و قوله « و هناك تنتهي اعمال الفجار » يعني به انّ اعمال الفجار ينتهي الي منبت شجرة الزقوم الذي هو سجّين كتاب الفجار كما تنتهي اعمال الابرار الي منبت شجرة المزن اعني سدرة المنتهي علي الظاهر من كثير من اخبارهم عليهم السلام الذي هو علّيّون كتاب الابرار اذ ليس وراۤء ذلك في المقامين الّا مبادي الاعمال و دواعيها فانها في الاعمال الصالحة في الافئدة ثم في القلوب ثم في النفوس و في الاعمال الطالحة القبيحة فانّها في الانّيّةِ الاُولي الكلّيّة ثمّ في الجهل الكلّيّ ثم في النفوس الامَّارة بالسوۤء فانها في الاولي مقوّمة منعّمة و في الاخري مفرّقة مؤلّمة .

و قوله « و هي محيطة بالكافرين » اي النّار بجميع ابوابها او جهنم علي جهة العموم اقتباس من الاية فانها كما اشار اليه الكتاب و صرّحوا عليهم السلام به من ان النار موجودة في الدنيا في اهلها و يوم القيمة اهلها فيها و لمّا طلب السّاۤئل من الامام زين‌العابدين عليه السلام بيان ذلك من القرءان اجاب عليه السلام بما معناه انّه موجود في نحو ثلاثين آية منها قوله تعالي يستعجلونك بالعذابِ و انّ جهنّم لمحيطة بالكافرين يعني في الدنيا و قوله تعالي يصلونها يوم الدّين و ما هم عنها بغاۤئبين يعني الأن و قوله تعالي لو تعْلمُنَّ عِلْمَ اليَقينِ لتروُنّ الجحيم و امثال ذلك كثير حتّي ان الساۤئل قال له عليه السلام لم لايتألّمون اذاً قال عليه السلام انّهم امواتٌ و لو كانوا احياۤءً لتألّموا و معني كونها فيهم انّ مَظاهرَها اي محالّ ظهورها صور اعمالهم و منشأوها مضمرات اعتقادهم و كذا سرادقها و ٱلسرادق كلّ ما احاط بشيء من حاۤئطٍ او مضرب او خباۤءٍ يعني انّ سرادقها محيط بالكافرين و قيل السرادق ما يحيط بالخيمة [ص 201] و له باب يدخل منه الي الخيمة و قيل هو ما يُمَدُّ فوق البيت و سرادق النار بالمعاني الثلاثة نعوذ باللّه من النار .

قال : و ابوابها سبعة لقوله تعالي لها سبعة ابواب لكلّ باب منهم جزءٌ مقسوم و هي عين ابواب الجنّة لاهْلِها فانها علي شكل الباب الذي اذا فتح علي موضع انسدّ به موضع اخر فعينُ غَلْقِ هذه الابواب علي الجنّة فتحها الي النار الّا باب القلب فانه ابداً مطبوع علي النار لايفتح لهم ابواب السماۤء و لايدخلون الجَنّة حتي يلج الجمل في سمّ الخياط لان صراط اللّه كما مرّ ادقّ من الشعر فيحتاج من يسلكه الي كمال الدِّقّةِ و اللطافة فانّي يتيسّر سلوكه للحمقاۤءِ الجاهلين سيّما مع العناد و الاستكبار فابواب النار سبعة و ابواب الجنّة ثمانية .

اقول للنار سبعة ابواب فيحتمل ان المراد بالابواب طبقاتها و اصنافها و يحتمل ان يكون المراد بالابواب سبعة لكل طبقةٍ منها و الاحتمالان جاريان حتي في الاية في قوله تعالي لها سبعة ابواب لكل باب منهم جُزْؤ مقسوم و ان كان الظاهر من الاية و كلام المفسرين الاحتمال الاول .

و قوله « جزؤ مقسوم » يعني انّ المعذّبين تختلف مراتبهم في اعمالهم بحسب اختلاف ذواتهم فان كل جزئٍ خُلِق من طبقةٍ يعود اليها لا الي غيرها فمن خلقت طبيعته و صورته من الجحيم لايعود الي لظي التي هي تحتها و من خلقت طبيعته و صورته من لظي لايعود الي سقر التي هي تحتها و لا الي الجحيم التي هي فوقها و مَن خُلِقَتْ طبيعته و صورته من سقر لايعود الي الحطمة و لا الي لظي و من كانت من الحطمة لايعود الي الهاوية و لا الي سقر و من كان من الهاوية لايعود الي السعير و لا الي الحطمة و من كان من السعير لايعود الي جهنم و لا الي الهاوية و من كان من جهنم لايعود الي غيرها فلكل نار منهم [ص 202] قوم هم اولي بها و هي اولي بهم .

و قوله « و هي عين ابواب الجنة لاهلِها » يريد انّ ابواب النار السبعة مظاهرها في الانسان حواۤسّه الخمس اللمس و الشمّ و الذوق و السمع و البصر و الخيال و الوهم و قيل الحواس الخمس و الجسد و النفس اذا استعملها في غير ما خلقت لاجله بل استعملها فيما نهي عن استعمالها فيه كانت ابواب النار السّبعة لكل بابٍ منها جزء من اعماله القبيحة خرجت منه و تدخل فيه او منه كما انّها ابواب مشاعر ذلك المكلّف و اذا استعملها فيما خلقت لاجله و منعها من غير ما لم‌تخلق لاجله كانت ابواب الجنّة السبع لكل واحد منها جزؤ من اعمالِهِ الصّالحة خرجت منه و تدخل منه بمعني ان هذه السبعة طرق لتلك الدركات و هذه الدرجات و امّا الجنّة الثامنة جنة عدنٍ فبابُها و طريقها العقل و هو لايصلح لاستعمال الاعمال السيئة فلهذا كانت الجنان ثمان و النيران سبع و اصل ذلك ان الانسان خلق انموذجاً من العالم كلّه كما نقل عن اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله :

اتحْسب انك جرمٌ صغير و فيك انْطوي العالم الاكبر

فكل ما يوجد في العالم الكبير يوجد نظيره في العالم الصغير الذي هو الانسان و الذي في الانسان الصغير اياته و امثاله و نظاۤئره التي يستدلّ عليه بها لا ان تلك السبعة الاعضاۤء هي حقاۤئق ابواب الجنان و ابواب النيران كما اعترف به في الاسفار في الجواب فقال : قلنا السمع و البصر و غيرهما التي لاهل السعادة و الهدي مباينة بالحقيقة و النوع عندنا للّتي لاهل الشقاوة و الهوي و ان وقع الاشتراك بينهما في اصل الاحساس و الشعور انتهي ، نعم هي ادلّة ذلك و طريق تلك المسالك .

