و قوله « و كذلك علوم المبادي ، الي اخره » اقول و كذلك ما حصل لها من علوم ( العلوم خ‌ل ) المبادي بل و النهايات اذ لا فرق بينهما و ما توهمه من علم التوحيد من كون الصورة ( المصورة خ‌ل ) المعقولة لا وجود لها الا وجود عقل العاقل لها فايجادها نفس وجودها و نفس وجود ايجادها و عقل عاقلها لها نفس وجود عاقلها و هو ( هي خ‌ل ) معني اتحاد العاقل بالمعقول ( المعقول بالعاقل خ ) كما يراه و يعتقده غلط فاحش و قياس غيره عليه افحش لان دعوي ذلك في الحق تعالي يصح ( يقبح خ‌ل ) منها انه تعالي موجد لتلك الصور بفعله و لايصح ان وجود فعله عين وجودها بل وجودها اثر فعله و الفعل هو الايجاد و الصور ( الصورة خ‌ل ) موجودة تقومت بالايجاد تقوم صدور و تقومت بوجودها تقوم تحقق يعني تقوما ركنيا و الموجود غير الايجاد و هما غير الموجد و الصور النفسانية اوجدها الله تعالي بفعله و ان كانت بسبب فعل النفس لانه تعالي هو الموجد و هو القائل و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فهو تعالي انزله ( انزلها خ‌ل ) من خزائنها الي النفس عند اقتضائها و تقومت تلك بفعل الله تقوم صدور و بوجودها الذي انزله من الخزائن تقوم ركن و تحقق و بمقتضي النفس تقوم ظهور فصور النفس غير فعل الله و غير ما اقتضته النفس و علي ظاهر الحكمة انما انتزعت النفس تلك الصور من الموجودات الخارجية [ص 296] فهي اظلة للامور الخارجية و قد دل علي هذا العقل و النقل كما تقدم مما ذكرنا انك لاتقدر علي ان تذكر شيئا غاب عنك الا اذا التفت بمرءاة خيالك الي مكان ادراكك له اولا و وقته و ليس ذلك الا ان خيالك مرءاة تنتقش فيها صورة المقابل ( القابل خ‌ل ) و ان مثال ذلك الشيء قد كتبته الحفظة في مكان رؤيتك لذلك الشيء و وقتها فاذا قابلتها بمرءاة خيالك انتقش ( انتقشت خ‌ل ) فيها صورته فذكرته فيكون ما في خيالك ظل الشيء الخارج فاذا عرفت بوجدانك انك لاتقدر ان تذكر شيئا حتي يلتفت خيالك بمرءاة نفسك الي مكان ذلك الشيء و وقته فتقابل مثاله فتنتقش فيها صورة ذلك المثال عرفت انه لايكون في الاذهان الا صور الامور الخارجة فهذا دليل عقلي وجداني لايمكن انكاره و من الادلة النقلية ما رواه الصدوق في اول علل الشرايع بسنده عن الحسن بن علي بن فضال عن ابي‌الحسن الرضا (ع) قال قلت له لم خلق الله عز و جل الخلق علي انواع شتي و لم‌يخلقه نوعا واحدا فقال لئلايقع في الاوهام علي انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احد الا و قد خلق الله تعالي عليها خلقا لئلايقول قائل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شيء قدير ه‍ ، و قد تقدم هذا ( هكذا خ‌ل ) مكررا فراجع . و الحاصل ( الاصل خ‌ل ) ان ما حصل لها من علوم المبادي ليس بجهة واحدة حصلت لان جهة الفاعل غير جهة القابل و ايضا ليست حاصلة من النفس و انما حصلت من ظل الخارج و لا فيها و انما هي في صدر النفس لانها صور انتزاعية انتزعتها بمرءاتها صورا ظلية و النفس جوهر تنتقش صور المقابل الظلية في وجهها فليست منها و لا فيها و لو كان قبولها للصور غير استعدادي و لا امكاني لمافقدت شيئا و ذلك صفة الواجب الحق سبحانه و تعالي علي [ص 297] ان الصور العلمية للحق عز و جل لاتجوز ( لانجوز خ‌ل ) انها منه و لا فيه و المصنف اوجب ذلك في القديم ( للقديم خ‌ل ) و الحادث فيلزمه ( فيلزم خ‌ل ) ان للقديم مثلا في خلقه و هو النفس ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا و هو قد ذكر فيما سبق ان النفس طبيعة جسمانية فترقت بحركتها الجوهرية بذاتها حتي تكملت في سيرها تدريجيا و اذا قال هنا ان قبولها ليس معني القوة الاستعدادية و الامكان فقد اعترف ببطلان احد قوليه .

قال : و منها ان هذه الصور كمالات لموادها و موضوعاتها و ليس الصور الناشية من النفس كمالات لها في حصول تلك الصور لها و انما اكمالها في ان تكون بحيث تفعل تلك الصور و تجعلها مدركة لها و بين الاعتبارين فرق ثابت و قد بين في موضعه ان جهتي القبول و الفعل واحدة في لوازم الذات » .

اقول هذه الصور كمالات لموادها في الاشياء كما بينا في ذكر الاصطلاح ان الهيولي انما تسمي مادة في الشيء و اذا نظرت الي الشيء كزيد مثلا وجدت الصورة كمالا لزيد في مقتضي صورته التي ركب عليها من خير او شر اذ قبل الصورة لم‌تكن مادة زيد مقتضية لخير او شر و بعد انضمام الصورة اليها كان المركب منهما خيرا او شرا لان الصورة الشخصية هي قابليته ( قابلية خ‌ل ) للخلق ( في الخلق خ‌ل ) الثاني للخير او الشر و ان كانت المادة بانضمام الصورة تنقلب الي حال ما الا انها بالنسبة اليها نفسها قد تنقلب الي نفس و اما الصور الناشية من النفس ( الناس خ ) فانها كمالات لها اما عنده فلانها انما تترقي في مراتب كمالاتها حتي تكون عقلا بما تكسبه ( تكتسبه خ‌ل ) من العلوم مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث ، فالفرق بينهما علي العكس من مراده و لو سلمنا انها هي المخترعة للصور لقلنا هو كمال و هذا كمال الاتري ما في الشاهد هل تجد في تحصيل العلوم [ص 298] لك كمالا و لاتجد في حصولها لك كمالا بل في كل كمال و لكنا لانسلم انها فاعلة للصور الا علي معني انتقاشها في وجهها كما مر عليك فان قلت انك لم‌تجعل الصور في صقع النفس و انما تجعلها في صقع فعلها فكيف تكون كمالا لها قلت قد برهن علي معني ما ذكرنا و ان كانت في صقع الافعال في نظايرها من العلوم مثل علم الفقه في مسئلة ان مكروه العبادة من المندوب و فيما قيل في كون دعاء الشيعة و عبادتهم و ورعهم يزيد في درجة ائمتهم (ع) كما يزيد الورق في حسن الشجرة مع احتياج الورق الي الشجرة و لا عكس علي ان ما نحن فيه ابلغ من التمثيل بل التمثيل ( بالتمثيل خ‌ل ) الحق المطابق ما اشار الي نوعه امامنا و سيدنا جعفر بن محمد (ع) في قوله بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة ه‍ ، فان هذه الصور العلمية اذا وجدت للنفس قويت علي ايجاد صور غيرها علي حد قوله (ع) المتقدم .

