قال : و الذي يدل علي صحة ما ذكرناه امور : الاول ما ورد عن ائمتنا المعصومين (ع) انهم قالوا نحن الاعراف و الثاني ان الاية تدل علي غاية مدحهم و المتوسطون في الرتبة التي لاجلهم لا رجحان لهم لواحدة ( التي لا رجحان لواحدة خ ) من كفتي موازينهم الواقفون في السد الحاجز بين الدارين الجنة و النار ليسوا من المدح في هذا المحل و من المعرفة علي هذه الدرجة بان يعرفوا كلا من الطائفتين بسيماهم و معرفة النفوس امر عظيم و الثالث ان وضع الدعاء و المناجات لطلب الحاجات انما [ص 225] هي في الدنيا و قبل الموت و اما الاخرة و ما بعد الموت ففيه ميعاد الوصول و الوجدان او حصول اليأس و الحرمان .
اقول يريد يبين وجه اختياره بان اصحاب الاعراف ليس المراد بهم في الاية من تساوت حسناتهم و سيئاتهم او الذين لميمحضوا الايمان محضا او الكفر محضا و امثال ذلك و انما هم الرجال الكاملون في العلم و المعرفة الذين يميزون بين المسلم و الكافر و المؤمن و المنافق ، و الحق ما ذكرنا من ان الاعراف اطلاقات له و معلوم انه اذا اريد به المكان تكون اصحابه مختلفين فمرة يراد منهم من تساوت حسناتهم و سيئاتهم كما في الكافي عن الصادق (ع) انه سئل عن اصحاب الاعراف فقال قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم فان ادخلهم النار فبذنوبهم و ان ادخلهم الجنة فبرحمته ، و غيره من الاخبار ، و مرة يراد منهم محمد و اهل بيته الطاهرين الطيبين صلي الله عليه و عليهم اجمعين و مرة يراد بهم المستضعفون من الشيعة الذين يقفون مع ائمتهم حتي يؤنبوا بهم اعدائهم الذين اقسموا ان الله لايدخلهم الجنة ثم يدخلونهم الجنة كما تقدم قبل و مرة يراد بهم مطلق من لميمحض الايمان محضا و لميمحض الكفر محضا من المستضعف و الطفل و الشيخ الكبير الهم و المجنون و من مات في الفترة بين النبوتين ( النبيين خل ) و هم الذين يجدد لهم التكليف لان المراد من الاعراف محل المعرفة و التميز ( التمييز خل ) باي طور كان ، و المصنف حيث كان مطمح نظره سلوك طريق القوم من الحكماء و الصوفية الذين اذا تكلموا في احوال المعاد تكلموا بطريقة التأويل و الاعراف و اهل الاعراف عندهم هم العارفون كما ذكره المصنف و لايراد بهم محمد و اله صلي الله عليه و اله الا انهم من جملة العارفين و لايلتفتون الي بيان حال هذا الموقف كما سيكون مما سمعوا لان ليس ذلك ( لان ذلك ليس خ ) مطلوبا لهم و انما حقيقة [ص 226] وصفهم عائد الي انفسهم فهم بانفسهم مشتغلون عما سواها و اذا ذكر المصنف شيئا مما لوحنا به فانما ذكر استطرادا .
و الحاصل ذكر ثلاثة ادلة علي تخصيصه الاول الاحاديث و الاحاديث منها ما يدل علي مطلوبه و منها ما يدل علي غيره و الثاني ان الاية تدل علي غاية مدحهم لانه تعالي قال و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم و غير الكاملين لايعرفون انفسهم فضلا عن غيرهم و لذا ( لهذا خل ) قال في ذكر غير الكاملين و المتوسطون يعني الواقفين ( الواقعين خل ) بين النجاة و الهلاك الذين لميترجح ( لمترجح خل ) حسناتهم علي سيئاتهم و ان كانت رحمة الله شملتهم و ادخلهم الجنة فيما بعد فانهم في ذلك الموقف الذي هو اعرافهم واقفون في السد اي الحائط الحاجز بين الدارين الجنة و النار ليسوا من اهل مرتبة المدح الذي هو النظر في الاشياء بنور الله بحيث يميزون بين الحقايق فيعرفون اهل الجنة و اهل النار بسيماهم و سرائرهم لان الاطلاع علي حقايق الاشياء امر عظيم لايتأهل له الا الكاملون في العلم و العمل و الثالث ان غير الكاملين يقولون ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين يوم القيمة و هم علي الاعراف و الدعاء و المناجات يومئذ لاتنفع و لاتفيد فايدة يحصل بها لهم كمال و علم نافع و معرفة تستنير بها قلوبهم بحيث يقدرون علي التميز ( التمييز خل ) لان ذلك مظنة وقوعه في الدنيا و قولهم ذلك في الاخرة مناف لان يعرفوا كلا بسيماهم اذ لا ترقي لذي عمل بعمله ( يعمله خ ) في الاخرة لان الاخرة ليس فيها الا حصول مطلوب و ( او خل ) فقد محبوب و اعلم ان كلامه هذا فيه ابحاث ترد عليها ابحاث لا فايدة في ذكرها في مثل قوله انما هي الدنيا و ما قبل الموت و اما الاخرة و ما بعد الموت الخ ، فانه كلام قشري جارٍ علي طريقة العوام و لكن لا فائدة في بيان ذكر شيء لميذكر المصنف فيه منافيا عند الناظر في كلامه .
[ص 227] قال : قاعدة في معني طوبي و هي مثال شجرة العلم كثيرة الفروع و الشعب شريفة النتايج و الاثمار من المعارف الالهية التي اكثرها مما لاتستقل باكتسابه العقول البشرية بل يحتاج في تحصيلها و تناولها ان تقتبس بانوارها ( انوارها خل ) من مشكوة النبوة بواسطة اول اوصيائه و افضل اوليائه و اشرف ابواب مدينة علمه فان العلوم الالهية و المعارف الربانية انما انتشرت في قلوب المستعدين القابلين للهداية من بدر الولاية و شجرة الهداية و مما ورد في هذا المعني ما رواه اعظم المحدثين رواية و ضبطا و اوثقهم دراية و حفظا الشيخ الصدوق ابوجعفر محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (ره) بسنده المتصل عن ابيبصير قال قال ابوعبدالله جعفر الصادق (ع) طوبي شجرة في الجنة اصلها في دار علي بن ابيطالب (ع) و ليس من مؤمن الا و في داره غصن من اغصانها ، و ذلك لان نفسه الشريفة معدن الفضائل و العلوم و كان قلبه المنور مفتاح ابواب خزانة المعرفة الموروثة من الانبياء (ع) سيما خاتمهم و اعلمهم عليه و اله افضل التسليمات و ازكيها كما افصح عنه قوله (ص) انا مدينة العلم و علي بابها .
