و امّا انّ رحمته وسعت كلّ شيء فحقّ و لكنها تسع كل شيء بقسميها الفَضْل و العدل فتسع المؤمنين بقسم الفضل الذي هو الرحمة المكتوبة فساكتبها للذين يتّقون و تسع المنافقين و المشركين بقسم العدل علي انّها لو اريد منها معني ما ارادوا لماتألَّم اَحدٌ لا في الدنيا و لا في الاخرة و لمااصاب احداً من الخلق شيء من المكاره لان المكاره بجميع انواعها من فيح النار كما اشرنا اليه سابقاً ، و قولهم انّ تألّم اهل النّار عند دخولها انما هو لدليل خاۤص غلط فان الدليل الداۤل علي التألّم اوّلاً داۤلّ علي التألم آخراً بل جميع الادلّة من الكتاب و السّنّة و العقل داۤلّة بصريحها [ص 176] عَلَي دوام التّألّم و استمرار اشتدادِهٖ علي ممرّ الدّهور .

و اَمّا انّ الشيء لايحرق نفسه فاَوّلاً اهل النّار ليسوا بعضاً منها و ان كانَتْ صورهم من صبغ جهنّم كما انّ الانسان خلق من التراب ( الارض خ ) و ليس بعضاً من الارض مع انّ الاَرْض تبليه فكما اَنّ الاَرْض تأكلُ مَن خُلِقَ منها كذلك النّار تأكل اهلها و ان كانوا مخلوقين منها و لو كان الامر كما توهموه لَمااحرقتهم اوّل دخولهم .

و قوله « خالداً فيها ما دامت السموات و الارض الّا ما شاۤء ربّك ان ربّك فعّال لما يريد » يشير الي ما ذكر الله تعالي و في الاية توهّمان الاوّل قد توهّم قوم ان السموات و الارض تبدّل و تغيّر و تكشط فما معني ذكرها لاهل الجنّة و النّار في تعليق دوامهما علي دوامها و الثاني فتوهّم انّ الاستثناۤء ينافي الدَّوام و الجواب انّ السموات و الارض انّما يبدّلانِ تبدّل تصفيةٍ كما تبدّل اجساد المكلّفٖين بالكسر و التصفية من غير انْ ينقص منها شيء او يبدّل شيء منها بشيء آخر بل هي بعينها تعود و كذلك السموات و الارض لقوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ و قد ثبت بالادلّة القطعية عقلا و نقلا ان اجساد اهل الدنيا هي بعينها اجساد اهل الاخرة لانها بنفسها تعاد لا بصورها كما توهّمه المصنّف و لا ببدلها و انّما تعاد عين مواۤدّها بنفسها من غير تبديل في نفس الماۤدة وَ اِنْ تغيّرت الصُّوَر عند كسرها و تصفيتها و صوغها فكذلك السَّموٰات و الاَرْض و الجَواب عَنِ الثاني ان الاستثناۤء قيل فيه انّه جار علي جهة التّعليم للعباد بان لايقولوا الّا مع الاستثناۤء كما قال سبحانه لنبيّه و لاتقولنَّ لشيءٍ انّي فاعل ذلك غداً الّا ان يشاۤء اللّه ، و قيل انه تأديبٌ للعباد و الفرق بينه و بين الاول انّ هذا محض تأديبٍ ليتأدّبوا و الاوّل ارشاد لهم ليتم لهم مرادهم و قيل بل هو تعليق الخلود و الدوام علي مشيّة اللّه عز و جل لانه سبحانه لو شاۤء افني الجنّة و النار وَ مَنْ فيهما و قيل انّ الجَنةَ منذ خُلِقَتْ [ص 177] لم‌تَخْلُ من ارواح المؤمنين و لم‌تخرج روح من الجنّة الّا عند معصيتها فانّها حال المَعصية خارجة من الجنّة داخلة في النار حتي تتوب فتخرج من النّار و تدخل الجنّة و كذا النار فاستثني حال معصية اهل الجنة و حال طاعة اهل النّار و قيل الاستثناۤء لحالهم في الدنيا فان المؤمنين في الدنيا لم‌يكونوا في الجنة و المنافقين في الدنيا لم‌يكونوا في النار و قيل ان الجنّة في الحقيقة هي الطاعة في الدنيا و النعيم في الاخرة و النار هي المعصية في الدنيا و العذاب في الاخرة و قيل المراد بالجنة في الاية جنّة الدنيا و النار فيها نار الدنيا و الذي افهمه من اثار اهل العصمة عليهم السلام ان الثلاثة الاُوَل كلها مرادة في الاية و الثلاثة التي تليها مرادة من الاية و مـٔال معناها واحد و السابع مراد ظاهره في البرزخ و باطنه في الاخرة فلاحظ .

قال : قال بعض اهل الكشف اعلم عصمنا اللّه و ايّاك ان النار من اعظم المخلوقات و هي سجن الله في الاخرة و سُمِّيَتْ جهنّم لبُعد قعرها يقال بئر جهنامٌ اذا كانت بعيدة القعر و هي تحوي الحرور و الزمهرير ففيها الحرّ علي اقصي درجاته و البرد علي اقصي درجاته و بين اعلاها و اسفلها مسافة خمسٍ و سبعين‌مائةً من السنين و هي دارٌ حرورها هواۤء محرق لا جمر لها سوي بني ادم و الاحجار المتخذة الهة و الجِنُّ لهَبُها كما قال تعالي وقودها الناس و الحجارة و قوله فكبكبوا فيها هم و الغاون و جنود ابليس اجمعون و من اعجبِ ما رُوِي عن النبي صلّي اللّه عليه و اله انه كان قاعداً مع اصحابه في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا فقال صلي الله عليه و اله اتعرفون ما هذه الهدّة قالوا اللّه و رسوله اعلم قال (ص) حجر القي من اعلي جهنم منذ سبعين سنة الأن وصل الي قعرها و سقوطه فيها هذه الهَدَّة فمافرغ من كلامه الّا و الصراخ في دار منافقٍ من المنافقين قد مات و كان عمره سبعين سنة فقال رسول الله صلي الله عليه و اله اللّه اكبر فعلمت الصحابة ان هذا الحجر هو ذاك [ص 178] و انه مذ خلقه الله يهوي في جهنم فلما ماتَ حَصَل في قعرها قال تعالي ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار فانظر ما اعجب كلام الله و ما احسن تعريف النبي صلي الله عليه و اله لاصحابه .