و قوله « فانها علي شكل الباب » ليس علي اطلاقه لان كونها علي شكل بابٍ [ص 203] واحدٍ بين مدخلَيْنِ انما يجري في الافئدة و ضدّها اذ لا سهو و لا فتور بينهما بل كما ذكر اذا فتح علي موضعٍ انسدّ به موضع اخر و ذلك اذا كان باب الخشب بين مَدْخلَيْن فانه اذا فتح بابُ مدخلٍ سدَّ بابُه المفتوحُ المدخلَ الاخرَ و بالعكس بخلاف مداخل القلوب و النفوس و الخيال و الحواۤس فانه قد يغلق علي مدخلٍ لاينفتح به المدخلُ الاخر لوقوع الغفلات و الفترات و السَّهوات الّا ان الفؤاد بل القلب ليس له وجه الي الباطل فلايؤدّي الي النار فلذا لم‌تكن النيران اكثر من سبعٍ و كانت الجنانُ ثماني و حيث جاز وقوع الغفلات و الفترات دلّ علي انّهما بابانِ متشابهان باب للجنّة و باب غيره للنّار فلايصحّ جعل ابواب النيران بعينها ابواب الجنان بل هما متغايران و ان اتّحدت في الظاهر آلٰات الاستعمال لان الالة لم‌تخلق للنار و انما خلقت للجنّة الّا انها صالحة للاستعمال في التوصل الي النار فهي في الحقيقة للجنان اوّلاً و بالذات و للنيران ثانيا و بالعرض و لاجل هذه النّكتة كان المكلف اذا نوي خيراً كتبت له حسنة و ان فعله كتبت عشرا و اذا نوي شرّاً لم‌يكتب عليه شيء و اذا فعله انتظر سبع ساعات بعدد الٰالاتِ الصالحة فان تاب لم‌يكتب عليه شيء و الّا كتبت عليه سيّئة واحدة و السرّ فيه ان الحسنة اذا بَرزَتْ من العقل بالنيّة الصالحة كتبت واحدة لانها برزت ممّا خلق لها فهي متأصّلة فيه فاذا عملها مرّت علي النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد فكتبت عشراً لانها مرّت علي عشر مراتب متأصّلة فيها بخلاف السيّئة فانها اذا برزت نيتها برزت من النفس التي لم‌تخلق لها فليست متأصّلة بل هي عارضةٌ فاذا عملها مرَّتْ علي العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد فلها سبع مراتب هي عارضة عليها النفس و هذه الستة فاذا عملها انتظرت سبع ساعات بعدد هذه المراتب فان تاب [ص 204] محيت لعدم استقرارها و الّا كتبت هذه السبعة الاعراض واحدة و ليس الّا لما قلنا و اللّه سبحانه اعلم باسرار خليقته فابواب طرق الجنة ذاتية و ابواب طرق النار عرضيّة فليس هي ايّاها فافهم .

و قوله « الّا باب القلب فانه مطبوع علي اهل النار » يعني ان تلك الاعضٰاۤء السبعة لاهل الجنّة و قد تفتح لاهل النار الّا باب القلب فانّه مطبوع باعمالهم علي قلوبهم فلايفتح لهم ابداً لانه لايصلح لاعمال الشرّ و انما هو مفتوح لاعمال الخير و لذا قال تعالي في حق اهل النار لاتفتّح لهم ابواب السماۤء و لايدخلون الجنّة حتّي يلج الجمل في سمّ الخياط و السماۤء يطلق في التفسير الباطن كما روي عنهم عليهم السلام و يراد به رسول اللّه صلي الله عليه و اله و هو يكني به عن العقل كما قال تعالي و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا اي عقلاً و لاجل هذا الطبع كانت الجنان ثماني و النيران سبعاً لعدم فتح باب العقل عليهم .

و قوله « لان صراط اللّه ادقّ من الشعر ، الخ » يشير به الي ان ما اشرنا اليه من كون الابواب في الجنّة و النار واحدة و كون الجنة ثماني لان باب القلب مفتوح عليهم و كون ابواب النار سبعة لان باب القلب مطبوع عليهم مغلق عليهم فلم‌يكن باباً للنار هو صراط اللّه و الصراط ورد في المتواتر المجمع عليه انه ادقّ من الشعر فيمور باقدام الساۤئرين عليه و احدّ من السيف فيشقّ اقدام الساۤئرين عليه فكنّي بكونه ادقّ من الشعر انه يضطرب لايثبت عليه الّا قدم مَن ثبّته اللّه بالقول الثابت و كشف غطاۤء بصيرته و بكونه احدّ من السيف انه يشقّ قدم مَن سار عليه عن كونه يفرّق قلبه و يقسّمه حتي يسقط منه و ذلك لان دقاۤئق المعارف و اسرار العلوم هي صراط اللّه في الدنيا فاذا كان يوم القيمة عرف ان هذا الجسر الممدود علي جهنم طريقا الي الجنّة هو ذلك [ص 205] الذي كان في دار الدنيا من اسرار علوم الاعتقادات و المعارف فمن ثبت عليه في الدنيا و مَرَّ عليه ثبت عليه في الاخرة و مر عليه قال فاذا كان ذلك كذلك في كمال الدقّة و اللطافة حتّي ورد في بعض الاخبار ما معناه انّ في الصراطِ لعقباتٍ كَؤُداً لايقطعها بسهولةٍ الّا محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله فانّي يتيسّر سلوكه للحمقاۤء الجاهلين سيّما اهل العناد و الاستكبار و هو يعرّض بعلماۤء الظاهر و معلوم انّ كلامه هذا صادق علي كثير منهم و امّا ارادة كلهم فغلط ظاهرٌ لايخفي اذ ليس كلّ من لم‌يعرف الاسرار و يتعمّق في المطالب الدقيقة الخفيّة هالكاً كما انّ ليس كلّ مَن دقّق و تعمّق ناجياً فان المصنف ممّن تضرب به الامثال في التعمق و دقّة النظر و الاستفراغ للوسع و انظر كيف حال معرفته فاذا اردتَ اَن تعرف معرفته و اعتقاده فانظر الي شرحنا علي كتابه المشاعر و الي شرحنا هذا علي العرشيّة و ما نبّهنا عليه فيهما من فساد اكثر معتقداته و بطلان اكثر قواعده و استدلالاته و العلّة في ذلك انه سلك في جميع مطالبه مسلك الحكماۤء و شطحات الصوفيّة و لم‌يقتصر علي ما دلّوا عليه ائمة الهدي عليهم السلام و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا و قال عليه السلام ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضُها في بعضٍ و ذهب مَن ذهبَ الينا الي عيون صافيَةٍ تجري بامر الله لا نفاد لها ه‍ ، فلاجل ذلك اخطأ مع بالغ تحقيقه و شدّة تدقيقه .

قال : قاعدة في الاشارة الي عدد الزبانية ، قال تعالي عليها تسعة‌عشر و ماجعلنا اصحاب النار الّا ملاۤئكة و ماجعلنا عدّتهم الّا فتنة للّذين كفروا الايات ، اعلم انه قد انكشف لارباب البَصاۤئر النوريّة انّ هذا القالب البشري بحسب مشاعره و ابوابه و روازنه يشبه الجحيم و ابوابها و انكشف بالبصيرة انه جلس علي [ص 206] ابواب هذا البيت الذي هو مثال الجحٖيم تسعة‌عشر نوعا من الزبانية و هي الحواۤسّ الخمس الظاهرة و الخمس الباطنة و قوّة الشهوة و الغضب و القوي السبع النّباتيّة و كلّ منها يجرّ القلب عن اوج القدس الي حضيض عالم السفل .

