و بالجملة كلامهم طويل عريض الا انه يرجع علي نوع ما سمعت و لا فايدة في ذكر غير ما ذكرنا من كلامهم لانه مثل ما ذكرنا و جوابنا عن المذكور جواب لغيره يقينا فيما ذكره في هذه الرسالة هنا و هو الذي لاح له و هو حق لا شبهة فيه و لم‌يذكره في غير هذا .

و اما تعليله ذلك بانه انما كان فيه التألم و عدم الراحة بل فيه العذاب الدائم و المحن المستمرة الغير المتناهية لان منزلتها ( منزلته خ‌ل ) من ذلك العالم منزلة عالم الكون و الفساد و من ( الفساد من خ ) هذا العالم فهو مبني علي ما نذهب ( يذهب خ‌ل ) اليه من ان الجنة ثابتة لايجوز عليها التغير و لا التغيير و قد ذكره سابقا و ذكرنا عليه هناك ان الاخرة بكل ما فيها من جنة و نار حادثة و الحوادث مجردها و ماديها متغيرة و ان كان تغير كل ما ( بتغير كل خ ) بحسبه كما تري في الدنيا فان المدر يتغير و الحديد يتغير الا ان تغير المدر اسرع من تغير الحديد خصوصا الجنة و ما فيها فتغيرها ( فان تغيرها خ‌ل ) من الضعف و الخلق محركا الي الشدة و الجدة و النار كلما طال المدي علي اهلها ضعف قولهم ( قواهم خ ) و قويت بلاياهم بلا نهاية في الدارين .

قال : قاعدة في كيفية تجسم الاعمال و تصور النيات يوم القيمة و الاشارة الي مادة صورها ، اعلم ان لكل صورة خارجية ظهورا خاصا في موطن النفس و لكل صورة النفسانية ( نفسانية خ‌ل ) و ملكة راسخة وجودا في الخارج الاتري ان صورة الجسم الرطب اذا اثرت في مادة جسمانية قابلة للرطوبة قبلتها فصارت رطبا مثله سهل القبول للاشكال فاذا اثرت في مادة اخري كمادة القوي الحسية او الخيالية و انفعلت عن الرطوبة لم‌تقبل هذا الاثر و لم‌يصر ( لم‌يصل خ‌ل ) رطبا مثله مع انها قبلت ماهية ( ماهيته خ‌ل ) الرطوبة لكن بصورة اخري و مثال [ص 272] اخر و كذا قبلت القوة ( للقوة خ‌ل ) العاقلة الانسانية منها صورة اخري و نحو اخر من الوجود و الظهور مع ان الماهية واحدة هي مادة الرطوبة و الرطب فللماهية الواحدة صور ثلثة في مواطن ثلثة لكل منها وجود خاص و ظهور معين فانظر في تفاوت حكم هذه النشأة الثلاثة ( النشئات الثلاث خ‌ل ) في ماهية واحدة و قس عليه تفاوت النشأة ( النشئات خ‌ل ) في انحاء الظهورات و الوجودات في كل معني و ماهية عينية فلاتتعجب من كون الغضب و هو كيفية نفسانية اذ وجدت في الخارج صارت نارا محرقة و ان العلم و هو كيفية نفسانية اذا وجدت في الخارج صارت عينا تسمي سلسبيلا و ان المأكول من مال اليتيم ينقلب في موطن الاخرة ( في خ ) بطون آكليه نارا يصلونها يوم الدين و لا ايضا من صيرورة حب الدنيا و هي شهواتها و هي اعراض النفسانية هيهنا حيات و عقارب تلسع و تلدغ بصاحبها ( لصاحبها خ‌ل ) يوم ( في يوم خ ) القيمة و هذا القدر كاف للمستبصر لان يؤمن بجميع ما وعده الشارع و اوعد عليه و كل من له قوة تحدس في العلم يجب عليه ان يتأمل في الصفات النفسانية و كيفية منشأيتها للاثار و الافعال الخارجية و يجعل ذلك ذريعة لمعرفة استيجاب بعض الاخلاق و الملكات لاثار مخصوصة في القيمة .

اقول ان المعاني التي تبرز و الهيئات التي تظهر لها صورتان : احديهما ما كانت من المعاني و الثانية ما كانت من الاعراض ، فالاولي ما اشار اليه بالبيان في قوله « ان لكل صورة خارجية ظهورا خاصا في موطن النفس » كما لو مدحت شخصا او شتمته فان هذا المدح او الشتم له تأثير في النفس و انت وجهته اليه في لباسه اللفظي و كذلك ما تعلمه له مما يحب او يكره فانه يظهر بوجوده الملكوتي او البرزخي فيؤثر ( و يؤثر خ‌ل ) في النفس او ( و خ ) المتخيلة ما تقتضيه من التأثيرات كالتهيج و التسكين و القوة و الضعف و الانبساط و الانقباض و الشجاعة و الجبن و الكرم و البخل و الحياء و الخلع و ما اشبه ذلك و كذلك [ص 273] لكل صورة نفسانية يعني معني نفسانيا و لكل ملكة راسخة و انما ذكر راسخة قيد الملكة ( قيدا للملكة خ‌ل ) مع ان الملكة لاتكون الا راسخة لان الطاوي ( الطاري خ‌ل ) اذا لم‌يرسخ و لم‌يثبت يسمي حالا و اذا رسخ و ثبت يسمي ( سمي خ ) ملكة لبيان ما هو الواقع و الحاصل لكل ملكة وجود في الخارج تظهر به ، اما الصورة الخارجية التي قلنا لها تأثير ملكوتي و برزخي فمنها ما يكون ذلك التأثير رجوعا لها الي مباديها و مشابهة لمباديها اذا تمت في استعدادها و هذا اذا كانت الصورة راجعة الي موطن النفس ( نفس خ ) صاحبها و منها ما تكون طامحة الي غير موطن نفس صاحبها كان ظهورها بتأثير يشابه صفتها من صاحبها و هذه الصفة قد تكون ذاتية و قد تكون استعمالية صناعية فاذا ( فان خ‌ل ) كان ظهورها رجوعها الي موطنها من النفس كان استكمالا لوجودها ( لها بوجودها خ‌ل ) و ان كان رجوعها الي غير موطنها كان وجودا باثارها ، و اما الصورة النفسانية و الملكة الراسخة وجودها ( فوجودها خ‌ل ) في الخارج بحيث يكون ( تكون خ ) مدركة بالحواس الظاهرة بل كل ما هو من عالم الغيب فوجوده في ( من خ‌ل ) عالم الشهادة و قد تكون تنزله ( بتنزله خ‌ل ) الي عالم الشهادة وجوده كما يظهر جبرئيل في صورة دحية بن خليفة الكلبي و كما ظهر الملك المستحفظ لاقرارات المؤمنين بالولاية في التكليف الاول في الذر في صورة الحجر و هو الان الحجر الاسود في الكعبة المشرفة في الركن العراقي و قد يكون بصعود المدركين له الي رتبه ( رتبته خ‌ل ) من الملكوت فيشاهدونه بحواسهم لاجتماعهم معه في مشهد واحد علي الاعتبارين و علي الظاهر في الدنيا الاغلب يكون الظهور بنزول الغيب الي الشهادة فيشاهدونه في رتبتهم و قد يكون بصعود الشاهد الي الغائب و الاغلب في الصاعدين الصعود النفسي و قد يقع في الدنيا الجسمي كما في الاخرة مثل معراج النبي (ص) و اما في الاخرة فبالترقي يقينا في كلام المصنف [ص 274] في تنظيره و بيانه يقول ( بقوله . خ‌ل ) الاتري الي الرطوبة في تصور تأثيرها فان صورة الجسم الرطب كالماء و كالطين اللبن الذائب اذا اثرت رطوبته في مادة جسمانية قابلة للرطوبة مثل اللبنة المعمولة من الطين و لم‌تحرق كالٰاجر بل هي مدرة قبلت الرطوبة فصارت رطبة مثل الماء و مثل الطين في الرطوبة لانها في رتبتها و انفعلت بها كما انفعل التراب بها حتي صار طينا فاللبنة صارت طينا او كالطين سهل القبول للاشكال فهذه نشأة ( لنشأة خ ) من النشئات و اذا اثرت الرطوبة في مادة اخري كمادة القوة الحسية التي هي عنده من عالم الملكوت و ( او خ‌ل ) الخيالية التي هي من عالم البرزخ لم‌تكن مع الرطوبة من صقع واحد و انفعلت عن تلك الرطوبة و لكن ليس كانفعال التراب فلم‌تقبل ذلك الاثر الجسماني و لم‌يصره ( لم‌تصر خ‌ل ) رطبا مثل رطوبة الطين لكن بصورة اخري بان تكون ضعيفة الشعور و الاحساس فلها صورة غير صورة رطوبة الطين و مثال اخر و اذا اثرت الرطوبة المائية في القوة العاقلة الانسانية و قبلت منها قبولا ليس علي نحو قبول الاولين بل تكون قوية الشعور ( قريبة الغور خ‌ل ) و الادراك و هو نحو اخر من الوجود و الظهور مع الماهية المؤثرة مع ان الماهية الواحدة ( واحدة خ ) و هي رطوبة الماء فقد ظهر للماهية الوحدة ( الواحدة خ‌ل ) صور ثلث في مواطن ثلثة لكل واحد من هذه المواطن صورة من الرطوبة غير صورة الاخر بل للرطوبة الواحدة في كل موطن وجود خاص و ظهور معين ، فانظر في حكم تفاوت هذه النشئات ( النشأة خ‌ل ) في انحاء الظهورات في قوابلها و الوجودات في مواطنها و هذا حكم مراتب الوجودات ( الموجودات خ ) و قس عليه هذه الاعمال الصادرة من المكلفين بالنسبة الي اوقات وجودات الاعمال التي نعمله ( تحضر خ‌ل ) فيه .

