم و الصراط الاقوم ، و هم سبيل الله كما في قولهم (ع) نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، يعني من عرفنا فقد عرف الله علي احد التفاسير لهذا الحديث الشريف و هو مروي في الكافي في تفسير الاعراف و في الزيارة الجامعة : من عرفكم فقد عرف الله ، يعني عرف المسمي بمعرفة الاسم و قال تعالي انك لعلي خلق عظيم فهو (ص) علي خلق عظيم و عليٌّ خلق عظيم و هو علي صراط مستقيم و عليٌّ صراط مستقيم و قال [ص 15] و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله و قال حكاية عن الاول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ليتني لماتخذ فلانا يعني الثاني خليلا و النبي من حيث هو في مقام الرسالة و التنزيل صاحب شريعة بل شيعة و شريعة و ان كان باعتبار الولاية الذاتية حقيقة و الوصي باعتبار الولاية التبعية و في مقام التأويل طريقة كما قال (ص) انا قاتلتكم علي التنزيل و عليٌّ يقاتلكم علي التأويل ، و من هذا يظهر سرّ قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد و قوله انا المنذر و علي الهادي ، لان الاول في مقام العلم قال (ص) انا مدينة العلم و عليٌّ بابها ، و قال تعالي و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين و قال و قل رب زدني علما و قال علي (ع) لو كشف الغطاء ماازددت يقينا ، و النبي (ص) يأتيه العلم من باب اليقين و عليٌّ عين اليقين فهو باب علمه (ص) و باعتبار الباطن ينزل العلم من قلبه (ص) الي صدره كما قال تعالي بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و باعتبار القلب محمد و الصدر عليٌّ كما في تفسير قوله تعالي المصباح في زجاجة يعني صدر العلم من قلب محمد (ص) الي صدر علي و ان كان النبي في مقام الحقيقة حق اليقين فانهم مقامات الله كما في الدعاء المأثور في شهر رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان ، فلايضطرب قلبك و لاتشكَّ كما في الحديث لاترتابوا فتشكّوا و لاتشكّوا فتكفروا ، و فسّروا الرجس في قوله تعالي انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا بالشك و الشك يقابل اليقين فهم (ص) علم اليقين و عين اليقين و حق اليقين من غير كذب و مين و الانبياء كلهم (ع) في مقام النبوة و الرسالة من شيعة علي (ع) قال تعالي [ص 16] و ان من شيعته لابرهيم كما ورد في تفسير اهل البيت (ع) و هم ادري بما في البيت و قال تعالي انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و قال الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور فالولي هو الهادي ، تأمل في الآيتين السابقتين لهذه الآية اعني آية الكرسي ترشد الي ما قلنا فقد تبين الرشد من الغي ، و من لميجعل الله له نورا فما له من نور بل هو من اصحاب النار و لن تجد له وليا مرشدا و قال تعالي يا ايها المدّثّر قم فانذر و ربّك فكبر فالانذار متفرّع علي القيام و هو انزل من الركوع و ان كان السجود اعلي منه و تأمل في قوله تعالي و قل رب زدني علما و قوله (ص) - اذا شرب اللبن - اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه ، لانه صورة العلم و قول عليّ (ع) لو كشف الغطاء ماازددت يقينا .