اقول هو كما قال ان النار من اعظم المخلوقات و لكن ليست اعظم المخلوقات لانّها خلقت من غضبه استجير باللّه من غضب اللّهِ و غضب الله اعظم من النار و ان جهنم لاتزال خاۤئفة وجلةً من غضب اللّه و رحمته تعالي اعظم من غضبه كما قال تعالي عذابي اصيب به مَن اشاۤء و رحمتي وسعت كل شيء ، و قال تعالي سبقت رحمتي غضبي نعم النّار من المخلوقات العظيمة فاعظم في كلام المصنف صفة مضافة الي موصوفها و النار استجير باللّه منها لها سبعة ابْواب كل بابٍ يسمّي باسم مخصوص كما تقدم من ان الله سبحانه جعلها سبع درجات اعلاها الجحيم يقوم اهلها علي الصفا منها تغلي ادمغتهم فيها كغلي القدور بما فيها و الثانية لظي نزاعة للشوي تدعو من ادبر و تولّي و جمع فاوعي و الثالثة سقر لاتبقي و لاتذر لواحة للبشر عليها تسعة‌عشر و الرابعة الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كأنه جمالات صفر تدقّ من صار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلّما صاروا مثل الكحل عادوا و الخامسة الهاوية فيها ملوك يدعون يا مالك اَغِثنا فاذا اغاثهم جعل لهم انية من صفر من نارٍ فيه صديد ما يسيل من جلودهم كأنه مُهْل فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها و هو قول الله تعالي و ان يستغيثوا يغاثوا بماۤء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب و ساۤءت مرتفقا و مَنْ هوي فيها هوي سبعين عاماً في النار كلّما احترق جلده بُدِّل جلداً غيره و السادسة هي السعير فيها ثلثمائة سرادق من نار في كل سرادق ثلثمائة قصرٍ من نار في كل قصر ثلثمائة بيت من نار في كل بيْت ثلثمائة لونٍ من عذاب [ص 179] النار فيها حيّات من نار و عقارب من نار و جوامع من نارٍ و سلاسل من نار و اغلال من نار و هو قول الله انا اعتدنا للكافرين سلاسل و اغلالاً و سعيرا ، و السابعة جهنم و فيها الفلق و هو جُبٌّ في جهنم اذا فتح اسعر النار سعراً و هو اشد النار عذابا و امّا صعود فهو جبل من صفر من نارٍ وسط جهنم و اما اثام فهو وادٍ من صفرٍ مُذَابٍ يجري حول الجبل فهو اشدّ النار عذاباً ه‍ ، و قد تقدم من تفسير القمي و انما اعدت ذكره لما فيه من الموعظة لمن كان حيّاً فجهنم اعظم الابواب السبعة و اسفلها و اشدّها و اَوْلَاها باهلها و ابعدها قعراً و انما سمّيت جهنم بهذا الاسم لشدة عمقها و بعد قعرها و في اللغة يقال بئر جهنام اذا كانت بعيدة القعر .

و قوله « و هي تحوي الحرور و الزمهرير » يعني انّ النار اجارنا اللّه منها تجمع جميع المكاره و من جملتها المكاره المتقابلة المتضاۤدّة كالحرارة و البرودة في اخر مراتبها الممكنة فتحرق بحرارتها الناريّة و الزّمهريريّة و ضابط العبارة عن مراتب مكارهِها انّ كلّ شيء مكروهٍ في الدنيا اذا اشتدّ وَ تَناهَي بحيث يكون قاتلاً في الدنيا كالحرارة و البرودة و المرارة و الملوحة و الضيق و الخوف و الهم و الغم و الوحشة و الفراق و الجوع و العطش و الفقر و ٱلخزي و النّدامة وَ اَمْثَالِ ذٰلِكَ من المكروهات اذا تناهَي و ضُوعِفَ اشتدادُه القاتِلُ اَرْبَعةٰ‌الٰافِ مَرّةٍ و تسعمائة مرّة كانت شدّتُهُ مُسَاويةً لما يماثله في النار و قس علي هذه ٱلنّسبة جميع مكاره الاخرة الي امثالها من مكاره الدنيا و قول المصنّف ففيها ٱلحر علي اقصي دَرجَاته و البرد علي اقصي درجاته ، يصدق علي ما اشرنا اليه في الجملة و امّا التقدير الّذي ذكرناه فشيء لٰايعرفونه و اِنْ مرّوا عليه في احاديث اهل البيت عليهم السلام .

و قوله « و بين اعلاها و اسفلها مسافة خمسٍ و سبعين‌مائةً من السنين » يدلّ علي [ص 180] انّ عمقها الاعظمَ هذه المَسافةُ و هذا و مثله لايعلم الّا من الاحاديث و انا الي الأن ماوَقَفْتُ علي ما يَدُلّ عَلَي هذَا الخصوص وَ لَاانكِرُ مٰا لااعلم و لكن المستفاد من الخبر المذكور بعد هذا الكلام مع ما ذكره انّ عمقها يتقدر بقدر مبلغ الهاوي فيها بحركة اعماله لا بقدر عمره كما هو ظاهر الخبر المذكور اذ لو عملنا بظاهره لزم انْ تكون رتبة ذلك اليهودي و دَرَكه من النار لايبلغها مَن نقص عمره عن السبعين السنة و ان كان اعظم جُرماً و اشدّ معصيةً منه و هذا مخالف للواقع فان بعض المنافقين مَن دلّت الاخبار المتّفقُ علي صحّتها و صحةِ معناها علي اَنّ لَهُ دركاً في جهنّم لم‌يكن فيها درك ابعد منه مع ان عمره لم‌يبلغ السبعين و لكنه تكلّف المعاصي بما لاتقتضيه طبيعته كما اشار تعالي اليه في قوله في حقّه انه كان ظلوماً جهولاً و اليهودي المذكور في الحديث الاتي جري في معاصيه علي مقتضي طبيعته فساوَي سيرُه عمرَه كما يساوي هويّ الصخرة ثقلها فانّك اذا القيتَ صخرتين كبيرة و صغيرة من اعلي المنارة وصلت الكبيرة الارض قبل الصغيرة لانّ سيرهما في النزول بمقتضي طبيعتهما و لو انّك القيتهما معاً دفعةً الّا انّك دفعتَ الصغيرة بيدك بقوتك و الكبيرة وقعت بغير دفعٍ وصلت الصّغيرةُ الارضَ قبل الكبيرة لان الكبيرة نزلت بطبعها و الصغيرة نزلت بتكلّفٍ من دفع يدك مع ثقلها فمن نظر بفؤاده بدليل الحكمة فهم من حديث الهدّة حديث اليهودي و حديث المنافق الظلوم الجهول ان عمق النار قدر سير الواقع بمعاصيه و اعماله السيئة فيها فكلّ واحد من اهلها بلغ قعرها في حقّه و لاتقدّر في نفس الامر بسبعين عاماً و لا بخمس و سبعين‌مائة سنةٍ علي انّ اهلها يتضاعف عذابهم علي ممرّ الدهور فيتغيّر قعرها لكل واحدٍ منهم في كل وقت و ليْس لهذا الامتدادِ انقطاع ابداً و كذلك حكم الجنّة مع اهلها في نعيمهم فهنيۤئاً لاصحاب النَّعيم و سحقاً لاصحاب السعير .