اقول الزبانية هم ملاۤئكة النار واحدهم زبني مأخوذ من الزبن و هو الدّفع لانهم يدفعون اهل النار فيها و الزبانية في اللغة الشرطة و هم تسعة‌عشر و الدّليل علي سرّ خصوص هذا العدد مستنبط من قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّنَ لهم انّه الحقّ ، و قول الصّادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وُجِد في الربوبيّة و ما خفِي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبوديّة الحديث ، و قال الرّضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الّا بما هيهنا ه‍ ، و حيث ثبت انّ الانسان هو العالم الصغير و كل ما في العالم الكبير فهو موجود في العالم الصغير لانّه انموذج له و دليل بما حضر و وُجِدَ فيه عَلَي مٰا غَاب من العَالَمِ الكبير كما قال :

اتحسب انّكَ جرم صغير و فيك انطوي العالمُ الاكبرُ

فاذا اردنا اَن نعرف شيئا ممّا غاب عن حواۤسّنا من العالم الكبير نظرنا نظيره فينا الَّذي هو دليله فاِذَا اَردْنا اَنْ نَعرف الزَّبٰانية و عددهم طلبنا نظيره فينا وَ طَلبْنٰا ظاهره في العالم الكبير وجدنا انّ مدار التدبير في نظام العالم علي اثني‌عشر برجاً و علي سبعة نجوم سيّارة اودع سبحانه فيها اسرار التدبير و احكام التقدير في العالم كما دل عليه الحديث المتقدم من تفسير العياشي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امراً القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ه‍ ، فان ظاهره ان الملاۤئكة الموكلين بالنجوم اذا اراد تعالي اجراۤء شيء اجراه بواسطة روح القدس و روح القدس يلقيه [ص 207] بواسطتهم لقوله تعالي فالمدبرات امراً و هم الملاۤئكة فالقاۤء الامر الي النجوم لو لم‌يكن بواسطة الملاۤئكة لم‌يكونوا مدبّري امرٍ و روي علي بن عيسي في كشف الغمّة عن الامام علي بن الحسين عليهما السلام قال و ما عسيتُ اَن اصِفَ من محن الدنيا و ابلغ من كشف الغطاۤء عمّا وكِّلَ به دَوْرُ الفلك من علوم الغيب و لستُ اذكر منها الّا قتيلاً افنَتْهُ او مغيّبِ ضَريحٍ تجافَتْ عنه الخ ، فاذا عرفتَ مأخذ الدليل و عرفت انّ دليل الربوبيّة في العبوديّة و دليل العبوديّة في الربوبيّة و عرفت ان الاثني‌عشر البرج و السبعة السّيّارة موكّل بها الملاۤئكة الّذين يفعلون بواسطة هذه البروج و النّجوم فاذا عرفتَ مقام تلك الملاۤئكة من الامر المراد في العباد عرفت انّهم تلك الزبانية في الانسان الكبير بناۤء علي ما ذهب اليه المصنف من ان الجحيم تحت الكرسي و علي غير هذا الرأي المخدوش تكون هذه الملاۤئكة موكّلين بعالم الدنيا الجامع لعالم الاخرة الجامع لعالم الجنّة و النار فتكون هذه النشأة و ما فيها دليل نشأة الاخرة و ما فيها في الدارين الجنّة و النار امّا الملاۤئكة الذين في النار المشابهين لما في الدنيا فهم الزبانية في النار يوم القيمة و في البرزخ بل و في الدنيا كما في العالم الصغير فانّ فيه الفصول الاربعة في طبايعه و في كل فصلٍ ثلاثة بروج باعتبار اوّله و اوسطه و اخره في مدة بقاۤئه الفصول الاربعة فصل الربيع من الطفولية الي العشرين السنة او الي ما زاد عليها الي الثلاثين و فصل الصيف من العشرين الي الاربعين او مما زاد علي الثلاثين الي الستين و فصل الخريف او فصل الشتاۤء علي الخلاف من انّ الشتاۤء في العالم الصغير مقدّم علي الخريف بعكس العالم الكبير لان الخريف فصل الموت في الصغير و آخر العالم الكبير اقوي من اوّله او ان الصغير كالكبير في تقدّم فصل الخريف و فصل الخريف في الصغير من الاربعين الي الستين او من [ص 208] الستين الي التسعين و فصل الشتاۤء من الستين الي الثمانين او من التسعين الي مائة و عشرين او ما دون ذلك علي الاحتمالات و كلّ فصل طرفان و وسط علي كلِ واحدٍ ملك موكل به فهذه اثناعشر و علي عقله و علمه و وهمه و وجوده الحسّي و خياله و فكره و حياته كل واحد ملك موكّل به فهذه تسعة‌عشر لانّ المشابهين لما في الدنيا مَنْ جري تدبير امورهم منهم علي مقتضي الفطرة التي فطر اللّه النّاس عليها لم‌يغيّرها اهلها كانوا لهم موكّلين بتدبير امورهم يوم القيمة في الجنة و مَن جري تدبير امورهم علي مقتضي الطبيعة المبدّلة التي نهي تعالي عنه في قوله لا تبديل لخلق اللّه فان النفي بمعني النهي و الطبيعة المغيّرة التي نهي تعالي عنه في قوله حكاية عن قول عدوّه ابليس فليغيرنّ خلق اللّه كانوا لاهل التبديل و التغيير موكلين بتدبير امورهم يوم القيمة في النار و هؤلاۤء هم الزبانية فالزبانيّة الكليّة زبانية العالم الكبير تسعة‌عشر و الزبانية الجزئيّة زبانية الانسان الواحد و هو العالم الصغير لكل واحدٍ من اهل النار زبانية تَخصّه غير زبانية الاخر هم سدنة الزبانية الكليّة و لكن تطبيق المصنف و مَن يقول كقوله ممن قبله او بعده مختلف لانهم جعلوا الزبانية في العالم الصغير الحواۤسّ الخمس الظاهرة و الحواس الخمس الباطنة فالاولي اللمس و الشم و الذوق و السمع و البصر و الثانية الحس المشترك و الخيال و الوهم و الحافظة و المتخيّلة و قوّة الشهوة التي فعلها جذب الملايمات و الميل اليها و قوّة الغضب التي فعلها دفع المنافرات و المكروهات و قوة الجاذبة الحارة اليابسة و القوة الهاضمة الحارة الرطبة و القوة الدافعة الباردة الرطبة و القوّة الماسكة الباردة اليابسة و القوة المغذّية و المولّدة و المُنَمّية و هذه التسعة‌عشر التي من الطبيعة الجسمانية و النفوس الحيوانية الحسيّة الفلكية آلٰاتُ الملاۤئكة الموكّلة بها لاثارة مقتضيات طبايعها الذين هم زبانية نار ذلك الشخص [ص 209] الطبيعيّة و هي جزئيّات لما في العالم الكبير فلاتنطبق علي ما ذكروه في العالم الكبير لان كثيرا من العلماۤء ذكروا ان النجوم السبعة منها زحل و هو نجم العقل يعني التعقل و العقل باب مغلق لايفتح لاهل النار فبقيت ستة انجم اذا اعتبرت الملاۤئكة الموكلون بها لانّهم قالوا ان تلك الملاۤئكة كالنفوس او نفوس و تلك النجوم اجسام لها او كالاجسام علي الاحتمالين و ملاۤئكة ستة اخري موكّلون بنفوس افلاكها او نفوسها و هي نفوس تلك النفوس و كالنفوس لتلك النفوس و المراد ان الملاۤئكة علي المذهب الحق غير ما وكّلوا به فهذه اثناعشر ملكا و اربعة ملاۤئكةٍ موكلون بالعناصر الاربعة و ثلاثة ملائكة موكلون بمعادن العالم الكبير و نباتاته و حيواناته فهذه تسعة‌عشر ملكاً هم المدبرون امراً في الدنيا لما في الاخرة فمن كان منهم جاريا في تدبيره علي الطبائع و الفطرة المغيّرة و المبدّلة بحسب مقتضياتها فهم زبانية النار الكليّة للكلية و الجزئيّة للجزئيّة و من كان جارياً في تدبيره علي مقتضي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها فهم سَدَنة الجنان و جنود رضوان .

