و قوله « و بيان ذلك انّ الغايات كالمبادي متحاذيةً متقابلة » صحيح لمشابهة مراتب ٱلبدءِ للعود و النزول للصعود بعضها لبعضٍ و لتشابه ٱلذبول للنمو و التحلّل و التفكّك للتأليف و التركيب و بالجملة كلّ شيءٍ يشابه ضدّه و عكسه و يقابله فيما ضاۤدّه و عاكسه فيه سواۤء كان جوهراً في جوهريته او معروضيّته ام عرضاً في عرضيته او عارضيّته و لمّا كان مبدء كلّ شيء من العلوّ نازلاً الي غاية قوس نزوله كان بدؤ سيره في صعوده و رجوعه الي جهة مبدئه من غاية قوس نزوله و كان متشابه الحركة في القوسين متقابل الاحوال و قد اخبر سبحانه عن القوس النزولي بقوله و ان من شيءٍ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزِّله الّا بقدرٍ معلوم و هذا و ان كان مما لا اشكال فيه و لا منكر له الّا ان الاشتباه وقع في ابتداۤء الحركة النّزوليّة و في ابتداۤء الحركة الصعوديّة و المصنّف طوّل القوس النزولي من طرفيه و قصّر القوس الصعودي من طرفه الاسفل و طوّله من طرفه الاعلي فلزمه عدم صدق قوله ان الغايات كالمبادي متحاذية متقابلة و بيان ما [ص 150] اشرنا اليه علي جهة الاختصار و الاقتصار و الاجمال انّ المصنف يذهب الي ان الاشياۤء منْحطة عن حقاۤئقها الازليّة التي هي في الذات بنحو اشرف كانحطاط الاظلّة و الاشعة عن حقاۤئِقها كما ذكره في الكتاب فيما تقدّم و في غيره من ساۤئر كتبه و قد بيّنا انّ الاشياۤء لا ذكر لها هناك و لا اسم و لا رسْمَ فلمّا شاۤء امكانها ذكرها بما هي به ممكنة و لَيْست هي حينئذٍ اشياۤء بمعني التكوين اي مكوّنات و ان كانتْ اشياۤء امكانيّة فحقيقة بدءِ نزولها من التكوين بالفعل فهذا اوّل ذكر وجودها بالقوة و منه ابتدأ القوس النزولي و هو طرفه الاعلي و اخره انحلال الغذاۤء في الكيلوس و اخر القوس النزولي هو الكيلوس و هو طرفه الاسفل و اوّل القوس الصعودي هو كون صفوة الكيلوس كيموساً ثم نطفةً و هي بمنزلة المعدن ثم علقة و هي اوّل مراتب النبات ثم مضغة ثم عظاماً ثم تكسي لحماً و هي اخر مراتب النّبات ثم ينشأ خلقاً آخر و هو اوّل مراتب الحيوان و هي الولادة الجسمانية عند تمام الاربعة الاشهر ثم الولادة الدنيوية و هي خروجه الي الدنيا فمن الكيموس الي خروجه من الدّنيا من مراتب الرجوع الي اللّه تعالي بدعوته حين قال للعقل اَقبِل فاقبَلَ او اَدبِر فادْبَر علي اختلاف الاعتبارين و المصنف نقّص القوس الصعودي من طرفه الابتداۤئي من الكيموس الي الموت و الخروج من الدنيا و زاده في الطرف الاسفل من القَوْس النُّزولي و زاد في الطرف الابتداۤئي من القوس النزولي حتي انزله من الازل و في الانتهاۤئي من القوس الصعودي حتي وصله بالازل و قد اخطأ اذ يلزم منه في ابتداۤء النزولي الولادة و الازل تعالي لايلد اذ لايخرج منه شيء و لايعود اليه شيء و انما ينتهي المخلوق الي مثله كما انه يبْتدئ من مثله فافهم و ذلك هو قوله و انّ الموت الطبيعي ابتداۤء حركة الرجوع الي اللّه كما ان الحيوة الطبيعيّة انتهاۤء حركة النزول من عنده .
[ص 151] و قوله « فكل درجةٍ من درجات القوس الصعوديّة الي قوله لا استقاميّة » يشير به الي تشابه القوسين و تحاذيهما و هو كذلك و قد اشرنا الي ذلك فيما تقدّم بان القوس الصعودي لو كانت حركة سيره استقامية لكان الانسان يرجع من هذه الدنيا الي اللحم ثم الي العظام ثم يكون مضغة ثم علقةً ثم نطفة ثم كيموسا ثم كيلوسا ثم طعاما ثم نباتاً ثم ماۤء و تراباً و ترجع نفسه الي الفلك و ما فيها من النفس الي اللوح و منه الي المدد العقلي و منه الي الاشراق النوراني و الهيئات الاراديّة ثم الي الامكان و يلزم من هذا الرجوع فناۤء الاشياۤء و هو خلاف ما خلقت له لانّها انما خلقت للبقاۤء نعم يكون القوسانِ متقابلَيْن متحاذِيَيْن و تمام الصوغ الاول في القوس النزولي تحت النّفس الكلّيّة عند قوله الستُ بربكم و يحاذيه و يقابله يوم القيمة في القوس الصعودي و بعد مقام الستُ بربّكم في القوس النزولي الكسرُ في عالم الطبيعة النورانية و يحاذيه و يقابله ما بين النفختين نفخة الصعق و نفخة الفزع و ذلك في مدة اربعمائة سنةٍ و بعد ذلك في النزولي عالم الهباۤء و عالم المثال الي وقت الولادة الجسمانية و يحاذيه و يقابله الموت الطبيعي فانّ اسرافيل عليه السلام ينفخ فيه الحيوة اذا تمّت له الاربعة الاشهر و عزراۤئيل يقبضها في مقابلة ذلك و يشير المصنّف بهذه الكلمات من قوله لان هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدّة عالم الحركات الي قوله لا استقاميّة الي ان الجنّتين جنّة الاخرة و جنّة الدنيا مُتَساويتين و انّهما وَراۤء عالم الملكِ و انهما باقيتان و يلزم من كلامه انّ الدُّنْيا لَا جَنّةَ فيها و انّ عالم الملك يفني في الاخرة فلميبق في الاخرة شيء مع انّهُ يَذْهب الي ان جميع الاشياۤء في الزّمان و ان الزمان لايسبقه شيء و لايتقدّم عليه شيء الّا البارئ تعالي وَ قدْ صرّح هنا بقوله و انتهاۤء مدة عالم الحركات و قد ذكر بانَّ الزمان عبارة عن الحركة الحادثة عن الفلك و حينئِذٍ لايصدق [ص 152] قوله محسوسة كما يأتي في تقسيمه اذ الجنّة ٱلمحسوسة لاتوجد الّا بالاجسام الزمانية .