[ص 181] و قوله « و هي دار حرورها هواۤء محرق لا جمر لها » يريد به بيان حقيقة ذاتِها اَنَّها هواۤء محرق كالسَّمُوم و السَّمُوم انّما صار حارّا لِاَنَّهُ هواۤء مرَّ علَي اَوْدِيَةِ النَّارِ فَكَانَ حَاۤرّاً و الّا فهُوَ الهواۤء الذي اذا مر علي الزمهرير كَانَ بَارِداً وَ انّما هي عنصر برأسه خلقه ٱللّه من غَضَبه كما اَنَّ النَّار العنصريّة خلقَها من حَرَكةِ فعْلِهٖ و ايجاده و النار المذكورة نستجير بالله منها علي انواع مختلفة منها نار لاتنطفئ ابداً لانها تأكل من نفسها فبعضها يأكل بعضا فيظهر جزءٌ فيشتعل في الجزءِ الذي قبله و هذا الٰاكِل يأكله غيرُه و هكذا فاذا التقي الجزءان طلب كل واحدٍ منهما اكْلَ الٰاخر فيأكل القوي الضعيف و الثاني الاول و هذه شدّة لايوصف و حدّة لاتكيّف و جمرها الذي يشتعل منه فيه الناس العاصون للّه و الحجارة و المراد بالحجارة التي توقد بها حجارة الكبريت لانّها نار جامدة اذا مسّتها النار ذابت ناراً و ايضا المراد بها قلوب المنافقين و الكفار و المشركين فان حقيقتها حجارة من نارٍ تصلّبَتْ بطبخ حرارة النار و رطوبة الحميم و قد اشَار الي معني ما قلنا قوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارةِ اَوْ اَشَدُّ قسوة بلحاظ ما ذكرنا سابقا اشارة الي ما ذكره بعض العلماۤء من ان المشبَّه عين المشبّه به في القرءان و في الاحاديث المنقولة عن النبي و اله صلّي اللّه عليه و اله باللفظ و قد اقمنا عليه البرهان في محله في بعض كتبنا فعلي هذا يصير المعني في الاية فهي الحجارة او اشدّ قسوة اَي بل اشدّ قسوة و ذلك لان تلك القلوب الخبيثة هي مَنْشأ النّار و هي المؤجّجَةُ لها و هي طعامها و قد اشار سبحانه في قوله انكم و ما تعبدون من دون اللّهِ حصَب جهنم الي نكتةٍ عجيبة حيث قال حصب و لم‌يقل حطب مع اَنَّ المراد به الحطب كما في لغة الحبشة و عن الفراۤء ان الحصب في لغة اهل اليمن الحطب لان الحاۤء و الصاد من اسم الحصي اعني الحجارة و الحاۤء و الباۤء [ص 182] من اسم الحطب و الحاۤء مشتركة بين الاسمين لان المشركين و مَا يعبدون من الاصنام الظاهرة و المنافقين و ما يعبدون من الاصنام الباطنة صفتهم و حالهم في النار كصفة الحطب و حاله في النار في الاشتعال بمعني انها تشتعل فيهم كاشتعالها في الحطب و كصفة الحصي و حاله في النار من البقاۤء و عدم الفناۤء فلايكونون رَمَاداً فيفنون و ينقطع عذابهم بل يبقون كالحجارة و تشتعل بهم النار كالحطب بناۤء علي ان الالفاظ بينها و بين المعاني مناسبة ذاتيّة كما هو الصحيح و يتناول اسم الاحجار ايضا الاصنام المتّخذة من الحجارة كما ذكره المصنف و اما الاصنام المتخذة من المعادن فيمكن ادخالها في الاحجار من حيث انها لاتجيب داعيها و لاتسمع و لاتبصر و لاتنفع و لاتضرّ فهي كالاحجار و ان كان بعيداً من مفاد كلامه و اما اذا اريد بالاحجار المعني الاول او الثاني صدق علي الكل بلا منافاة و في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلام لقد مررنا مع رسول الله صلي الله عليه و اله بجبلٍ و اذا الدموع تخرج من بعضه فقال له ما يبكيك يا جبل فقال يا رسول الله (ص) كان المسيح مرّ بي و هو يخوّف الناس بنارٍ وقودها الناس و الحجارة فانا اخاف ان اكون من تلك الحجارة قال لاتخف تلك حجارة الكبريت فقرّ الجبل و سكن وَ هَدأ و في تفسير القمي عن الصادق عليه السلام قال ان ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم و قد اُطْفِئَتْ سبعين مرّة بالماۤء ثم التهبَتْ و لولا ذلك مااستطاع آدميّ انْ يطفئها و انّها ليُؤتَي بها يوم القيمة حتي توضع علي النار فتصرخ صرخة لايبقي ملك مقرّب و لا نبي مرسل الّا جَثا علي ركبتيه فزعاً من صرختها ه‍ ، اقول و هذا الحديث الاخير يشير الي العدد الذي اشرنا اليه في نسبة مكاره الدّنيا الي مكاره [ص 183] الاخرة و ان رتبة ما يبلغ حد القتل منها في شدّته اذا ضوعف اشتداده اربعةٰ‌الافِ مرة و تسعمائة مرّة ساوَي نظيره من مكاره الاخرة لان قوله عليه السلام جزء من سبعين جزءا من نار جهنم يراد منه الشعاع المعبر عنه بالفاضل في بعض الاخبار و قوله عليه السلام و قد اطفئت سبعين مرة بالماۤءِ اشارة الي شعاع الشعاع و فاضل الفاضل فالاصل في الاخرة و شعاعه في البرزخ و شعاع الشعاع في الدنيا فافهم و لما كان الجمر المعروف هو الباقي من الحطب بعد ما تحرقه النار فهو ميراث الحطب بعد ذهاب صورته النوعيّة و كان حطبُ جهنم الناسَ و الحجارةَ و قد تمت عليهم كلمة اللّه بان يعيد منهم ما اكلته النار ليذوقوا العذاب كانت اجسامهم و اجسادهم و افئدتهم و قلوبهم الّتي هي حَطب جهنّم في الحقيقة هي جمرُها لان اجسامهم بعد حرقها تؤرّث اجساماً لهم باعادتها لانها عين الاولي و كذلك الاَجْساد تؤرّث اجساداً و الافئدة تؤرّث افئدة و القلوب تؤرِّثُ قلوباً كذلك اي هي عين الاولي فهم الحطب و هم ٱلجَمْر و الذي تفيده الادلّة النقلية عنهم عليهم السلام انّ لهم حالتين حالة الحطب و حالة الجمر علي التعاقب من غير فصل و لا استقرار ففي حالة الاعادة هم حَطَبُها و في حالة الاحالة و الاحتراق هم جمرها و قولي من غير فصل و لا اسْتقرارٍ تنبيهٌ علي نكتةٍ و هي انهم لو حصل لهم استقرار في الاحتراق آناً ما لَاَدْركوا التخفيف و لو حصل لهم استقرار في حال الاعادة لانقطع عنهم التألّم آناً ما لان تألّمهم انما هو بتقطيع اعضاۤئهم و اذابة اوصالهم فلو فقدوا التقطيع و الاذابة انقطع عنهم التألّم و لو فقدوا الاعادة لاستراحوا في العدم و لكن الاعادة و الاحراق و التقطيع تجري عليهم علي نحو السيلان و الاتصال من غير فصل و لا استقرار و ان كانا علي التعاقب و مثاله في الشاهد تعاقب الليل و النهار فافهم .

[ص 184] و قوله « و الجنّ لهبُها » يشير به الي اصل ذلك عنده من جهة انّ الجن خلقوا من مارج من نار و هو النّار الخالصة من الدّخان فكما ان عصاة بني ادم هم جمر النّار كذلك عصاة الجنّ هم لهَبُهَا فامّا كون عصاة بني ادم جمرَ ٱلنارِ فيتّجه في الاعتبار علي نحو ما ذكرنا من ان الجمر ما بقي من الحطب المحترق بالنار و هو هم حال التقطيع و الاحالة و هم الحطب حال الاعادة و التّبديل و هنا شيء يشكل و هو انّ اللهب اقوي اجزاۤء النار و اشدّ احوالها و هو المحْرق لا المحترق فاللّهب اقوي من الجمر لان الجمر بقيّة المحترق و الناس في الاحوال الناريّة اقوي من الجن لانّ النّاس جامعون لمراتب الملائكة و الشياطين و الجنّ و لهذا كان الانسان اكمل المخلوقات و اشرفها اذا اطاع و اخبثها اذا عصي و اشرّها قال تعالي لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين فالمناسب في التأويل العكس و الجواب ان المراد باللهب هنا الناشي المتفرع من الجمر لا اللّهب الذي هو اصْل النّار فان ذلك هو الكامن في الجمر و ذلك هو الجنبة اليسري من الانسان و اللهب المأوّل من الجنّ متفرع من الجمر فلايكون هذا اللهب الثاني اشدّ من الجمر بل هو لهب الجمر كما ورد في ردّ مغالطة ابليس حين قال انا خير منه اي من ادم خلقتني من نار و خلقته من طين بانه كذب ففي تفسير علي ابن ابراهيم عن الصادق عليه السلام كذب ابليس ماخلقه الله الّا من طين قال الله عز و جل الذي جَعل لكم من الشجر الاخضر ناراً قد خلقه الله من تلك النار و من تلك الشجرة و الشجرَةُ اصلها من طين ه‍ ، فالمارج الذي هو اللهب من النار الخالص من الدّخانِ الذي خلق الله منه الجاۤنّ خلقَهُ اللّه من الشجر الاخضر و تلك الشجرة التي خلق منها النار الّتي خلق منها الجاۤن خُلِقَتْ من الطين فالجمر هو الخازن للنار و للّهب فهو الانسان المأجِّج لها [ص 185] لانها خلقت من غضب اللّهِ يعني ماۤدّتها و صورتها من عمل الناسِ العاصين و اللهب المذكور خُلِقَتْ منها مادته و خلقت صورته من عمل الجِنِّ فارتفع الاشكال و ضعف الاحتمال هذا علي فرض صحة الوصفين من اَن بني ادم جمرها و الجن لهبها كما يدلّ عليه الاعتبار و التأويل .