و قوله « و قد بين في موضعه » الي قوله « في لوازم الذات » فيه انما ذكروه هؤلاء من حكم لوازم الذات ليس له ثبات و انما هو من فروع وحدة الوجود التي ليس في الحق لها وجود فان احداث الصور و جعلها مدركة لها لاينفي ( لايتقي خ‌ل ) لها تغاير جهة الفاعلية بجهة ( لجهة خ‌ل ) القابلية كما ذكر قبل فافهم .

قال : قاعدة في ان باقي الحيوانات هل لها حشر كالانسان ام لا ، قد اشرنا الي ان لكل جوهر طبيعي حركة ذاتية و خلقا و بعثا و بداية و عودا و الفلاسفة اثبتوا للطبايع عنايات ( غايات خ‌ل ) ذاتية كما اثبتوا لها مبادي ذاتية و عود كل شيء الي ما بدء منه فعود الاجسام الي القوي و عود القوي الي النفوس و عود النفوس الي الارواح و عود الكل اليه تعالي كما قال الا الي الله تصير الامور و قوله كل الينا راجعون فمن علم من اين مجيئه علم الي اين ذهابه [ص 299] لكن الكلام انما هو في بعث الشخص الجزئي مع بقاء تعينه و تشخصه الجامع للنشأتين و هذا في الانسان امر محقق لتجرد نفسه المتعلقة تارة بهذا البدن المادي الدنيوي و تارة بذلك البدن الصوري الاخروي .

اقول اتفقوا ( اتفق خ‌ل ) اهل الملل علي ان بعد هذه الدار لا بد من البعث لكل مكلف في دار الجزاء و لكنهم اختلفوا في المكلف ، اما الانسان فهو مكلف اتفاقا باعتبار نفسه و اما جسده ففيه الكلام بناء علي انه مكلف فيعاد او غير مكلف فمن اثبت له شعورا و ادراكا لللذة و الالم حكم باعادته و من لم‌يثبت له ذلك فبعضهم حكم باعادته تبعا لحكم الوحي و بعضهم حكم باعادة صورته اذ الشخص بها هو لا بمادته و منهم المصنف و بعضهم نفي الاعادة اصلا ، و كذلك الجن و الشياطين و الملئكة اما الجن فظاهر بعض الروايات انهم انواع و ان الحساب علي النوع الكامل منهم و هو ما يكون قريبا من ( اجسام خ ) الانسان و روي الصدوق في الخصال عن النبي (ص) قال خلق الله الجن خمسة اصناف صنف حيات و صنف عقارب و صنف حشرات الارض و صنف كالريح في الهواء و صنف كبني ادم عليهم الحساب و العقاب و عن ابي‌عبدالله (ع) قال الجن علي ثلثة اجزاء فجزء مع الملئكة و جزء يطيرون في الهواء و جزؤ كلاب و حيات و الانس علي ثلاثة اجزاء فجزء تحت ظل العرش يوم لا ظل الا ظله و جزء عليهم الحساب و العذاب و جزء وجوههم وجوه الادميين و قلوبهم قلوب الشياطين ه‍ ، و ظاهر التقسيم و التشبيه ان ما كان مشابها لبني ادم عليه الحساب و العقاب خاصة و ما سوي هذا النوع فحكمه حكم ما شابهه فالحيات و العقارب و الحشرات من الجن حكمهم حكم الحيات و العقارب و الحشرات من غيرهم فمن حكم بحشر الحيات و العقارب و الحشرات لم‌يفرق ( لايفرق خ ) بين [ص 300] الانس و الجن ، و الذين مع الملئكة حكمهم كحكمهم فانهم هم الذين يقال لهم الملئكة السفليون و الملأ الاعلي الذين يختصمون كما قال تعالي و من تدبر في الايات و الروايات ظهر له ان كل مخلوق ممن دخل في مشية الله فهو مكلف بل لايوجد شيء الا بقابلية التكليف لان من لم‌يكلف لم‌يوجد لتوقف الايجاد علي القابلية للايجاد اذ لو لم‌يقبل الايجاد لم‌يوجد و القابلية هي تحمل الايجاد و الايجاد هو التكليف و من قبل التكليف وجد بنسبة قبوله و كل مكلف ان قام بما يراد منه استحق الثواب و من اعرض عنه استحق العقاب و كل من له ثواب او عليه عقاب لا بد له من ايصاله ما يستحق من الثواب و اما العقاب فمن لم‌يعف عنه عوقب و من عفي عنه استحق ثوابا و لو من جهة الفضل فلا بد من يوم يقوم فيه العدل و هو يوم الفصل فلا بد من الاعادة علي تفصيل ما يأتي بعض الاشارة الي بيان نوعه .

و قوله « ان لكل جوهر طبيعي حركة ذاتية » اعلم ان هذه الحركة لاتختص بالجواهر بل و الاعراض لان الصانع سبحانه واحد و الصنع واحد و المصنوع واحد كل شيء مثل كل شيء ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ذلك لان كل ممكن فهو مركب من مادة و صورة اما الجوهر فمادته حصة من ذات اي هيولي او مادة مخترعة لا من شيء و صورته انفعالها اي المادة عند تأثير الفعل فيها و اما العرض فمادته اثر الفعل اي المعني المصدري او حصة من لون و ما اشبه ذلك و صورته هيئة معروضه ( معروضة خ ) مثلا اثر الفعل الضرب و صورته هيئة فعل الضارب ان اعتبرنا قيامه به قيام صدور و هيئة انفعال المضروب ان اعتبرنا قيامه به قيام عروض و حمرة الثوب مادتها حصة من لون القرمز و صورتها هيئة الثوب و لايقال هنا ان التمثيل مستلزم لانتقال الاعراض الذي قيل بمحاليته لانا نقول انتقال الاعراض جايز يشهد به الوجدان و دعوي انه لم‌يزل من محله و انما [ص 301] انتقل بمعروضه الي الثوب دليلها دعوي بلا دليل لان معروضها الان هو الثوب حقيقة و هي محمولة عليه علي سبيل الحقيقة لا المجاز و توهم انه لو انفك عن معروضه عدم اذ لا قيام له بدون ( بلا خ‌ل ) معروض لان وجوده نفس وجوده لمعروضه عند المصنف و اتباعه و اما وجوده بالمعني الاول هو المادة و قد نبهناك علي نوع اصل مادة العرض و اما وجوده بالمعني الثاني فغير مراد هنا لا لهم و لا لنا ، فاذا ثبت ان كل شيء يرجع الي اصله لم‌يختص الجوهر بالحركة بل يرجع العرض الي اصله كالجوهر و ان قيل ان اصله الجوهر .

و قوله « و الفلاسفة اثبتوا للطبايع غايات » لثباتهم ( اثباتهم خ ) علي الظاهر صحيح الا انه قشري لان الاشياء في الحقيقة لاتسير الي غاياتها بل الله تعالي يسيرها كما قال تعالي هو الذي يسيركم في البر و البحر .

و كذا قوله « و عود كل شيء الي ما بدء منه » صحيح الي قوله « و عود النفوس الي الارواح » .