ثم فرع علي بيانه « فلاتتعجب من كون الغضب و هو كيفية نفسانية اذا وجدت في الخارج » اي في كونها محسوسة « صارت نارا » كما صارت الرطوبة المائية في القوة العاقلة الانسانية غباوة [ص 275] و بلادة « و ان العلم و هو كيفية نفسانية » لانه عرض من جملة الاعراض « اذا وجد في الخارج » المدرك بالحواس « صار عينا تسمي سلسبيلا » اقول و يؤيد هذا ما رواه ابوالطفيل عامر بن واثلة قال قلت يا اميرالمؤمنين اخبرنا ( اخبرني خ‌ل ) عن حوض النبي (ص) في الدنيا ام في الاخرة قال بل في الدنيا قلت فمن الذائد عليه قال انا بيدي فليردنه اوليائي و ليصرفن عنه اعدائي و في رواية و لاوردنه اوليائي و لاصرفن عنه اعدائي الخ ، و كذلك حال ( المال خ ) المأكول من مال اليتيم ظلما ينقلب في موطن الاخرة اي يوم القيمة الكبري في رتبة الاخرة في بطون الذين يأكلونه علي غير وجه شرعي نارا محرقة و هو بنفسه يكون في بطن من اكله ظلما نارا يصليها يوم الدين . « و لا ايضا » اي و لاتعجب ايضا من صيرورة حب الدنيا و هي شهواتها و لذاتها الفانية مع ان حب الدنيا عرض نفسانية ( نفساني خ‌ل ) في الدنيا و لكنك اذا وجدتها يوم القيمة وجدتها بعينها حيات و عقارب لان هذه الاعراض المذكورة لها هيئات نفسانية علي صور الحيات و العقارب فان الشهوة التي لايكون مٰال امرها الي الله هي علي هيئة العقرب و ذاتها هيئة نفسانية تدب الي صاحب تلك ( هذه خ‌ل ) النفوس ( النفس خ‌ل ) و تلدغه و تخدر عضوه الملدوغ و هو باعث العقل الي الطاعة فتضعف تلك العزيمة عن الطاعة فاذا كشف له المستور عنه وجدها عقربا من عمله تلدغ ( تلدغه خ‌ل ) و كذلك الحيات .

يقول و هذا القدر من التمثيل و البيان كاف للتفهيم للمستبصر اذا تفكر فيما خلق الله تعالي و فيما ضرب في خلقه من الامثال ليتوصل به و يهتدي به الي الايمان بجميع ما وعد به الشارع من انواع الثواب و اوعد عليه من اليم العقاب فان كل من له قوة حدس و فكر استنباط للايات ( الايات خ ) في الافاق و الانفس ينبغي له ان تدبر ( يتدبر خ‌ل ) في الصفات النفسانية و الاوضاع الافاقية و كيفية منشأية النفسانية للاثار [ص 276] و الافعال الخارجية ، اي كيف تنشأ منها الاثار و علي اي نحو تكون و كيفية انتزاع الاستدلال من الاوضاع الافاقية كيف ينتزع و كيف يستدل بها ، فاذا عرف المنشأ النفساني و الانتزاع الافاقي ( الانتزاعي الافاق خ‌ل ) و التطبيق الاستدلالي و جعل ( الاستدلالي جعل خ ) ذلك ذريعة و وصلة الي معرفة ما توجبه بعض الاخلاق و الايات عن ( من خ‌ل ) الاثار المخصوصة من حقايق الثواب و العقاب البارزة من استارها يوم الحساب ، و هذا هو نمط تجسم الاعمال عند المصنف و عند من قال بمقالته و ستسمع ما نذكره في بيان تجسم الاعمال ، و المصنف ضرب لما يدعيه مثالا :

قال : مثال ذلك ان شدة الغضب في رجل تورث ثوران دمه و احمرار وجهه و انتفاخ بشرته و الغضب حالة نفسانية موجودة في عالم باطنه و هذه الاثار من صفات الاجسام المادية و قد صارت نتايج في هذه النشأة فلا عجب من ان يلزمه في نشأة اخري ان تنقلب ( تتقلب خ‌ل ) نارا محضة محرقة للقلب ( للقلوب خ‌ل ) مقطعة للامعاء موقدة تطلع علي الافئدة كما يلزمه هيهنا اذا اشتد تسخن البدن و ضربان العروق و الاوداج و اضطراب الاعضاء و احتراق المواد و الاخلاط و ربما يؤدي الي المرض الشديد بل الي الهلاك من الغيظ فهكذا جميع الصور المجسمة الموجودة في عالم الاخرة حاصلة من ملكات النفوس و اخلاقها الحسنة و القبيحة و اعتقاداتها و نياتها الصحيحة و الفاسدة الراسخة فيها من تكرار ( تكرر خ‌ل ) الاعمال و الافعال في الدنيا فصارت الاعمال مبادي للاخلاق في الدنيا فتصير النفوس بهيئاتها مبادي الاجسام ( للاجسام خ ) في الاخرة .