اقول انما قال « معني طوبي » و لميقل معني شجرة طوبي مع انه انما تكلم علي معني الشجرة لانه يريد ان طوبي اذا افردت في مثل مقام الدعاء كما يقال « طوبي لك » ان المراد بها شجرة العلم و ربما يفهم من كلامه انه لايريد غير هذا المعني و ان كان لها معاني اخر اما لانه جري علي طريقة ابناء نوعه من الصوفية و بعض الحكماء من حصرهم الالفاظ علي معانيها الباطنة كما هو شأن اهل التأويل حتي ان بعضهم انجر به التطبع الي انكار كثير من الضروريات مثل القائم (ع) و خروجه عجل الله فرجه و قال ما مراد الشارع به الا العقل و خروجه عبارة عن استيلائه علي جميع المشاعر و النفس و البدن و اعتدال الطبيعة و ان يأجوج و مأجوج و خروجهم امام الساعة [ص 228] عبارة عن ظهور الوساوس و الاوهام الباطلة امام قيام العقل و استيلائه علي جميع المشاعر و معني انهم يشربون ماء البحر يعني النفس و يأكلون الشجر انهم اي الاوهام يمنعون شؤن النفس ان تتعلق بمصالح البدن بافعالها ( بافعالهم خل ) و اما لان غير هذا المعني لايعتد به و المصنف و ان كان كثيرا ما لايذكر ( يذكر خل ) الامور الظاهرة علي نحو ( غير خل ) ما جرت به الشريعة الطاهرة ( الظاهرة خل ) الا انه يلوح في تعريفه الي مشرب القوم و انما لميقل معني شجرة طوبي ليعلم ان معني طوبي مطلقا هو الشجرة المعينة اذ لو ذكر شجرة طوبي لفهم منه ارادة احد معاني طوبي و لميرد ذلك و انما يريد ان معني طوبي و ان اريد بها الجنة فان المراد بها العلم لانه قد اشار ان الجنة و ما فيها من القصور و الولدان و الحور و الرمان و الطيور و غير ذلك كلها من باب النيات و الاعتقادات كما تقدم فكيف حال كلامه في معني طوبي ، و الحاصل الامر كما قال الصادق (ع) كما رواه الحسن بن سليمان الحلي في مختصر بصائر سعد بن عبدالله الاشعري قال (ع) ان قوما امنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلميك ينفعهم ايمانهم شيئا و لا ايمان ظاهرا ( ظاهر خل ) الا بباطن و لا باطن الا بظاهر ه ، او كما قال و طوبي احد معانيها شجرة العلم و قال المفسرون في قوله تعالي طوبي لهم و حسن ماب اي طيب العيش و قيل طوبي الخير و اقصي الامنية و قيل طوبي اسم الجنة بلغة اهل الهند و طوبي مصدر كبشري بضم الطاء من الطيب فواوه مقلوبة عن ياء و احد معانيها شجرة العلم و الحكمة و هي كثيرة الفروع و الشعب لان فروعها و شعبها لا نهاية لها في الامكان شريفة النتايج و الاثمار شعبها عين ثمرها و الثمرة الواحدة منها اذا اكلها الانسان اشبعت في محلها من باطنه و اروته ابدا و لاتفني لذتها [ص 229] و لايخلو محلها عنها بكثرة انفاقها بل كلما انفق منها قر اصلها و ثبت و در ( رد خل ) ثمرها ( ثمرتها خ ) و اينع ( انبع خل ) و نبت .
و اختلف العلماء في اكتساب تلك العلوم هل تستقل بتحصيلها العقول مطلقا ام تستقل بمعارفها دون حدودها ام لاتستقل مطلقا بل تحتاج الي الشرع فقيل بالاول لان العقول جعلها الله تعالي حججا و ما لايستقل لايكون حجة و قد قال تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة و فسروا الظاهرة بالانبياء و الحجج (ع) و الباطنة بالعقول و طريقها الي العلوم الاكتساب ( اكتساب خل ) و بعض هؤلاء قال طريقها التخلق بالاخلاق الالهية كما قال علي (ع) ما معناه ليس العلم في السماء فينزل عليكم و لا في الارض فيصعد اليكم و لكن العلم مجبول في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و نقل ابن ابيجمهور الاحسائي في المجلي و روي عن عيسي بن مريم علي محمد و اله و عليه السلام قال لبنياسرائيل يا بنياسرائيل لاتقولوا العلم في السماء من يصعد يأتي به و لا في تخوم الارض من ينزل يأتي به و لا من وراء البحر من يعبر يأتي به العلم مجبول في قلوبكم تأدبوا بين يدي الله باداب الروحانيين و تخلقوا باخلاق الصديقين يظهر العلم من قلوبكم حتي يغطيكم و يغمركم و ورد عن النبي (ص) انه قال العلم نور يقذفه الله في قلوب اوليائه و انطق به علي لسانه ( لسانهم خل ) العلم علم الله لايعطي الا الاولياء الجوع سحاب الحكمة فاذا جاع العبد مطر بالحكمة ، انتهي . و قيل بالثاني لان المعارف لاتثبت بالنقل لانه لايحصل منه الا الظن و الظن لايغني من الحق شيئا و اما الاحكام فلان العقول لاتدرك مأخذها فاكتفي بالظن فيها فيرجع الي النقل . و قيل بالثالث لان العقول قبل الشرع عقول التميز ( التمييز خل ) و مدار التميز ( التمييز خل ) الي الاسترشاد و الاسترشاد علي الله تبينه ( تبيينه خل ) و لميتنبه ( لميبينه خل ) الا في كتابه و علي السنة اوليائه و حججه [ص 230] (ص) و انما تسمي تلك القوة المميزة عقلا اذا تعلمت من تعليم الله تعالي و لهذا قال الصادق (ع) العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان الحديث ، و ما سوي هذا ليس عقلا حقيقيا لما تقرر في الاصول من ان صحة السلب علامة المجاز و قد قال (ع) في اخر الحديث حين قال له السائل فما الذي كان في معوية فقال تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل و قد روي عن ابنعباس عن النبي (ص) ما معناه ما من شيء من الحق عند احد من الخلق الا بتعليمي و تعليم علي بن ابيطالب (ع) و روي معني هذا عن غير ابنعباس عنه (ص) و الحق عند من اراد الله به خيرا هو القول الثالث ( الثابت خل ) و من كان استمداد عقله من الكتاب و السنة علما و عملا وجد هذا ما ( مما خل ) لايرتاب فيه .