و قوله « و كل منها يجرّ القلب عن اوج عالم القدس » صادر علي متعارف العوام من كونِ المراد من القلب هذا الذي هو عبارة عن الفهم و التمييز الذي هو مناط التكليف و هذا المذكور ليس من عالم القدس بالفعل و انما هو بالقوة لانه اذا عمل بطاعة خالقه سبحانه و اجتنب معاصيه كان ذلك القلب من عالم القدس و امّا قبل ذلك فليس من عالم القدس اذ لو كان من عالم القدس لماانجرّ من اوج عالمه المطهّر الي حضيض عالم السفل و الرجس اذ لو كان من عالم القدس لطهّر كل تلك القوي الي عالمه و لايقابله منها شيء لانه حينئذ جند الله و جند الله هم الغالبون و لكن هذه دقيقة تخفي علي المصنف و امثاله فانهم يطلقونه علي غير ما عُبِد به الرحمن و اكتسب به الجنان لانهم [ص 210] يرون انّ العقول ليس فيها قوّة استعداد بل كل ما فيها بالفعل و هذا شأن من لم‌يجر عليه الايجاد و ربّما اشتبه علي عارفيهم لِقول علي عليه السلام حين سئل عن العالم العلوي فقال عليه السلام صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت الحديث ، و ليس مراده عليه السلام ما ذهبوا اليه و انما مراده بعد قبولها ما اعطاها و قبولها عبارة عن القيام باوامر اللّه و اجتناب مناهيه لان المراد بكونها عالية عن المواد العنصريّة لا عن مطلق المادة اذ لايوجد مخلوق بل لايمكن ايجاد مخلوق لا مادة له سواۤء كان جوهرا ام عرضاً و الّا لماكان شيئا سبحان من ليس كمثله شيء و هو ٱلسَّميع ٱلبصير .

قال : و امّا الكلام في اصولها و سوابقها فاعلم ان مدبّرات الامور في برازخ عالم الظلمات و هي المشار اليها بقوله و السابقات سبقا فالمدبرات امرا فهي في باطن العالم الكبير الجسماني الارواح الملكوتية للكواكب السبعة و البروج الاثني‌عشرية فالمجموع تسعة‌عشر سرّا و جهاراً غيبا و شهادة و كذا في العالم الصغير الانسان هي رؤساۤء القوي المباشرة لتدبير البرازخ السفليّة و هي التسعة‌عشر المذكورة سبع منها مبادي الافعال النباتيّة و اثناعشر منها مبادي الافعال الحيوانية .

اقول اصول الزبانية الجزئيّة اي الّتي في الانسان الجزئي و هي الملاۤئكة الموكّلة بحواۤسّه الظاهرة و الباطنة و عناصره الاربعة الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و المغذّية و المربّية و المولّدة و قوة الشهوة و قوة الغضب متفرعة من الزبانية الكليّة اي في ٱلعالم الكبير بمعني انّها خلِقت من اشعّة الملاۤئكة الكليّة و الملاۤئكة الكليّة الّتي في النشأة الاولي اعني الدنيا هي الموكّلة بالكواكب الستّة الّتي هي ٱلمشتري و المريخ و الشمس و الزهرة و عطارد و القمر و الموكّلة بافلاكها السّتة و الموكّلة بالعناصر الاربعة و الموكّلة بالمواليد الثلاثة المعادن و النباتات و الحيوانات مَنْ كان مربِّياً للطباۤئع المغيّرة و المبدّلة منهم و هم جنود [ص 211] مالك خازن النيران و هم زبانية جهنم و هم الاصول للزبانية الجزئيّة لان الجزئيّة امثال الكليّة و صورها و من كان من الملاۤئكة الكليّة مربّياً في النشأة الاولي للفطرة الّتي فطر اللّه النّاس عليها فهم جند رضوان و سدنة الجنان و بالجملة المدبّرات امراً اصولهم ثلثمائة و ستون ملكا تسعون جنود جبرئل عليه السلام ثلاثون يعملون له في خلق العقول و ثلاثون يعملون له في خلق النفوس و ثلاثون يعملون له في خلق الاجسام و تسعون جنود ميكاۤئيل ثلاثون يعملون له في رزق العقول و ثلاثون يعملون له في رزق النفوس و ثلاثون يعملون له في رزق الاجسام و تسعون جنود عزراۤئيل ثلاثون يعملون له في موت العقول و ثلاثون يعملون له في موت النفوس و ثلاثون يعملون له في موت الاجسام و تسعون جنود اسرافيل ثلاثون يعملون له في حيوة العقول و ثلاثون يعملون له في حيوة النفوس و ثلاثون يعملون له في حيوة الاجسام و كل واحدٍ من هذه الثلثمائة و السّتين تحته من الملاۤئكة لٰايحصي عددهم الّا اللّه يخدمونه و يعينونه في الجهة الموكّل بها و ائمة الكلّ هذه الاربعة لانّهم موكّلون بالعالم كله غيبه و شهادته فجبرءيل عليه السلام موكّل بالخلق و هو ربع العالم و هو يستمد من النور الاحمر من اركان العرش و ميكاۤئيل عليه السلام موكّل بالرزق و هو ربع العالم و هو يستمد من النور الابيض من اركان العرش و عزراۤئيل عليه السلام موكّل بالموت و هو ربع العالم و هو يستمدّ من النور الاخضر من اركان العرش و اسرافيل عليه السلام موكّل بالحيوة و هو ربع العالم و هو يستمدّ من النّور الاصفر من اركان العرش و كل المذكورين من المتبوعين و التّابعين مدبّرون امراً بقولٍ مطلقٍ و التسعة‌عشر الملك الزبانية نوع خاۤصّ بملاۤئكةٍ يَدُعُّون المنافقين و الكافرين الي مراتبهم من جهنم دَعّاً و يدفعونهم الي النار دفعاً و فعلهم ذلك هو صورةُ تَدْبٖيرهم لدواعي طبايعهم [ص 212] المغيّرة المبدّلةِ المؤجّجة لنيران تعذيبهم و هذه الملاۤئكة في النشأة الاولي تجري فيما وُكِّلُوا به كجَريان الرّوح في الجسد و مُسْتَجِنّون في غيبه كاستجنان المعني في اللّفظ و في النشأة الاخري يظهرون في عالَم الشهادة لان وجود عالم الغيب في النشأة الاولي لعدم ظهوره في عالم الشهادة و في النشأة الاخري يحضر عالم الغيب فيكون الكل شهادةً لا غيب فيه .