و قوله « و قد شبّهت الحكماۤء و العرفاۤء هاتَيْن السلسلتين بالقوسين من الداۤئرتين » يراد من السلسلتين مراتب النزول و مراتب الصعود فان كل مرتبة مرتبطة بما فوقها و بما تحتها كحلق السلسلة و كل مرتبة منها مستديرة علي قطب علّتها استدارة صحيحة كما نبّهنا عليه في الفواۤئد فشبّهوها بالسّلسلة لهاتين العِلَّتَيْنِ و لاجْل كونِ العَوْدِ علي غير طريق البدءِ و كون السّير الي جهة المبدأ في النزول و الصعود كانت الحركة انعطافيَّة .
قال : و اذا تقرّرَ هذا فاعلم انّ الجنّة جنّتان محسوسة و معقولة كما قال تعالي و لمن خاف مقام ربّه جنّتان و قوله فيهما من كل فاكهة زوجانِ المحسوسة لاصحاب اليمين و المعقولة للمقرّبين و هم العلّيّون و كذا النار نارانِ محسوسة و معنويّة كما مرّ و كل من الجنّة و النار المحسوستين عالم مقداري احديهما صورة رحمة الله و الاخري صورة غضبه لقوله و من يحلل عليه غضبي فقد هوي و لذلك تصول علي الجبّارين و تقصم المتكبّرين و كما ان الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض كما برهن عليه لقوله سبقت رحمتي غضبي و قوله عذابي اصيب به من اشاۤء و رحمتي وسعت كلّ شيءٍ فلذلك خلق الجنّة بالذاتِ و خلق النار بالعرَضِ و تحت هذا سرّ .
اقول ذكر هنا ان الجنّة جنّتان جَنّة محسوسة و لا بدّ اَنْ تكون جسمانيّة و قد قرّرنا في كتبنا ان الاجسام المحسوسة لاتكون الّا زمانيّة و الاجسام الزمانيّة من عالم الملك فالجنّة المحسوسة من عالم الملك الا انّها صفّيَتْ من العوارض الدنيويّة و العوارض البرزخيّة و لمّا صُفِّيت من اعراض الدارين دار البرزخ و دار الدنيا كانت من نوع الداخرة و هي علي تماسُكِها بل هي اقوي من تماسكها في الدنيا و قد مثّلنا لهذه التصفية و بقاۤء التّماسُك بالحجر فانّه اذا القي عليه [ص 153] القلي و وضع في كورة النّار تخلّص زُجاجاً و هو كتخلص الاجسام من النباتات و الفواكه و المطاعم مع بقاۤء تماسكه و لكنه لميتصفَّ في ذاته بالنّسبةِ الي الاصلين اللّذين تكوّن منهما و هما الكبريت و الزيبق اللذان هما اصل لكل المعادن فاذا اذبت الزجاج و القيتَ عليه الاكسيرَ الابيض اكسير الفضّة فانّه يكون بَلّوراً يجمع البَصر و يحرق في الشمس لانّه يجمع الاجزاۤء النّارية المنبثّة في نور الشمس و تخلّصه بلّوراً بالاكسير الابيض مثل تصفية الاجسام من الاعراض الدنيوية و كونها من اجسام البرزخ و البلّور متماسك كتماسك الزجاج و ابْقي فاذا اذبتَ البلّور و القيتَ عليه الاكسير الابيض مرّة ثانيةً تَخلّصَ اَلْمٰاساً يثقب الاحجار ٱلصلبة و اذا كسر بالاسرب انكسر مثلّثاً و لاينكسر بغيره بل لو وضع علي السندانِ و ضُرِب بالمطرقة غاصَ فيهما و لمينكسر و لو لميكن اَلْماساً حقيقيّا لماحصلَتْ فيه صفات الاَلماس المعدني بل يكون اعلي من المعدني بكثير و هو من الحجر و صفّي مرات ثلاثاً فبلغ هذا الصفاۤء و الصلابة و التماسك كذلك الاجسام صفّيت مرّاتٍ ثلاثاً احديهنّ من الاغذية للدنيا و ثانيتهنّ من هذه الدّنيا للبرزخ و ثالثَتهُنّ من البرزخِ للٰاخرة و هذه ● الاجسام الاخرويّة من عالم الملك و هي في الاخرة متقوّمة بما تقوّمت به في الدّنيا من المكان و الزّمان امّا المكان ففيه خلاف كثير هل هو الفراغ المتوهّم الذي تشغله الاجسام بالحصول فيه ام هو الفراغ المخلوق الخ ، ام هو البُعد المجرّد ام هو السطح الحاوي للجسم المحوي ام غير ذلك و حَيرتهم في مكان الفلك الاطلس و الحق انّه الفراغ المخلوق الذي يشغله الجسم بالحصول فيه فانّه مساوق للجسم في الوجود و الظّهور و شرط في تحقّق الجسم فلايكون شيء من الجسم ليس في مكانٍ و لا شيء من المكان لا جسم فيه و امّا الزمان فليس هو عبارة عن [ص 154] حركة الفلك كما توهّمه المصنّف تبعاً لغيره و انّما هو المُدَد و ٱمتداد مكث ٱلجسم و انتقاله و الحكماۤء الاوّلون انما ذكروا حركة الفلك لبيان تصوره فانّ الساۤئر السريع الذي يقطع فرسخين في ساعة و الساۤئر البطيۤء الّذي يقطع فرسخا واحداً في ساعة اذا ابتدَءٰا دفْعةً في مسافةٍ هي فرسخ وصل السريع اٰخرها في نصف ساعة و بقي لابِثاً نصفَ ساعةٍ ينتظر البطيۤء فمدّة بقاۤئه زمان قطع البطيۤء نصف الفرسخ و زمان مكث السريع فيتصوّر الزمان بالحركات لا انّ الحركات هي الزمان و الّا لكانت المتحركات قبل الزمان و هو عنده ليس قبله الّا الباري سبحانه و تعالي و ايضاً يلزم ان توجد المتحركات بدون الحركات كما سيكون بعد فناۤء الخلق بين النفختين فانّ الحركات كلّها تبطل مع وجود السموات و الارض اربعمائة سنة و لهذا يخاطب الله سبحانه الارض بما معناه يا ارض اين ساكنوك اينَ المتكبّرون اين من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه و يقول لله الواحد القهار و الحاصل الجنّة المحسوسة جسمانيّة من عالم الملك و فيها النموّ الاستغناۤئي الاِمْدادي و الذّبول اي التحلّل الافتقاري الّا انّ ذلك تَرَقٍّ في مراتب الكمال و القوة و الجدّة كما ذكرنا سَابِقاً و قوله « و معقولة » يعني نفسانيّة و رُوحانيّة و عقليّة و تنعّماتها و لذّاتُهَا المعارف و الخطابات الرّبانية و المناجاة الاحدية و المشاهدات القدسيّة و استمتاعهم فيها بالانكشافات و التجلّيات و الامدادات الرحيمية و الفيوضات الرضوانية و ما يصل اليهم من اثار الحيوة و العلم و القدرة و الملك و التسلط القدسيّة و ما اشبه ذلك .