و قوله « بواسطة اول اوصيائه و افضل اوليائه » يريد ان العقول البشرية لاتستقل بانفسها في اكتساب المعارف الالهية بل تحتاج الي الاستمداد من مشكوة النبوة التي تستمد من الوحي الذي هو الواسطة بين المفيض الذي علم عباده تعالي ( سبحانه خل ) ما لميعلموا و لايمكن العقول الاستمداد من مشكوة النبوة التي تستمد من الوحي الا بواسطة علي (ع) و كلامه هذا صحيح في عدم الاستمداد بدون واسطته ( واسطة علي خ ) (ع) و لكن هل لساير الناس غير الاحدعشر و فاطمة (ع) ان يستمد من المشكوة بواسطة علي (ع) بدون واسطة الاحدعشر (ع) بينه و بين علي (ع) ام لا ؟ اما في الظاهر فنعم بل و بدون واسطة علي عليه السلام بل يأتي الرجل و يسأل النبي (ص) و يجيبه و ان لميكن علي (ع) حاضرا و اما في الباطن فاعتقادنا انه لا بد من توسط ( توسطة خل ) الائمة الاحدعشر و فاطمة (ع) لان سبيل الادراك في سلسلة الصعود و هو سبيل البدء في سلسلة النزول فكما ان البدء لزيد لايصل اليه المدد الا بواسطة جميع الاسباب كذلك الاستمداد من المبدء في العلوم و المعارف فان اشترط ( اشتراط خل ) المصنف توسط علي (ع) فالذي [ص 231] ينبغي له ان يشترط توسط باقي اهل بيت محمد (ص) بل و توسط سائر الانبياء (ع) لساير الخلق ممن سواهم لما ثبت في صريح الاخبار و صحيح الاعتبار انهم (ع) خلقوا من شعاع انوار محمد و اهل بيته (ص) و ساير المؤمنين خلقوا من شعاع انوار الانبياء (ع) .
و قوله « و اشرف ابواب علمه » يدل علي ما قلنا فانه اذا كان (ص) مدينة العلم و هم ابواب مدينة العلم دل علي مشاركتهم في الوساطة لكل من سواهم ، هذا في الحقيقة و في نفس الامر و اما في الظاهر فلاتحتاج العقول في الاخذ من مشكوة النبوة الي واسطة ( وساطة خل ) احد منهم (ع) و لا في الاخذ من مصابيح الولاية الا وساطة النبي (ص) كما هو المعروف بين العوام .
و قوله « فان انوار العلوم الالهية و المعارف الربانية » و العلوم الالهية هي علم الشريعة و علم الطريقة اعني علم اليقين و التقوي الذي هو علم الاخلاق ، و المعارف الالهية هي علم الحقيقة اعني معرفة الله و معرفة صفاته و اسمائه و افعاله و ما يصح عليه و يمتنع ، و هذه العلوم الثلثة هي التي عناها (ص) بقوله انما العلم اية محكمة و فريضة عادلة و سنة قائمة الحديث ، و يلحق بهذه الثلثة كل ما طلب من العلوم لهذه الثلاثة او لاحدها و انما انتشرت في قلوب المستعدين بقابلياتهم من التعلم و العمل بما امر الله و اجتناب ما نهي عنه و التفكر و التدبر و النظر فيما خلق الله من الافاق و الانفس فان مثل هؤلاء هم القابلون للهداية من بدر الولاية و هو الامام (ع) و شجرة الهداية عطف صفة علي صفة .
و قوله « و مما ورد في هذا المعني ما رواه اعظم المحدثين » في العلم و المعرفة بدراية الاحاديث و لهذا فسره بقوله « رواية و ضبطا و اوثقهم دراية و حفظا الشيخ الصدوق » الخ ، لعل المصنف انما بالغ في وصفه لما وجد في كلامه في اول كتابه الفقيه و من مثل ما ذكره العلامة في ترجمة ( ترجمته خل ) في [ص 232] الخلاصة : و الرجل تغمده الله برحمته لا عيب فيه و ان كانوا لميصرحوا بتوثيقه في كتب الرجال و كونه من مشايخ الاجازة لايدل علي الاستغناء عن توثيقه فان كثيرا من مشايخ الاجازة وثقوهم كالمفيد و الكليني و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد و غيرهم و ان كان ترك توثيقه لشهرة ثقته فليس باشهر ممن ذكر و لا من ابيه علي بن الحسين علي انه ذكر في كتابه من لايحضره الفقيه في اخر باب الصوم التطوع منه قال و اما خبر صوم الغدير و الثواب المذكور فيه لمن صلي فان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد كان لايصححه و يقول انه من طريق محمد بن موسي الهمداني و كان غير ثقة و كل ما لميصححه ذلك الشيخ قدس الله روحه و لميحكم بصحة من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهي ، و هذا يدل علي خلاف ما ذكره المصنف من انه اعظم المحدثين رواية و ضبطا و اوثقهم دراية و حفظا لانه يدل علي ان تصحيحه للاخبار بالاعتماد علي مشايخه و مثل هذا ينافي الضبط و الدراية و مثل هذا يصلح لمثل محمد ( لمحمد خل ) بن يعقوب الكليني (ره) و اما الصدوق (ره) فهو لا شك انه مما ( ممن خل ) روي و حفظ ما به ان شاء الله نجاته و نجات من تمسك برواياته جزاه الله عن حفظه للشريعة عن هذه الامة خير الجزاء ، و الحديث الذي روي ( يروي خل ) المصنف عنه مذكور في المتن و غيره كثير فمنه ما روي عن النبي (ص) شجرة طوبي شجرة في الجنة اصلها في داري و فرعها في دار علي فقيل له في اين ذلك فقال داري و دار علي في الجنة بمكان واحد ، و في تفسير علي بن ابراهيم عن النبي (ص) حديث طويل و فيه يقول (ص) دخلت الجنة و اذا انا ( و انا اذا خل ) بشجرة لو ارسل طائر في اصلها مادارها سبعمأة عام و ليس في الجنة منزل الا و فيه غصن ( شجرة خل ) منها فقلت ما هذه يا جبرئيل فقال هذه شجرة طوبي قال الله تعالي طوبي لهم و حسن ماب ، و فيه عن ابيعبدالله [ص 233] (ع) قال طوبي شجرة في الجنة في دار اميرالمؤمنين (ع) و ليس احد من شيعته الا و في داره غصن من اغصانها و ورقة من اوراقها تستظل تحتها امة من الامم و عنه (ع) كان رسول الله (ص) يكثر تقبيل فاطمة (ع) فانكرت ذلك عايشة فقال رسول الله (ص) يا عايشة اني ( لما خ ) اسري بي الي السماء