و قوله « سبعة منها مبادي الافعال النباتية يعني ان سبعة من التسعة‌عشر تظهر تأثٖيرها بواسطة الافعال النباتية و هي افعال العناصر و ما تألّفَ منها من المعادن و النباتات و الحيوانات اذ المراد بالحيوانات الاجسام الحيوانية لا نفوسها لانّ نفوسَها من نفوس الافلاك و هي من مبادي الاَفْعال الحيَوانيّة فانّ ٱلنجوم الستّة الّتي ذكرناها من مبادي الافعال الحيوانية لان اشعتها هي الملطّفة للابخرة القلبيّة و هي المنضجة لها نضجاً معتدِلاً و هي الحاملة للنفوس المتعلّقة بتلك الابخرة بعد نضجها و اعتدالها في النضج فان اشراقات نفوس افلاكها علي تلك الابخرة القلبيّة انّما تقع عليها بواسطة اشعّة تلك الاجرام النيّرة و ان كانَتْ ايضا مبادي للافعال النباتية لتوقّف تنزل النفوس الحيوانية علي النفوس النباتيّة فتكون هذه الكواكب السّتة مبادي للافعال النباتيّة في التغذية و التربية و التوليد لكون النفوس النباتية مراكب للنفوس الحيوانية الّا ان هذه الكواكب السّتة ابواب لنفوس افلاكها فهي مظاهر الحيوة كالقمر و الفكر كعطارد و الخيال كالزهرة و الوجود الثاني كالشمس و الوهم كالمرّيخ و العلم كالمشتري فاذا كانت هذه الكواكب مظاهر النفوس الفلكيّة الحيوانية الحسيّة كانت احري بان يكون مبادي لافعالها نعم الاولي ان يقال سبعة منها مبادي لافعال النباتات و سابعها مشترك بين الحيوانات و النباتات و ستّة مبادي للافعال الحيوانيّة و هي نفوس الافلاك و ستّة منها مشتركة فهي مبادي [ص 213] للافعال النباتية و مبادي للافعال الحيوانيّة و هي النجوم الستة فافهم و الله سبحانه اعلم .

قال : فالانسان ما دام محبوساً بهذه المحابس الداخلة و الخارجة مسجوناً بسجن الطبيعة مأسوراً في ايدي هذه العُمّال الكليّة و الجزئيّة لايمكنه الصعود الي عالم الجِنان و منبع الرضوان و دار الحيوان فاذا لم‌يتخلص عن تأثيرها و تقييدها كانت حاله كما افصح عنه قوله تعالي خذوه فغلّوه ثم الجحيم صَلّوه الايات ، فاذا انتقل من هذا البدن بالموت فينتقل من السجن الي السّجّين فيؤدّيه المالك الي هذه الزبانية التي هي من اثار تلك المدبّرات فيعذّب بها في الاخرة كما يُعَذّب بها في الدنيا من حيث لايشعر لكثافة الحجب و غلظتها فاذا انكشف الغطاۤء اوْ رَقّ الحجاب يري شخصه مُعَذَّبا بايدي سَدَنةِ الجحيم و زبانية نار الحميم يجرّونه الي جهنم بسلاسلهم و اغلالهم .

اقول يريد ان الانسان ما دام محبوساً بهذه المحابس و هي جمع محبس بفتح الميم و الباۤء محلّ الحبس و يجوز بكسر الميم و فتح الباء ما يحبس به من سلسلةٍ و حبل و غيرهما و المراد بالمحْبِس بفتح الميم الطبيعة الماديّة العنصرية و ما يتركّب منها و بكسر الميم مُيُولها و مقتَضياتها و دواعيها و خُصوصاً متعلّقات هذه التسعة‌عشر و محاۤلّها التي هي مدبّرة لهٰا فانّها هي المؤجّجة للنيران من دواعي الطبيعة الماۤدّية و ميولاتها و شهواتها و هويها و ما اشتملت عليه و اقتضتْهُ او ترتّبَ عليها من الغلَظ و التثاقل و الكسَل و التَمطّٖي و كثافة حجب انّيّتها مأسوراً في ايدي هذه العُمّال المدبّرة المربّيَة لهذه الصفات الذميمة المنمّية لها القائمة بمقتضاها ٱلمتمّمة لما نقص من رذٰاۤئِلها و نقاۤئِصها و لوازمها الكلّيّة و الجزئيّة لايمكنه الصعود الَي عالم الجِنان لانّها في اعالي مراتب الامكان و ذلك لثِقَلِ تلك القيود الاليمة و غلظ [ص 214] حجب تلك الصفات الذّميمة و ظلمة تلك الطرق المعوجّة الغير المستقيمة لانّ فروع مظاهر الغضب و اثار السّخط مقابلة لمنبع الرضوان و معاكسة لِدَارِ الامان و دواعي الهلاك و البوار معاكسة لدار الحيوان التي لا موتَ في شيءٍ منها و لا مما فيها و اهل النار حقاۤئقهم ثقيلة و لهٰذا يعبّر عنهم بالحجَارة كما مرّ في حديث المنافق او اليهودي وَ لَوّحَ اَميرالمؤمنٖينَ عليه السَّلام بذٰلِكَ في اِشَارَاتِ كَلامه فقال تَخفَّفُوا تَلْحَقُوا فَاِنّما يُنْتَظَرُ باوّلِكمْ آخركم ه‍ ، فاذَا تخلّصَ مِنْ هذِه الدَّواعي و اطلق نفسه من هذه القيود و الصفات الذميمة رقي الي اعالي الجنان و منبع الرضوان و دار الحيوان و اذا لم‌يتخلّص من تأثيرها و تقييدها كانت حاله كما افصح عنه قوله تعالي خذوه فغُلّوه ثم الجحيم صلّوه ثم في سلسلةٍ ذرعها سبعون ذراعاً بذراع ابليس فاسلكوه و هذه الايات نزلت في ملكٍ جبّارٍ لان السّلسلة المشار اليها سبعون ملِكاً جبّاراً ثلاثون من ذرّيّة رجل واحدٍ و هذا الجبّار الّذي نزلت فيه هذه الايات منهم و اربعون من ذرّيّة رجل واحدٍ و السلسلة سبعون ذراعاً بذراع ابليس كل ذراعٍ طوله سبعة اشبارٍ و الملاۤئكة المأمورون بِاَخْذِهِ هُم الزّبانية فاذا انتقل هذا الرجل المسجون بهذه السجون المقيّد بهذه القيود الغليظة قبل ان يتخلّص منها ينتقل بالموت من سجن المعاصي و الاعمال القبيحة الي سجّين كتاب الفجار و هي سجن الجزاۤء فيتسَلّمُه مالك فيؤدّيه الي ايدي هذه الزبانية التسعة‌عشر الكلّية الّتي هي من اتباع تلك المدبرات الكلّية بل من ابدالهم لا من اثارهم نعم الزبانية الجزئيّة من آثارهم كما ان العالم الصغير من اثار العالم الكبير فتعذّبه الزبانية بتلك الصفات الذّميمة في الاخرة لانّ هذه الصفات الذّميمة كانت ثمرات تغيير الفطْرة و تبديلها المخالف لما ينبغي من الامور الملايمة الموافقة للنفس فان ثمرات المنافر للنّفس [ص 215] منافرة للنفس غير ملايمةٍ لها و انما هي ملايمة للتغيير و التبديل مثلاً الملايم للنفس الصحّة و الغني و الامن لانّه هو مقتضي الفطرة المستقيمة التي فطر اللّه الناس عليها و هي الموافقة لمحبّته و رضاه سبحانه و المرض و الفقر و الخوف ملايم للفطرة المغيّرة المبدّلة ففي الدنيا لمّا غيّر الفطرة و بدّلها وقع به المرض و الفقر و الخوف لانّه مقتضاها اي مقتضي الفطرة المغيّرة المبدّلة فتلايمها الصّفات الذميمة و لاجل تلبيس النفس و دعويها عدم التغيير و التبديل و خفاۤء الفطرة المستقيمة حتّي كأنها عند النفس هي المغيّرة فربّما غَفلَتْ عن التألّم بالمنافر لحصول ملايمته للمغيّرة و مخاتلة النّفس بانّها هي المستقيمة في بعض غفَلاتها فلاتكاد تحسّ بالتّألّم (ظ) و ربّما ذكرت فوجدت عملها غير ملايم للمستقيمة فتتألّم عند وجدانِها للمنافر و اما يوم القيمة فتظهر الفطرة المستقيمة و يتبيّن منافرة الاعمال لها و مخالفتها لرضي اللّه تعالي فيتألّم بذلك و ينظر لزوم تلك الصفات المذمومة و عدم الانفكاك منها فتشتدّ حسرته و هو معني قوله فيعذّب بها في الاخرة كما يعذّب بها في الدنيا من حيث لايشعر لكثافة الحجب و غلظتها و قد يشعر عند تذكّره فيشعر بها .