اقول يريد ان كون الصفات النفسانية منشأ للاثار الخارجية دليل علي ان بعض الاخلاق التي تطبع عليها و الملكات التي استقرت في جبلية ( جبلة خ‌ل ، جبلته خ ) من الاعمال حتي كانت طبيعة له موجبة ( موجب خ‌ل ) لايجاد اثار مخصصة [ص 277] ( مخصوصة خ‌ل ) ناشية عنها و مثال تلك الصفات النفسانية التي تنشأ عنها الاثار الخارجية المحسوسة التي يستدل ( تستدل خ‌ل ) بها علي صحة ان تكون النفس ( النفوس خ ) منشأ و مبدء لاجسام ( الاجسام خ‌ل ) تحدثها في الاخرة ان الغضب حالة نفسانية ملكوتية اذا اشتدت في نفس شخص اثارت و هيجت ثوران دمه و احمرار وجهه و انتفاخ بشرته و عروق جبهته و هي حالة معنوية لم‌تكن من عالم شهادته و انما هي موجودة في عالم باطنه و تأثيرها ايضا باطني و اثرها حسي ( حسية خ‌ل ) من صفات الاجسام المادية و قد صارت الحالات النفسانية التي هي من نشأة عالم الغيب نتايج الحسنة ( الحسية خ‌ل ، حسية خ ) في هذه النشأة الحسية التي هي نشأة من عالم الشهادة ، فلا عجب من ان يلزم ( يلزمه خ‌ل ) اي يلزم الغضب في نشأة اخري فوق نشأة اخري ( نشأته خ‌ل ) ان تنقلب نارا محضة كما لزم تحته ( لزمه تحت خ‌ل ) نشأته ( نشأة خ ) ان تنقلب صفات جسمانية مادية لزم فوق نشأة ( لزمه فوق نشأته خ‌ل ) ان تنقلب نارا محضة محرقة للقلوب مقطعة للامعاء حاطمة للعظام موقدة تطلع علي الافئدة ، الاتري انه اذا اشتد و استحكم لزمت منه اثار هيهنا يظهر عنها تسخين البدن و ضربان العروق و الاوداج و اضطراب الاعضاء و اختلاجاتها و احتراق المواد و الاخلاط و ربما تؤدي الي المرض الشديد ( بل خ ) ربما يوصل ( توصل خ‌ل ) الي الهلاك من شدة الغيظ و الدليل علي ان هذه الاثار من نفخات النار قول النبي (ص) الحمي رايد الموت و حرها من فيح جهنم و هي حظ كل مؤمن و مؤمنة من النار ، الخ ( ه . خ ) .

و قوله « فهكذا جميع الصور الجسمية ( المجسمة خ‌ل ) الموجودة في عالم الاخرة » يعني ان جميع ما في الاخرة من النعيم و الحور و القصور و المٰاكل و المشارب و الاشجار و الثمار و الاطيار هي تلك الاحوال الطيبة و الملكات الزاكية تظهر بصور هناك ظاهرة مشاهدة كما ظهرت اثار الرضا و الغضب و الفرح [ص 278] و الحزن في البدن محسوسة و اصله ( اصلها خ‌ل ) معقول و متخيل و كذلك احوال العقاب و العذاب الاليم فانما ( فانها خ‌ل ) هي احوال ( الاحوال خ‌ل ) الخبيثة و الملكات السيئة فانما ( فانها خ‌ل ) تظهر بصور هناك ظاهرة مشاهدة و مباديها الغضب و الشهوة و الاعمال السيئة و الاخلاق القبيحة من ترك الصلوة و الزنا ( الزكوة خ ) و الامر بالمنكر و النهي عن المعروف كما ظهرت الجنة و ما فيها من النعيم من ( و خ‌ل ) الاعمال الصالحة كالصلوة و الزكوة و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ما اشبه ذلك فالاعمال الصالحة و الطالحة يتجسم ( تتجسم خ ) اذا برزت من مباديها الغير المجسمة الموجودة علي نحو ما مثلنا و ذلك في الاخرة .

و قوله « فهكذا جميع الصور المجسمة الموجودة في عالم الاخرة حاصلة من ملكات النفوس و اخلاقها الحسنة و القبيحة » و هو معني قولنا فانها تظهر بصور هناك ظاهرا ( ظاهرة خ ) الخ ، و لذا قال « فصارت الاعمال » الي اخر كلامه و قد تقدم ما يرد علي بعض كلامه مثل قوله ان الجنة و جميع ما فيها من القصور و الولدان و الحور من نوع النيات و الاعمال و ان وجوداتها من وجود النفس الادمية لانها في نفس الامر صفات النفس و ملكاتها و مما يرد عليه ان الجنة خلقت من الانسان و اليه يعود ( تعود خ‌ل ) و الامر علي العكس .

قال : و اما مادة تكون الاجساد ( الاجسام خ‌ل ) و تجسم الاعمال و تصور النيات في الاخرة فليست الا النفس الانسانية و كما ان الهيولي هنا ( هيهنا خ‌ل ) مادة تكون الاجسام و الصور المقدارية و هي لا مقدار لها في ذاتها فكذلك النفس الادمية مادة تكون الموجودات المقدرة المصورة الاخروية و هي في ذاتها امر روحاني لا مقدار لها .

اقول ذكر اولا كيفية تجسم الاعمال و تمثيله و هنا ذكر المادة التي [ص 279] تتكون منها الاعمال عند تجسمها ، و اعلم ان الناس الذين قالوا بالمعاد و الثواب و العقاب اختلفوا في الثواب و العقاب هل هما جزاء علي الاعمال مغايران لهما ام هما الاعمال الحسنة و السيئة فالذين جعلوهما جزاء علي الاعمال اختلفوا فذهب الشيخ المفيد و جماعة ( جماعته خ ) الي ان الاعمال اعراض و معاني فلايعقل تجسمها و لا وزنها و المراد من الموازين التعديل بين الاعمال و الجزاء عليها و وضع كل جزاء في موضعه و ايصال كل حق الي مستحقه فلا ميزان و لا وزن علي الحقيقة بل هو محمول علي المجاز ، و قال اخرون ان الاعمال لاتجسم لانها اعراض و معاني نعم يخلق الله تعالي بازاء الاعمال و تناسبها ( مناسبها خ‌ل ) صورا حسنة او قبيحة و تكون هي ( هو خ‌ل ) الموزونة في الميزان الحقيقي و هي الصور التي تكون مع الانسان في عالم البرزخ ، و قالت طايفة الي ان الاعمال ( ان الموزون خ‌ل ) هي صحايف الاعمال لا نفسها بناء منهم علي ان كتابة الاعمال في صحايفها مثل كتابتنا لما ( فيما خ‌ل ) نكتبه في دفاترنا و بعض الروايات تشير الي ان الموزون هي الصحايف مثل ما روي عنه (ص) انه يؤتي برجل يوم القيمة الي الميزان و يؤتي له تسعة و تسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه و ذنوبه فيوضع ( فتوضع خ‌ل ) في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالانملة فيها شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله ( عبده و رسوله خ‌ل ) فيوضع في الاخير فيرجح ، و المصنف يري الوزن للصحايف ، و قيل و يمكن ان يجمع بين الاخبار الدالة علي هذه الاقوال المختلفة بحمل ما ورد من ان الميزان ليس هو ذا كفتين و انما هو مجاز عن العدل في الجزاء علي ميزان اعمال الانبياء عليهم السلام و ميزان اعمال من بينهم ( يليهم خ ) من اهل الطاعات و المعرفة لانهم لايتهمون ربهم فيما قضي عليهم باعمالهم و حمل ما ورد من ان الله تعالي ينصب ميزانا له لسان و كفتان لسانه [ص 280] بيد جبرئيل (ع) يزن فيه الاعمال علي ميزان اعمال ساير الخلق لينظروا الي اعمالهم كيف توزن بالموازين فلايتهمونه تعالي ، و من قال ان الثواب و العقاب هما عين اعمال المكلفين منهم من قال ان جعل الاعراض ذوات شيء ممكن مقدور لله عز و جل فيجعلها اجساما مناسبة لنوع ما انقلبت عنه من الاعراض في الكم و الكيف و الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الوضع و يرون ان هذه الامور هي التي عليه في نفس الامر و لم‌تجدد ( لم‌تتجدد خ‌ل ) لها نشات ( نشأة خ ) بحسب تجدد الاوقات و الامكنة و الرتب و انما هي هكذا في كل نشأة فوجوداتها قائمة في كل نشأة بما هي عليه في تلك النشأة ، مثاله انت في بغداد تتصور مصر بصورة ملكوتية او برزخية و هي وجود مصر في رتبة النفوس و ( او خ‌ل ) الخيالات و اذا مضيت عليه ( اليه خ‌ل ) وجدته ذاتا محسوسة و هذا وجوده في عالم الحس فمصر موجود في كل رتبة من مراتب الوجود من نوع وجودها و وجود ما هو من مقامها .