و في مصباح الشريعة عن الصادق (ع) قال نجوي العارفين يدور علي ثلثة اصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة و دليل الخوف الهرب و دليل الرجاء الطلب و دليل الحب ايثار المحبوب علي ما سواه فاذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب و اذا هرب نجي و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و اذا وجد حلاوة الرجاء طلب و اذا وفق للطلب وجد و اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه الحديث ، و باعتبار هذه المراتب قال تعالي ان الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا يوفون بالنذر و يخافون يوما كان شرّه مستطيرا الي قوله [ص 17] انا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ● هذا في مقام العلم و الصحو و لذا وصفهم بالخوف و قال يشربون بصيغة المعلوم و الفعل مسند اليهم و قال عباد الله و في الحديث في تفسير العبد العين علمه بالله و الباء بونه من الخلق و الدال دنوه الي الله ، و مشروبهم محدود مبعض بدليل قوله من كأس ثم قال تعالي فوقيهم الله شر ذلك اليوم و لقّيٰهم نضرة و سرورا الي قوله و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمي سلسبيلا و هذا في مقام اليقين و المحو لان العين الاولي لما كانت ممزوجة بالكافور و هو ما يكفر و يستر به علي وزان الناقور و الشاقول و الساطور و هو بارد يابس علي مزاج الموت و شربوا منها ماتوا قبل موتهم فلميبق لهم شعور بانفسهم و دخلوا في عالم اوسع مما كانوا فيه فان الموت في الحقيقة هو الانتقال من نشأة الي اخري فقال تعالي و يسقون بصيغة المجهول و الساقي غيرهم و لكنه بعد غير معروف لهم لعدم وصولهم الي مقام المعرفة و قال كأسا باسقاط من التبعيضية و لقّيّهم النضرة و السرور اللذين كانا لازمين للرجاء و لكنه يكون محدودا بعد و ممزوجا لذكر الكأس و المزاج . و عن علي (ع) في تفسير قوله تعالي سلسبيلا معناه سل سبيلا اليها ، و قد عرفت ان السبيل هو الولي و هو الطريقة و عين اليقين و من حسن الاتفاق من بركة الامام اني ألهمت قبل الاطلاع علي الرواية ان هذه كلمة مركبة من الفعل و المفعول و لهذا ذكرت في المرتبة المتوسطة ثم رأيت في تفسير للعامة مارأيته قبل و لا بعد انه قال و عن علي رضي الله عنه معناه سل سبيلا اليها ، فشكرت الله علي ما انعم و الحمد لله تعالي .
[ص 18] و اعلم انه ما يمزج به في كل من المرتبتين يكون اعلي مما في تلك المرتبة ففي المرتبة الاولي يكون المزاج من عين الكافور و هي فوق الكأس الاولي و هي مرتبة اليقين الذي فوق مرتبة العلم فيلزمه الطمأنينة و السكون و البرد و في المرتبة الثانية من عين الحب و الشوق و هي نار الله الموقدة التي تطلع علي الافئدة ثم قال الله تعالي في المقام الثالث و سقيٰهم ربهم شرابا طهورا و هذا في مقام الصحو بعد المحو و مرتبة حق اليقين و حصول المعرفة فقال سقيٰهم ربهم بصيغة المعلوم و الساقي هو الرب و الشراب غير محدود لعدم ذكر الكأس و وصفه بالطهورية و في المجمع عن الصادق (ع) قال يطهّرهم عن كل شيء سوي الله ، و هو مقام فاحببت و ذكر الفضة في ثلثة موارد لان الآيات وردت في شأن علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و فضّة الخادمة و هم عليهم السلام اقمار و النبي (ص) شمسهم فهم فضّة و النبي ذهب قال تعالي و الشمس و ضحيٰها و القمر اذاتليٰها و لان فضة لا بد ان تذكر معهم لاتباعها لهم في فعلهم و لو لميصرّح باسمها لميكن لها ذكر .