و قوله « و المحسوسة لاصحاب اليمين و المعقولة للمقربين » و استدل علي هذا ٱلتقسيم بقوله تعالي و لمن خاف مقام ربّه جنّتان و هو غلط لان المفسّرين و غيرهم من اكثر العلماۤء يذهبون الي انّ المراد بمن خاف مقام ربه هنا [ص 155] المقرّبون و انّ الجنتين لهم بمعني ان كل واحدٍ من المقربين له جنّتان جنّة عن يمين قصره نالها بفعل الطاعات و جنّة عن يسار قصره نالها بترك المعاصي و لايبعد ان تأوّل اليمني بالمعقولة و اليسري بالمحسوسة و الي ان المراد باهل قوله و من دونهما جَنّتانِ هم اَصْحَاب اليمين بمعنَي اَنّ كُلَّ واحدٍ من اصحاب اليمين له جنّتان جنّة عن يمين قصرِهٖ نالَها بفعل الطَّاعات و جنّة عن يسار قصرِهٖ نالَها بتركِ ٱلمعاصي و كذلك ايضاً لايبعد ان تأَوّل اليمني بالمعقولة لاهل اليمين و ٱليُسرَي بالمحسوسة و هذا التأويل في الموضعين هو الحقّ الذي يشهد له الاعتبار الصحيح و النص الصريح و اما انّ ما في قوله و لمن خاف مقام ربّه جنّتان للمقرّبين يوم القيمة و ما في قوله و من دونهما جنّتانِ لاَصْحابِ اليَمينِ فالّذٖي يُفٖيدُه احاديث اهل العِصمة عليهم السلام انّ قوله و لمن خاف مقام ربه جنَّتان يراد منه ان من خاف مقام ربه من المقربين و اصحاب اليمين فله في الاخرة جنّتان جنّة معقولة و جنّة محسوسة الّا ان كلي الجنتين لكل واحدٍ من المقربين و اصحاب اليمين بنسبة رتبته في الشرف كما اشار سبحانه اليه بقوله انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ يعني في الدنيا و للٰاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلاً و لميرد تعالي انّ المقربين لا محسوسة لهم و اصحاب اليمين لا معقولة لهم بل لكل من النوعين معقولة و محسوسة و انّ قوله و من دونهما جنتان يراد منه ان لكل واحدٍ من النوعين جنّتين مدهاۤمّتين اذا مات في البرزخ لان الجنّتين المدهاۤمتين من جنانِ الدنيا و لهذا تخرج في الرجعة قبل القيمة الكبري كما في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال و عنْد ذلك تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ما وراۤء ذلك بما شاۤء اللّه ه ، و انهما جنّة ادم عليه السلام فيَكون قوله و من دونهما اي من قبلهما يعني في الدنيا اي في البرزخ و من دونهما اي اقلّ و اضعف من جنّتي الاخرة [ص 156] و الحاصل لاصحاب اليمين جنّة معقولة و جنّة محسوسة كما للمقربين و ان كان كلّ بنسبته و الاية ليس فيها دلالة علي مدّعاه الّا اِنْ اراد تأويلها فان التأويل طريق واسع .
و قوله « و هم العلّيّون » يريد بهم انّ المقرّبين في تلك الحال اي حال كونهم اهل الجنة المعقولة فانهم هم العلّيّون اي ملاۤئكَة كروبيّون و هو صحيح علي ما نريد نحن من كونهم ذوي حالاتٍ هذه احدُ حالاتهم لا علي ما يريد هو من كونهم ذوي حالةٍ واحدة قد انخلعوا عن الحالة المحسوسة و كذا الكلام في قوله و كذا النار نارانِ محسوسة و معنويّة بمعني ان المتبوعين اعني الائمة الذين يدعون الي النار لهم نار معقولة و نار محسوسة و للاتباع نار معقولة و نارٌ محسوسة بنسبتهم و ذلك كما قال سبحانه و لكل درجات مما عملوا .