و اما قوله « و عود الكل اليه تعالي كما قال الا الي الله تصير الامور و قوله كل الينا راجعون » ليس بصحيح اذا اراد به عود الكل الي الذات و صحيح ان اراد به عود الكل الي امره و حكمه كما قال سيد العابدين (ع) كلهم سائرون الي حكمك و امورهم آئلة الي امرك لان العايد يتصل بالعود اليه بنوع من الاتصال و من اللازم ان يكون بين المتصلين احدي النسب الاربع و يكون بينهما واحد من الاكوان الاربعة الافتراق او الاجتماع و الحركة او السكون متحدين او متعددين متفقين او مختلفين و لاتقع احدي النسب او احد الاكوان الا في الحوادث فلاينتهي شيء الي ذات الله بحال و اليه الاشارة بقول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة المسماة بالدرة اليتيمية رجع من الوصف الي الوصف و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و هجم به الفحص الي العجز و البيان علي الفقد و الجهد علي [ص 302] اليأس و البلاغ علي السهام ( القطع خ‌ل ) و السبيل مسدود و الطلب مردود ، الخ .

و قوله « فمن علم من اين مجيئه علم الي اين ذهابه » يعني انه يعود الي مبدئه فمعني كلامه صحيح و عبارته ( عباراته خ‌ل ) غير كاملة و كمالها ان يقول فمن اعتقد ان شيئا من الاشياء مبدئه اعتقد انه يرجع اليه اذا كان يعلم ان كل شيء يعود الي ما منه بدء اذ ليس كل من علم مبدئه علم منتهاه الا مع الشرط و الاحتمال المجاز في احد العلمين علم الشرط و علم الجزاء .

و قوله « لكن الكلام انما هو في بعث الشخص الجزئي » يعني انا لانتكلم علي جنس البعث و المبعوث و نوعهما و انما نتكلم علي خصوص البعث للشخص الجزئي لمعلومية العموم و لحصول الاشتباه في الشخص الجزئي مع تعينه و تشخصه في النشأة الاولي و النشأة الاخري اما في الانسان و ما يجري مجراه من الجن و الشياطين فهو ثابت لا شك فيه لان لهؤلاء نفوسا مجردة عن صفات الاجسام فلاجل تنزهها ترتبط تارة بالبدن المادي الدنيوي ارتباط ( بارتباط خ‌ل ) تدبير و اذا تغير المادي الدنيوي تعلقت بالبدن الصوري النوراني الاخروي تعلق تقرير فتلزم الصوري حينئذ لزوما قارا لما بينهما من المشاكلة في اللطافة و الثبات و انما قال ان تعلقها بالمادي في الدنيا و بالصوري في الاخرة لما قرر فيما سبق في اصوله و غيرها من ان البدن المادي متغير متبدل في كل آن غير مستقر في آنين فلايصح ( فلايصلح خ‌ل ) للبقاء و لايبقي و اما الصوري فعنده انه غير متغير و لا متبدل فهو يبعث و يحشر الشخص فيه الي الجنة او النار ، و مما استدل به علي هذه الدعوي ان زيدا يعفن و يسمن حتي يكون عشرين منا و هو زيد و يمرض و يضعف حتي يكون قدر من واحد و هو زيد لان المادة تتغير بالزيادة و النقصان و الصورة هي هي لاتتغير و الجنة و ما فيها و اهلها و ابدانهم لاتتغير و اللائق لها الصورة لا المادة و لهذا قال « البدني الصوري الاخروي » و قد قدمنا [ص 303] الكلام في رد هذا و ما يلزمه من ان الاعمال انما هي صفات المواد و المباشر لها و المتصف بها المواد فلو لم‌تعد المواد الاولي بعينها لعادت الصور في مواد جديدة لم‌تباشر شيئا من الاعمال فتأتي لا ثواب لها و لا عقاب عليها فتنتفي فايدة العود و البعث و تبطل الجنة و النار و قد تقدم بطلان ذلك .

قال : و اما غيره من الحيوانات ففي بقاء نفوسها و عودها الي الاخرة خلاف بين الحكماء و الروايات فيه ايضا متخالفة و الايات فيه متشابهة غير محكمة لاحتمال ان يكون المراد من مثل قوله تعالي و اذا الوحوش حشرت حشر طائفة من افراد البشر نفوسهم من جنس ارواح الوحوش فحشروا وحوشا لا اناسا و الذي ثبت من طريق البرهان الحدسي هو القول بالتفصيل فكل حيوان يكون له نفس متخيلة متذكرة فوق النفس الحساسة فهو باق بعد الموت محشور الي بعض البرازخ غير معطل عن مجازاة لان العناية تأبي عن اهمال ما هو بصدد الاستكمال ، و اما حشر النفوس الحاسة ( الحساسة لا خ ) المتخيلة المتذكرة فكحشر القوي النفسانية الي مبدئها و رب نوعها كما ذكره معلم الفلاسفة في كتابه في معرفة الربوبية و كذلك النفوس النباتية اذا قطعت الاشجار او يبست كما ذكره بعض العرفاء ، و حشر المقلدين و الاتباع الي منازل الائمة و المجتهدين يشبه حشر القوي النفسانية الي الناطقة كما في قوله تعالي و حشر لسليمان جنوده من الجن و الانس و الطير فهم يوزعون و كمثل قوله و الطير محشورة كل له اواب .

اقول ما سوي الانسان و الجن و الشياطين و الملئكة فقد اختلف الناس فيه و اصل اختلافهم في ان غير ما ذكر مكلف ام لا و اختلافهم في التكليف مبني علي الاختلاف في ان هذه الاشياء من الحيوانات و النباتات و الجمادات هل لها شعور و تمييز ام لا فقيل ان الحيوانات و النباتات و الجمادات ليس لها عقول [ص 304] و لا تمييز و التكليف منوط باولي العقول و ما ليس بمكلف لا فايدة في بعثه لما ذكر من ان البعث انما هو للمجازاة علي الاعمال بالثواب او العقاب و قيل ان لها عقولا او تمييزا .

و احب نقل كلمات للسيد نعمة‌الله الجزايري في رسالته التي صنفها في الطاعون و اسبابه و احكامه و ان كانت طويلة لانه لما ذكر ان الوباء و الطاعون ينقي الزمان من كثير من الفسقة و الظلمة قال :