دخلت الجنة فادناني جبرئيل من شجرة طوبي و ناولني من ثمارها فحول الله ماء ذلك ( ذلك ماء خ ) في ظهري فلما هبطت الي الارض واقعت خديجة ( الخديجة خل ) فحملت بفاطمة و كلما اشتقت الي الجنة قبلتها و ماقبلتها قط الا وجدت رايحة شجرة طوبي منها فهي حوراء انسية و روي الشيخ بسنده و كتبه في كتاب مسائل البلدان يرفعه الي سلمان الفارسي (ره) قال دخلت علي فاطمة (ع) و الحسن و الحسين (ع) يلعبان بين يديها ففرحت لهما فرحا شديدا فلمالبث حتي دخل رسول الله (ص) فقلت يا رسول الله (ص) اخبرني بفضيلة هؤلاء لازداد لهم حبا فقال يا سلمان ليلة اسري بي الي السماء ادارني جبرئيل (ع) في سمواته و جنانه ( جناته خل ) فبينما انا ادور في قصورها و بساتينها و مقاصيرها اذ شممت رايحة طيبة فاعجبتني تلك الرايحة فقلت يا حبيبي ما هذه الرايحة التي غلبت روايح الجنة كلها فقال يا محمد تفاحة خلقها الله تبارك و تعالي ( سبحانه خل ) بيده منذ ثلثمأةالف عام ماادري ( ندري خل ) ما يريد بها فبينما انا كذلك اذا ( اذ خل ) رأيت ملئكة و معهم تلك التفاحة قال رسول الله (ص) فاخذت ( و اخذت خل ) من تلك التفاحة فوضعتها تحت جناح جبرئيل (ع) فلما هبط بي الي الارض اكلت تلك التفاحة فجمع الله مائها ( فجمعت ماؤها خل ) في ظهري فغشيت خديجة بنت خويلد فحملت بفاطمة (ع) من ماء التفاحة فاوحي الله عز و جل الي ان قد ولدك ( ولد منك خل ، ولد لك خل ) حوراء انسية فزوج النور من النور فاطمة من علي فاني قد زوجتها في السماء [ص 234] و جعلت خمس الارض مهرها و سيخرج فيما ( مما خل ) بينهما (ص) ذرية طيبة و هما سراجا الجنة و هما الحسن و الحسين و يخرج من صلب الحسين ائمة يقتلون و يخذلون فالويل لقاتلهم و خاذلهم الخ ، اقول و هذا الحديث يشعر بان شجرة طوبي تحمل بكل فاكهة جمعا بين الاخبار ، و لو قيل انها في الاصل شجرة تفاح لميكن بعيدا ، و لو قيل مع هذا انها ( انما خل ) تحمل بكل نوع من انواع الفواكه و الثمار لكان صحيحا . ثم ما ورد ان المؤمن اذا اتي قبر الحسين (ع) خصوصا اخر الليل فانه يشم منه رايحة التفاح ، و اقول و حقه و حق جده و ابيه و امه و اخيه و حق التسعة الاطهار من بنيه صلي الله علي محمد و عليهم اجمعين و قد ( لقد خ ) شممت من شباكه الطيب رايحة التفاح مرارا لااحصيها صلي الله عليك يا اباعبدالله بعدد ما في علم الله ، و في اصول الكافي عن ابيعبدالله (ع) قال قال اميرالمؤمنين (ع) فان لاهل الدين علامات يعرفون بها صدق الحديث و اداء الامانة و الوفاء بالعهد و صلة الارحام و رحمة الضعفاء و قلة المراقبة للنساء او قال و قلة الموافاة للنساء و بذل المعروف و حسن الخلق و سعة الخلق و اتباع العلم و ما يقرب الي الله عز و جل زلفي طوبي لهم و حسن ماب و طوبي شجرة في الجنة اصلها في دار النبي محمد (ص) و ليس من مؤمن الا في داره غصن منها لاتخطر علي قلبه شهوة الا اتاه بها ذلك و لو ان راكبا مجدا سار في ظلها مأة عام ماخرج منها و لو طار من اسفلها غراب مابلغ اعلاها حتي سقط ( يسقط خل ) هرما الا ففي هذا فارغبوا ان المؤمن من نفسه في شغل و الناس منه ( عنه خل ) في راحة اذا جن عليه الليل افترش وجهه و سجد لله عز و جل بمكارم بدنه يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته الا فهكذا فكونوا الخ ، و في عيون الاخبار قال يعني الحسين (ع) قال رسول الله (ص) يا علي انت المظلوم بعدي و انت صاحب شجرة طوبي في الجنة اصلها في [ص 235] دارك و اغصانها في دار شيعتك و محبيك الحديث ، و في كتاب الخصال في تفسير حروف ابجد الي ان قال و اما الطاء فطوبي لهم و حسن ماب و هي شجرة غرسها الله تبارك و تعالي بيده و نفخ فيها من روحه و ان اغصانها تسري ( لتري خل ) من وراء سور الجنة تنبت بالحلي و الحلل و الثمار مستدلة ( متدلية خل ) علي افواههم ، و عن ابيسعيد الخدري و في احتجاج علي (ع) يوم الشوري و عن ابيامامة و في كتاب اكمال الدين و اتمام النعمة و عن ابيحمزة الثمالي و في مجمع البيان و في ثواب الاعمال و عن ابيحمزة الثمالي ايضا روايات بمعني ما تقدم ، و في تفسير العياشي بسنده قال بينما رسول الله (ص) جالس ذات يوم اذ دخلت امايمن و في ملحفتها شيء فقال رسول الله يا امايمن اي شيء في ملحفتك فقالت يا رسول الله فلانة بنت فلان املكتموها فلمتنشروا ( فلمتنثروا خ ) عليها فاخذت زوجها فلمتنشر ( فلمتنثر خ ) عليها فقال لها رسول الله (ص) و لاتبكين فوالذي بعثني بالحق نبيا بشيرا و نذيرا لقد شهد املاك فاطمة جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل في الوف من الملئكة و لقد امر الله طوبي فنثرت ( فنشرت خل ) عليهم من حللها و سندسها و استبرقها و درها و زمردها و ياقوتها و عطرها فاخذوا منه حتي مادروا ما يصنعون به و لقد نحل الله طوبي لمهر فاطمة و هي في دار علي بن ابيطالب (ع) ، فظهر لمن نظر ان اطلاق طوبي علي الشجرة مشهور في اخبارهم فعلي هذا تكون الاضافة بيانية و ما ذكره المفسرون من معاني طوبي كلها صحيح و مراد و ان كان علي خلاف الاغلب و انما ذكرت كثيرا من الروايات ليظهر لك وجه الاغلب .
و قوله « و ذلك لان نفسه الشريفة معدن الفضايل و العلوم و كان قلبه المنور » الخ ، فيه ما قلنا لان هذه الفضائل ليست مختصة به دون اولاده الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين .
قال : و انما نسب معني طوبي الي داره الاخروية من بيت قلبه المعنوي [ص 236] دون دار محمد (ص) لان تفاصيل العلوم الحقيقية التي جاء بمجامعها الرسول (ص) و الكتاب مستفادة من بيانه و تعليمه و هو كما اشار تعالي بقوله و من عنده علم الكتاب و بقوله و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و بقوله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و بقوله انما انت منذر و لكل قوم هاد و لذلك ورد انه قال (ص) لما نزلت هذه الاية يا علي انا المنذر و انت الهادي ه ، فقد تبين بنور العقل و النقل ان مثال شجرة طوبي اعني اصل العلوم و المعارف في دار علي (ع) و اولاده المطهرين الذين هم ذرية بعضها من بعض لان كلا منهم يحذو حذو ابيهم المقدس و جدهم المنور المطهر صلوات الله عليهم اجمعين .
اقول اذا فسرت طوبي بشجرة العلم و المعرفة فسرت ( فسر خ ) البيت بالقلب فيكون جانبه ( جانب خ ) الايمن محل المعرفة و جانبه ( جانب خ ) الايسر محل العلم لان الايسر جانب النفس التي هي محل الصور التي هي العلم و الايمن محل العقل الذي هو مدرك المعاني التي هي المعرفة .
و قوله « دون دار محمد (ص) » غلط لان علم علي (ع) من علم محمد (ص) مجملة و مفصلة ( مجمله و مفصله خل ) نعم لو قال ان صاحب الخلافة هو صاحب التأويل و صاحب النبوة هو حامل التنزيل و طوبي من نوع التأويل ناسب كلامه علي ان الحديث الاول المذكور عن النبي (ص) فيه اصلها في داري و فرعها في دار علي (ع) فقيل له في ذلك فقال داري و دار علي في الجنة بمكان واحد ، فقوله (ص) في الجنة يشعر بان حصول ذلك العلم في الجنة يوم القيمة ، و اما حصوله له و لاهل بيته (ص) فهو ( فهي خل ) في الدنيا كما هو ( هي خل ) في الاخرة لان هذا العلم من جملة ثمار الجنة فكما انهم (ع) يأكلون في الدنيا من ثمار الجنة كذلك يأكلون ما كان من نوع ذلك و كما انه قد يأكل غيرهم من ثمار الجنة و ان كان نادرا كما اكل [ص 237] الحواريون من المائدة و شرب عبدالله بن سنان من ماء الكوثر في الدنيا بواسطة جعفر بن محمد عليهما السلام كذلك قد يحصل بعض ذلك من العلوم و المعارف لغيرهم من شيعتهم ، و كذلك ما في اصول الكافي من قوله اصلها في دار النبي محمد (ص) ، فانه و غيره من الاخبار يدل علي اتحاد الدار ، فقول المصنف « دون دار النبي محمد (ص) » ليس بشيء علي اطلاقه ، و كذا الكلام في قوله « مستفادة من بيانه و تعليمه » .
و قوله « و هو كما اشار تعالي بقوله و من عنده علم الكتاب » في الخرائج و في الكافي و العياشي عن الباقر (ع) ايانا عني و علي اولنا و افضلنا و خيرنا بعد النبي (ص) ، و روي مثله في مجمع البيان عن الصادق (ع) و في الاحتجاج سئل رجل علي بن ابيطالب (ع) اخبرني بافضل منقبة لك فقرء الاية و قال ايانا عني بمن عنده علم الكتاب و في المجالس عن النبي (ص) انه سئل عن هذه الاية فقال ذاك ( ذلك خل ) اخي علي بن ابيطالب (ع) و روي العياشي عن الباقر (ع) انه قيل له هذا ابن عبدالله بن سلام يزعم ان اباه ( اياه خل ) الذي يقول الله قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب قال كذب هو علي بن ابيطالب (ع) و في الكافي بسنده عن سدير قال كنت انا و ابوبصير و يحيي البزاز و داود بن كثير في مجلس ابيعبدالله اذ خرج علينا و هو مغضب فلما اخذ مجلسه قال يا عجبا لاقوام يزعمون انا نعلم الغيب مايعلم الغيب الا الله تعالي لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فماعلمت في اي بيوت الدار هي ، قال سدير فلما ان قام من مجلسه و صار في منزله دخلت انا و ابوبصير و ميسر فقلنا له يا بن رسول الله جعلنا فداك سمعناك و انت تقول كذا و كذا في امر جاريتك و نحن نعلم انك تعلم علما كثيرا و لاننسبك الي علم الغيب قال فقال يا سدير المتقرء القرءان قلت ( فقلت خل ) بلي قال [ص 238] فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز و جل قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك قال قلت جعلت فداك قد قرأته قال فهل عرفت الرجل و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب قال قلت اخبرني به قال قدر قطرة من الماء في البحر الاخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب قال قلت جعلت فداك ما اقل هذا قال ( فقال خل ) يا سدير ما اكثر هذا ان ينسبه الله عز و جل الي العلم الذي اخبرك به يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز و جل ايضا قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب قال قلت قد قرأته جعلت فداك قال فمن عنده علم الكتاب كله قال فاومي بيده الي صدره و قال علم الكتاب والله كله عندنا و في تفسير علي بن ابراهيم بسنده عن ابيعبدالله (ع) قال الذي عنده علم الكتاب هو اميرالمؤمنين (ع) و سئل عن الذي عنده علم من الكتاب اعلم ام الذي عنده علم الكتاب فقال ماكان علم الذي كان عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب الا بقدر ما تأخذ ( تأخذه خل ) البعوضة بجناحها من ماء البحر و في تفسير العياشي عن عبدالله بن عجلان عن ابيجعفر (ع) قال سألته عن قوله قل كفي بالله فقال نزلت في علي (ع) بعد رسول الله (ص) و في الائمة بعده و علي عنده علم الكتاب و عن عمر بن حنظلة عن ابيعبدالله (ع) عن قول الله عز و جل قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب فلما رءاني اتتبع هذا و اشباهه من الكتاب قال حسبك كل شيء في الكتاب من فاتحته الي خاتمته مثل هذا فهو في الائمة (ع) عني به و روي المفيد مسندا الي سلمان الفارسي (رض) قال قال لي اميرالمؤمنين الويل كل الويل لمن لايعرف لنا حق معرفتنا فانكر فضلنا ( فضائلنا خل ) يا سلمان ايما افضل محمدا او ( محمد (ص) ام خل ) سليمان بن داود و قال سلمان فقلت بل محمد [ص 239] (ص) فقال يا سلمان هذا اصف بن برخيا قدر ان يحمل عرش بلقيس من سبا الي فارس في طرفة عين و عنده علم من الكتاب و لااقدر انا و عندي علم الف كتاب انزل الله منها علي شيث بن ادم خمسين صحيفة و علي ادريس النبي (ع) ثلثين صحيفة و علي ابراهيم الخليل عشرين صحيفة و علم التورية و الانجيل و الزبور و الفرقان قلت صدقت يا سيدي فقال اعلم يا سلمان ان الشاك في امورنا و علومنا كالممتري في معرفتنا و حقوقنا و قد فرض الله طاعتنا و ولايتنا في كتابه في غير موضع و بين فيه ما وجب العمل به و هو مكشوف ه ، الي غير ذلك من النصوص الدالة علي عدم الخصوص بل كلهم مشتركون في هذه الفضيلة و ذكر علي (ع) في بعضها وحدة ( وحده خ ) للتمثيل في تشريكهم مع ما علم من اخبارهم (ع) و ان ما جري لاولهم يجري لاخرهم .