و ينطبق علي المراتب الثلث ما رواه في الكافي في باب نية العبادة عن هرون بن خارجة عن ابي عبدالله (ع) قال العباد ثلثة قوم عبدوا الله عز و جل خوفا فتلك عبادة العبيد و قوم عبدوا الله تبارك و تعالي طلبا للثواب فتلك عبادة الأجراء و قوم عبدوا الله عز و جل حبا له فتلك عبادة الاحرار و هي افضل العبادة ، و يظهر منها سرّ الاغسال الثلثة للميت الاول بماء السدر يعني الممزوج بالسدر من سَدِرَ كفرح اذا تحيّر و هذا في اول السلوك و مرتبة الحيرة و الميت راجع الي الله تعالي و هذا اول مقام من مقاماته [ص 19] و الثاني بماء الكافور يعني الممزوج بالكافور من كفر اذا ستر و هذا في وسط السلوك و ثاني مقام من مقاماته و مرتبة الصعق و الفناء و الثالث بالماء القراح اي الخالص و هذا في آخر السير و هو مقام ثم نفخ فيه اخري و مقام الوصول و البقاء بعد الفناء و الاول مقام الابرار و كذا الثاني و الثالث مقام المقربين قال تعالي ان الابرار لفي نعيم علي الارائك ينظرون الي قوله تعالي و يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون و مزاجه من تسنيم عينايشرب بها المقربون ففي الحديث ان التسنيم عين لايشرب من صافيها الا المقربون واما غيرهم فيمزج شيء منها بغيرها و يشربون او يسقون . و هذا الحديث يدل علي ان المزاج اعلي و في الآيات السابقة ايضا شواهد جليّة علي ما ذكرنا لمن استبصر و ابصر و ذكّر فتذكّر و منه يظهر سرّ استحباب شرب الماءبثلثة انفاس مبدوا كل منها بالبسملة مختوما بالتحميد و من التأمل فيما مر يظهر سرّ تعاكس الذكورة و الانوثة بحسب اللفظ و المعني في الشمس و القمر فان النبوة تابعة للولاية و متأخرة عنها و الولي تابع للنبي و متأخر عنه فالرسول امي و الائمة اميّون و هو منهم و هم منه قال الله تعالي هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و قال (ص) حسين مني و انا من حسين و قال علي (ع) علّمني علمه و علّمته علمي ، فافهم الاشارة و لاتغفل .
[ص 20] و بلحاظ آخر لما كان القيام اشرف اوضاع الانسان و بعده الجلوس و كان الاول مشتملا علي الاستقامة و الاستواء شرع في ذكرهما التكبير و في الاول الحمد و طلب الصراط المستقيم كما ان المسافر يستحب له في حالة الصعود ذكر التكبير و في حال الاستواء يستحب له ذكر التحميد و لما كان في الركوع و السجود نوع هبوط في الظاهر و ان كان صعودا في الباطن شرع في ذكرهما التسبيح متلبسا بالحمد كما ان المسافر في حال الهبوط يستحب له ذكر التسبيح فالتسبيح باعتبار صفات التنزيه و السلب فينزّه ربه عن النقص الذي يراه في نفسه في الحالين و يصفه بمقابله في كل رتبة من العظمة و العلو و الحمد باعتبار صفات التشبيه و الفعل و الذي يظهر لي ان المؤذن لما كان بعد في بيته من الملك و هو عالم العناصر الاربع و هو مربع الكيفية فيكبر اربعا ثم يشهد بتوحيد العبودية و هي في الدنيا التي هي شهادة و اولي العوالم الثلث اعني هي و البرزخ و الآخرة قال الله تعالي و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين و هو مفسّر بالموت ثم يشهد بالرسالة و هي ايضا من الشهادة و ادني المراتب الثلث اعني الرسالة و النبوة و الولاية و الجنبة الخلقية ثم يدعوا من في الآفاق و الانفس الي الولاية بقوله حي علي الصلوة و هي الولاية لقوله تعالي و انها لكبيرة يعني ولاية عليّ عليه السلام و هي الفلاح قال الله تعالي قد افلح المؤمنون الذين هم في صلوتهم خاشعون و الايمان هي قبول الولاية و الدخول تحتها كما قال الله تعالي فلا و ربّك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلّموا لك يا علي تسليما قال عليه السلام ان الله ذكر عليا في هذه الآية و قال تعالي [ص 21] الله وليّ الذين آمنوا و هي خير العمل لانها اُسُّ الايمان و عمل القلب و هو اشرف ما في الانسان و بشرف العمل يشرف العامل و الايمان كله عمل و قال (ع) الصلوة خير موضوع فمن شاء استقلّ و من شاء استكثر ، فاذا اجتمعوا بالاذان اقام الصلوة اعني الولاية ثم يدخل فيها بتحريم ما ينافيها و يعرج الي ما شاء الله ● و يظهر من هذا سرّ عدم الشهادة بالولاية بعد الشهادة بالرسالة ● و لولا خوف التشنيع من العوام لمنعت منها في الاقامة و الاعلام ● .