و قوله « و كلّ من الجنّة و النار المحسوستين عالم مقداري » اِنْ اراد به انّ الجنّة المحسوسة و النار المحسوسة من عالم الاجسام المعروضات و انّما الجواهر الجسمانية صور للنفوس و لميرد انّهما اعراض مقدارية بل ذوات قاۤئمة بنفسها كالطعام و الشراب و الحور و الولدان و القصور فهو كذلك و امّا ان اراد انّها صور و اعراض بمعني انّها تصوراتٌ خياليّة و تخيّلات نفسانيّة كما ذهب اليه بعضهم فهو باطل و قد تقدم ما يشير الي هذا في قوله ما معناه ان جميع ما في الجنّة من النعيم من القصور و الولدان و الحور و المأكل و المشارب و المناكح و غير ذلك كلّها موجودة بِوجود المؤمن لانها كلّها من نوع النيات و الاعتقادات و قد ذكرنا هناك ما يلزمه فراجع .
و قوله « احديهما صورة رحمة ٱللّهِ » و هي جميع الجنّة المحسوسة و ما فيها من النّعيم بل المؤمن نفسه في الدنيا و الاخرة صورة رحمة اللّهِ لانّ ماۤدّته [ص 157] من نور الله و هو اثر فعله و صورته من رحمة اللّه لانّ حدودها هيئات طاعته « و الاخري صورة غضبه » اي النار المحسوسة لان ماۤدّتها من الماۤء الاجاج و صورتها من صورة غضب الله لانّ حدودها هيئات معصيته .
و قوله « لقوله و من يحلل عليه غضبي فقد هوي » يعني انّ حلول غضب اللّه اعوذ بالله من غضب اللّهِ محسوس لانه يفني من وقع عليه و يقصمه فاستدلّ علي المحسوسيّة بالحلول المحسوس فافهم .
و قوله « و كما ان الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض كما برهن عليه لقوله سبقت رحمتي غضبي و قوله عذابي اصيب به من اشاۤء و رحمتي وسعت كل شيءٍ » يشير به الي ما ذكروه من كون الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض حيث انه سبحانه قال سبقت رحمتي غضبي لان الرحمة خلقت اوّلاً و بالذات لانها مطلوبة له تعالي لذاتها و محبوبة عندَه لانها عالم فاحببتُ ان اعرف بخلاف الغضب و لمّا كانت هذه الرحمة اعني التي وسعت كل شيء مخلوقة و المخلوق لايكون بسيطا اذ لايتحقق الّا باعتبارين اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه وجب ان يخلق له دعامة يتقوّم بها و لاتكون من نوعه و الّا لماتحقّق الاعتباران فوجب ان تكون من خلافه و خلاف الرحمة لايكون رحمة فكان غضباً و الغضب ليس مراداً لله سبحانه لذاته بل لتقوّم المحبوب عند الله و هو الرحمة فخلق الغضب ثانيا و بالعرض فلذا قال سبقت رحمتي غضبي فكان كلامه سبحانه في كتابه جارياً علي طبيعة الايجاد فينسب الرحمة اليه و ان كانت من فعله لاجل محبّتها بالذات و ينسب العذاب الي فعله لبيان العرضيّة قال تعالي ان ربّك سريع العقاب و انه لغفور رحيم فلذلك خلقت الجنّة بالذات لانها خلقت من الرحمة و دار الرحمة و اهلها و خلقت النار بالعرض لانها خلقت من الغضب و دار الغضب و اهله .
[ص 158] و قوله « و تحت هذا سرّ » يريد به ان تحت كون الرحمة خلقت اوّلا و بالذاتِ و الغضب خلق ثانيا و بالعرض و ان الجنّة خلقت بالذات و النار خلقت بالعرض سرّاً مكتُوماً عن عوام الناس و هو انّ الامر الذي يتعلّق بالتكليف و بالعقاب علي المخالفة اسهل ممّا يظهر فانهم يقولون انا تتبّعنا كتاب الله العزيز و وجدنا كل موضعٍ ذكر فيه الرحمة و الغضب او العذاب يكون جانب الرحمة راجحاً علي جانب العذاب و جهة العَفْو ارجح من جهة العقوبة مع ما ثبت من غناه سبحانه عن عذاب عباده العاصين و حاجتهم الي عفوه و رحمته و ان ملكه لايزيد بالعقوبة و لاينقص بالعفو و انّما اظهر لهم هذه التشديدات تخويفاً للعاصين ليرتدِعوا عن المعاصي كما قال تعالي و مانرسل بالايات الّا تخويفا ، و ايضا اذا كان النار خلقت بالعرض لايدوم عذابها بل يأُول حال اهلها الي التنعّم بما فيها من انواع العذاب و اقول اعلم انّ الصّوفية ذهبوا الي هذا و مثله ليهوّنوا علي انفسهم الخطب و ليتوصّلوا الي الراحة من مشقّة التكليف حتي ان كثيراً منهم اباح كلّما منع اللّه سبحانه منه فتركوا العبادات كلها و فعلوا المحرّمات كلها و اقسموا باللّٰهِ العظيم انّ مـٔال امرهم مع فعلهم هذا الَي النّعيم المقيم و يكفيهم من جميع ما يريد اللّه منهم قولهم لا اله الّا الله و يأوّلون علي مطلبهم هذا قول النبي صلي الله عليه و اله من قال لا اله الّا اللّه مخلصاً دخل الجنّة ه ، و اقول امّا ما وصفوا من غني الله سبحانه عن عبادة عباده و عن تعذيبهم و ان ذلك لايزيد في ملكه بالعقاب و لاينقص بالعفو و الثواب فهو فوق ما ذكروا و اعلي و اجلّ بما لَايدخل تحت وهمٍ من الاوهام و امّا ما ذكروا من تهوين الخطب في نفس التكليف و ما يترتّب عليه فهو مبطل لاحكام الكتاب و السّنة و اخباراتهما و ذلك تقوّل علي الله سبحانه و علي رسوله صلي الله عليه و اله و الله سبحانه و رسوله صلي الله [ص 159] عليه و اله منهم بريۤئانِ بل كذبوا و لعنوا بما قالوا بل قد يقع باهل المعاصي ما لميذكر ظاهراً لا في الكتاب و لا في السنّة كما اشار سبحانه اليه في قوله و بدا لهم من الله ما لميكونوا يحتسبون لانه و ان كان الله عز و جل لايجازيهم الّا باعمالهم السيئة الّا ان الخلق لايكادون يحيطون بشيء لانّ اللّه يعاقبهم ان لميعف بما يترتب علي معاصيهم في علمه و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء ان يعلموه من ذلك و ما شاۤء منه اظهره لهم في ظاهر كتابه و ظاهر سنة نبيه صلي الله عليه و اله و ما اخفاه في الكتاب و السنة اكثر مما اظهره فيهما و اعظم فلايخرج احد من خلق اللّه عز و جل عن قصور و تقصير في حق اللّه تعالي لانّ كل ما في الامكان قاصر عن كل ما ينسب الي الازل و مقصّر عن اداۤء ما هو اهله تعالي اذ كل ما في الامكان من الاداۤء و الوفاۤء نعمة من اثر ما لِلّهِ علي خلقه و من ذٰلِك الاثر ذوات العاملين المؤدّين و الموفين و الاداۤء و الوفاۤء صفاتهم فكيف يصحّ مقابلة المؤثّر بصفة الاثر فافهم .