و قوله « فاذا انكشف الغطاۤء اوْ رَقّ الحجاب ، الخ » يعني اذا ماتَ المعبر عنه بكشف الغطاۤء اوْ رقّ الحجاب اي او ضعفت الموانع الطّبيعيّة او فاذا كشف الغطاۤء بان فتحت عين بصيرته اوْ رَقّ الحجاب باَنْ اَماتَ نفسه وَ اجتمع قلبه ظهرت له حقيقة الحال فرءا شخصه معذّباً بايدي سدنة ٱلجحيم و زبانية ٱلحميم و السَّدنة جمع سادن و هو الخادم مثل كفرة جمع كافر في الدارين علي ٱلاحتمالين يعني ان مات او امات نفسه او فُتِحت عين بصيرته رأي نفسه معذّباً بايدي خَدَمة الجحٖيم و زبانية الحميم عطف تفسيري يجرّونه الي جَهنم [ص 216] بسلاسلهم و هي ميولات طبيعته و شهواته و هوي نفسه و اغلالهم بصحف اعماله و ملكات انِّيّته وَ عَود صور اعماله الي مراكزها من النيران .

قال : قاعدة في الاعراف و اهله ، قال تعالي و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسٖيميٰهم قيل هو سور بين الجنة و النار باطنه فيه الرحمة و هو ما يلي منه الجنة و ظاهره من قبله العذاب و هو ما يلي منه النار يكون عليه من تساوت كفّتا ميزانِ حسناته و سيّئاتِه فهم ينظرون بعينٍ الي النار و بعينٍ اخري الي الجنّة و ما لهم رجحان بما يدخلهم الله في احدي الدارَيْن هذا ما قيل و عندي ان الاعراف غير السور الواقع بين الجنّة و النار و الذي ذكروه انما يصح و يليق في تفسير قوله تعالي فضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و امّا الاعراف فاصله مأخوذ من العرفان كما قال يعرفون كلّا بسيميٰهم و اِمّا مِن عُرفِ الفرس فهو شعر عنقه و هو الموضع المرتفع منه و العرفة ايضا الرمل المرتفع كناية عن ارتفاع مكانهم و علوّ ذاتهم .

اقول الاعراف قيل هو سور بين الجنّة و النار مستعار من عُرْفِ الفرس و قيل العرف ما ارتفع من الشّيْء فانه يكون بظهوره اعرف من غيره و في تفسير علي ابن ابراهيم عن الصادق عليه السلام الاعراف كثبان بين الجنة و النار و في الكافي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في هذه الاية نحن الاعراف نعرف انصارنا بسيميٰهم و نحن الاعراف الَّذٖين لايعرف الله عز و جل الّا بسبيل معرفتنا و نحن الاعراف يُوقِفنا اللّه عز و جل يوم القيمة علي الصراط فلايدخل الجنّة الّا من عرَفَنا و عرفناهُ و لايدخل النار الّا من انكرنا و انكرناه و في البصاۤئر : و الاعراف صراط بين الجنّة و النار و قيل الاعراف سور بين الجنّة و النار باطنه فيه الرحمة و هو ما يلي منه الجنّة و ظاهره من قبله [ص 217] العذاب و هو ما يلي منه النار يكون عليه مَن تساوت كفّتا ميزانِ حسناتِه و سيّئاته و هم المرجون لامر الله امّا يعذبهم و امّا يتوب عليهم و يريد هذا القاۤئل بقوله فهم ينظرون بعينٍ الي النار و هي عين اليأس لكثرة السّيّئات و بعينٍ اخري الي الجنّة و هي عين الرجاۤء لكرم الكريم و هؤلاۤء ان وقع منهم هذا النظر الثاني نظراً الي اعمالهم الحسنة هلكوا و ان كان نظراً الي كرم الكريم سبحانه بل و لو الي غناه و صدق وعده انّه لايضيع عمل عاملٍ و لم‌يتوعد هكذا في طرف السيئات نجوا و قول القائل و ما لهم رجحان بما يدخلهم الله في احدي الدارين لتقاوم النظرين في انفسهم نظر الخوف و نظر الرجاۤء فالمستفاد من الادلّة ان هؤلاۤء يأول امرهم الي النجاة لما قلنا من رجحان جانب الفضل علي جانب العدل و لقد روي ما بعض معناه ان الله سبحانه يوقف رجلاً يوم القيمة فيقول له الم‌اءمُرْك الم‌انهك فيقول بلي يا رب فيقول تعالي فلم عصيتني فيقول يا ربّ غلبت عليّ شقوتي فيقول تعالي يا ملاۤئكتي مروا به الي النار فتأخذه ملاۤئكة النار فيقول و عزتك و جلالك ماكان هذا ظني بك فيقول للملاۤئكة قفوا به فيقول له ما كان ظنك بي فيقول ظني بك ان تعفوَ عني فيقول تعالي يا ملائكتي و عزّتي و جلالي ماكان ذلك ظنّه بي و لو كان ذلك ظنه بي في دار الدنيا لَمارَوَّعْتُه بالنار و لكن اَجيزُوا له كذِبَهُ و ادخلوه الجنّة ه‍ ، و ذلك لانّ الخوف من السيّئات مقوٍّ لمقتضي الرجاۤء ما لم‌يكن قنوطاً من رحمة الله و اعلم ان بعضهم ذكر معني اخر ● للاعراف و هو ان الاعراف مقام لبعض اهل الجنة و هو ان من عرف الله ( عز و جل خ ) في دار الدنيا بالعلم و العمل اذا ورد علي مقام التعارف بين الله و بينه و مثاله رجل قدم بلدا و في تلك البلد شخص بينهما ( تعارف قبل وروده البلد فانه يقدم علي صاحبه في بيته خ ) [ص 218] ( فمن خ‌ل ) عرف الله عز و جل بالمعرفة الظاهرة التي هي العلم بما وصف به نفسه لعباده و بالمعرفة الباطنة التي هي الاخلاص في العمل و الطاعة اذا قدم الجنة كان له قدم صدق عند ربه و هو الاعراف و مقام الكثيب في الجنة انزل من مقام الاعراف فانه لمن قدم الجنة قاصرا عن رتبة الاول فانه كالقادم علي بلد ماكان عارفا باحد من اهلها فانه اول قدومه غريب حتي يعرف ( يتعرف خ‌ل ) باحد منها و هذا مقام اهل الكثيب فتحصل من جميع ما اشرنا اليه ان الاعراف له اطلاقات احدها يراد منه موقف علي الصراط لمن لم‌يتميز لهم حاله ( حالهم خ‌ل ) حتي يعرف حالهم فيلحقون باهل الجنة او باهل النار و ثانيها يراد منه موقف يعرف فيه اهل الجنة و اهل النار و بسيماهم ( النار بسيماهم خ ) باعمالهم او بمرورهم علي الصراط و عبورهم الي الجنة و عدمه و ثالثها يراد منه موقف المميزين للفريقين علي الصراط بين اهل الجنة و النار للتميز ( للتمييز خ ) بينهم و رابعها يراد منه موقف ضعفاء الناجين الذين لم‌يسبقوا و كان يظن بهم انهم من الهالكين ثم يؤمر لهم بدخول الجنة و خامسها يراد منه مقام في الجنة دون مقام الرضوان كما سمعت مما نقلناه عن بعضهم و سادسها يراد منه المميزون لاهل الجنة و اهل النار و في الظاهر هم الانبياء و المرسلون و الملئكة و الشهداء و الصالحون و في الحقيقة هذا المسمي هنا بالاعراف هم الرجال و هم محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و التسعة الاطهار من ذرية الحسين صلي الله عليه و علي اهل بيته الطاهرين ( صلي الله علي محمد و اهل بيته الطيبين خ ) .