و ممن تنبه الي هذا المعني المحقق الدواني في رسالة الذوراء ( الزوراء خ ) و قد ذكر في مفتحها ( مفتتحها خ ) انها من فيوض زيارة عتبة باب مدينة العلم و ابنه سيدالشهداء عليهما من الصلوة اكملها و من التسليمات اجزلها و حاصله مختصرا مع بعض التغير ( التغيير خ‌ل ) ان الحقيقة الواحدة تظهر في البصر بالصورة المعينة المنكشفة ( مكشفة خ‌ل ) بالعوارض المادية ملازمة لوضع معين من قرب و بعد و غير ذلك و هي بعينها تظهر في الحس المشترك بصورتها ( بصورة خ‌ل ) نشأ بهما من غير تلك الشرايط و هي في الحالين تقبل التكثر بحسب الاشخاص كصورة زيد و بكر ثم تظهر تلك الحقيقة في العقل بحيث لاتقبل الكثرة و تصير الافراد المتكثرة في الصور ( الصورة خ‌ل ) المبصرة و المتخيلة متحدة ( المتحدة خ‌ل ) في الصورة العقلية فتظهر ( فظهر خ‌ل ) ان الصورة و لو كانت عقلية غير الحقيقة بل الصور المختلفة لباس لتلك الحقيقة [ص 281] و اختلاف تلك الصور ( الصورة خ‌ل ) يكون لاختلاف المشاعر و المدارك و تلك الحقيقة مع وحدتها الذاتية قد تظهر في صور ( صورة خ‌ل ) متكثرة متخالفة الحكم كصور الاشخاص و قد تظهر في صورة واحدة كالصورة العقلية و محصل هذا ان الحقيقة مغايرة لجميع الصور التي تخيل ( تتخيل خ‌ل ) فيها علي المشاعر الظاهرة و الباطنة الجسمانية و الروحانية و ان تلك الحقيقة من حيث ذاتها قابلة للظهور بصور مختلفة و ان جميع الصور هي بها متساوية و ليس بعضها اولي من البعض بل انما تخصص تلك الصور باحكام المواطن و المشاعر فالعلم مثلا حقيقة واحدة يظهر ( تظهر خ‌ل ) في مواطن اليقظة بصورة عرضية محتجبة عن الحس مدركة بالعقل كلية و بالوهم جزئية و هي بعينها تظهر في مواطن ( موطن خ‌ل ) الرؤيا بصورة جوهرية اعني صورة اللبن و كما ان الظاهر علي المدارك الباطنة في اليقظة الحقيقة ( حقيقة خ‌ل ) العلم كذلك الظاهر علي المشاعر في الرؤيا حقيقة العلم الا انه يتجلي في كل موطن بصورة تعينها لها ذلك الموطن ثم ان المحجوب المنغمس في احكام الطبيعة الذي ( التي خ ) لايعرف الحقايق الا بصورها ينكر الحقيقة عند تبدل الصورة و لايعرفها لتحولها في ملابسها و لكن العارف لايصير مغلوبا باحكام خصوصيات المواطن و لايحجبها حكم موطن عن احكام المواطن الاخر بل يعرفها في ساير ملابسها تظهر ( فظهر خ‌ل ) عليك من هذا اسرار غامضة من احوال المعاد و ظهوره في الكثرات فان ذلك يتحصل و يتقوم بالنفس و مراتبها و اسرار المعاد من ظهور الاعمال و الاخلاق الظاهرة في النشأة الدنيوية بالصور الخاصة و في النشأة الاخروية بالصور ( بالصورة خ‌ل ) التي تقتضيها احكام تلك النشأة كما فصل في الشريعة و تيسر عليك ايضا مشاهدة الواحدة الحقيقي في التكثرات من غير شوب ممازجة و تسلقت ( تسلفت خ‌ل ) [ص 282] به الي حقايق ما انبأ عنه لسان النبوات من ظهور الاخلاق و الاعمال في المواطن المعادية لصور ( بصور خ‌ل ) الاجساد و كيفية وزن الاعمال و سر حشر الاعراض بصور الاخلاق العالية و اطلعت علي سر قوله تعالي و ان جهنم لمحيطة بالكافرين فان الاية بظاهرها تدل علي احاطة جهنم بالكافرين في زمان الحال و لا حاجة الي الصرف عن الظاهر و ان الاخلاق الرذيلة و العقايد الباطلة هي محيطة بهم في هذه هي بعينها جهنم التي ستظهر في الصورة الموعودة عليهم كما انذرهم الشارع الا انهم لايعرفون ذلك لعدم ظهورها في هذه النشأة عليهم في تلك الصورة و هم لفرط جهلهم بالحقايق لايعرفون الحقايق الا بصورها و اما النفس المحيطة بالحقايق و تنقلها بالصور ( في الصور خ‌ل ) بحسب المواطن فتعرف حقيقة الامر و ايضا تعرف من ذلك التحقيق قوله تعالي الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا ، و قوله (ص) الذي يشرب في انية الذهب و الفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم ، فان ( و ان خ‌ل ) ظاهرها ( ظاهره خ‌ل ) يدل علي وقوع هذه الحال في الحال و الجرجر ( الجرجرة خ ) بمعني الصب و قوله (ص) ان في الجنة قيعانا و ان غراسها سبحان الله و الحمد لله ، فان هذا الحديث يدل علي ان هذا القول بعينه غراسها فيكون محمولا علي الحقيقة لا علي المجاز كما توهمه المتوهمون . ثم قال لعلك تقول كيف يكون العرض بعينه هو الجوهر و كيف يكون المعني واحدا و الحال ان الحقايق متخالفة بذواتها فنقول قد لوحنا عليك ( اليك خ ) ان الحقيقة غير الصورة فانها في حد ذاتها و صرافة سذاجتها ( من الساذج ) عارية عن جميع الصور التي تتجلي بها لكنها تظهر في صورة تارة و في غيرها اخري و الصورتان متغايرتان قطعا لكن الحقيقة المتجلية في الصورتين بحسب اختلاف الموطنين شيء واحد و ما اشبه ذلك بما يقول ( يقوله خ‌ل ) [ص 283] اهل الحكمة النظرية ان الجواهر باعتبار وجودها في الذهن اعراض قائمة به محتاجة اليه ثم هي في الخارج قائمة بانفسها مستغنية عن غيرها فاذا اعتقدت ان حقيقة تظهر في موطن بصورة عرضية محتاجة و في اخر بصورة مستقلة يكون ( تكون خ ) فاكسر به سورة نبو طبعك عنه في بدء النظر حتي يأتيك اليقين و تشرف علي حقيقة قوله (ص) النوم اخ الموت و قول صاحب سره و باب مدينة علمه الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا . ثم قال ارأيت الحقيقة الواحدة كيف ظهرت علي القوة العاقلة بصورة وحدانية لطيفة مجردة ثم ظهرت علي الحواس بصور مخالفة ( متخالفة خ ) كثيرة مادية فكأنها تنزلت مع النفس عن صرافة تجردها و وحدتها الي التكثر و التعدد فاذا وصلت النفس الي مرتبة الحواس وصلت هي الي غاية التكثر و التعدد و اذا ترقت الي مرتبة التجرد الصرف توحدت و الحقايق مع النفس صعود و هبوط فهي اذن موجودة في النفس لا في الخارج عنها و هي تصاحبها في مواطنها المختلفة و تنصبغ في كل موطن من مواطنها باحكامها من الوحدة و الكثرة و اللطافة و الكثافة و من ثم اقول شأن العلم تكثر الواحد و ذلك في العلم التفصيلي المتحصل بما يلي الجهة السافلة من النفس و كماله في المشاعر الظاهرة و توحيد الكثير و ذلك في العلم الحقيقة ( الحقيقي خ‌ل ) الاجمالي المتقوم بما يلي الجهة العالية من النفس و كماله في المدرك الشهودي المعبر عنه بنور الولاية و هو غاية المراتب و يليه في الشرف مرتبة الذوق الفطري .