فان قلت قد ذكرت الحيوانات و الجمادات و اغلبها في احكام التنقية فهل يدخلون في نظام النفوس الناطقة و هل يتحصل لهم شعور و علم و تكليف قلت هذه مسئلة غريبة و البحث عنها اغرب فالجواب ان النطق و الكلام للطيور و الحيوانات مما وردت الاخبار متواترة به و كفي بذلك ما حكي الله تعالي في الكتاب المجيد عن النملة و كلامها مع سليمن (ع) و سمع سليمان (ع) عصفورا يقول لعصفورته لم تمنعيني نفسك و انا اقدر علي ان آخذ سرير سليمان (ع) بمنقاري و ارمي به في البحر فطلبهما سليمان (ع) فقال لاتقدر فقال يا نبي الله الزوج يعظم نفسه عند زوجته كيلاتطمع فيه ثم قال (ع) للانثي لم تمنعينه نفسك و هو يحبك فقالت يا نبي الله انه مدع يزعم انه يحبني و هو يهوي غيري فاثر كلام العصفورة في قلب سليمان و دخل بيته و بقي اربعين يوما يعني ان العصفورة لاتريد الشركة في الحب فكيف يكون سليمن يحب الله تعالي و يحب الملك و السلطان و في الحديث ان القبرة و انثاها كانا قد اتخذا عشهما في جواد الارض عند دنو وقت الفراخ فماشعرا الا و قد اتي سليمان (ع) و عساكره و نزلا بالقرب منهما فخافا علي فراخهما فقالت الانثي ان سليمن نبي كريم و هو يحب الهدية و كانا خبئا لافراخهما تمرة و جرادة فحمل احدهما التمرة و الاخر الجرادة فلما اتيا سليمن (ع) بسط يديه فوقع الذكر علي اليمين و الانثي علي اليسار فتكلما معه و قبل هديتهما و دعا لهما بخير و امر عساكره [ص 305] الايمروا علي طريقهما ثم انه مسح علي رؤسهما فكان التاج من مسح سليمن (ع) و تسبيحهما في الاسحار لعن الله مبغضي ال‌محمد (ص) و من ثم ورد النهي في كراهة ذبحهما و قال (ع) لاتدعوا صبيانكم يلعبون بالقنابر و اما العصفور فورد في الخبر انه من شيعة عمر بن الخطاب و انه لما عرضت عليه ولاية اهل البيت (ع) لم‌يقبلها و كذلك الفاختة و الرخمة ( الرحمة خ ) و في الحديث انه ماصيد الصيد في بر او بحر الا في حال ترك التسبيح ، و ائمتنا (ع) و خواص اصحابهم كانوا يعرفون كلام الطيور و الحيوانات و يترجمونها للناس و في الرواية ان الخطاف دل ادم علي الحواء حتي اجتمعا في مكة شرفه الله تعالي فعاتبه الله علي جمعه من فوقه ( فرقه خ‌ل ) الله تعالي فقال الخطاف الهي الست قلت و من كل شيء خلقنا زوجين و رأيت ادم منفردا اردت ايضا ان يكون مع حواء زوجين غيرة مني علي وحدانيتك فقال تعالي غفرت ( عفوت خ ) عن قبح ( سوء خ‌ل ) فعلك بحسن عذرك و جعلتك في جوار ذريته و امانهم و في الحديث ان صوته قرائة سورة الفاتحة و مد صوته قرائة الاخير يقول فيه الضالين . و بالجملة فكلام الحيوانات و لغاتها مما لاينبغي انكاره و عدم فهمنا له لايدل علي انكاره فانا نري بعض الهنود يتكلمون بلغة تقع في الاسماع مثل اصوات الخطاطيف من غير حروف و لا تمييز كلمات مع انها لغة عندهم يتعارفون بها ، و اما ان لها نفوسا ناطقة بمعني الشعور و العلم بمصالحها و مضارها و نحو ذلك فذهب اليه قدماء الحكماء و المحققون منهم و صرح به ابن‌سيناء في جواب اسولة بهمنيار و قال القيصري في شرح فصوص الحكم : لا تفاوت بين الانسان و الحيوانات في النفوس الناطقة و لا دليل علي نفيه بل هي دراكة للكليات و الجهل بالشيء لاينافي وجوده و امعان النظر بما يصدر عنها من العجايب يوجب ان يكون لها ادراك الكليات . [ص 306] اقول و الاخبار ظاهرة فيه و دالة علي ان لها تكليفا من التسبيح و التقديس و الطاعة لخالقها و القيام بولاية ال‌محمد (ص) و محبتهم و امتثال اوامرهم و نواهيهم و روي ان رجلا من الصحابة مر بطريق فغطه ( فعضه خ ) كلب و مزق ثيابه فاتي الي النبي (ص) يشكو صاحب الكلب فقام (ص) مع جماعة من الصحابة و اتوا الي منزل صاحب الكلب فخرج فقال له ان كلبك جرح فلانا و مزق ثيابه فاخرجه حتي نقتله فدخل و وضع في عنقه حبلا و خرج به فلما رٰاه الكلب سلم عليه فقال له النبي (ص) لم جرحت هذا الرجل و مزقت ثيابه فقال يا رسول الله (ص) هذا يبغض اهل بيتك و ينصب العداوة لوصيك علي بن ابيطالب (ع) و نحن معاشر الكلاب امرنا بان من ينصب العداوة لاهل بيتك نفعل به هذا الفعل فخجل ذلك المنافق و حسن النبي (ص) ما فعله الكلب و رجع و في حديث ان بعض الحيوانات نكرت له امه فنزا عليها و لما فرغ عرفها فعمد الي ذكره فقطعه باضراسه . و ينبغي ان تعلم ان غاية الادراك هو الافراط في المحبة التي يسمي في عرف الناس عشقا و صرح الحكماء بان من بلغ درجة العاشقين كان من اهل العلم و الادراك و ذكروا ان الطيور اعشق من الناس حتي ان القماري و نحوها اذا مات ذكرها نعته الانثي و بكت عليه حتي تموت و كذلك اذا ماتت ( مات خ‌ل ) الانثي و هذا مشاهد في الخيل و البغال و اضرابهما فانها تكثر الحنين الي ما الفته من جنسها حتي تلقاه ، و ذكروا ان صاحب قندهار يحارب مع حاكم بخاري و لما اصطفت الناس كان مع كل عسكر افيال فنظر فيل من احد العسكرين الي فيل من العسكر الاخر فعدي نحوه و عدي الاخر اليه فتلاقيا في الميدان و وضع كل واحد منهما خرطومه علي خرطوم الاخر و تعانقا طويلا و سالت الدموع من اعينهما ثم وقعا علي الارض فوجدا ميتين و اما النبات فذكر [ص 307] الشيخ ابوعلي في رسالة صنفها في العشق ان العشق لايختص بالانسان بل هو موجود في الحيوانات و النباتات و المعادن ، و في كتب الفلاحة ان النخل يخاف تارة و يعشق اخري قالوا صح ان النخلة اذا لم‌تحمل ضرب في اصلهما ( اصلها خ ) بفأس و يقول شخص لاخر لاي شيء هذا فيقول الضارب دعني اقطعها فيقول دعها في ضماني العام فان لم‌تحمل فاقطعها ، و في كتاب النفايس اذا زرع شخص اربع نخلات ( نخيلات خ‌ل ) فحسن ثمرهن سنين ثم يبست واحدة لم‌تحمل مقابلها ، و فيه ايضا ان شخصا كان له نخل و كانت واحدة منهن تزهر و تسقط قبل الانعقاد او قبل البلوغ فشكي الي حاذق فجاء حتي نظرها فقال انها عاشقة فدعا برصاص فصنع شريطا و ربطه منها الي نخلة هناك فحسن ثمرها تلك السنة و دامت كذلك و ان صاحب البستان قطع ( قلع خ‌ل ) الشريط لينظر فاسقطت الزهر فاعاده فصلحت و ذكروا من هذا الباب اشياء كثيرة . و اما المعادن فروي في الحديث ان نبيا من الانبياء مر علي جبل فرءاه يبكي فسأله عن سبب بكائه فقال منذ سمعت قول الله تعالي يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم و اهليكم نارا وقودها الناس و الحجارة فاخاف ان اكون من تلك الحجارة التي تكون من وقود تلك النار فقال ادعو الله ان لاتكون من تلك الحجارة فسكن بكاؤه ثم ان ذلك النبي (ع) مر به بعد مدة فرءاه يبكي فسأله ما هذا البكاء و قد امنت ان تكون من حجارة جهنم فقال هذا بكاء الشكر و ذلك بكاء الخوف ه‍ ، و الدال علي هذا كله قوله تعالي و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم حتي انهم قالوا ان تسبيح الحصي في يده (ص) و كذلك حنين الجذع الاعجاز انما هو في اسماع الحاضرين و الا فكل شيء يسبح الله و كل شيء مخلوق يحن الي النبي (ص) و اهل بيته (ع) .