و وجه الاستشهاد بقوله تعالي و تحمل اثقالكم الي بلد لمتكونوا بالغيه الا بشق الانفس يتوقف علي مقدمة و هو انه تعالي خلق اول ما خلق نور محمد و عليّ صلي الله عليهما و آلهما نورا واحدا ثم جعله قسمين فقال لواحد كن محمدا فكان و قال للآخر كن عليا فكان فمحمد شق و علي شق و هو شقيقه و محمد عقل الكل و عليٌ نفس الكل قال تعالي و انفسنا و انفسكم و فسّرت الاولي بعلي مع انها بلفظ الجمع كما في نسائنا مع انها فاطمة عليها السلام و قال (ص) اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله و عترتي اهل بيتي ، و قال تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و فسّرت القري المباركة بالائمة (ع) و قد يعبّر عنهم بالبلاد و فاطمة ام القري و هي بلد مكة و قال الله تعالي أفلاينظرون الي الابل كيف خلقت و فسّرت الابل بعلي (ع) فعليٌّ حامل اثقال النبي (ص) الي بلد فاطمة عليها السلام و علي هذا فالاضافة في شق الانفس بيانية و ان قرئ بفتح الفاء كما في قوله تعالي [ص 23] لقد جاءكم رسول من انفَسِكم فانه قرئ بالوجهين فالاضافة لامية انظر الي الآيتين فانه تعالي ختم الآية الاولي بقوله ان ربكم لرؤف رحيم و الثانية بقوله بالمؤمنين رؤف رحيم و الرحمة الرحيمية المكتوبة التي هي خاصة بالمؤمنين و هي الولاية قال عليه السلام المؤمن اخ المؤمن من ابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة خلقهم من نوره و صبغهم في رحمته و قال (ع) محمد و علي ابوا هذه الامة ، فمحمد ابوهم و هو عقل فعّال و عليٌ امهم لانه نفس النبي و جهة الانفعال من جهة الولاية التبعية فهم ازواجه و نساؤه من نَسأَ بمعني تأخّر لتأخّرهم عليهم السلام عن النبي و استضائتهم منه و منه يظهر سرّ توسيط قوله تعالي انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهّركم تطهيرا بين قوله تعالي و قرن في بيوتكن و لاتبرّجن تبرّج الجاهلية الاولي و أقمن الصلوة و آتين الزكوة و قوله تعالي و اذكرن ما يتلي في بيوتكن من آيات الله و الحكمة فالخطاب في الطرفين من جهة التأخر و المتابعة و الاستفادة و الاستضاءة و في الوسط باعتبار الولاية الكلية الفعالة المطهرة الطاهرة فهم في الطرفين امهات و في الوسط آباء و ايضا الجهل يقابل العلم و هو الصورة الحاصلة في النفس و الرجس في الاخبار مفسّر بالشك و هو يقابل اليقين و مقرّه القلب و هو العقل فيختلف المخاطب في الوسط و الطرفين بالتذكير و التأنيث فافهم .