و قول المصنف « و قوله فكبكبوا فيها هم و الغاوُن و جنود ابليس اجمعون » استشهاد بالايتين علي كون الناس و الجن وقود النار لا علي خصوص كون بني ادم جمراً لها و الجنّ لهبها .

و قوله « و من اعجب ما روي عن النبي صلي الله عليه و اله انه كان قاعداً مع اصحابه في المسجد فسَمعُوا هدّة عظيمةً فارتاعوا فقال صلي الله عليه و اله اتعرفون ما هذه الهدة قالوا اللّه وَ رسوله اعلم قال حجر القي من اعلي جهنم منذ سبعين سنةً و الأن وصل الي قعرها و سقوطه فيها هذه الهدّة ، الخ » اعلم انّ المصنف عجب من ظهور وصول اليهودي الي نهايته في المحسوس مع كون الوصول معني مصدريّا معنويّا و انّما كانت له هدّة لسرعة ذلك الهُوِيّ بسبب قوة ميل انّيّته و طبيعته الي مَعَاصي اللّه الكباۤئر الّتي هي ثمرات النّار و سخط الجبّار بما هي عليه من العذاب و انما كان سريعَ الهُويِّ لثِقَل انيّته و انما ثَقُلَتْ اِنّيّته لخلوصها في ارادة المعاصي و تبذّخِهٖ بها و عدم التفات نفسه الي الله و الي جهة طاعته فلهذا كان بغفلته و انهماكه في معاصيه حجراً ثقيلا لاجتماع مشاعره في جهات المعاصي و اعلم انه روي ما معناه ان النبي صلي الله عليه و اله كان يرعي الغنم قبل النّبوة فسمع هدّة عظيمة و جَفلت الغنم و لَمّا نزل عليه جبرءيل عليه السلام بعد النّبوة سأله عن تلك الهدّة فقال هذه صوت وقع صخرة القيتُها في جهنم منذ سبعين سنة و الأن وصلت الي قعر جهنّم و اخبر عليه السلام [ص 186] انه يهودي مات و عمره سبعون سنة و الرواية التي ذكرها المصنّف انه منافق و يحتمل الاتحاد بالتجوّز في احد الوَصفينِ و في العيون في حديث المعراج انّه صلي الله عليه و اله قال ثم سمعتُ صوتاً افزعني فقال لي جبرئل (ع) تسمع يا محمد قلتُ نعم قال هذه صخرة قذفتها علي شفير جهنم منذ سبعين عاما فهذا حين استقرّت قالوا فماضحك رسول اللّه صلي اللّه عليه و اله حتّي قبض ه‍ ، فهذه ثلاثة احاديث وردت في ثلاثة اوقاتٍ متباينة ظاهراً و في نفس الامر كلّها حكاية عن واقعةٍ واحدةٍ سمعها صلي الله عليه و اله في وقتٍ واحدٍ قبل البعثة و بعد البعثة و في ليلة المعراج قبل ان يصل السماۤء الدنيا فاذا اراد احد ان يعجب فليعجب من هذا لا مما ذكره المصنف و انما العجب من هذا الفعل الربوبي حيث شهد كل شيء مما كان و ممّا يكون منذ خلق الله القلم الذي هو عقل الكل الي ما لا نهاية له فيما يكون كل شيء في وقته بل و ما قبل العقل فان الله سبحانه شرّفه صلي الله عليه و اله و عرج به الي ملكوته فاشهده خلق السموات و الارض و خلْقَ نفسِه التي هي قبل العقل بما لايكاد يتناهي لانه حين كان في مقام قاب قوسين في عروجه اشهده العقل حين خلقه اللّه و انهي اليه علمه ثم حين كان في مقام اوْ ادني اي بل ادني اشهده خلْقَ نفسِهٖ و عرّفه ايّاها فهناك عرف ربّه و بالجملة اشهده تعالي ليلة المعراج كل شيء في اوّلِ وقتِ كونِه الي اخر انتهاۤئه و انهي اليه عِلْمَهُ من جميع ما كان و ما يكون مما هو محتوم الكون من الدنيا و الاخرة الّا انّه في جريتين كما اشار صلي الله عليه و اله في حديث العيون المذكور في المعراج قال في شأن البراق حين سار عليها ليلة المعراج فلو ان الله تعالي اذِنَ لها لجالتِ الدنيا و الاخرة في جريةٍ واحدة ه‍ ، فلمّا لم‌يأذن لها الّا في جريتين جالت الدنيا في جرية و الاخرة في جريةٍ فافهم الاشارة و اعجب [ص 187] ان كنتَ تعجب من شيء مما اشرنا اليه في وقوفِهٖ صلي الله عليه و اله علي كونِ كلِّ شيءٍ و بدئه حين انشأه سبحانه من عالم الغيب و الشهادة من جميع ذرّات وجودات الممكنات الكائنة و المحتومة مما لم‌يكن .

و قوله « قال تعالي انّ المنافقين في الدَّرْكِ الاسفل من النّارِ » يشير به الي الاستشهاد علي انّ ذلك المنافق بلغ اسفل قعر النار و الحق انّ المنافقين الذين بلغوا الدركَ الاسفلَ من النارِ علي جهة الحقيقة ليس كلّ منافق بل هم منافقون مخصوصون و الاية نزلت فيهم و ساۤئر المنافقين دخلوا فيها بالتبع و دركهم اسفل من النار اضافي و ليس السّبعون السنة غايةَ اسفل النّار اِذْ اَسْفلها غير متناهٍ .

و قوله « فانظر ما اعجب كلام اللّهِ ، الخ » بيانه كما في دعاۤء النبي ادريس علي محمد و اله و عليه السلام يا عجيب فلاتنطق الالسن بكلِّ آلاۤئه و ثناۤئه و امّا التّعجب من حسن تعريف النبي صلي الله عليه و اله فكيف لايكون كذلك و اعظم من اثني الله عليه في كتابه في قوله و انّك لعلي خلق عظيم و قال و سراجاً مُنٖيراً .