قال : و قد علمتَ ان ليس لهما مكان في ظاهر هذا العالم لا في علوه و لا في سفله لان جميع ما في امكنة هذا العالم متجدّدة داثرَة مستحيلة فانية و كل ما هو كذلك فهو من الدنيا و الجنّة و النار من عالم الاخرة و عقبي الدار نعم لكل منهما مكان في داخل حجب السموات و الارض و لكن لهما مظاهر في هذا العالم بحسب نشأتهما الجزئيّة و عليه تحمل الاخبار الواردة في تعيين الامكنة لاحدهما كما في قوله (ص) ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة و قوله قبر المؤمن روضة من رياض الجنّة و قبر المنافق حفرة من حفر النار و ما روي انّ في جبل اروند عيناً من عيون الجنّة و روي عن ابيجعفر عليه السلام انّ للّهِ جنّةً خلقها في المغرب و ماۤء فراتكم هذه يخرج منها و روي ان برهوت وادٍ من اودية جهنم و الروايات فيها كثيرة متخالفة الظواهر [ص 160] ذكرنا وجه التوفيق بيْنها في كتاب .
اقول قد ذكر فيما تقدم ان الجنّة و النار ليس لهما في هذا العالم مكان لان السموات متطابقة ليس فيها و لا بينها فضاۤء بناۤء منه علي انّ ظاهر هذا العالم العلوي منه و السفلي متماسك بعضه علي بعض من محدب الفلك الاطلس الي اسفل التخوم و علي انّ الجنان و النيران ليست من نوع هذه الاجسام و انما هي معنوية ان كانت معقولة و صوريّة ان كانت محسوسة فهي من الجبروت و الملكوت فيكون لكلٍّ منهما مكان في داخل حجب السموات او الارض فان كانت جنّةً معنويّة فمكانها في باطن حجب السموات و ان كانت جنّة محسوسة فمكانها في ظاهر حجب السموات و ان كانت نارا معنويّة فمكانها في باطن حجب الارضين و ان كانت ناراً فمكانها في ظاهر حجب الارضين .
و اقول قد تقدّم ذكر هذا و ذكرنا عليه ان الجنّة جنّتان امّا المعنويّة فمكانها الجبروت و وقتها اعلي الدهر و منها ما هو في عالم اللاهوت اعني الوجود الراجح وقته السرمد و امّا المحسوسة فمكانها الملك و وقته الزّمان و منها ما هو في الملكوت الاعلي و وقته اسفل الدهر و اوسطه و امّا النار المعنويّة فمكانها الملكوت الاسفل و ما تحته كك ، و امّا النار المحسوسة فمكانها الملك كذلك يعني ان وقتهما بنسبتهما في الرتبة و اعلم انا ذكرنا مراراً ان عالم الملك باق ابداً لا فناۤء له و لا نفاد و لا دثور و كذا عالم الملكوت و عالم الجبروت امّا عندهم فلا اشكال في الجبروت و الملكوت و انّما يمنعون بقاۤء الملك و وقته اعني الزمان و قد ذكرنا ان هذا القول انكار للبعث و انّ الحقّ ان العوالم الثلاثة باقية ابد الابدين هي و اوقاتها و ان بقاۤءها علي حدٍّ واحدٍ بمعني انها باقية بابقاۤء الله سبحانه بدوام امدادها متصلاً لا ببقاۤئه كما [ص 161] توهمه المصنّف و اتباعه و ان كيفيّة امداده ● انه تعالي يُمِدّها مما خلقها منه و بيانه ان ما تحلّل منها و فني بالفقر و الامكان اعاده لها بحالٍ اكمل منه قبل الفناۤء و التحلّل و كسره به و صاغه به صيغة اكمل من الصيغة الاولي و اقوي و اصحّ و احدّ و ابقي و اصفي و اعلي و انور و اغلي و هكذا بلا نهايةٍ كلّ ثانية اعلي و اجلّ و اكمل من الاولي و التحلّل و التبدّل في الملك و الملكوت و الجبروت علي حدّ سواۤء كلّ بنسبته في الدنيا و الاخرة لان هذا حال الممكن اذ كل ما سوي الازل عز و جل متجدّد متغيّر و الباقي علي حالٍ واحدة لايتغيّر و لايتبدل و لايتحوّل هو الواحد عز و جل فلكل من المقربين و اصحاب اليمين جنان معنويّة ملكوتية و جبروتية و محسوسة جسميّة ذاتية و صوريّة وصفيّة و لكل من الجاحدين الكافرين و المنافقين و اتباعهم نيران معنويّة تطّلع علي الافئدة ملكوتية و ما تحت ذلك و نيران محسوسة ملكيّة كما ان المؤمنين لهم في هذه النشأة الدنيوية اعني النشأة الاولي اجسام ملكية و اوصاف جسمانية و لهم نفوس و ارواح و عقول ملكوتية و جبروتية و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و ان عليه النشأة الاخري و الاخري كالاولي مَن عقل الاولي عرف الاخري و هذه السموات و الارض اللّتان في الدنيا هما اللتان في الاخرة كما ان الاجساد التي في الدنيا هي التي في الاخرة و لكنها تصفّي و تطهّر و يبرز باطنها القوي المتماسك كما تصفي الاجساد و تطهّر و يبرز باطنها القوي المتماسك و الجنان تبرز فوق هذه السموات بعد تصفيتها و تطهيرها و السموات و ان كنّا الأن قاۤئلين بانها دخان كالبُخارِ و يوم القيمة كذلك فان الجنان و اجساد اهلها فوقها و لايذهب عليك انه كيف يحمل ما هو كالبخار