و قوله « و عندي ان الاعراف غير السور الواقع بين الجنة و النار ، الخ » يريد ان ماذ كره هذا القائل من ان الاعراف هو السور الواقع بين الجنة و النار غير لايق لانه تعالي ذكر الاعراف و ذكر بعده ما يشير الي المراد منه و ذكر [ص 219] السور و وصفه بما لايلائم وصف الاعراف و هذا يدل علي مغايرته له و القائل فسر الاعراف بما وصف الله به السور فان الله سبحانه قال في السور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و رسول الله (ص) اشار الي بيانه في جوامع كلمه فقال انا مدينة العلم و علي بابها و في رواية اخري انا مدينة الحكمة و علي بابها فمن اراد الحكمة فليأتها من بابها و ورد تفسير السور بعلي بن ابيطالب (ع) و باطنه حبه و ولايته و ظاهره بغضه و عداوته فاشار (ص) الي ذلك بقوله حب علي حسنة لاتضر معها سيئة و بغض علي سيئة لاتنفع معها حسنة ه‍ ، و ان عليا (ع) ايضا هو الرائد لمحبيه ( لمحبته خ‌ل ) اي رائدهم الي الجنة و هو الذائد لاعدائه يذودهم عن الجنة الي النار و هذه و امثالها تصح و تليق ببيان السور لانه (ع) هو الحايط بين الجنة و النار و اين هذه المعاني من معني الاعراف فان الاعراف من جهة مفهومه يليق به انه مأخوذ من المعرفة او من عرف الدابة و هو الشعر الذي ينبت علي اعلي عنق الدابة او من العرفة بضم العين و هو الرمل المرتفع او من اعراف الرياح و هو اعاليها و كني به في اهل الاعراف عن ارتفاع مكانهم و علو ذاتهم اذا اريد بهم العارفون او الذين يعرفون كلا بسيماهم و اذا اريد بهم من تساوت حسناتهم و سيئاتهم او المقصرون من الناجين فلان حالهم المشتبه يتبين فيه و يظهر كما يظهر الشيء العالي .

قال : و اهل الاعراف هم الكاملون في العلم و ( او خ‌ل ) المعرفة الذين يعرفون كل طائفة من الناس بسيماهم و يرون بنور بصيرتهم الباطنة اهل الجنة و اهل النار و احوالهما كما قال النبي (ص) اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، لكنهم يعد في هذا العالم من حيث ابدانهم كما قيل ابدانهم في العالم الاسفل و قلوبهم معلقة كالقناديل بالملأ الاعلي فهم بالاجساد ارضيون و بالقلوب [ص 220] سماويون اشباحهم فرشية و ارواحهم عرشية و لم‌يموتوا بالموت الطبيعي حتي يدخلوا الجنة بدنا كما دخلوها روحا كما قال لم‌يدخلوها و هم يطمعون رجاء رحمة ( لرحمة خ‌ل ) الله و اذا خرجوا عن الدنيا كان طمعهم عين الوصول و قوتهم عين الفعلية و الحصول و اما قبل ذلك فحالهم كحال برزخي بين احوال اهل الجنة و اهل النار لان قلوبهم منعمة في نعيم الجنان من الايمان و العرفان و ابدانهم معذبة بعذاب الدنيا و موذياتها ( معذباتها خ‌ل ) فهم كما قال تعالي و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين .

اقول اخذ يصف اهل الاعراف و قد سمعت ان الاعراف له اطلاقات و الذي ذكرهم صنف من اهل الاعراف و عني بهم اهل الاعراف في التأويل و المراد من اهل الاعراف من يذكرون في التأويل و في الباطن و في الظاهر علي ما يقتضيه ( تقتضيه خ ) مقامات الاطلاقات و المناسب لمثل كتابه ذكر الكل لا خصوص البعض فقال « و اهل الاعراف هم الكاملون في العلم » الذي هو البصيرة في الدين و في المعرفة بالله و صفاته و اسمائه و افعاله و عبادته و بانبيائه و رسله و اوصيائهم و باحوال الدنيا و الاخرة و هو العلم المسمي بعلم اليقين و التقوي الذي هو الحكمة العلمية اعني علم الاخلاق لان من عرف ذلك عرف كل احد بسيماه او هم الكاملون في ذلك و في العمل بالنوافل و المواظبة عليها و التقرب الي الله تعالي بها و المراد بالنوافل هي كل ما يحبه الله من صلوة او دعاء او عمل او قول فان الله سبحانه يقول في ذلك مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده الذي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته الخ ، فان مثل هذا هو الكامل في الايمان [ص 221] الذي عناه ( الذين هم عناهم خ ) الله تعالي ( سبحانه خ‌ل ) بقوله و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون ، و عناهم امامهم و سيدهم اميرالمؤمنين (ع) بقوله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ه‍ ، و هم الذين عناهم بقوله تعالي ان في ذلك لايات للمتوسمين اي المتفرسين اصحاب الفراسة يعرفون كل طائفة بسيماهم فان يقين المؤمن يري في عمله و يقين الكافر و المنافق يري في فعله و هؤلاء الكاملون يرون بنور بصيرتهم الباطنة اهل الجنة و اهل النار و احوالهما في الاخرة بل و في الدنيا لان اختصاص رؤية الاحوال في الاخرة يوجب عدم توقف الرؤية علي الكمال فان الاحوال تبرز يوم القيمة لساير اهل الجمع و اما المتوقف علي الكمال في العلم و العمل فهي رؤية الاحوال في الدنيا و في الاخرة .