قال : قاعدة في انّ ايّ حقيقةٍ الهيّة اظهرت الجنّة و النار و الاشارة الي ابوابهما ، اعلم انّ لكل معني من المعاني الذاتيّة حقيقة اصليّة و مثالاً و مظهراً فالانسان مثلا حقيقة كليّة و هو الانسان العقلي مظهر اسم الله و كلمته و الروح المنسوبة اليه في و كلمته القيها الي مريم و روح منه و نفخت فيه من روحي و لها امثلة جزئيّة و افراد شخصية كزيد و عمرو و له ايضا مظاهر كالمشاعر و الالواح الذهنية فكذلك للجنّة حقيقة كلّيّة هي روح العالم مظهر للاسم الرحمن لقوله تعالي يَوْم نحشر المتّقين الي الرحمنِ وفداً .

اقول يريد انّ لكل شيء حقيقةً و مظهراً و مثالاً فالحقيقة يطلق علي ما به الشّيء هو وَ عَلي معناه العقلي اعني حقِيقَته في مرتبة العقول لا [ص 188] المعني التعقلي الانتزاعي و علي حقيقة الشيء من ربّه و هو المُسَمَّي بالوجودِ عند الحكماۤء و العَارِفينَ و بالنُّورِ و بالفؤاد في اَخْبارِ ٱلائمة عليهم السلام و الظّاهر انَّه يريد بهذه الحَقيقة حقيقته العَقْلية لا التَّعَقُّليّة و لهذا قَالَ و هو الانسان العقليّ و المظهر معناهُ عنْد كثيرٍ انّ الظّاهر اشرق عليْه و الحقّ انّ المظهر هو ما يظهر به الظاهر فمعْنَي حقيقةِ الانسان هي مظهر اسم اللّهِ اَنَّ اسم اللّهِ الّذي هو اثر فعلِ اللّهِ و تأكيدُه ظَهَر بتلك الحَقيقة اي اشرق نوراً هو تلك الحقيقة و اِنْ اَراد بتلك الحقيقة الحقيقة الاولي اعْني النّور المُحمَّدي صلَّي اللّهُ عليه و اله فمعني كونه مظهراً لاسم اللّه انه اثر فعل اللّه و تأكيده و يراد بالاسم الفعل فان قلتَ كيف يكون نوره صلي اللّه عليه و اله خير خلق اللّه و هو اثر فعله و الفعل من الخلق و المؤثّر افضل من الاثر قلتُ انّ ماۤدة النور الذي نوّر الانوار صلّي اللّه عليه و اله اخترعها اللّه بفعله لا من فعله و صوّره بصورة فعله كما انك اذا كتبتَ كلمة فمادّتها من المداد الذي عملته بفعلك لا من فعلِك و فعلُكَ انّما احدثتَهُ بنفسِهٖ لاجل ايجاد الكلمة و ايجاد مادتها فهي علّة غائيّة لفعلك و ان صدرَتْ بفعلِك و كونها متوقفة علي فعلك لايَسْتلزم افضليّته عليها و كذلك تصويرها بصورة فعلك لانك صوّرت الفعل لغايةِ ما ينبغي لتصوير مفعولك لان الفعل انّما هو لاجل المفعول ففي الحقيقة و ان كانت علة ايجاده نفسه فهو في نفس الامر مقصود لغيره و لذا ورد في الحديث كما في تفسير العياشي عن محمد بن عذافر الصيرفي عمّن اخبره عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امراً القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ه‍ ، يعني اَنَّ [ص 189] روح القدس اقرب خلق اللّه اليه من جهة الوحي لانها كالٰالةِ و في خلق الله مَن هو اكرم علي الله منها كمحمد و اله صلي اللّه عليه و اله فعلي رأي المصنف كما ذكره في المشاعر ان المراد بروح القدس فعل اللّه فيتّجه علي تفسيره ما وجّهناه و علي رأينا ان المراد بروح القدس الملك الذي هو من امر الله اعني عقل الكل او جبرءيل فيكون هذا الحديث شاهداً لما وجّهناه من افضليّة المفعول علي الفعل و ان كان الفعل اقرب لكونه مقصوداً بالعرض و المفعول بالذات و الظاهر ان المراد بالنجوم في هذا الحديث الائمة عليهم السلام و سيّدهم جدّهم صلي اللّه عليه و اله يعني ان الله يأمر الملك ان يلقي اليه صلي الله عليه و اله ما شاۤء من امره و يأمره عن اللّه تعالي ان يلقي ذلك الي اهل بيته عليهم السلام لانهم الحفظة و المراد من اسم الله اسم فعله لان ذاته مقدّسة لاتسمّي و لا فاۤئدة في التسمية لانه تعالي لايشتبه علي نفسه فلايحتاج الي ان يميّز نفسه بعلامةٍ و لايدركه ما سواه ليُسمِّيَ له نفسه و انما ساۤئر اسماۤئه لتمييز جهات افعاله و هيئات مفعولاته كالحيّ لتمييز الاحياۤء من ساۤئر افعاله و الحيوة من ساۤئر مفعولاته و القيّوم لتمييز الاقامة من ساۤئر افعاله و المتقوّم من ساۤئر مفعولاته و كذلك كلمته التي هي مشيته و ابداعه و معني كون الانسان مظهراً لَهَا مثل ما تقدّم و معني كونها كلمته انّها مفهمة لمطلوبه عز و جل اذ معني الكلام ذلك و المراد من الروح المنسوبة اليه في الأية الروح التي خلقها و قدّسها من الرذاۤئل و طهّرها من الارجاس و نسبها اليه تعالي تشريفا لها فقال و نفختُ فيه اي في ادم و عيسي و غيرهما من روحي و هي المسماة بروح القدس و بروح من امره و هي عندنا روحانِ روح من امر الله و نعني به عقل الكل و نعني بامر الله النور الذي نوّر الانوار صلي الله عليه و اله ان اريد ان تقوّم الروح بالامر تَقوُّماً ركنيّا و ان اريد ما تقوّم به تقوّمَ صدورٍ [ص 190] فالامر فعل اللّه و روح القدس و هو النور الاصفر الثاني من اركان العرش اعني روح الكل فمعني كون الانسان مظهراً كونه اشراقاً و كونه مشتقّا و معني كونه في رتبة التشخّص مثالا انّه كان صورة و مركبا للانسان العقلي كما قال علي عليه السلام في بيان معرفته بالنورانية لسلمٰن و ابي‌ذر الي ان قال عليه السلام و انا تكلمتُ علي لسان عيسي ابن مريم في المهد و انا آدم و انا نوح و انا ابراهيم و انا موسي و انا عيسي و انا محمد انتقل في الصور كيف اَشاۤء مَنْ رءاني فقد رءاهم و من رءاهم فقد رءاني و لو ظهرتُ للناس في صورة واحدة لهلكَ فِيَّ الناس و قالوا هو لايزول و لايتغير و انا عبد من عباد اللّهِ الحديث ، يعني انهم امثاله ظهر فيهم كل واحدٍ من الانبياۤء ظهر فيه بوجهٍ قال تعالي و لمّا ضرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدّون اي مثلا لعلي بن ابي‌طالب عليه السلام و في الكافي عن ابي‌بصير قال بينا رسول الله صلي الله عليه و اله ذات يومٍ جالس اذْ اقبل اميرالمؤمنين عليه السلام فقال له رسول الله صلّي الله عليه و اله ان فيك شبهاً من عيسي بن مريم و لولا ان تقول فيك طواۤئف من امّتي ما قالت النّصاري في عيسي بن مريم لقلتُ فيه قولا لاتمرّ بمَلأٍ من الناس الّا اخذوا التراب من تحتِ قدمَيْك يلتمسون بذلك البركة قال فغضب الاعرابيان و المغيرة بن شعبة و عدّة من قريش معهم فقالوا مارضي ان يضرب لابن عمّه مثلاً الّا عيسي بن مريم فانزل اللّه تعالي علي نبيه و لمّا ضرب ٱبنُ مريم مثلا الي قوله لجعلنا منكم يعني من بني‌هاشم ملاۤئكة في الارض يخلفون الحديث ، فعيسي هو مثل علي عليه السلام كما قال تعالي ان هو اي عيسي الّا عبدٌ انعمنا عليه و جعلناه مثلاً لبني‌اسراۤئيل لا كما توهّمه مَن فهم العكس من قوله صلّي اللّه عليه و اله انّ فيك شبَهاً من عيسي بن مريم و الحاصل المثال للانسان الحقيقي هو الانسان الظاهري المحسوس و هو قول المصنّف و لها امثلة [ص 191] جزئيّة اي لتلك الحقيقة و افراد شخصيّة كزيد و عمروٍ لكن هُنا شَيْءٌ يجب التنبيه عليه و هو انّ الشيء الجزئي كزيد و عمرو و هو الانسان المحسوس له حقيقة جزئيّة عقليّة ذاتيّة غير التّعقّليّة و تلك الحقيقة الجزئيّة لزيد غير الحقيقة الجزئيّة ٱلّتي لعَمْروٍ متميّزة منها بمشخِّصَاتٍ عقليّةٍ وجوديّةٍ كالحِصَّةِ المأخوذة من الخشب للسرير و الحصّة الْاُخْرَي للباب و امّا قبل الاَخْذ فليس ثَمّ حصّة من الخشب للسرير و الباب و انّما الموجود الخشب الصالح لِكلّ شيءٍ و الحقيقة الكلية لايكون مثالها جزئيّا لان الجزئي مثال للحقيقة الجزئيّة اوْ لوَجهٍ من وجوه الكلّيّة فانّ زيداً الجزئيّ حقيقته جزئيّة لا كلّيّة لانّ حقيقتَه حصّةٌ من الكلّيّة متميّزة عن غيرها من الحصَص و امّا قوله تعالي كان النّاس امّة واحدة فانّهم متمايزون فيما بينهم و انما الاتّحاد قبل بعث النبيّين في جهات التكليف و قبول موجبات السعادة و الشقاوة في الخلق الثاني .