انتهي كلامه في رسالة الطاعون و انما ذكرته مع طوله و عدم [ص 308] اشتماله علي ما يناسب المقام من التحقيق لاشتماله علي ايات و روايات و حكايات .

و ايضا يدل علي ما يوجب التكليف المستلزم للدعوي و الحق الذي تشهد ( يشهد خ ) له الايات و الروايات و الصحيح من الاعتبارات ان كل شيء مكلف و كل شيء له عقل و تمييز بنسبة حظه من الوجود فمن ذلك قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فقوله تعالي فقال لها و لم‌يقل لهم اشارة الي جماديتها المعلومة و قوله اتينا طائعين اشارة الي تمييزها الموجب لادخالها في مقام التكليف في جملة العقلاء و لذا لم‌يقل طائعات ، و مثل قوله تعالي و خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كل في فلك يسبحون و لم‌يقل يسبحن للاشارة الي ان تكليفهم الذي دخلن به في جملة العقلاء هو يسبحون في فلك ، و كل موضع من القران ذكر فيه النباتات و الجمادات في مقام التكليف ذكرها لضمير ( بضمير خ‌ل ) العقلاء مثل قوله و لكن لاتفقهون تسبيحهم و لم‌يقل تسبيحهن و مثل اولم‌يروا الي ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون و لم‌يقل داخرات ، و لهذا ساوي بين الانسان و بين ساير الحيوانات في موجب التكليف و في التكليف و في فايدة التكليف و غايته في كتابه فقال و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون فذكر غاية التكليف لكل ذي روح بانه يحشر الي ربه المربي له بما يوجب حشره اليه ليوصل اليه ثمرة فعله الذي هو فايدة التكليف و غايته ، و ذكر موجب التكليف في قوله امم امثالكم حكمهم كحكمهم لمشاركتهم لكم في مناط التكليف الذي هو تمييز الصلاح من ضده و الخير من ضده بنسبة رتبتهم من الوجود ، و ذكر التكليف في قوله تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و امثال ذلك من [ص 309] الايات ، و اما الاخبار الدالة علي المدعي فكثيرة لاتكاد تحصي بل لايكاد يوجد منها شيء يخالف الا ما كان وجه الموافقة فيه ظاهرا في الظاهر و الباطن و قد ذكرنا فيما سبق ما يدل علي ذلك تلويحا و تصريحا من الكتاب و السنة و ادلة العقل ما فيه كفاية لمن عرفه مثل ما اشرنا اليه من ان كل شيء انما خلقه الله من الوجود المخترع الذي لم‌يكن شيئا قبل الاختراع و لا ذكر له قبل الاختراع ( ذلك خ‌ل ) و لم‌يخلق الله تعالي شيئا الا من الوجود المخترع و هو قسمان وجود موصوفي و وجود وصفي و الوجود الوصفي خلقه الله تعالي من الوجود الموصوفي و حكمه في كل شيء حكم موصوفه بنسبته لانه من نفسه من حيث نفسه الا انه تابع له فيما يعطيه من فواضله و الوجود الموصوفي الذي هو الذات هو اول اثر فاض من فعل الله فهو اثر فعل العالم القادر المختار فيكون عالما قادرا مختارا كما قال تعالي انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا لانه اثر فعل المختار و الاثر يشابه صفة موثره التي هو اثرها فكان ذلك الوجود المحدث من فعله تعالي نورا و تمييزا و فهما و علما و اختيارا ليس منه شيء لا نور فيه و لا تمييز له و لا فهم له و لا علم له و لا اختيار له و الوجود الوصفي تابع لموصوفه في كل ما للموصوف بنسبته و الوجود الموصوفي صفوته الانسان و غير الانسان من فاضله فهو انزل منه رتبة في جميع تلك الصفات فمن دون الانسان فيها الجن و الملئكة و من دونهم ساير الحيوانات و من دون الحيوانات ساير النباتات و من دون النباتات ساير الجمادات و من دون الموصوفات صفاتها كل صفة دون موصوفها بنحو سبعين درجة فكل صفة فيها من جميع ما في موصوفها واحد من سبعين فانزل الجمادات بل انزل صفاتها فيها ما في اعلي الانسان بنسبتها و مثال ذلك السراج فانه بمنزلة امر [ص 310] الله الذي قام به كل شيء و كل شيء من الصفات و الموصوفات بمنزلة اشعة السراج و كل ما قرب من الاشعة من السراج كان اشد نورا و حرارة و يبوسة من الشعاع الابعد منه من السراج حتي تنتهي الي اخر الاشعة و ابعدها من السراج و هو الذي ليس بعده الا ظلمة بحت ، فاقربها الي السراج اشدها ( امثلها خ‌ل ) في اثار صفات السراج و ابعدها اضعفها في اثار صفات السراج و ما بينهما بالنسبة و كلها تستمد من اشراق السراج فجميع ما في اقويها يوجد في اضعفها بنسبته فهذا مثال الاشياء ، فالانسان كالشعاع الاقرب من السراج و الجمادات بل صفاتها كالشعاع الابعد من السراج فكل ما في الانسان من العقل و الشعور و الاختيار فهو موجود في الجمادات و صفاتها بنسبة حظها من الوجود فكل شيء مخلوق مكلف و الا لماخلق كما تقدم و كل مكلف يحشر الي ربه في احد الاوقات الاربعة علي ما نبينه لك علي نحو الاختصار ان شاء الله تعالي اما في الدنيا او في البرزخ او في الرجعة او في القيمة و ذلك لان كل شيء يصير الي ربه في اخر ما قبل منه في التربية فبعض الجمادات و الاعراض كبعض الالوان و الحركات تحشر الي ربها بثمرة ما رباها به في الدنيا و بعضها في البرزخ و بعضها في رجعة محمد و اهل بيته (ص) و بعضها يوم القيمة لان يوم الحشر يوم المجازاة علي الاعمال فاذا كان شيء مجازاته في الدنيا و كان له ربط بمن مجازاته في الاخرة لا بد ان يرجع في الاخرة مثاله روي عنهم (ع) ما معناه انه سئل انه قد يكون في بعض التمر تمرة فيها سواد كالرماد ما اصل هذا قال (ع) ان تلك التمرة تركت ذكر الله تعالي ذلك اليوم فارسل عليها ملكا فضربها بمنقاره فكانت هكذا ه‍ ، فهذه التمرة يوم حشرها الي ربها ساعة ارسل عليها الملك فضربها بمنقاره فافسدها و ليس لها يوم مجازاة و حشر [ص 311] تحشر فيه الي ربها غير ذلك اليوم نعم لو كان لها ربط بانسان حشرت يوم القيمة لمجازاة ذلك الانسان كما لو جمع منها زيد شيئا في اناء مغطي الرأس و باعه من عمرو بقيمة الصحيح غارا له بمحضر بكر و خالد و الاناء معروف عند الجميع لاتشتبه معرفته علي احد من الاربعة و بعد ما مضي به عمرو فتحه في بلية ( بيته خ‌ل ) و اذ الذي فيه من التمر باطل لا قيمة له فرجع علي زيد فانكر زيد ذلك و حلف عليه بان هذا ليس هو التمر الذي باعه