الاجسام الثقيلة فان الارض لاتحمل الاجساد الثقيلة بتماسكها و انما الحامل لها هو الحي القيوم تعالي فان الله تعالي يحملها علي ما هو كالبخار و الطف الاتري ان المؤمن اذا طهر ظاهره و باطنه [ص 162] من الذنوب مشي علي الماۤء و علي الهواۤءِ و الله سبحانه يقول اولميروا الي الطير مُسَخَّراتٍ في جوّ السّماۤء مَايمسكهنّ الّا اللّه و قال رَفع ٱلسماۤء بغير عمدٍ ترونها ، و لو اراد المصنّف انّ الجنان و النيران ليس لهما مكان في ظاهر هذا العالم بمعني انّ هذا الظّاهر متغيّر بالتّصفية و انّما مكانهما فيه بعد التصفية كما يقال اَنَّ هذا هو مراده لكان صحيحاً و لكنه يلزمه مساواة الاشياۤء قبل التّصفِية و بعدها في ٱلافتقار الي المدد في بقاۤئها و ان كان كلٌّ بنسبته في التّحقق و لمّا جعل المجردات القادسة باقية ببقاۤء اللّه تعالي لا بابقاۤئه و جعل اهل الجنّة عليّين و انّ ما وَصل هناك كلّه من الجبروت و الملكوت و اَخْرج الملك من عالم الاخرة قلنا عليه ما سمعتَ و عباراته موهمة لخلاف ما قلنا و لكن اذا تَتَبّعْتَ كتبه رأيتَ انّه قاۤئل بما نسبنا اليه و اعلم ان الجنان المحسوسة كل جنّة فوق سماۤءٍ و في خلال ما فوقه فالجنّة السفلي فوق السماۤء الدنيا السفلي و في خلال الثانية و الجنّة الثانية فوق السماۤء الثانية و في خلال الثالثة و الجنّة الثالثة فوق السماۤء الثالثة و في خلال الرابعة و هكذا الي الجنة السابعة فوق السماۤء السابعة و في خلال الكرسي و الثامنة فوق الكرسي و في خلال العرش و ذلك مثل ما كنا الأن فوق الارض و في خلال الهواۤء فكلّ جنّة فوق سماۤء و اليه الاشارة بقوله لاتفتّح لهم ابواب السماۤء و لايدخلون الجنّة و قد تقدم ان السموات و الارض يبدّل و تكشط و ان معني كشطها و تبديلها تصفيتها و ان اهل الجنّة المحسوسة علي ارضٍ تقلّهم كما قال تعالي حكاية عنهم و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعده و اورثنَا الارض نتبوّء من الجنةِ حيث نشاۤء و تحت سماۤء تظِلّهم كما في الحديث ان الجنة ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن .
و قوله « و لكن لهما مظاهر في هذا العالم بحسب نشأتهما الجزئيّة » اي للجنان [ص 163] و النيران المحسوستان مظاهر في هذا العالم و هذا صحيح و امّا قوله « بحسب نشأتهما الجزئيّة » ليس علي اطلاقه بصحيح لانّ المحسوسة جزئيّة ( و العقلانية ليست بجزئية لا في الدنيا و لا في الاخرة ) في النشأة الاخرة كما في الدنيا و ما سمعتَ من ان المؤمن اذا اخذ الحوريّة او الرمانة من غصنها نبت مكانها غيرها بحيث لايخلو مكانها من بدلها فانه احداث بَدَلِها من امكانه منها و مثاله في الدنيا اِذَا اشْعَلْتَ سراجاً من سراجٍ فانه يكون عندك سراجٌ كالاوّلِ و الاوّل علي حاله و ان اراد بذوات المظاهر الجنان المعنويّة او الاعم اتّجه بعض معاني كلامه علي اصطلاحهم في الجزئي و الكلّي بمعني ان هذا المظهر فيه شيء من الجنان المعنويّة يظهر اثره في الدنيا بلذّة الاقبال علي اللّه و لذّة مناجاته و انشراح الصدر بالاسلام و برد القلب بالايمان وَ حُبّ المعرفة في ٱلفؤاد و قوله صلّي اللّه عليه و اله ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة ، لَهُ مَعْنيً ظاهر كما اَشَار اليه المصنف و معنيً باطن بَيَّنَه الصّادق عليه السلام بما معناه المراد من القبرِ علي بن ابيطالب عليه السلام و من المنبر القاۤئم عليه السلام عجّل اللّٰهُ فَرَجَهُ وَ ما بَيْنَهُمَا الاَئِمّة عليهم السلام و هم الروضة الّتي اشار اليها صلي اللّه عليه و الِهٖ و اَمّا جَنّة القبر و كونه روضة من رياض الجنة ● و كونه حفرةً من حُفَر النَّارِ فالمراد بهذه الجنّة الّتي قبر المؤمن روضة منها جَنّة الدُّنْيٰا التي هي المدهاۤمّتان وَ النَّار الّتي قبر المنافق حفرة من حُفَرِها نار الدّنيا الّتي في المشرق و هذه المواضع اعني مواضع الجنّة و مواضع النّار من جنّة الدّنيا و نار الدّنيا بمنزلة الاعضاۤء من الانسان اي من جسده او روحه فافهم و مثل ما روي انّ في جبَل اروند عَيْناً من عيون الجنّة و ما روي عن ابيجعفر عليه السلام انَّ لِلَّهِ جنّةً خلقَها في المغرب وَ مَاۤءُ فراتِكُمْ هٰذِهِ يخرجُ منها و روي انّ ٱلفرات و النّيل و سَيْحان و جَيْحان تخرُج منها و الاحاديث في ذلك كثيرة و هذه الجنّة اعني [ص 164] جنّة الدُّنْيَا التي هي جنّة ادم (ع) المدهاۤمّتانِ كما مر