و قوله « و له ايضاً مظاهر كالمشاعر و الالواح الذهنية » يعني للانسان الجامع للانسان العقلي و الحسّيّ مظاهر كالمشاعر التي يشعر بها اقول و الحق ان المشاعر منها ذاتيّة و هي حقائق مراتبها و منها مظاهر لتلك الحقاۤئق فاعلي المشاعر الفؤاد و هو الوجود و النور الذي خلق منه الانسان اعني ماۤدته الاولي و ذلك حقيقة الانسان في البدءِ و الذكر الاول و هو مدرك المعرفة و مظهره ادراك الشيء بلا كيف و لا اشارة و اوسط المشاعر القلب و هو العقل الجوهري و هو حقيقة معني الانسان و هو مدرك المعاني و مظهره تعقّل المعاني المجردة عن المدة الزمانية و الماۤدة العنصرية و الصورة الجوهريّة و المثالية و اخر المشاعر النّفس و الخيال و هو مدرك الصُّور و مظهره تخيّل الصور الجزئيّة المجردة عن المدة الزمانية و الماۤدة العنصريّة فالمظاهر ادراكات المشاعر لا نفس المشاعر كما توهّمه .

[ص 192] و قوله « فكذلك للجنَّةِ حقيقة كلية هي روح العالم » اقول امّا استدلاله بالانسان فحق لانّه الاية التي جعلها عز و جل دليلاً علي ما يريد معرفته كما قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم و امّا تحصيل الدليل منه فموقوف علي التوفيق الالهي و اقول انّ حقيقة الجنّة هي الولاية و الحقيقة المحمديّة و هي متعلق المشية و الاسم الرحمن من المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان ظهر بها فهي روح العالم و حقيقته فهي احد معاني العرش و استدلاله بقوله تعالي يوم نحشر المتقين الي الرحمن وفداً لم‌يقع علي نفس الحقيقة و انما وقع علي مستوي الرحمن الذي احَدُ افرادِه الحقيقة و احَدُ افرادِهِ جنان الصاقورة و احدُ افرادِهٖ التي ارضُها الكرسي و سقفها عرش الرحمن وَ اَحَدُ افرادِه السمواتُ السبع و احدُ افرادهِ ما فوق الارض و تحت السماۤء لانّ الحَظَاۤئر من الجنان بين الارض و السماۤء يحشر اليها المؤمنون من الجن و اولاد الزنا من المؤمنين المطيعون و المجانين الذين لم‌يعقلوا في دار التكليف و ليس لهم اقارب من اهل الشفاعة و هم محشورون الي الرحمن و اهل الجنان السبع في السموات السبع يحشرون الي الرحمن و اهل جنة عدن التي ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن يحشرون الي الرحمن و اصحاب اليقين اصحاب جنان الصاقورة يحشرون الي الرحمن و اولوا الحب و المعرفة يحشرون الي الرّحمٰن و هم الذين قال تعالي في شأنهم في حديث الاسرار : يا احمد ان في الجنّة قصراً من لؤلؤة فوق لؤلؤةٍ و درّةٍ فوق درّةٍ ليس فيها قصم و لا وصل فيها الخواۤصّ انظر اليهم في كل يوم سبْعين مرّة و اكلّمهم كلّما نظرت اليهم ازداد ملكهم سبعين ضعفاً و اذا تلذّذ اهل الجنّة بالطعام و الشراب تلذّذوا اولۤئك بذكري و بكلامي و [ص 193] حديثي ه‍ ، فَاِذَا ارادَ المُصَنِّفُ بقوله روح العالم ذات العالم و كنههُ فصحيح فانّ اصل الجنّة كنه ٱلعالم لانّ اَصْل العَالم و كنهه الرحمة و الرّحمة كنه الجنة و الرحمن هو الظاهر بالرحمة فتصدق الاية علي كلّ مرتبةٍ من مراتب الجنّة كما مَثّلْنا و ان اراد بقوله روح العَالَم الرّوح المتعارف اعني المتوسِّط بين الْعقل و النفس فلايصْدق الّا علي الجنّة التي ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحْمن لَا علي ما فوقها فلاحظ ما ذكرنا .

و قوله « و لها مثال كلّي » اذا اريد بالمثال الجنّة التي سقفها عرش الرحمن و اَرْضها محدّب الكرسي و ارادَ بها جنّة عدنٍ فحسن و الّا فالمثال في غير جنّة عدنٍ الجنان السبع التي في السموات السبع .

قال : و لها مثال كلي هو العرش الاعظم مستوي الرحمن و صورته كما ورد ارض الجنّة الكرسي و سقفها عرش الرحمن و امثلة جزئية كقلوب اهل الايمان كما ورد قلب المؤمن عرش الله قلب المؤمن بيت الله و لها مشاهد و مظاهر كلية و جزئيّة هي طبقات الجنة و ابوابها .