اياه مع اتفاقهم علي ان هذا هو الاناء و انكر زيد و حلف فانه يأتي زيد يوم القيمة و عمرو و بكر و خالد و ذلك الاناء عند عمرو بعينه و بما فيه من التمر الفاسد بعينه الذي كان في الاناء يوم القيمة يوم البيع في ساعة البيع و الاناء ان كان من البيع ( المبيع خ ) مع التمر كان عند عمرو و الا فالاناء عند زيد و يحشر ذلك المكان الذي وقع فيه البيع في تلك الساعة من ذلك اليوم و الاربعة علي هيئتهم من قيام او قعود حال البيع فيفتح الظرف و تري فيه تلك التمرات الباطلة بحيث لايشك احد منهم في شيء مما كان لان ساعة البيع و المتبايعين و الشاهدين و هيئتهم و المبيع و هيئاته حاضرة يوم القيمة و الحساب لان الدنيا بما فيها مما له ربط بالحساب يوم القيمة تحضر بعينها في الوقت الاول بعينه فكما انك انت الان في الدنيا بعينك المحسوسة هذه تعاد انت بذاتك لا بدلك كما توهم ( توهمه خ‌ل ) المصنف كذلك تعاد الاوقات و الامكنة بعينها لا بدلها و من انكر هذا لزمه انه لم‌يقل بالمعاد الجسماني ، و نظير ما قلنا ان الشمس ردت للنبي يوشع بن نون علي محمد ( نبينا خ‌ل ) و اله و عليه السلام في قتال الجبارين فصلي بعد ما غربت الشمس اداء و ردت لاميرالمؤمنين (ع) عندنا مرتين مرة حين كان رأس رسول الله في حجره في مرضه الذي توفي فيه بعد ما غرب ( غربت خ‌ل ) و صلي الناس المغرب و [ص 312] هو (ع) لم‌يصل الظهرين فدعا فردت الي محل خمس و اربعين درجة من الافق الغربي فصلي الظهرين اداء و المرة الثانية حين تجاوزه من بابل و الي الان محله حين ردت له قريبا من الحلة و قد بني هناك منارة الي الان و هو سنة تاريخ تأليف هذا الشرح سنة ست و ثلثين بعد المأتين و الالف من الهجرة هي موجودة فصلي الفرضين اداء لا قضاء كما توهمه بعض من يتكلم بما لايعلم و لايفهم ركونا الي ما يقولون امس الدابر لايعود و ان الزمان غير قار الذات و ما اشبه هذه الالفاظ التي يأولونها ( يلوكونها خ‌ل ) و لايفهمونها فبالله العجب الوقت الذي وجد كامس دخل في ملك الله هل خرج من ملك الله فاين يذهب ( تذهب خ‌ل ) و لكن اكثرهم يجهلون و قد وردت اخبار كثيرة مصرحة باعادة الاوقات و الامكنة من الدنيا يوم القيمة فمن ذلك ما رواه في البحار عن تفسير الامام (ع) قال رسول الله (ص) اما ان الله عز و جل كما امركم ان تحتاطوا لانفسكم و اديانكم ( الي انفسكم و اياديكم خ‌ل ) و اموالكم باستشهاد الشهود العدول عليكم فكذلك قد احتاط علي عباده و لكم في استشهاد الشهود عليهم فلله تعالي علي كل عبد قياد من خلفه و معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و يحفظون عليه ما يكون منه من اعماله و اقواله و الفاظه و الحاظه و البقاع التي تشتمل عليه شهود ربه له و عليه و الليالي و الايام و الشهور شهوده عليه او له و ساير عباد الله المؤمنين شهود عليه او له و حفظته المكاتبون ( الكاتبون خ‌ل ) شهود له او عليه فكم يكون يوم القيمة من سعيد بشهادتها له و كم يكون يوم القيمة من شقي بشهادتها عليه ان الله عز و جل يبعث يوم القيمة عباده اجمعين و امائه فيجمعهم في صعيد واحد ينفذهم البصر و يسمعهم الداعي و يحشر الليالي و الايام و يستشهد البقاع و الشهور علي اعمال العباد فمن عمل صالحا شهدت له جوارحه [ص 313] و بقاعه و شهوره و اعوامه و ساعاته و ليالي الجمع و ساعاتها و ايامها فيسعد بذلك سعادة الابد و من عمل سوءا شهدت عليه جوارحه و بقاعه و شهوره و اعوامه و ساعاته و ليالي الجمع و ساعاتها و ايامها فيشقي بذلك شقاء الابد فاعملوا ليوم القيمة و اعدوا الزاد ليوم الجمع يوم التناد و تجنبوا المعاصي فبتقوي الله يرجي الخلاص فان من عرف حرمة رجب و شعبان و وصلهما بشهر رمضان شهر الله الاعظم شهدت له الشهور يوم القيمة و كان رجب و شعبان و شهر رمضان شهوده بتعظيمه لها و ينادي مناد يا رجب و يا شعبان و يا شهر رمضان كيف عمل هذا العبد فيكم و كيف كانت طاعته لله تعالي فيقول رجب و شعبان و شهر رمضان يا ربنا ماتزود بنا الا استعانة علي طاعتك و استمدادا لمراد ( لمزاد خ ) فضلك و لقد تعرض بجهده لرضاك و طلب بطاقته محبتك فقال للملئكة الموكلين بهذه الشهور ما تقولون في هذه الشهادة لهذا العبد فيقولون يا ربنا صدق رجب و شعبان و شهر رمضان ماعرفناه الا متقلبا ( متلقيا خ‌ل ) في طاعتك مجتهدا في طلب رضاك صائرا فيه الي البر و الاحسان و لقد كان بوصوله الي هذه الشهور فرحا مبتهجا منجحا امل فيها رحمتك و رجا فيها عفوك و مغفرتك و كان مما منعته فيها ممتنعا و الي ما ندبته اليه فيها مسرعا لقد صام ببطنه و فرجه و سمعه و بصره و سائر جوارحه و لقد ظمأ في نهارها و نصب في ليلها و كثرت نفقاته فيها علي الفقراء و المساكين و عظمت اياديه و احسانه الي عبادك صحبها اكرم صحبة و ودعها احسن توديع اقام بعد انسلاخها عنه علي طاعتك و لم‌يهتك عند ادبارها ستور حرماتك فنعم العبد هذا فعند ذلك يأمر الله تعالي بهذا العبد الي الجنة ، الحديث و هو طويل ، فانظر الي صراحة هذا الحديث الشريف في حشر الاوقات و الامكنة و كل ما تتوقف الشهادة العيانية فبه عليه ( فيه علية خ‌ل ، فيه غلبة خ ) لان التقرير [ص 314] في يوم القيمة لا بد ان يكون علي اكمل وجه و اكمل وجه ما يكون بنفس الشيء المختلف كما هو هو و هو الشيء بنفسه مثال ذلك اذا سرق عمرو من دكان زيد في سوق بغداد يوم الخميس رمانة حشر يوم القيمة دكان زيد في سوق بغداد يوم الخميس و حشر عمرو و تراه الناس مادا يده الي دكان زيد اخذا للرمانة المسروقة في الدنيا بعينها في الوقت الذي اخذها فيه في الدنيا كما انك اذا رأيته في الدنيا سارقا للرمانة من ذلك الدكان المعين في الوقت المعين فانك ما دمت حيا كل ما ذكرته رأيته اخذا لتلك الرمانة من ذلك الدكان في الوقت المعلوم فكلما ذكرته احضرت الكل في ذهنك بلا تغيير ( تغير خ‌ل ) ابدا فذلك هو الذي يبعثه الله تعالي بجميع احواله و مشخصاته الم‌تعلم ان الله علي كل شيء قدير و ما ذكرته بجميع شقوقه ضروري قطعي لاهل توفيق الله .