في الاقْليم الثامن عند مغرب الشمس اسفلها علي محدّبِ الفلك الاطلس رتبةً لا مكاناً اذ لا مكان و لا شيء خارج فلك المحدّد لان جميع الاكوان غيبها و شهادتها فيه و ما ثبت ان هذه الانهار الاربعة تجتمع من الامطار و السيول من الجبال و من ينابيع تجري من الاَرْضِ لاينافي كونها خارجة من الجنّة فان الملاۤئكة حملت تلك المياه الاربعة اغترفتها من البسملة فماۤء الفرات غرفته ملاۤئكة الماۤءِ ماۤء من ميم بسم من بسم الله الرحمن الرحيم و ماۤء سيحان اغترفته ملاۤئكة اللبن من هاۤء الله ماۤء و ماۤء جيحان اغترفته ملاۤئكة العسل ماۤء من ميم الرّحمن و ماۤء النّٖيل اغترفته ملاۤئكة الخمر ماۤء من ميم الرحيم و هذه الانواع الاربعة من الملاۤئكة اَلْقَتْ ما اغترفته علي الرياح و الرياح القته علي السحاب و السحاب القاه علي الارض فمنه ما سلكه ينابيع في الارض و منه علي الجبال فسالت السيول و نبعت العيون و جرت المياه الاربعة في الانهار الاربعة المذكورة فجري ماۤء ٱلفرات من ماۤء الميم و هو الماۤء في انهار الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء سيحان من لبَنِ الهاۤء و هو نهر اللبَن في الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء جيحان من عسل ميم الرّحمن و هو نهر العَسل في الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء النيل من خمر ميم الرحيم و هو نهر الخمر في الجنّة يوم القيمة و ما سمعت من هذا التّفصيل اخذناه كله من معاني الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام علي سبيل الاقتصار و اما برهوت فهو وادٍ من اودية جهنم في حضرموت من اليمن و في برهوت عين يسمي ببلهوت و تلك البئر احرّ ماۤءٍ علي وجه الارض تأوي اليه الهام و ارواح الكفار تعذّب فيه الي قيام الساعة و تصدر تلك الارواح الخبيثة الي النار التي في المشرق عند مطلعِ الشمس و فيها يعذّب قابيل ابن ادم و قد وكِّلَ به عشرة رجالٍ اذا مات احدهم قام غيره مقامه يصبّون علي قابيل في الشّتاۤء [ص 165] الماۤء البارد و في الصيف الماۤء الحاۤرّ و هكذا الي يوم القيمة و قد تقدّم فيما ذكرنا سَابِقاً مَعَ هٰذَا ما فيه توفيق بين ظواهر الاخبار و بين المعروف عند الناس .
قال : و العجب من عاقل يشكّ في النشأة الاخرة و الجنّة و النار المحسوستين و لايشكّ فيما يراه في المنام و ايضا الدنيا و الاخرة داخلتانِ تحْت مقولة المضاف لان احدهما مأخوذة من الدنو و الثانية من التأخر و هما حالتان للانسان ادناها الدنيا و الاخري الاخرة و المتضاۤئفان يعرفانِ معاً فمن لميعرف الاخرة و لميصدّق بوجودها بالحقيقة ماعرف الدنيا ايضا كما قال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون و كذلك اني لاعجب ● من اكثر الفلاسفة و اتباع ارسطاطاليس كابيعلي و من يحذو حذوه حيْث انكروا غاية الانكار ان للنفس كينونةً اخري قبل البدن مع اعترافهم انّ لها كينونةً و بقاۤءً بعد البدن و من هذا القبيل من يشكّ في حشر هذه الاجساد و عودها الي الاخرة و يقول اين تذهب هذه الاجسام بعد خراب الدنيا و لايشكّ في حدوثها و لايقول من اين جاۤءت هذه الاجسام .
اقول تعجّب المصنّف من عاقل له بصيرة في العلوم و الحكمة يتوقّف في شيء من احوال الاخرة مذكور عند اهل الملَلِ و في الجنّة و النار المحسوستين و لايتوقّف و لايشك فيما يراه في المنام في انه رأي اشياۤء في نشأةٍ غيرِ نشأةِ يقظتِهٖ حتي انه رأي من ماتَ من اسلافه و احوالهم الماضية كما هي قبل ذهابها فانّ العاقل العارف يستدلّ بعودها في المنام بعد ذهابها علي عودها بعد ذهابها يوماً لانّ عودهم في المنام بعد عدمهم و فقدانهم دليل لمن له قلب ممّن يشاهد ما غاب عنه عياناً فيما حضر عنده او القي السمع و هو شهيد اي استمع ممّن له قلب و هو حاضر القلب مُصْغٍ اصغاۤءَ تفهّمٍ قد اجتمع قلبه لذلك و هما اللذان ينظران بالفُؤادِ [ص 166] و يستدلّانِ بدليل الحكمة و لقد روي ما معناه انّ نبيا من انبياۤء الله دعا قومه الي عبادة الله و الاقرار بالتوحيد و العدل و النبوة و الايمان باليوم الاخر فانكروا البعث و قالوا ان كنتَ صادقاً فائتِ بٰاباۤئِنا الذين ماتوا فالقي اللّه عليهم المنام و الرؤيا فرأوا آبٰاۤءهم احياۤء و تلاقوا معهم في المنام و تعارفوا فاستدلّوا بذلك علي البعث فنبّه صلي الله عليه و اله علي عموم جهات الاستدلال بذلك فقال كما تنامون تموتون و كما تستيقظون تبعثون .