اقول الصواب ان يقال ان المثال الكلّي هو الجنان المحسوسة لان المحسوسات امثال المجردات و صورها نعم ان كان يريد بالمثال الدليل اي بان المثال الكلي هو العرش الاعظم فقوله صحيح هنا و غير صحيح في قوله قبلُ و لها امثلة جزئيّة و افراد شخصيّة كزيدٍ و عمرو فانه جعل زيدا و عمراً و الذي هو الانسان المحسوس مثالاً للانسان العقلي يعني انه ظاهر له لا انه دليل عليه و اذا اراد هنا بالمثال الظاهر لم‌يصح لانّ العرش ليس هو ظاهر الجنّة الكلي و لا قلب المؤمن ظاهر الجنة كما ان زيداً ظاهر الانسان العقلي نعم العرش الاعظم الذي هو ذو الاركان الاربعة النور الاحمر الذي احمرت منه الحمرة و النور الاصفر الذي اصفرت منه الصفرة و النور الاخضر الذي اخضرت منه الخضرة و النور [ص 194] الابيض الذي منه البياض او ابيضّ البياض علي الروايتين و منه ضوء النهار و هي الملائكة الاربعة العالين الذين لم‌يسجدوا لادم عليه السلام و العرش الباطن الكلي الذي اشار اليه تعالي في الحديث القدسي في قوله مَاوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن فانّه يتقلّب معي وَ فِيَّ و بي ه‍ ، و هو قلب محمد و قلوب اهل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليه و اله اجمعين و العرش الباطن الجزئي و هو قلوب من سواهم من المؤمنين هي كلها امثال للجنان بمعني الادلّة كلّيُّها لِكُلّيِّها و جزئيُّها لجُزئيِّها .

و قوله « كما ورد قلب المؤمن عرش الله قلب المؤمن بيت الله ليس ذلك من طرقنا فيما وقفتُ عليه و انما هو من طرق العاۤمّة .

و قوله « و لها مشاهد و مظاهر ، الخ » يريد به انّ ما فيك مثلاً من الحواس الظاهرة الخمس و الخيال و النفس او الحواس الخمس و النفس و الجسد علي الاحتمالين هي ابواب الجنّة السبعة اذا استعملتَها فيما خُلِقَتْ لاجله و العقل هو الباب الثامن المسمّي بجنّة عدن و الظاهر من هذا انّها طرق لتلك الابواب و ان الاعمال الطيبة الصادرة عن هذه المشاهد الثمانية صور لما في ابواب الجنانِ الثمانية من النّعيم و الثواب الداۤئم المقيم و لعل المصنّف انّما رأي انّ هذه المشاعر هي ابواب جهنّم و طبقاتها لانه يري ان الجنّة و ما فيها من النعيم و القصور و الحور و الولدان من نوع النيّات و الاعتقادات كما تقدّم من كلامه و قد بيّنّا هناك بطلانه .

قال : و كذٰلك النّار لها حقيقة كلّية هي البعد من رحمة اللّه صورة غضبه و مظهر اسم الجبّار و المنتقم و لها مثال كلي هي نار جهنّم و لها مظاهر كليّة و جزئيّة هي طبقات جهنّم و ابوابها و طبقاتها سبعة تحت الكرسي و فيه اصول السّدرة و منها منبت شجرة الزقوم طعام الاثيم طلعُها كأنه رؤس الشياطين و هناك تنتهي [ص 195] اعمال الفجار و المنافقين و هي محيطة بالكافرين و كذا سرادقها و لها امثلة جزئيّة هي اهوية النفوس بل النفوس الهاوية المظلمة و الصدور الضيّقة الحرجة .

اقول للنار حقيقة كلّيّة و لا شكّ انّ كل شيء فله حقيقة كليّة او هو حقيقة كلّيّة و ليس المراد في المذهب الحقّ بالكلّيّة المعني المصطلح عليه فان المعني المصطلح معنيً ذهني ظلّيّ صوريّ منتزع من الخارجي الموجود في افراده لانه في الحقيقة منتزع من القدر المشترك بين الافراد مع قطع النظر عن مشخّصاتها كالخشب المشترك في السرير و الباب و الكلّيّ المراد هنا علي المذهب الحق هو الذات الجامعة الظاهرة باشراقاتها المتمايزة بالمشخصات بل هو ظهور تلك الذات الجامعة بتلك الاشراقات المتمايزة اذ المراد بذلك الظهور تلك الاشراقات نفسها فانا اذا قلنا العقل الكلّي فافراده العقول الجزئيّة و ليست اجزاۤء من ذاته و لا ان كل واحدٍ من تلك الجزئيّة نفس عقل الكل تنقّل فيها علي جهة البدلية او تجزّأَ فيها بل هو واحد بسيط ليس فيه كثرة و انما الجزئيّة اشراقاته و تأييداته تكثّرت بمشخّصاتها .

و قوله « هي البعد من رحمة اللّه صورة غضبه » ظاهره ان حقيقة النار اي النار المعنوية العقليّة هي البعد من رحمة اللّه و الحقّ انّ حقيقة الجنّة الرحمة و حقيقة النار الغَضب و قوله صورة غضبه صحيح و امّا البعد فهو من لوازم الغضب و كما ان الجنّة باعتبار كون ما فيها من الامور المحبوبة المطلوبة صورة الرحمة و ظاهرها و لازمها كذلك النار باعتبار كون ما فيها من الامور المكروهة المنافية هي صورة الغضب و ظاهره و لازمه و مظهر اسم الجبار و الجبار يطلق علي الله تعالي باعتبار معني القهر و السطوة و يطلق علي اللّه تعالي باعتبار كونه جابراً للكسر و المراد هنا المعني الاول و اضافة اسم اليه بيانيّة لان الغضب اثر الاسم ذي السطوة و القهر و الانتقام و هذه من فعله بداعي العدل الّذي هو جزء الرحمة [ص 196] الواسعة و قسيم الرّحمة المكتوبة .

و قوله « و لها مثال كلّيّ » يعني ان لها ظاهراً كلّيّا بمعني ما تقدّم من الكلّيّ اي شاملاً واسعاً و هو نار جهنم و المراد بجهنّم هنا مطلق النار الجامعة للابواب السبعة لا خصوص الباب السابع الاسفل كما مر تفصيلها و لها مظاهر كلية اي ايات كلية هي طبيعة الجهل الكلي المسماة بالطمطام و نفسه المسماة بالثري و روحه المسماة بما تحت الثري و هي مشاعر ائمة المنافقين و صاحب راياتهم الذي فيه شركاۤء متشاكسون تدّعيه اهل النحل و الملل المنحرفة عن الحقّ فالنّصاري تدّعي امامته و اليهود تدّعي امامته و الصابئة و المجوس و الدّهرية و الثنوية و المانويّة و المزدكية و كل طائفةٍ غير المؤمنين الاثني‌عشريين يدّعون انه امامهم فظاهر مشاعرهم ايات النّار و افئدتهم مظاهر غضب الجبار المؤجّجة للنار في جميع الاطوار في الادوار و الاكوار و لها مظاهر جزئيّة و كلّيّة اضافية هي طبقات جهنّم و اَبْوابُها و لهذه ٱلطّبقات امثلة جزئيّة و مظاهر هي ايات و ظوَاهر فالايات اهوية النفوس المعبودة من دون الله و الظواهر هي النفوس الهاوية المظلمة العابدة و الصدور المضيّقة الحرِجة الّتي كأنها تصَّعّدُ في السماۤء لِشِدَّةِ غليانها بلهب اعمالها الباطلة و اعتقاداتها الفاسدة .