و يشهد لما قلنا دعاء شهر رجب : اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك الي قوله (ع) فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و روّاد فبهم ملأت سماءك و ارضك [ص 24] حتي ظهر ان لا اله الا انت ، فانظر الي اختلاف الضمير بالافراد و التأنيث و الجمع و التذكير باختلاف الجهات و الملاحظات و الاعتبارات و تدبر في فهم المقصود من العبارات فباعتبار لوحظوا باعتبار كونهم في رتبة البيان و هو اعلي المراتب و ابهاها فانهم في هذه المرتبة اسماء يطلقون اي يحملون علي المسمي و هو مقام التوحيد و في الحديث لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو و هو هو و نحن نحن ، فهو هم و هو غيرهم و هم مخلوقون مربوبون تقول هو الله الرحمن الرحيم مع ان الاسم غير المسمي كما في الحديث المروي في الكافي من عبد الاسم دون المسمي فقد كفر و من عبد الاسم و المسمي فقد اشرك و من عبد المسمي بايقاع الاسماء عليه فهو موحّد ، فان قلت الله محمد و الرحمن علي و الرحيم شيعته بمعني انهم اسماء الله تعالي لا انهم المسمي بهذه الاسماء لميلزم منه غلو و لا كفر قال الله تعالي و لله الاسماء الحسني فادعوه بها . و في الحديث نحن الاسماء الحسني ، و في المرتبة الاولي اعني المعاني هم صفات كما في الحديث و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و كلمته و حكمه و علمه ، و هي غير الموصوف و لاتحمل عليه مواطاة . فالفرق بين الاسم و الصفة ان الاسم هو المشتق و هو مأخوذ بلا شرط شيء و الصفة هي المبدأ للاشتقاق و هو مأخوذ بشرط لا شيء و في المرتبة الثانية هم ائمة و رجال و ولاة قال الله تعالي رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله واقام الصلوة و ايتاء الزكوة بخلاف غيرهم فانهم الهيٰهم اخذ البيعة من الناس عن ذكر الله و هو رسول الله (ص) قال تعالي قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله و شغلهم عن اقام الصلوة اي اقامة ولاية امير المؤمنين (ع) و عن الصلوة علي النبي (ص) و للآية تأويلان آخران :
[ص 25] الاول ان الخطاب للشيعة و الاثقال هي ذنوبهم قال تعالي و ليحملنّ اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و ليسألنّ يوم القيمة عما كانوا يعملون و البلد هو النبي (ص) فهو عليه السلام يحمل اثقال الشيعة الي بلده (ص) و هو (ص) يتحمل ذنوب شيعته كما فسّر به قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر و بيّنه الصادق (ع) في حديث محمد بن حرب الهلالي في كتاب العلل و معاني الاخبار و لا بأس بنقل الحديث بطوله لما فيه من الفوايد الجليلة . روي الصدوق رضي الله عنه باسناده عن عبد الجبّار كثير التميمي قال سمعت محمد بن حرب الهلالي امير المدينة يقول سألت جعفر بن محمد (ع) فقلت له يا بن رسول الله في نفسي مسألة اريد ان اسألك عنها فقال ان شئت اخبرتك بسؤالك قبل ان تسألني و ان شئت قل قال فقلت له يا بن رسول الله و بأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي عنه ؟ قال بالتوسّم و التفرّس اماسمعت قول الله عز و جل ان في ذلك لآيات للمتوسمين و قول رسول الله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله عز و جل ، قال فقلت له يا بن رسول الله فاخبرني بمسألتي قال اردت ان تسألني عن رسول الله لم لميطق حمله علي (ع) عند حطّه الاصنام من سطح الكعبة مع قوته و شدته و ما ظهر منه في قلع باب القموص بخيبر و الرمي به ورائه باربعين ذراعا و كان لايطيق حمله اربعون رجلا و قد كان رسول الله (ص) يركب الناقة و الفرس و البغلة و ركب البراق ليلة