و قوله في وصف الكاملين « لكنهم يعد في هذا العالم من حيث ابدانهم كما قيل ابدانهم في العالم الاسفل » لما بقي فيها من الاعراض البشرية « و قلوبهم معلقة كالقناديل » لتجردها من رذائل الطبيعة الجسمانية و شدة نوريتها تضيء لاهل السماء و اهل الارض و هي بالملأ الاعلي اي مع الملأ الاعلي فالباء بمعني مع لا انها صلة ( صفة خ‌ل ) لمتعلقه ( لمعلقه خ‌ل . لمعلقة خ ) كما فهمه المصنف لان الحديث المروي عن اميرالمؤمنين (ع) الذي اقتبس منه فيه : صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلي ، و في بعض النقل بالملأ الاعلي ، فتكون الباء في هذا النقل بمعني مع كما قلنا .

و كذا قوله « فهم بالاجساد ارضيون » لما لحق اجسادهم من الاعراض العنصرية « و بالقلوب سماويون » لعدم ارتباطها بشيء من احوال الدنيا و زينتها و زبرجها و زخرفها « اشباحهم فرشية » المراد من الاشباح هنا الاجساد من باب تسمية المحل باسم الحال و فرشية يعني ارضية من قوله تعالي و الارض فرشناها فنعم الماهدون ذكرها لاجل السجع [ص 222] « و ارواحهم عرشية » كالمعني الاول « و لم‌يموتوا بالموت الطبيعي » يعني قتل النفس بالرياضات و الاداب الشرعية « حتي يدخلوا الجنة بدنا » اي بابدانهم الجسمية المحسوسة في الاخرة « كما دخلوها روحا » اي كما دخلوا الجنة في الدنيا بارواحهم لانهم دائما في الدنيا متنعمون بقلوبهم و ارواحهم بنعيم الايمان و المعرفة راتعون في رياض الحكمة .

فقال المصنف استدلالا بالاية « لم‌يدخلوها و هم يطمعون رجاء لرحمة الله » يعني انهم الان لم‌يدخلوها و لكنهم يطمعون ان يدخلوها برحمة الله « و اذا خرجوا من الدنيا كان طمعهم عين الوصول » لان طمعهم كان ناشيا عن قيامهم باوامر الله و اجتنابهم عن نواهيه التي وعد عباده الصالحين مع القيام بها بالجنة و لن‌يخلف الله وعده و لكنهم علموا بان القيام باوامره و اجتناب نواهيه نعم من الله سبحانه يجب شكرها علي من وفقه لذلك فلايستحق علي شيء من اعماله دخول الجنة و لكن للثقة بوعده تعالي يطمعون ان يدخلوا الجنة بفضله و برحمته فلما قال (ص) و من مات فقد قامت قيامته ، كان بناء علي هذا طمعهم عين الوصول « و قوتهم عين الفعلية و الحصول » لان ما بقوتهم من دخول الجنة عين ما هو بالفعل لانهم منذ فارقت ارواحهم اجسادهم دخلت ارواحهم جنة الدنيا التي هي جنة الاخرة اذا صفيت كما تقدم من ذكر الاستشهاد علي ذلك بقوله تعالي جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا فان التي فيها بكرة و عشي جنة الدنيا و اشار اليها بانها هي جنة الاخرة بقوله التي نورث من عبادنا من كان تقيا « و اما قبل ذلك » يعني في الدنيا « فحالهم كحال برزخي » ليسوا في ذلك كحال اهل الجنة في كل حال متنعمين و لا كحال اهل النار في كل حال معذبين بل حال « بين احوال اهل الجنة و احوال اهل النار » [ص 223] و ذلك لان قلوبهم في الدنيا متنعمة بنعم ( منعمة بنعيم خ ) الجنان من طعم الايمان و ذوق العرفان و ابدانهم متألمة معذبة بعذاب محن الدنيا و الامتحان و مكاره الدهر او ( و خ‌ل ) الزمان فاذا جرت عليهم بلايا الدهر الخوان ذكروا محن الاخرة الجارية علي اهل ( علم اصحاب خ‌ل . علي اصحاب خ ) النيران فاستعاذوا بالله الكريم المنان من عذاب دار الهوان ( الهيوان خ‌ل ) « كما قال تعالي و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين » فاذا اعتبرنا في اصحاب الاعراف الكمال لانا نريد بهم من يعرفون كلا بسيماهم تعين علينا ان نريد بهم محمدا و اهل بيته الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين لان الامر اليهم في تمييز الخلايق و رجوعهم اليهم في الحساب و اليهم من جميع الخلق المٰاب .

و مما يدل علي بعض ما اشرنا اليه و زيادة مما لم‌نذكره اعتمادا علي ما هو وارد فيما نذكره عنهم فمنه ما ورد في تفسير قوله تعالي و بينهما حجاب و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم رواه الشيخ ابوجعفر الطوسي عن رجاله عن ابي‌عبدالله (ع) و قد سئل عن قول الله عز و جل و بينهما حجاب فقال سور بين الجنة و النار قائم عليه محمد و علي و الحسن و الحسين و فاطمة و خديجة عليهم السلام فينادون اين محبونا و شيعتنا فيقبلون اليهم فيعرفونهم باسمائهم و اسماء آبائهم و ذلك قوله يعرفون كلا بسيماهم فيأخذون بايديهم و يجوزون بهم علي الصراط و يدخلونهم الجنة الخ ، و حديث الجوامع و نادوا يعني و نادي اصحاب الاعراف اريد بهم من كان مع الائمة (ع) علي الاعراف من مذنبي شيعتهم الذين استوت حسناتهم و سيئاتهم اصحاب الجنة ان سلام عليكم اي اذا نظروا اليهم سلموا عليهم الخ ، و في تفسير العياشي عن كرام قال سمعت اباعبدالله (ع) يقول اذا كان يوم القيمة اقبل سبع قباب من نور يواقيت خضر و بيض في كل قبة امام دهره ( امام و هو خ ) قد احف به اهل دهره برها و فاجرها حتي تغيب عن باب [ص 224] الجنة فيطلع اولها قبة اطلاعه ( اطلاعة خ‌ل ) فيميز اهل ولايته ( ولاية خ‌ل ) من عدوه ثم يقبل علي عدوه فيقول انتم الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم اليوم لاصحابه فتسود وجوه الظالمين فتصير اصحابه الي الجنة و هم يقولون ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين فاذا نظر اهل القبة الثانية الي قلة من يدخل الجنة و كثرة من يدخل النار خافوا ان لايدخلوها و ذلك قوله لم‌يدخلوها و هم يطمعون و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا نعوذ بالله ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين اي في النار و في مجمع البيان ان في قرائة الصادق (ع) قالوا ربنا عائذا بك ان لاتجعلنا مع القوم الظالمين و نادي اصحاب الاعراف اي الائمة (ع) رجالا يعرفونهم بسيماهم من رؤساء الكفار و المنافقين مااغني عنكم جمعكم اي كثرتكم و جموعكم او جمع المال و ما كنتم تستكبرون عن الامام الحق اهؤلاء يعني ضعفاء الشيعة الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمته ( برحمة . خ‌ل ) اي اهؤلاء الذين تستحقرونهم في الدنيا و تحلفون ان الله لايدخلهم الجنة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم و لا انتم تحزنون ، و بالجملة امثال هذا مما يدل علي ان المراد من اصحاب الاعراف الذين يعرفون كلا بسيماهم محمد و اهل بيته الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين كثير و انهم الاعراف كما تقدم .