انتهي ما نقلته من نقل السيد نعمة‌الله الجزايري في كتابه المسمي بمقامات النجاة ، و المصنف ذهب الي ما ذهب اليه الدواني في معني تجسم الاعمال الا انه بني تعريفه و بيانه و مادته و غير ذلك علي ما يراه و هذا عنده هو حقيقة تجسم الاعمال الصالحة و السيئة و معرفته . و اقول هذا طريق مشاهدة تجسمها و اما انها من اي شيء تتركب فلاتعم ( فلا ، نعم خ‌ل ) [ص 284] المصنف نص علي ان مادة تكون الاعمال و تجسمها نفس العامل و تصوره في الاخرة فليس الا النفس الانسانية .

ثم مثل ( ذكر خ‌ل ) لمدعاه تقوية لدليله فقال : و كما ان الهيولي هيهنا يعني في الدنيا مادة تكون الاجسام و الصورة المقدارية و هو ( هي خ ) يعني الهيولي لا مقدار لها في ذاتها فكذلك النفس الادمية مادة تكون الموجودات المقدرة المصورة الاخروية و هي في ذاتها امور روحاني لا مقدار لها .

اقول و في هذه الكلمات كلام يرد عليها من ذلك قوله « فليس الا النفس الانسانية » فانه يرد عليه انه ان اراد ان مادة الثواب و العقاب نفس جوهر النفس الادمية كانت مادة ثوابه من ذاته و صورة ثوابه من عمله و كذا في العقاب كان الثواب و العقاب متولدا منه و حينئذ فالمنعم و المؤلم شيء اجزاؤه ( للشيء جزؤه خ‌ل ) ثم لايخلو اما ان يكون عمل الجزء و تأثيره بمقتضي خارجي اولا و الثاني باطن لان الجزء ملائم لكله لذاته ففي الثواب تسقط فايدة مشقة الطاعة و هو باطن و في العقاب يكون ما به الملائمة به المنافرة بجهة واحدة و هو باطن و الاول ان فرض استقلال الخارجي بالاثر دل علي مغايرة الجزء و ان لم‌يستقل لزم ما يلزم في الثاني و من ذلك قوله في تمثيل النفس للاعمال المجسمة و مقايستها بالهيولي « و كما ان الهيولي هيهنا مادة تكون الاجسام الخ » فانه يرد عليه ان الهيولي جسم و الجسم يكون مادة للاجسام و لكن لايكون مادة للصور ( للصورة خ‌ل ) المقدارية و ان كانت تتقوم به و النفس ليست من الاجسام و انما هي جوهر مجرد و الجوهر المجرد لايكون مادة للاجسام المادية و عندنا ايضا لاتكون المادية ( المادة خ‌ل ) مادة للجواهر المجردة و ان كان المصنف يري ذلك و ان زعم ان الاجسام الاخروية مجردات كالنفوس لان الماديات كلها متغيرة متبدلة كما ذكره فيما تقدم فعلي [ص 285] فرض تسليمه له نقول هذا الذي وجد في الاخرة تنقلب ( منقلب خ‌ل ) عن الاعمال او ( و خ ) عن نفوس العاملين فان كان عن الاعمال لم‌تكن نفوسهم مادة له و قد ثبت ان الاعمال اعراض و الاعراض لاتكون موادها من ذوات معروضاتها و ان الانقلاب عن نفوس العاملين لم‌تكن الاعمال مجسمة لانها ليست من نفوس العاملين بل المجسم غيرها و لزم ايضا ما ذكرنا من كون الملائم منافرا نعم ان اراد بها ( انها خ‌ل ) غير منقلبة عن شيء و انما تلك الصور التي تظهر غدا فيها هي بعينها هذا ( هذه خ ) الصور التي ظهرت بها في دار التكليف من صلوة و زكوة و صوم و حج و تسبيح و تهليل و غيرها لان الحقيقة واحدة و التغيير ظاهر انما هو لاحكام المواطن كما ذكره المحقق الدواني فان المصنف انما ذهب اليه في ساير كتبه و هو ما نقله عنه و لكنه مزجه بشيء من آرائه بمعني انه ليس المراد بالتجسم الا ظهورها غدا بحكم ذلك الموطن و لم‌تتغير في كل موطن فهو صحيح الا ان ذكره للمادة يدل علي انها تجسم غدا من النفس و نحن حين ذكرنا مادتها انما هو لبيان اصلها و لم‌ترد ( نرد خ‌ل ) انها تصاغ غدا او لم‌تصنع و نريد بمادتها ما تكونت منه في التكليف الاول و في الدنيا و في الاخرة و يأتي مرادنا بالمادة و الهيولي ايضا و ان لم‌يكن لها مقدار شخصي الا ان لها مقدارا نوعيا و الاعمال المجسمة لها مقدار شخصي و لكنه ليس من ذات الهيولي و ان كان صورة انفعالها الا ان المقدار الشخصي مركب من حدود كما ذكرنا مرارا مؤلفة من الكم و الكيف و الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الوضع و لو قيل بقولنا من ان الهيولي الكلية مجردة و انها اخر المجردات لايلزم علينا صحة المقايسة التي ذكرها المصنف فانها مادة جسمانية و لكنها قبل تعلق الصورة ( الصور خ ) المثالية بها و قبل التركيب لم‌تلحقها اعراض المراتب و الاوقات لان هذا التغيير ( التغير خ ) السريع و التبدل و التحول من [ص 286] اثار الحدود السبعة المذكورة اعني الكم و الكيف و الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الوضع فلذا سميناها مجردة يعني عن المادة العنصرية و المدة الزمانية اللتين لايتقومان الا بتلك السبعة و الا فهي جسم لانها في الحقيقة هي المادة التي تعلقت بها الصورة قبل تعلقها بها و لا كذلك النفس مع ما سمعت من اصالة الجسم بالنسبة الي الهيولي لانه هو هي قبل تعلق الصورة ( الصور خ ) المثالية به و من عرضية الاعمال بالنسبة ( بالنفس لنسبة خ‌ل ) الي النفس قبل التعلق و بعده و اما النفس الادمية فانها صورة جوهرية و انما سمينا الصور بالمثال لان تلك الصور المثالية صور مماثلة لصور النفوس لان النفوس صور جوهرية ذات حدود و تخطيط مثل الصور المحسوسة لكنها صور جوهرية اصلية و عالم المثال صور ذات حدود و تخطيط مثل صور النفوس الا ان النفوس صور قائمة بنفسها لانها ذوات و المثال صور غير قائمة بنفسها لانها اظلة للنفوس فقوله « و هي في ذاتها امور ( ذواتها امر خ ) روحاني لا مقدار لها » غلط .