و قول المصنف « لاحتمال ان يكون المراد من مثل قوله و اذا الوحوش حشرت حشر طايفة من افراد البشر نفوسهم من جنس ارواح الوحوش فحشروا وحوشا » الاحتمال صحيح و لاينافي حشر الوحوش الظاهرة فمن حصر معني الاية في هذا المعني الباطني فقد ابطل و اخطأ كخطاء من حصرها علي الوحوش الظاهرة لان القرءان له ظاهر و باطن و كلاهما صحيح و مما تواتر معناه بين المسلمين انه يوم القيمة يقتص للجماء من القرناء و قد نطق نص الكلام ( كتاب خ‌ل ) المجيد في قوله تعالي انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم و مما عبد من دون الله هبل و هو حجرة منحوتة و الان هو مدفون عند المسجد الحرام في باب السلام باب بني‌شيبة حتي اذا دخل الحاج المسجد للطواف يطأ عليه لكونه ( لانه خ‌ل ) عبد من دون الله اهانة له و يوضع يوم القيمة في جهنم لانه رضي بان يعبد من دون الله و الا لكان مظلوما و العدل الحكيم لايعذب من لم‌يقع منه تقصير [ص 315] و قد قدمنا من الاشارة الي تمييز الجمادات و انها مكلفة من الاخبار و دليل العقل ما فيه كفاية لاولي الابصار .

و قوله « و الذي ثبت عندي من طريق البرهان الحدسي هو القول بالتفصيل » يريد به ان بعض الحيوانات لها تصورات جزئية لان لها نفوسا متخيلة متذكرة و ما كان كذلك فانها تحشر الي مقابل ادراكاتها و مسامتها من البرازخ فان تلك التصورات من نحو رتبتها اي رتبة ما تعود اليه و ما ليس لها ذلك فلا عود لها و الحق ان كل حيوان فله تصورات و تخيلات لما فيه صلاح معاشه و نظام نوعه و اي حيوان لايميز طعامه مما يشابه لونه مثل التيس الذي هو شديد الغباوة يميز العلف الاخضر من الثوب الاخضر الذي لونه مثل لون الحشيش و اذا نقل عن مكان مربطه او موضع معتلفه اذا ترك يمضي الي مكانه و محل معتلفه لانه يتصور ذلك و يتصور محل شهوته فيعرف الانثي من الذكر و يخاف مما فيه مظنة هلاكه او ضرره و يعرف من الناس من الف به ممن لم‌يألف به و بالجملة لاينفك حيوان عن الصور ( التصور خ‌ل ) بل قيل انها تدرك الكليات لان لها نفوسا ناطقة ، نعم الامر كذلك لانها من فاضل اصحاب النفوس الناطقة و لكن نفوس ( نفوسها خ‌ل ) الناطقة بنسبة رتبتها من الوجود فهي ناقصة لضعفها و انحطاطها عن النفوس الناطقة الانسانية فاذا حصل لها متمم نطقت كما تكون لبعض الحيوانات عند صاحب المعجز فانه بفاضل نورانيته ربما تمها ( تممها خ‌ل ) فنطقت و اظهرت اثار الافهام الانسانية من المعارف و الاثار العقلية و هذا في الحيوانات كثير بل و في الجمادات و النباتات ، و الحاصل الطريق الي معرفة ما نشير اليه و ادراكه اما العقل و اما النقل ، فاما العقل فيكفي صاحب العقل ما مثلنا به من السراج و اشعته فتأمل فيه و ان اردت الزيادة فعليك برسالتنا الفوائد و شرحنا عليها و اما النقل فهو في الحيوانات و المعادن [ص 316] و الجمادات اكثر من ان يحصي من الكتاب و السنة .

و قوله « فهو باق » فنقول عليه اي شيء باق بعد قوله تعالي كل شيء هالك الا وجهه فان اريد وجه الشيء فقد اشتركت الاشياء فيه فكل الاشياء فانية و كل وجوهها باقية فلا تفصيل و ان اريد ان وجه الله بمعني ذاته فكل الاشياء فانية و لا تفصيل و ان اريد وجه الله الذي تتوجه اليه الاولياء فكذلك و ايضا اي شيء فان و الله تعالي يقول قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ علي ان العناية تأبي عن اهمال ما هو بصدد الاستكمال و اي فقير لم‌يكن مادا ليد السؤال من الكريم الفعال القابل و لو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون و هو تعالي سبب من لا سبب له و سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب ففي نفس الامر كل شيء راجع الي ما منه بدئ رجوع مجاورة و هو كل شيء يدرك الامور الكلية من الانسان و غيره لانه لايزال متعينا متميزا فهو باق في تعينه و تشخصه و تميزه و كل شيء انحط عن تلك الرتبة فهو راجع الي مبدئه رجوع ممازجة فهو باق لمبدئه لا لنفسه فاستكمال ذوي النفوس المدركة طلب الاستمداد للبقاء في تشخصها لانفسها و استكمال ما دونها طلب الاستمداد للبقاء في مبدئها اذ كل شيء مخلوق فقير الي الغني المطلق تعالي في استمداد بقائه و هو تعالي يمد كل شيء مما خلقه منه و هو الغني الحميد و كل شيء محشور الي مبدء استمداد بقائه و هذا معني ما ذكره معلم الفلاسفة كما ذكره المصنف و معني ما ذكره المصنف ايضا في النفوس المتخيلة و النفوس الحساسة و هو معني ما ذكره معلم جميع الخلق جميع الحق اميرالمؤمنين (ص) فيما تقدم من كلامه للاعرابي الذي سأله عن النفس حيث جعل (ع) النفس النباتية و النفس الحيوانية الحساسة الفلكية كلا منهما اذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة و النفس الناطقة اذا فارقت [ص 317] عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة ، و قول معلم الفلاسفة و كذلك النفوس النباتية اذا قطعت الاشجار او يبست يعني انها تعود و تحشر الي اصلها كحشر القوي النفسانية الي مبدئها و رب نوعها و المعروف من عود الشيء الي اصله انه ( لانه خ‌ل ) ان كان مركبا عاد كل جزء منه الي اصله لانه اي المركب لم‌يكن مأخوذا من اصل مركب ليعود المركب الثاني الي المركب الاول المأخوذ منه و انما اخذ الثاني من مفردات الاول فالنفس النباتية جزء من النار و جزء من الهواء و جزءان من الماء و جزء من التراب فاذا اجتمعا و نضجا بطبخ حرارة الفصول و الكواكب و اعتدلت الاجزاء و اعتدل طبخها و نضجت الاجزاء و تلطفت حتي كانت في لطافة سماء الدنيا تعلقت بها نفس سماء الدنيا التي هي نفس الحياة فتحركت فاذا فارقت عاد الجزء الناري الي النار و الهوائي الي الهواء و المائي الي الماء و الترابي الي التراب فاذا عاد جزء الي اصله امتزج به بحيث لايمكن تميزه منه الا لخالقه تعالي و عادت نفسه الي نفس الفلك و امتزجت به كامتزاج الجزء المائي بالماء فالقوي النفسانية الاشراقية حكمها في العود الي ما منه صدرت حكم اجزاء النباتية كما سمعت من انها تعود عود ممازجة و القوي النفسانية الاركانية اذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة كالنفس الناطقة في عودها فعود ( و عود خ‌ل ) النباتية التي في الشجرة و في اغصانها الي ما منه بدئت كعود القوي النفسانية الاشراقية لا كعود القوي النفسانية الاركانية و عود المقلدين الي المجتهدين كعود الاركانية و عود المجتهدين و المقلدين و الاتباع الي الائمة (ع) كعود الاركانية في الظاهر يعني عود مجاورة و كعود الاشراقية في نفس الامر و ما في قوله تعالي و حشر لسليمن جنوده من الجن و الانس و الطير فهم يوزعون كحشر المجتهدين و المقلدين و الاتباع الي الائمة (ع) .