و قوله « و طبقاتها سبعة تحت الكرسي » غلط علي ظاهر مراده لانه يريد بالكرسي الذي هو ارض جنّةِ عدنٍ و الذي تحت هذا الجنّاتُ السبعُ جنة دار المقامة و جنة الخلد و جنّة المأوي و جنّة دار السّلام و جنّة النعيم و جنة العالية و جنّة الفردوس و لو اراد كرسي الباطل الذي هو الثور الحامل للعرش صح كلامه بل لو اريد مطلق التحتيّة صحّ في الجملة لانّ النيران السبع تحت الارضين السبع كما ان الجنان السبع فوق السموات السبع و حقاۤئق النيران السبع تحت الثور و هو تحت الحوت و تحت البحر و تحت الريح العقيم [ص 197] و منشأوها من الطمطام و الثري و ما تحت الثري و الجهل الكلي و مأخذ هذا الترتيب ان كتاب الابرار و هو في عليّين و هو نفس الكرسي و الكرسي ارضه مقابل لكتاب الفجار و هو في سجّين و هو الصخرة التي ذكرها الله حكاية عن لقمان و هي التي تحمل الملك الحامل للارض و هي طينة خبال و في نهاية ابن‌الاثير و فيه مَنْ شَرِب الخمر سقاه اللّه من طينة الخبال يوم القيمة و جاۤء تفسيره في الحديث انّ الخبال عصارة اهل النار و الخبال في الاصل الفساد انتهي ، و في مجمع البحرين يعني طينة خَبال قال و فسّرت بصديد اهل النّار و ما يخرج من فروج الزناة فيجتمع ذلك في قدر جهنم فيشربه اهل النار انتهي .

و قوله « و فيه اصول السدرة » اي في الكرسي امّا كون الكرسي قد يستعمل للكرسي الاسفل المعبر عنه بالثور فلا محذور في الاستعمال و امّا انّ فيه اصول السدر فان كان علي معني انه ارض الجنّة و فيها سدر مخضود اي لا شوك فيه فظاهر و امّا اَنَّ اُصول السدر هو شجرة الزقّوم فشيء لم‌اعرفه و لم‌اقف فيه علي خبر و لاسمعته من احدٍ و لَاوَقَفْتُ عليه في كتابٍ الّا هُنَا و في كتابِه الاسفار ايضا قال فيه و الكرسي موضع القدمَيْنِ يفترقان بعده قدم الجبار و هي لاهل النار و قدم صدق عند ربك و هي لاهل الجنّة و فيه اصول السدر الّتي هي شجرة الزقوم طعام الاثيم و هناك تنتهي اعمال الفجار و المنافقين انتهي ، و لااَدْري هل كان هذا شيئا عند اهل التّصوف اَمْ لَا لانّي قليل التفتيش في كتبهم مَعَ انّه ليس عندي منْها شيء فربّما هو مذكور في رواياتهم اَوْ في اختراعاتهم و يحتمل انّهم ارادُوا به الرمز بمعني ان سدرة المنتهي شجرة في الجنّة كلّ احدٍ له فيها ورقةٌ هي وجهه الّذٖي يبقي و اصله الّذي منه يستمدّ النور و تكون اصولها الّتي هي عبارة في الشاهد عن العروق كناية عن اسفلها [ص 198] المعبّر به عن عَكْسِها الَّذي هو الشجرة المُجْتثّة و علي ما هو من هذا النوع يمتنع التصريح به لانّ ظاهره يعارض مثل هذا التأويل و بالجملة هذا شيء لااعرفه .

و قوله « و منها منبت شجرة الزّقوم طعام الاثيم » و هي شجرة مُرَّة كريهة الطعم و الراۤئحة و عن ابن‌عباس لما نزلت هذه الاية قال ابوجهل ان محمّدا يخوّفنا شجرة الزقوم هاتوا الزبد و التمر و تزقّموا اي كلوا و في النهاية و قيل اكل الزبد و التمر بلغة افريقيّة الزقّوم ه‍ ، و قال ابن‌الزِّبَعْرَي الزقوم بكلام البربر التمر و الزبد و في رواية بلغة اليمن طعام الاثيم الثابت الاثم و منبت شجرة الزقّوم في الجحيم كما قال تعالي انها شجرة تخرج في اصل الجحيم و الجحيم اعْلَي النيران و الظاهر عندي و هو ما استفدته من اثارهم عليهم السلام انّ شجرة الزّقوم في طرف اسفل سافلين في مقابلة شجرة المزن الّتي هي في علّيين و في الكافي باسناده عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال انّ في الجنّة لشجرةً تسمّي المزْن فاذا اراد اللّه ان يخلق مؤمناً اقطر منها قطرة فلاتصيب بقلة و لا تمرة اكلها مؤمن او كافر الّا اخرج الله تعالي من صلبه مؤمنا ه‍ ، لان قوله عليه السلام ان في الجنة لشجرة ان اريد بالجنّة عليين كان مقابلها سجّين و هي الصخرة التي علي قرن الثور او علي سنٰامه علي اختلاف الروايتين و ان اريد غير عليّين كان ما يقابلها فوق الصخرة لان مقابل الاعلي اسفل و مقابل الاسفل اعلي و شجرة الزقوم لاتكون اسفل من سجين و هي علي العكس من شجرة المزن اذ منها تصعد ابخرة و تصيب البقول و التمر فمن اكل ما اَصابه منها قطرة خرج من صلبه كافر و سدرة المنتهي مقابلة لها في طرف عليّين فان اريد من شجرة المزن سدرة المنتهي كما يفهم من بعض الاخبار لم‌يكن اصلها سجّين لان سجّين تخرج في اصل الجحيم و السدرة في عليّين اي اعلي الجنان او في ساۤئرها فلاتكون منها [ص 199] لما بينهما من التباين و ان اريد غيرها فالسدرة فوق شجرة المزن اذ ليس وراۤءها نهاية و في العلل عن الباقر عليه السلام الي ان قال انما سمّيت سدرة المنتهي لان اعمال اهل الارض تصعد بها الملاۤئكة الحفظة الي محل السدرة و الحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما ترفع اليهم الملاۤئكة من اعمال العباد في الارض قال فينتهون بها الي محل السدرة الحديث ، و هذا الحديث مما يدل علي اتّحاد محَلِّ السدرة مع عليّين كتاب الابرار و بالجملة لم‌اجد لكلامه من كون اصل السدرة شجرة الزقوم محملاً يليق الّا ذلك الاحتمال المرجوح .

و قوله « طلعها كأنه رؤس الشَّياطٖين » يعني حمل تلك الشجرة كأنه رؤس الشياطين كناية عن تناهيه في الكراهة و قبح المنظر لما في النفوس من استكراه الشيطان و استقباحه لما في الطباع من ان الشيطان شرّ محض فيشبّهون كل مكروهٍ في طباعهم و كل قبيح برأس الشيطان كما كانوا يشبّهون كل حسن جميل بالملك كما قال تعالي اِنْ هٰذا الّا ملك كريم لما في طباعهم و نفوسهم من ان الملك خير محض لا كراهة في شيء منه اصلاً و هذا تشبيه تخييلي و قيل ان التشبيه علي حقيقته فان الشيطان حيّة عَرْفاۤء لها صورة قبيحة المنظر هاۤئلة شديدة الكراهة و الوحشة و قيل انّ شجراً اسمه الاَسْتَن حشِفاً منتِناً مُرّاً منكر الصورة يسمّي ثمره رؤس الشياطين و العرب سمّوا هذا الثمر برؤس الشياطين لما فيه من الصفات المكروهة من جهة تخيّلهم لشدّة القبح و الكراهة في الشياطين ثم بعد استقرار التسمية كان عندهم اصلا يشبّهون به كلّ مستقبح و انت اذا لاحظتَ ما ذكرناه مراراً من ان جماعة من العلماۤء العارفين صرّحوا بان المشبه عين المشبّه به في القرءان و في الاحاديث المرويّة عنهم عليهم السلام باللفظ ظهر لكَ من ذلك تفسير باطن التأويل بانّ طلع [ص 200] شجرة الزقوم و ثمرها رؤس الشياطين الذين هم شياطين الانس و ائمة الضلال الداعون الي النار في جميع الاحوال فافهم .