و الحاصل اذا اردت التمثيل للاعمال المجسمة فما ذكره المصنف لا بأس به و اما اذا اردت ان تعرف مادة الثواب و العقاب و صورهما ( صورتهما خ ) فاسمع : اعلم انه قد ثبت باتفاق العقلاء من الحكماء و العلماء ان كل ممكن زوج تركيبي اذ المخلوق لا بد له من اعتبار من جهة ربه و هو مادته و ان شئت قلت وجوده و من اعتبار من جهة نفسه و هو صورته و ان شئت قلت ماهية و هكذا ( هذا خ‌ل ) حكم كل ما سوي الله تعالي من ذات او صفة ، جوهر او عرض ، عين او معني ، و الثواب و العقاب من الممكنات و لا بد ان يكون كل واحد منها مركبا من مادة و صورة و لا بد ان تكون المادة موجودة قبل الصورة و المادة من امر الله و نهيه و الصورة عمل المكلف في الثواب بالموافقة و في العقاب بالمخالفة و المراد بامر الله و نهيه اللفظيين الجاريين علي المكلفين [ص 287] الامر الحامل لنور الله المسمي بالامر الفعلي اعني مشية الله و فعله الذي قام به كل شيء قيام صدور و الحامل لنور الله و المسمي ( الله المسمي خ ) بالامر المفعولي اعني الحقيقة المحمدية (ص) الذي قامت به الاشياء كلها قياما ركنيا و هذان الامران منهما مدد كل شيء فالامر القولي افاضة للامر المددي و امتثال المكلف للامر هو قبوله للامر الامدادي و الامر المددي و الاجتناب للنهي القولي نفي للمدد الخذلاني و نفي للمانع فالامتثال للامر هو الموجب للمقتضي و الاجتناب للنهي هو الرافع للمانع فاذا فعل العبد المكلف ما امر به خلق الله مادة الحورية مثلا او القصر او الجنة من فيض الامر الذي هو لازم للامر الذي امتثله المكلف و عمل به ( امر به خ‌ل ) كما امره الله و خلق صورة تلك الحورية و ( او خ ) القصر او الجنة من عمل المكلف و نفخ في ذلك الذي خلقه من روحه فهذا حقيقة الثواب و اما العقاب فمادته من الامر الفعلي العرضي و من الامر المفعولي العرضي اعني الغضب المسبوق بالرحمة التي هي الامر المفعولي الذاتي و صورته من عمل المكلف بارتكاب المناهي و اجتناب الاوامر فالاعمال الحسنة صور الثواب و مواد الثواب من تأييدات امر الله و ارواح انواع الثواب من روح الله كما ان مواد المطيعين من اشراقات النور الذي تنورت الانوار منه و صورهم من هيئات طاعاته و الاعمال السيئة صور العقاب و مواد العقاب من ظلمة البحر الاجاج كما ان مواد العاصين من اظلة البحر الاجاج الذاتية و صورهم من هيئات معاصيه فافهم .

قال : و الفرق بين النفس و الهيولي بامور : منها ان الهيولي وجودها بالقوة من كل وجه لاتحصل لها في ذاتها لصور ( امور خ‌ل ) الجسمانية بخلاف النفس فانها كانت في ذاتها موجودة بالفعل وجودا جوهريا حساسا و كانت اولا صورة هذا البدن العنصري فصارت مادة اخروية يتحد ضربا من الاتحاد فهي صورة [ص 288] الماديات الدنيوية و مادة الصوريات الاخروية المنفوخة فيها باذن الله يوم ينفخ في الصور فتأتون افواجا لاختلاف انواعها في الاخرة .

اقول قوله « ان الهيولي وجودها بالقوة من كل وجه لاتحصل لها في ذاتها لصور ( الصور خ ) الجسمانية » تبعا لاقوام من العيون الكدرة التي يفرغ بعضها في بعض و هو خطاء فان الهيولي في الحقيقة هي الجنس لانواعه و النوع لاشخاصه و قولهم ان الاجناس انما تتقوم بالفصول يريدون تقوم حصص انواعه كالخشب انما تتقوم حصة السرير بالصورة يعنون تميزها من حصة الباب و تميزها من الخشب انما هو بالصورة و لايريدون ان حصة السرير معدومة اصلا و قد صرح بهذا المعني في كتابه الكبير كتاب الاسفار و في القاموس الهيولي مشددة الياء مضمومها عن ابن ( ابي خ‌ل ) القطاع القطن و هيلا جبل اسود بمكة و الهيولي القطن و شبه الاوايل طينة العالم به او هو في اصطلاحهم موصوف بما يصف به اهل توحيد الله تعالي انه موجود بلا كيفية و كمية و لم‌يقترن به شيء من مسمات ( سمات خ ) الحدث ثم حلت به الصنعة و اعترضت به الاعراض فحدث به العالم انتهي ، و هذا يشعر بان الهيولا عندهم موجودة بالفعل بنفسها و الحكماء قسموا الشيء في اصطلاحهم فقالوا ان الشيء باعتبار كونه جزءا للمركب بالفعل يسمي ركنا و باعتبار ابتداء التركيب منه يسمي عنصرا و باعتبار انتهاء التخلل ( انتهاء التحلل خ ) اليه يسمي اسطقسا و باعتبار كونه قابلا للصور الغير المعينة يسمي هيولي و باعتبار كونه قبوله للصور المعينة يسمي مادة و باعتبار كون المركب مأخوذا يسمي اصلا و باعتبار كونه محلا للصور المعينة بالفعل يسمي موضوعا و هو ( هي خ‌ل ) في الحقيقة شيء واحد تعرض ( له خ ) هذه الاسماء عند هذه الصفات ه‍ ، و علي اي نحو فالهيولي موجودة و وجودها بالفعل لا بالقوة فيكون لها تحصل في [ص 289] نفسها لصور الجسمانية و ان لم‌تكن صورا شخصية بل كانت صورا جنسية و نوعية فانهما من الصور الجسمانية و وجود الاجناس و الانواع في الخارج مما لايكاد يخفي علي احد و هو جار علي السنة العوام معروف عندهم من غير نكير فانهم يقولون ان فلانا التاجر اتي باجناس و بانواع كثيرة و لايقال ان كلام العوام لايعتبر لان هذا استعمال اهل اللغة العالمين بمدلولاتها التي وضع الواضع سبحانه اسمائها بازائها و لا شك ان الخشب قابل للصور الغير المعينة كصورة السرير و الباب و غيرهما فهو لا شك هيولي لما يعمل منه و النفس ( النفوس خ‌ل ) موجودة كالهيولي .