[ص 318] قال : ختم و وصية يقول هذا العبد الذليل اني استعيذ بالله ربي الجليل في جميع اقوالي و احوالي و معتقداتي و مصنفاتي من كل ما يقدح في صحة متابعة الشريعة التي اتانا بها سيد المرسلين و خاتم النبيين عليه و اله اجزل صلوات المصلين او يشعر بوهني بالعزيمة و الدين او ضعف في التمسك بحبل الدين لاني اعلم يقينا انه لايمكن لاحد ان يعبد الله كما هو اهله و مستحقه الا بتوسط من له الاسم الاعظم و هو الانسان الكامل المكمل خليفة الله بالخلافة الكبري في عالمي الملك و الملكوت الاسفل و الاعلي و نشأتي الاخري ( نشأتهما الاخرة خ‌ل ) و الاولي .

اقول احاديثنا التي نرويها ( مروية خ‌ل ) عن اهل العصمة ائمتنا (ع) مختلفة في مثل حال المصنف الذي اكثر اعتقاداته التي وقفنا عليها في كتبه مخالفة لكلام الائمة (ع) و مذهبهم مثل قوله بان الوجود يصدق علي القديم و الحادث من باب الاشتراك المعنوي لان الاشياء من سنخ ذاته تعالي ، و ان بسيط الحقيقة كل الاشياء ، و يريد ببسيط الحقيقة هو الله تعالي ، و ان معطي الشيء ليس فاقدا له في ذاته فاذا قيل له الله تعالي اعطاني هذه العصا هو تعالي ليس فاقدا لها في ذاته قال نعم بنحو اشرف و ان وجودات الاشياء ليست خارجة عن ذاته و الاشياء الموجودة في الخارج اظلة لتلك الحقايق انحطت عنها كانحطاط الاظلة عن الشاخص و ان الماهيات الثابتة في علمه الذي هو ذاته اعني ماهيات الاشياء هي شئون الذات و لوازمها التي لايمكن تصور انفكاكها عن الذات و هي ليست مجعولة و لايطرء عليها التغير و التبدل و ان الصور المعقولة متحدة بعاقلها و المفعول متحد بالفاعل و المحسوسة متحدة بالحاس و ان الصور المحسوسة المتعلقة بالمواد ليست معلومة له بالذات و انما هي معلومة له بتبعية حقايقها المتحدة به و ان اهل النار [ص 319] يؤل امرهم الي النعيم و انه تعالي ليس له ان شاء فعل و ان شاء ترك و لهذا منع ان يكون الله فاعلا بالقصد و انما هو فاعل بالعناية بمعني ان علمه بوجه الخير و الصلاح و يكون فعله تابعا لعلمه بوجه الخير مع ( من خ‌ل ) غير قصد زائد علي علمه كما تقدم و يكون معني كونه عنده مختارا انه ان شاء فعل و ان لم‌يشأ ترك ( لم‌يفعل خ‌ل لم‌يفعله خ‌ل ) ، و بينا فيما سبق ان هذه العبارة تنافي الاختيار و انما عدل عن العبارة المعروفة لاجل نفي القصد الزائد علي العلم لما يلزم من اعتبار القصد عنده من المفاسد و قد ذكرنا فيما سبق جواب ما توهمه ، و ان المعاد الجسماني عبارة عن اعادة الاشخاص ( الاشياء خ‌ل ) بصورهم لا بموادهم لان المواد تتبدل و تتغير و لاتبقي بخلاف الصور و ان علم الله بالاشياء مستفاد من الاشياء و انه تعالي ليس له ان يهدي جميع الخلق اذ ليس له في الاشياء الا وجه واحد و ان جنة زيد المؤمن و جميع ما فيها من القصور و الولدان و الحور و المطاعم و المشارب و المناكح و الحلي و الحلل و جميع انواع النعيم التي اعدها الله تعالي له كل ذلك وجودها عبارة عن وجوده لانها كلها من قبيل نياته و معتقداته فليس لها وجود الا وجوده ، و امثال هذه من اعتقاداته و مع هذا كله يقول « استعيذ بالله ربي الجليل في جميع اقوالي و احوالي و معتقداتي و مصنفاتي من كل ما يقدح في صحة متابعة الشريعة التي اتانا بها سيد المرسلين و خاتم النبيين عليه و اله اجزل صلوات المصلين او يشعر بوهني بالعزيمة و الدين ، الخ » و الروايات المتكثرة دالة بصريحها علي ان القائل بهذه المقالات و امثالها كافر و مشرك و ظاهر كلام العلماء ذلك في حق القائل بهذه المقالات ، نعم روي عن الباقر (ع) ما معناه لو ان رجلا سمع الحديث يروي عنا و لم‌يعقله عقله و انكره و كان من شأنه الرد الينا فان ذلك لايكفره ه‍ ، و معلوم بان مثله لايريدون خلاف ائمة الهدي (ع) و انما دخلوا في هذه المقالات الباطلة لانهم قرأوا كتب الفلاسفة و الصوفية [ص 320] و وجدوا فيها رموزا و اشارات و تدقيقات و انسوا بها اولا فلما نظروا في كلام الائمة (ع) و وجدوه مخالفا لما ذكره اولئك اولوا كلام الائمة (ع) علي ما يطابق مرادات الحكماء و الصوفية لتوهمهم صحة كلام اولئك حيث ذكروا ادلة من المجادلة بالتي هي احسن دخلت في اذهان هؤلاء فاعتقدوا ● صحة كلامهم و كلام ائمّتنا عليهم السلام اغلب اَدلَّتِهٖ من ادلّة الحكمة و هي غير مأنوسةٍ لانّها جارية علي الفطرة و البداهة و تستبعد النفوس بيان هذه المطالب العالية بهذه الادلّة التي ليس فيها غموض و توهّموا ان هذه المطالب الغامضة ماتكشف عنها الّا الادلّة المعقّدة المشبّكة فاعتمدوا علي ادلّة اشباههم .