المعراج و كل من ذلك دون علي (ع) في القوة و الشدة قال فقلت له عن هذا والله اردت ان اسألك يا بن رسول الله فاخبرني فقال ان عليا (ع) برسول الله شرف و به ارتفع و به وصل الي اطفاء نار الشرك و ابطال كل معبود دون [ص 26] الله عز و جل و لو علاه النبي (ص) لحط الاصنام لكان بعلي (ع) مرتفعا و شريفا و واصلا الي حطّ الاصنام و لو كان ذلك كذلك لكان افضل منه الاتري ان عليا (ع) قال لما علوت ظهر رسول الله (ص) شرفت و ارتفعت حتي لو شئت ان انال السماء لنلتها اماعلمت ان المصباح هو الذي يهتدي به في الظلمة و انبعاث فرعه من اصله و قد قال علي (ع) انا من احمد كالضوء من الضوء اماعلمت ان محمدا و عليا صلوات الله عليهما كانا نورا بين يدي الله جل جلاله قبل خلق الخلق بالفي عام ان الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له اصلا قد انبعث منه شعاع لامع فقالت الهنا و سيدنا ما هذاالنور فاوحي الله عز و جل اليهم هذا نور من نوري اصله النبوة و فرعه امامة اما النبوة فلمحمد عبدي و رسولي و اما الامامة فلعلي حجتي و وليي و لولاهما ماخلقت خلقي اماعلمت ان رسول الله رفع يدي عليٍّ (ع) بغدير خم حتي نظر الناس الي بياض ابطيهما فجعله مولي المسلمين و امامهم و حمل الحسن و الحسين عليهما السلام يوم حظيرة بني النجار فلما قال له بعض اصحابه ناولني احدهما يا رسول الله قال نعم الحاملان و نعم الراكبان و ابوهما خير منهما - و روي في خبر آخر ان رسول الله (ص) حمل الحسن و حمل جبرئيل الحسين فلهذا قال نعم الحاملان و انه (ص) كان يصلي باصحابه فاطال سجدة من سجداته فلما سلّم قيل يا رسول الله فقد اطلت هذه السجدة فقال (ص) نعم ان ابني ارتحلني فكرهت ان اعاجله حتي ينزل - و انما اراد (ص) بذلك رفعهم و تشريفهم فالنبي (ص) نبيٌّ امامٌ و علي (ع) امام ليس بنبي و لا رسول فهو غير مطيق لحمل اثقال النبوة ، قال محمد بن حرب الهلالي زدني يا بن رسول الله فقال انك لاهل للزيادة ان رسول الله (ص) حمل عليا (ع) [ص 27] علي ظهره يريد بذلك انه ابو ولده و امام الائمة من صلبه كما حول رداءه في صلوة الاستسقاء و اراد ان يعلم اصحابه بذلك انه قد تحول الجدب خصبا قال فقلت له زدني يا بن رسول الله فقال قد احتمل رسول الله عليا (ع) يريد بذلك ان يعلم قومه انه هو الذي يخفف عن ظهر رسول الله ما عليه من الدين و العدات و الاداء عنه من بعده قال فقلت يا بن رسول الله زدني فقال انه احتمله ليعلم بذلك انه قد احتمله و ماحمله الا لانه معصوم لايحمل وزرا فتكون افعاله عند الناس حكمة و صوابا و قد قال النبي (ص) لعلي (ع) يا علي ان الله تبارك و تعالي حملني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي و ذلك قوله عز و جل ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر و لما انزل الله تبارك و تعالي عليه يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم قال النبي (ص) يا ايها الناس عليكم انفسكم لايضرّكم من ضل اذا اهتديتم و عليٌّ نفسي و اخي اطيعوا عليّا فانه مطهّر معصوم لايضلّ و لايشقي ثم تلا هذه الآية قل اطيعوا الله و اطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل و عليكم ما حملتم و ان تطيعوه تهتدوا و ما علي الرسول الا البلاغ المبين . قال محمدبن حرب الهلالي ثم قال لي جعفر بن محمد (ع) ايها الامير لو اخبرتك بما في حمل النبي (ص) عليا (ع) عند حطّ الاصنام من سطح الكعبة من المعاني التي ارادها به لقلت ان جعفر بن محمد لمجنون فحسبك من ذلك ما قد سمعت فقمت اليه و قبّلت رأسه و قلت الله اعلم حيث يجعل رسالته انتهي الحديث الشريف .