و قوله « و كانت اولا صورة هذا البدن العنصري » ليست النفس مادة لهذا البدن العنصري لذاتها و ان قلنا انه في الاصل من تنزلاتها لان تنزلاتها من اثارها و من احوالها لا من ذاتها لان مبدء النفس ليس من التراب و من الطبايع الجسمانية بل الطبايع من اثارها و قد نص اميرالمؤمنين (ع) عليها بان اصلها من التأييدات العقلية و اين التأييدات العقلية و التراب لمن تعقل الجواب ، و المصنف قال في النفس هنا بانها كانت في ذاتها موجودة بالفعل وجودا جوهريا حساسا ، فكيف كانت اولا صورة هذا البدن العنصري اذ يلزم من هذا انها لم‌تكن في ذاتها موجودة بالفعل وجودا جوهريا حساسا بل القوة ( بالقوة خ‌ل ) في ذاتها ثم كانت بالفعل و كما لم‌تكن صورة هذا البدن العنصري بذاتها بل باثار تنزلات اثارها كذلك لم‌تكن بذاتها مادة الصوريات الاخروية بل بوجودات اثار افعالها ، و اما النفخ في وجودات اثار افعالها باذن الله تعالي من روحه فظاهر لان موادها من اثار امر الله القولي الذي حمله الي المكلف امر الله القولي و كذا في النهي كما مر و صورها المنفوخ فيها اعمال العاملين و كونهم يأتون افواجا فلاختلاف اعمالهم .

[ص 290] قال : و منها ان النفس مادة روحانية لطيفة لاتقبل الا صورا لطيفة غيبية ( الصور اللطيفة عينية خ‌ل ) لاتدرك بهذه الحواس بل بحواس الاخرة و الهيولي مادة كثيفة انما تقبل الصور الكثيفة المقيدة بالجهات و الاوضاع المشوبة بالقوي و الاعدام .

اقول اما كون النفس لطيفة لاتقبل الا صورا لطيفة غيبية فصحيح و كذا لاتدرك بهذه الحواس حال كونها متلوثة برذايل الطبايع الجسمانية ، و اما ان الجنة و ما فيها من القصور و الحور و جميع انواع النعيم كلها من قبيل النيات ( قبيل النعيم خ ) يعني صورا ملكوتية نفسانية و خيالية فممنوع لانه يلزم منه عدم المعاد الجسماني كما يلزم المصنف فيما سبق اذ هذا هو الظاهر من عباراته و قد قلنا هناك انه علي مذهب ائمة الهدي (ع) غير قائل بالمعاد الجسماني ، و اما كون الهيولي مادة كثيفة فليس بصحيح اذ ليس كل هيولي مادة كثيفة فان الاجرام الفلكية لاتدرك بهذه الحواس و كذلك الارض فان الارض التي لم‌يطأ عليها بنوا ادم لطيفة لاتدرك بهذه الابصار الدنيوية و اهل الجنة كلهم اجسام مقيدة بالجهات و الاوضاع لان ذلك لاينافي البقاء و الدوام ، نعم ليس فيها اعدام و لا كثافات لان ذلك من لوازم التغيير و التبديل بالاضعف و هو غير جايز في الاخرة لانهم صاعدون و اللازم من ذلك التغيير و التبديل بالاقوي و الاجد و اما الاوضاع و الجهات فمن لوازم الامكنة و الاجسام و اهل الاخرة كأهل الدنيا الا في الكثافة و الضعف و الانتقال الي الاضعف و ما يؤل الي الفناء ، و اما التبديل بالاقوي و التغيير الي الشدة و الجدة و الاحسن فهذا حالهم و كيف لاتكون الماديات هناك و ما هم الا الذين كانوا في الدنيا باجسادهم و اجسامهم و ارواحهم لم‌يتغير شيء منهم الا الاعراض الغريبة الفانية و الكثافات المتهافتة المضمحلة ، نعم هذه الاجسام الدنيوية التي تراها ( نراها خ‌ل ) في الدنيا [ص 291] اذا طهرت من الاعراض و الغرايب الاجنبية لحق حكم سافلها باعاليها فتدرك بذاتها الاجسام المعاني الجبروتية و الصور الملكوتية و الارواح الموجودة المتعلقة بهذه الاجسام اذا طهرت ما ( مما خ ) تلوثت به من المعاصي و سهو الغفلات ادركت بذاتها الاجسام و الجسمانيات لان اجسامهم اذا شاؤا تروحوا و ارواحهم اذا شاؤا تجسدوا ( تجددوا خ‌ل ) و لذلك مثال في العالم من وقف عليه عرف ما اشرنا اليه و هو ان الحكماء الطبيعيين اهل العلم المكتوم قالوا ان الحجر يحلونه و يعقدونه بجزء من روحه و يحلونه و يعقدونه بجزء من روحه و يحلونه و يعقدونه كذلك فاذا دبر علي النحو المقرر عندهم ثلاثا في اكسير البياض و تسعا في اكسير الحمرة كان معدنا حيوانيا روحانيا يعني انه هو في نفسه جسم و في عمله روح تحيي الاموات ( الموات خ‌ل ) من المعادن و ينفخ فيه ( فيها خ‌ل ) روح البقاء فانه اذا تم في اول مرة كان مثقاله يحيي الف مثقال و يلحقه بجوهره فاذا سقي مرة اخري كان مثقاله علي الفي مثقال و هكذا و لو سقي الف مرة كان مثقاله يحيي الف الف مثقال و هكذا بلا نهاية ، و نقل عن بعض الحكماء انه سقاه ثلثمأة مرة فاقام مثقاله ثلثمأة الف مثقال و مع هذه الزيادة في الكيف يزيد في الكم مثلا اذا سقي المثقال ( مثقال خ‌ل ) الاحمر ( الاجر خ ) منه سقية ثانية في ست حلات و ست عقدات كان وزن ذلك المثقال تسعة و اربعين مثقالا كل مثقال يحيي الفي مثقال ● و كان قبل السقي مثقالا يحيي الف مثقال و بعد السقي كان تسعة و اربعين مثقالا كل مثقال يحيي الفي مثقال اجود ذهبا من الاول قبل السقي فيكون بعد السقي يقيم مأة ( بمأة خ‌ل ) الف مثقال الا الفي مثقال و ليس مثل هذا العمل يتصور في الاجساد و انما يعقل في الارواح و لهذا قالوا هو جسد و عمله روحاني فافهم الاية فان هذا الجسد اية اجسام اهل الجنة فانهم اجسام فيها جميع صفات الاجسام و احكامها [ص 292] و افعالها و تفعل افعال الارواح و العقول و تدرك جميع ما تدركه النفوس و العقول و كذلك العقول تدرك بذاتها مدارك النفوس و الاجسام و كذلك النفوس و ذلك معني قولنا الحق حكم سافلها باعاليها .