« و بقوله و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و بقوله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون » مما يدل علي احاطة علومهم و حاجة جميع الخلق في العلم اليهم لان الله تعالي ( لانه سبحانه خل ) قد اقام نبيه (ص) مقامه في ساير عالمه في الاداء اي فيما يريد ان يؤديه الي خلقه من خلق او رزق او حياة او مماة اذ كان تعالي ( سبحانه خل ) لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار كما تقدم ذكره في خطبة علي (ع) يوم الغدير و يوم الجمعة ثم اوحي ( اوحي الي نبيه خل ) صلي الله عليه و اله و الذين امنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ماالتناهم من عملهم من شيء و انزل الله اليه ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها فعلم رسول الله (ص) عليا (ع) جميع ما اوحي اليه و امره ان يعلم اهل بيته الطاهرين (ع) جميع ما علمه من العلوم .
و كذلك قوله تعالي « انما انت منذر و لكل قوم هاد » فان محمدا (ص) هو المنذر و الهادي علي (ع) و لذلك ( و لذا خل ) ورد انه (ص) قال لما نزلت هذه الاية يا علي انا المنذر و انت الهادي .
[ص 240] و قوله « فقد تبين بنور العقل و النقل ان مثال شجرة طوبي يعني ( اعني خ ) اصل العلوم و المعارف في دار علي (ع) و اولاده المطهرين (ع) ، الخ » ربما يشعر بان كلامه الاول لميرد به التخصيص به عليه السلام و انما ذكره لكونه سيدهم و مقدمهم و ليس ببعيد و ان كان خلاف ظاهر عبارته لانه كثيرا ما لايغني ( لايعتني خ ) باصلاح ( باصطلاح خل ) العبارة فان عني بقوله الاول ما اراد هنا في قوله « و اولاده المطهرين » فقد اجاد و ان اراد خصوص التوسط فقد اخطأ السداد .
و قوله « لان كلا منهم » اي من الائمة الاثنيعشر اعني الاحدعشر و فاطمة « يحذو حذو ابيهم المقدس » اميرالمؤمنين (ع) « و جدهم المطهر » خاتم النبيين صلوات الله عليه و عليهم ، و ان اراد به انهم مثلهما (ع) في العلوم العامة و في التوسط لكل الخلق فهو حق و ان اراد به خصوص العلوم ( العلم خل ) دون التوسط فهو غلط .
قال : و فروعها في دور صدور شيعتهم و بيوت قلوب مواليهم اذ ( ان خ ) يتفرع و يتشعب من علم النبي و الوصي و الهما صلي الله علي محمد و علي و الهما علوم عقلية و فروع فقهية في قلوب العلماء و المجتهدين من اتباعهم و مقلديهم الي يوم القيمة و نسبة سيد الاولياء علي (ع) الي علماء هذه الامة يا علي انا و انت ابوا هذه الامة و هكذا نسبة شجرة طوبي لجميع ( بجميع خل ) اشجار الجنة قال العارف المحقق في الفتوحات المكية اعلم ان شجرة طوبي لجميع شجر الجنان ( الجنات خل ) كٰادم (ع) لما ظهر عنه من النبيين فان الله لما غرسها بيده و سويها و نفخ فيها من روحه كما شرف ادم باليدين و نفخ فيه فاورثه نفخ الروح فيه علم الاسماء لكونه مخلوقا باليدين و لما تولي الحق غرس شجرة طوبي و نفخ فيها زينها بثمرة الحلي و الحلل اللذين فيهما زينة للابسهما [ص 241] و نحن ارضها كما جعل ما علي الارض زينة لها انتهي ، فقد ظهر من كلامه ان شجرة طوبي يراد بها اصول المعارف و الاخلاق الحسنة لتكون زينة للنفوس القابلة بمنزلة ما علي الارض زينة لها .
اقول المراد بالفروع الاغصان كما هو منطوق الاخبار و الغصن يراد منه نوع منها اذا فسرت بالعلوم و جزء منها اذا فسرت بالشجرة المعلومة فاذا ( فان خل ) فسرت بالعلوم فالغصن منه كلي و منه جزئي فمرادنا بالكلي ان المؤمن له حصة من شجرة العلوم و تلك الحصة من كل علم يناسب رتبة ذلك المؤمن من المعارف و غيرها و مرادنا بالجزئي ان ذلك الغصن يعطي صاحبه المؤمن من كل فاكهة و طعام يناسب رتبة ذلك المؤمن بما تقتضيه الحكمة و كل ملبوس و مشروب و منكوح و مشموم و ملموس و مذوق و مسموع و مبصر و متخيل مما تقتضي الحكمة حسن تنعمه به و تمتعه فيه ، و ان فسرت بالشجرة النباتية حملت بكل فاكهة توجد في الدنيا علي اطوار و الوان لاتتناهي مثلا تحمل برمان رطب و يابس فيه طعم كل فاكهة تميل اليها نفس صاحب ذلك الغصن و في ذلك الرمان جميع الالوان و الطبايع المستقيمة كما كان فيه جميع الطعوم و كذا يحمل ذلك الغصن بتفاح بين رمان و عنب و رطب في كل شيء كل لون محسن ( مستحسن خل ) و كل طعم مستعذب و كل رايحة طيبة و هكذا ، و كل واحدة من تلك الثمرات المتغايرة المتشاكلة ظاهرها طعام و طيب و فاكهة و شراب و قوة باه و اصلاح مزاج و تفريح و كمال عقل و ذكاء و ما اشبه ذلك و باطنها علم كما قال علي (ع) اسفله طعام و اعلاه علم ه ، لمثل هذا فليعمل العاملون .
و قوله « في دور صدور شيعتهم » يعني ما كان من علوم الاحكام مما يتعلق بالخلق و احوالهم و معرفة صفاتهم و ذواتهم لان الصدور هي مقر العلوم التي [ص 242] صور الاشياء و احوالهم و افعالهم و اعمالهم و اقوالهم ، و المراد بالدور جمع دار و هي المشتملة علي بيوت كثيرة .
و قوله « في بيوت قلوب مواليهم » يعني ما كان من المعارف الالهية من معرفة صفاته و صفاتها و اسمائه و اسمائها و افعاله و متعلقاتها و اوقاتها و القلوب في الصدور كالبيوت في الدور و ذكر القلوب للمعارف غير مناسب لمذاق العارفين لان القلوب مقر اليقين الذي هو ضد الشك و الريب و هذا نوع علم اليقين و التقوي الذي هو ثمرة علم الاخلاق لذلك كما ان الصدور مقر العلوم التي هي ضد الجهل و لا شيء من الاثنين بمحل المعارف ( للمعارف خل ) التي يتناولها العارف بلا صورة و لا معني و لا كيف و لا كم و لا اشارة و ذلك لان العلم باعث للخوف بما يتحقق في الصدور و اليقين باعث للرجاء بما يشرق في القلوب ( القلب خل ) و اما المعارف المحضة المجردة عن الصور و عن المعاني فلاتنجلي ( فلاتتجلي خل ) الا في الافئدة فتنبعث عنها المحبة بلا اشارة و لا كيف و القلب يطلق علي الفؤاد و بالعكس الا انه بحسب ظاهر اللغة و اما في اللغة الخاصة فالفؤاد روح القلب و القلب وجهه و ظاهره و لعل المصنف لايعرف الفرق بينهما و لهذا لمنجد لهذا ذكرا في شيء من كتبه و الموافق لمن يسلك الغور في المعارف ذكر الفرق بينهما ليعرف ما يحل في مكانه اللايق به فنسب ( فينسبه خل ) اليه ، و اذا فسرت هذه الشجرة الطيبة بالمعارف و العلوم فهل توجد تلك العلوم و المعارف في الدنيا لاصحاب الغصون في الاخرة ام لا ؟ الظاهر ان ذلك يوجد ، فكل علم اجابه العمل اذا هتف به فانه تنزل ( متنزل خل ) من تلك الشجرة و ذلك الغصن كامن في بيت صاحبه يظهر له يوم القيمة و من مات فقد قامت قيامته و من قتل نفسه كما يحب الله اورق غصنه و كثر ثمره و تناول منه في الدنيا و اكل من ثمره [ص 243] و لايجد احد لذة للعلم دائمة ثابتة الا ما كان من تلك الشجرة و اذا كان من غيرها فان وجد لذة لشيء من العلم فانما ذلك للبس خادعته فيه نفسه و غفلته ( غفلة خل ، غفله خ ) عما يراد منه او به و لما كانت تلك الشجرة في الجنة كان كل علم يوصل اليها فهو منها و كل علم يصد عنها فليس منها لان الاشياء بمقتضي طبيعتها تنعطف فروعها علي اصولها .
و قوله « اذ يتفرع و يتشعب من علم النبي و الوصي و الهما (ص) علوم عقلية » اي كالمعارف الحقة « و فروع فقهية » كالعلوم المستنبطة من الكتاب و السنة بالاستنباط الذي اشاروا اليه (ع) بقولهم علينا ان نلقي اليكم اصولا و عليكم ان تفرعوا ، و تلك الفروع من تلك الغصون اذا كانت جارية في استخراجها علي نمط ما سلكوا (ع) و علي هذا ( و الي هذه خل ) الاشارة بقوله تعالي و اوحي ربك الي النحل اي النفوس المتنحلة ( المنتحلة خ ) يعني المختارة المستنبطة من ادلتها ان اتخذي من الجبال بيوتا اي انظري و تدبري في متعلقات الاحكام التي هي محال النظر و التدبر من الجبال اي مقتضيات الاجسام و الطبايع جمع جبلة من تفسير ظاهر الظاهر بيوتا و هي محال النظر لاستنباط مقتضي اوصافها و دواعيها من الحسن و القبح و من الشجر و هي النفوس في تطوراتها و شئونها و مما يعرشون من تعلقات افعالها بالاجسام و وقوع اطيار شئونها علي اوكارها من الاجسام و الجسمانيات ثم كلي من كل الثمرات اي من موجبات الافعال المقتضية لتلك الثمرات باوصافها من الحسن و القبح فاسلكي سبل ربك ذللا اي في الاستنباط بما عرفك من سبله و نمط استخراج المسببات من اسبابها ( الاسباب خل ) و استنباط الفروع من اصولها يخرج من بطونها اي من بطون خيالها و انظارها ( افكارها خل ) شراب اي علوم يحيي بها اموات النفوس و القلوب كما يحيي ( تحيي خل ) بالماء اموات الاشجار و الارضين [ص 244] كما قال تعالي و جعلنا من الماء الظاهري و الماء الباطني الذي هو العلم كل شيء حي .
فان قلت يلزم من بيانك خصوصا بتأويلك ان يكون النبي (ص) و اهل بيته (ص) يجتهدون في استخراج الاحكام من الادلة و هو خلاف الاتفاق قلت نعم فانهم (ع) يستنبطون الاحكام من ادلتها الا ان الفقهاء غيرهم اغلب ما يتوصلون به الظنون و هم (ع) جميع ما تؤديهم اليه ادلتهم الي اليقين القطعي العياني في جميع ما يحكمون به و الا فاخذهم بالاستنباط كما قال تعالي و لو ردوه الي الله و الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، ففي تفسير العياشي عن عبدالله جندب ( سنان الجندب خل ) عن الرضا (ع) يعني المحمد (ع) و هم الذين يستنبطون من القرءان و يعرفون الحلال و الحرام و هم حجة الله علي خلقه و عن ابيعبدالله (ع) قال هم الائمة عليهم السلام و عن ابيعبدالله (ع) قال عز و جل اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فقال عز و جل و لو ردوه الي الله و الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فردا لامر الناس الي اولي الامر منهم الذين امر بطاعتهم و بالرد اليهم و في الاكمال بسنده الي ابيحمزة الثمالي عن ابيجعفر بن محمد بن علي الباقر (ع) في حديث طويل يقول فيه (ع) و من وضع ولاية الله و اهل استنباط علم الله في غير اهل الصفوة من بيوتات الانبياء فقد خالف امر الله عز و جل و جعل الجهال ولاة امر الله و المتكلفين بغير هدي و زعموا انهم اهل استنباط علم الله فكذبوا علي الله و زاغوا عن وصية الله و طاعته فلميضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك و تعالي فضلوا و اضلوا اتباعهم فلاتكون لهم يوم القيمة حجة و قال ايضا بعد ان قرء فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فان يكفر بها امتك فقد وكلنا اهل بيتك بالايمان الذي ارسلناك له فلايكفرون بها ابدا و لااضيع ( و لااضع خل ) [ص 245] الايمان الذي ارسلناك به و جعلت اهل بيتك بعدك علي امتك ولاة من بعدك و علي الاستنباط الذي ليس فيه كذب و لا اثم و لا زور و لا بطر و لا رياء ه ، فتدبر هذه الاخبار ليظهر لك ان الاستنباط ( استنباط خل ) الحق ما استنبطه محمد و اهل بيته و الانبياء (ع) .