قال : و منها ان قبول الهيولي للصور و الاكوان علي سبيل الانفعال و الاستحالة و التغير و الحركة و قبول النفس لصورها الراسخة فيها علي سبيل الحفظ و الاستيجاب و لا منافاة بين قبولها و فعلها فهي بجهة واحدة فاعلة و قابلة للصور و الامثال معا و كذلك علوم المبادي و صفاتها حيث انها بجهة واحدة حصلت فيها و منها لان القبول هناك ليس معني الاستعدادية و الامكان .

اقول نعم قبول الهيولي للصور و الاكوان علي سبيل الانفعال و الاستحالة و التغير و الحركة و لكن باعتبار و باعتبار اخر قبولها للصور و الاكوان علي سبيل الفعل و الاحالة و التغير ( التغيير خ ) و التحريك و لكن الاعتبار الثاني لايقولون به بناء منهم علي ان المادة هي الام و الصورة هي الاب و ذلك هو المعلوم بينهم فلما بنوا امرهم علي الاصل الباطل وقع الخلل في الفرع و حيث ثبت ان المادة هي الاب كما نطقت به الروايات و قد سبقت الاشارة الي ذلك و ان الام هي الصورة كذلك قلنا ان قبول الهيولي و هي المادة قبل تعلق الصور بها للصور و الاكوان علي سبيل الانفعال و الاستحالة و التغير و الحركة علي اعتبار و علي اعتبار اخر يكون قبولها للصور و الاكوان علي سبيل الفعل و الاحالة و التغيير و التحريك و يزيد بالاعتبار الاول ان انفعال المادة و الهيولي مع انها هي الاب من باب و انتم لباس لهن فيكون الذكر منفعلا كما قال تعالي حتي تنكح زوجا غيره و بالاعتبار الثاني علي الاصل من باب هن لباس لكم فتكون الهيولي فاعلة للصور محيلة مغيرة محركة و ذلك لان الهيولي هي [ص 293] الشيء في نفس الامر و اما الصورة فهي صفتها في كل حالة اي صفة كمها و كيفها و كونها في مكانها و وقتها و رتبتها و جهتها و ما يلحق اجزائها من الاوضاع الجوانية و البرانية ففي الحقيقة انما احدثت الصورة من نفس المصور لانها قابلية ( لانه قابليته خ‌ل ) للايجاد و حدود صنعه التي ( الذي خ‌ل ) بها يتقوم و قد قدمنا ان التي تدخل عليها لفظة مِن هي المادة تقول صغت الخاتم من فضة و عملت السرير من الخشب و هذا ظاهر فقال الله تعالي خلقكم من نفس واحدة و هي ادم (ع) و خلق منها زوجها و هي حواء خلقها تعالي من ادم فمنه مادة اولاده و من حواء صورتهم فجريان الهيولي علي الفعل و الاحالة و التغيير و التحريك لانها هي الاب كما سمعت اظهر من جريانها علي الانفعال و الاستحالة و التغير و التحرك فافهم .

و اما النفس فقال المصنف ان قبولها لصورها الراسخة فيها علي سبيل الحفظ و الاستيجاب و لا منافاة بين قبولها و فعلها و اقول ان مقابلته بين الهيولي و النفس ليست بصحيحة لان صور هيولي الشيء جزء ماهيته و صور النفس التي عناها ليست في الشيء جزء ماهيته لان هذه الصور النفسانية اثار لقويها و مشاعرها كما اذا تخيل خيالها صورة و توهم وهمها صورة و ادرك فكرها صورة و ادرك علمها صورة فان هذه صفات ( الصفات خ‌ل ) قواها الفعلية و ليست صفات ذاتية لقويها لان قواها التي هي العلم و الوهم و الخيال و الفكر هي المحدثة لهذا ( لهذه خ ) الصور عنده فلاتكون اثار القوي جزء ماهية ذي ( ذوي خ ) القوي فليست هذه الصور صورا للنفس و انما نظير ( نظيره خ‌ل ) مقايسة كما اذا قلت بين زيد و بين عمرو فرق لان زيدا يده و رجله جزء جسده و عمرو ( عمر خ ) قيامه و قعوده ليسا جزء جسده فهذا نظير مقايسته بين الهيولي و النفس ، نعم لو فرق بينهما في صور الهيولي و صور النفس التي هي جوهريتها لا الصور المثالية التي هي [ص 294] ظل تلك الصور ( الصورة خ‌ل ) الجوهرية فان هذه الصور الجوهرية هي قابلية النفس ( قابليته خ‌ل ) لانها من هيئة الايجاد لتلك التأييدات العقلية التي هي الهيولي للنفس و بهذا الاعتبار ينتفي الفرق البتة .

و قوله « و لا منافاة بين قبولها و فعلها فهي بجهة واحدة فاعلة و قابلة للصور و الامثال معا » يقال عليه انه ان اراد انها فاعلة للقبول كان القبول و الفعل واحدا بجهة واحدة و لكن لم‌تكن فاعلة للمقبول اذ تكوين الشيء غير قبوله ثم المقبول الذي يريده اين محل قبوله من القابل ، هل هو في ذاته فتكون النفس فاعلة لذاتها ام هو خارج عن ذات القابل فما معني القبول حينئذ ، فاذا كان كلامه في بيان تجسم الاعمال و ان ليس الا النفس الانسانية كما قال و انه يريد ان هذا العمل الذي تجسم فصار ثوابا لا عقابا هو بعينه ذلك الثواب او ذلك العقاب في نشأة اخري كان المراد ان عمل زيد الذي اوقعته نفسه في النشأة الدنيا هو عقابه و هو النار التي تحرقه في النشأة الاخري ( الاخرة خ‌ل ) و ان ايجاده في النشأتين و قبوله لنفسه ايقاعه ( ايقاع خ‌ل ) اياه في النشأة الدنيا كما هو رأيه و مراده من كلامه و كان المراد ايضا ان قبوله له اتصافه به و كل ذلك مقتضي طبيعته و لايكون ( بل يكون خ ) شيء اشد ملايمة للشيء مما هو مقتضي طبيعته فيلزمه علي ما قرر في كتبه خصوصا في الاسفار انه لايكون ذلك عقابا بل يكون ثوابا لما بينهما من شدة الملايمة و يلزم ( يلزمه خ‌ل ) عدم صحة قوله كن فيكون لان صحة هذا مبني علي ان فاعل التكوين بقوله كن غير فاعل ( قابل خ‌ل ) التكون المعبر عنه بقوله كن فيكون لان الفاعل غير القابل و المعروف في الشاهد ان الفاعل غير القابل و لو كان الفاعل قابلا لما يفعله لوجب ان يتعدد الفعل فان جهة الفاعل غير جهة القابل و مكان الفاعلية غير مكان القابلية و قد قال الرضا (ع) قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال [ص 295] علي ما هناك لايعلم الا بما هيهنا ه‍ ، و ايضا ان كانت مادة الثواب او العقاب من النفس فما المراد من هذه المادة ، هل هي حصة قاطعة لها من ذاتها من ذات النفس ام من اثرها ، فان كانت من ذاتها فما معني كونها فاعلة له هل هو تحصيصها ( يحصصها خ‌ل ) منها فتكون قاطعة لها من ذاتها ام احداثها منها فتكون والدة لها و ان كانت من اثرها عادت الي مبدئها فلايصح كونها قابلة لها و لا فعلها قبولها .