و قوله « و نسبة سيد الاولياء علي (ع) الي علماء هذه الامة » اذا اريد بعلماء هذه الامة الائمة الطاهرون ( عليهم السلام خ ) صح التشبيه في الجملة لان اميرالمؤمنين (ع) سمي ( يسمي خل ) اميرالمؤمنين لانه يمير الائمة (ع) العلم المأخوذ ( مأخوذ خل ) من قوله تعالي و نمير اهلنا و المؤمنون هنا هم الائمة عليهم السلام الا انه (ع) يسقيهم مما استسقي ( اسقي خل ، استقي خ ) منه بنفسه لا بصفته فلهذا قلنا صح التشبيه في الجملة ، و لو اريد الانبياء صح التشبيه علي الحقيقة ، و ان اريد مطلق علماء هذه الامة صح علي الحقيقة بنسبته في كل شيء بمعني ان كنه الشجرة و اصلها الذي ليس ورائه لها ( له خل ) ذكر بحال ما هو في بيت محمد و ذلك في بيت علي و بيوت اهل بيته الطاهرين (ع) بحكم الثانوية ( ثانوية خ ) فان ما هو بحكم الاولوية ( الاولية خل ) في بيت محمد (ص) و بعده في بيوتهم و ظاهر ذلك منتشر في بيوت الانبياء (ع) يقع في بيت كل نبي ما يسعه استعداده و اشعة ذلك الظاهر مشرقة في بيوت المؤمنين يقع في كل بيت من بيوت المؤمنين ما يستدل عليه ( يستدعيه خل ) استعداده و بمثل ذلك استمداد مقلديهم الي انقضاء التكليف ( انقضائه خل ) هذا نسبة باطنها و تأويلها و نسبة ظاهرها ( مظاهرها خ ) الي جميع شجرات الجنان ( الجنات خ ) كشجرات الخير و هو النهر الجاري في المدهامتين التي تحمل بالنساء الخيرات الحسان المعلقات في تلك الاشجار بشعورهن و كشجرات الفواكه بجميع انواعها و شجرات الدنيا و ما اودع فيها من الخواص و الاسرار كنسبة ظاهر علوم محمد (ص) و اوصيائه الي علوم ساير علماء شيعتهم من الاولين [ص 246] و الاخرين لا خصوص علماء هذه الامة كما توهم ( توهمه خل ) المصنف بل الي علوم ساير الانبياء و المرسلين و ساير المؤمنين من الاولين و الاخرين كساير ( و ساير خل ) الملئكة اجمعين و ساير ما اودع علما ( علنا خل ) و ( او خ ) سرا من جميع الحيوانات و النباتات و الجمادات في ذواتهم و صفاتهم و احوالهم و افعالهم ، فتأمل في هذه الاجمال و التعميم و ارسله في كل شيء ليصح لك التمثيل .
و قوله « قال العارف المحقق في الفتوحات المكية » يعني به محمد بن علي الطائي الاندلسي ابنعربي المعروف و قول ابنعربي « اعلم ان شجرة طوبي لجميع ( بجميع خل ) شجرات الجنات ( الجنان خل ) كادم (ع) لما ظهر عنه (ع) من النبيين ( البنين خ ) » يعني ان ادم (ع) لميتولد من اب و ام غير مادته و صورته فظهرت عنه ذرية ( ذريته خل ) بالتناكح و التناسل كذلك شجرة طوبي لو لميكن ( لمتكن خل ) متولدة من بذر او نواة و لا من صلب شجرة كانت قبلها فتولدت من اصلها كتولد النخلة من النخلة ، قال « فان الله لما غرسها بيده و سواها » يعني سوي صورتها « نفخ فيها من روحه » اي المراد بالروح عندنا و هو روح وليه (ع) فحييت ظاهرا بالحيوة النباتية و هي النفس النباتية و حييت بالحياة التأويلية و هي حياة العلم الوجداني ( الوحدانية خ ) كما قال تعالي أ و من كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس اي جعلنا له عقلا و علما يهتدي به في ظلمات الجهالة ، و حييت باطنا بالحياة الحقيقية الناطقية « كما شرف ادم باليدين » اي يدا ( يدي خل ) قدرته و اليدان من جهة الفعل المشية هي يده اليمني خلق بها ( منها خل ) مادته و الارادة هي يده الشمال خلق بها ( منها خل ) صورته « و نفخ فيه » يعني نفخ فيه الحياة من روحه و هي روح وليه (ع) « فاورثه نفخ الروح فيه علم الاسماء » قال « لكونه مخلوقا باليدين » يعني لاجل كونه مخلوقا [ص 247] باليدين اللتين هما العقل و النفس اي القلم و اللوح ، قال « و لما تولي الحق غرس شجرة طوبي و نفخ فيها زينها بثمرة الحلي و الحلل اللذين هما زينة للابسهما و نحن ارضها » يعني انا محل اشراقها فيجب ان يجري علينا شبهها فزين ( فتزين خل ) بالعلم « كما جعل ما علي وجه الارض من زينة لها » و يريد ان النفخ من روحه في ادم (ع) اورثه علم الاسماء و النفخ في الشجرة من روحه اورثها زينة الحلي و الحلل و نحن بنو ادم و ارض الشجرة فورثنا الصفوتين ، فقول المصنف « فقد ظهر من كلامه ان شجرة طوبي يراد بها اصول المعارف و الاخلاق الحسنة ليكون زينة للنفوس القابلة بمنزلة ما علي الارض زينة لها » هو الظاهر من لفظه و اما ما يظهر من مراده فهو ما اشرنا اليه فافهم .
قال : قاعدة في دخول اهل النار فيها ، هذه مسئلة عويصة و هي موضع خلاف بين علماء الرسوم و علماء الكشف و كذا بين اهل الكشف هل يسرمد العذاب عليهم الي ما لا نهاية له او يكون لهم راحة و نعيم بدار الشفاعة بدار الشقاء جهنم عند منتهي مدة العذاب الي اجل مسمي مع اتفاق الكل علي عدم خروج الكفار من النار و انهم ماكثون فيها الي ما لا نهاية له فان لكل من الدارين عمارا و لكل منهما ملؤها و الاصول الحكمية دالة علي ان القوي الجسمانية متناهية و علي ان القسر لايدوم علي طبيعة واحدة و علي ان لكل موجود غاية ينتهي اليها و علي ان مٰال الكل الي الرحمة الالهية التي وسعت كل شيء .