و قوله « الدنيا و الاخرة دٰاخلتان تحت مقولة المضاف » يريد ان الدنيا انّما سُمِّيت دنيا من الدنو و هو القرب و ذلك يستلزم ضدّه و هو التأخر فالدنيا يعني المدّة الدنيا او الحالة الدنيا او النشأة الدنيا تستلزم المدة الاخيرة او الحالة الاخيرة او النشأة الاخيرة فاذا لوحظ في النشأة الاولية ان بعدها نشئٰاتٍ تُنسَبُ الي الاولية قيل النشأة الاولي بصيغة التفضيل لان بعدها احوالاً كالشيب بعد الشباب تكشف له عن وجوه العِبَرِ فكالبرزخ و كالرجعة و قيام الحجة عليه السلام عجل اللّه فرجه وَ اذا لُوحِظ انه ليس بعد يوم القيمة حالة ترجَي غير ما كان اتي بصيغة التفضيل فقيل النشأة الاخري و لا ريب ان تسميتهما من مقولة المضاف كما اشار اليه المصنف فمن عرف ذلك مؤمناً به اعترف بالاخرة علي حدّ ما مُثِّل له و عاينه من النشأة الاولي و من ذلك كمثل حبّة انبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ و الله يضاعف لمن يشاۤء و الله واسع عليم ضرب مثلا لمن انفق ماله في سبيل الله .
و قوله « فمن لميعرف الاخرة و لميصدّق بوجودها بالحقيقة ماعرف الدنيا » صحيح و يؤيده قوله تعالي و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فانه تعالي عتب علي من علم النشأة الاولي و لميتذكر فيعرف بها النشأة الاخري قال تعالي قل سيروا في الارض اي اقرأوا القرءان و تدبّروا اياته او انظروا في الافاق و تدبّروا فانظروا كيف بَدأَ الخلقَ ثمَ الله يُنشئ [ص 167] النشأة الاخرة و مااعمي البصاۤئر عن الاخرة الّا حبّ الدنيا كما قال تعالي يعلمون ظاهراً من الحيوة الدنيا و هم عن الاخرة هم غافلون .
و قوله « و كذلك و اني لاعجب من اكثر الفلاسفة و اتباع ارسطاطاليس ، الخ » يريد اني اعجب من انكارهم وجود النفوس قبل الاجسام علي نحو ما تقدمت الاشارة اليه مع اعترافهم بوجودها بعد الاجسام و ما هذا الّا مثل من انكر النشأة الاخري او شك فيها و هو يري النشأة الاولي فان ثبوت كينونتها بعد البدن دليل علي ثبوت كينونتها قبل البدن و عجبه في محلّه في حقِّ مَنْ يَدّعي العلم و كذا قوله « و من هذا القبيل من يشكّ في حشر هذه الاجساد و عودها الي الاخرة ، الخ » فان مَن عرف هذه الاجساد في الدنيا و من اين اتت فانها لمتكن شيئا ثم جعلها بمشيته شيئا مذكورا و لمتكن مذكورة قبل مشيّته بحالٍ فمن جعلها بمشيته شيئا لا من شيء قادر علي ان يعيدها و هو اهون عليه اي هيّن عليه و له المثل الاعلي في السموات و الارض و للمصنّف في هذه الكلمات الاخيرة اغلاط عظيمة ذكرنا بعضها فيما تقدم منها انّ قوله من اين جاۤءت لايريد بها انها جاۤءت اختراعا لا من شيء بل يريد انها انحطّت من وجوهها التي في ذاته الازلية انحطاط الظل من الشاخص لانه يقول معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و علي قوله يكون انحطاطها عنه ولادة فلايصح ان يقال لميلد بل يلد و لو قال انه ليس فاقداً لها في ملكه لكان موحِّداً قاۤئلاً بقول المسلمين و لكن ضاع الكلام فلا كلام و لا سكوتٌ مُعجِبُ .
قال : فاعلم يا حبيبي انا جئنا الي هذا العالم من جنة الله التي هي حظيرة القدس التي قدّس بها المقدّسون و منها الي دار الحيوان و جنّة الابدان و منها الي هذا العالم دارِ العمل بغير جزاۤءٍ و نذهب من هذا العالم الي دار الجزاۤء من غير عمل فمن سلمت منّا فطرته و حسنت اعماله فالي جنة الله ان [ص 168] كان من المقربين الكاملين في العلم او الي جنة الحيوان ان كان من اصحاب اليمين و يبقي من ساۤء عمله و اسودّ قلبه تحت نارِ غضب الله في جهنم خالداً فيها ما دامت السموات و الارض الّا ما شاۤء ربّك ان ربّك فعّال لما يريد .
اقول اعلم يا حبيبي انّ اللّه سبحانه ضرب الامثال لعباده و قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحقّ ، و قال الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فقد في العبودية وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اُصِيبَ في العبوديّة الحديث ، و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هاهنا ه ، و من الايات المداد فانه ماۤدّة صالحة للاسم الطيب مثل الله و للاسم الخبيث مثل ابليس لميتميّز الخبيث و الطيب الا بالصورة و كالخشب صالح للباب و السرير و للصنم لميتميّز الطيب و الخبث الّا بالصورة و هذه ايات اللّه التي ضربها في الافاق و نحن خلقنا هكذا من ماۤدة واحدة كما قال تعالي كان الناس امة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين و منذرين ، و من هذا اذا رأيتَ رجلين قاعدتين فنسبتهما قبل الاختبار اليك واحدة فلمّا امرتهما و اطاع واحدٌ باختياره و عصي واحد باختياره كان المطيع بطاعته مطيعاً مقرّبا عندك طيّب الاصل طاهر القلب و لميكن شيء من هذه الاحكام الّا بطاعته مختاراً و كان العاصي بعصيانه عاصياً مبعّداً عندك خبيثَ الاصل نجس القلب و لميكن شيء من هذه الاحكام الّا بعصيانه فالماۤدّة بالطاعة التي هي صورة من صور الرحمة و من الجنّة تكون طيبةً منيرة و بذلك تكونُ من النور لا بمعني ان الطاعة كاشفة عن كون المادة طيّبةً بل بمعني انّ الطاعة تقلِبُ المادة الي حقيقتها بمعني ان اللّه سبحانه يقلب المادة بالطاعة نوراً و يجعلها بها طيّبة [ص 169] و يقلب الماۤدةَ بالمعصية مظلمة و يجعلها بها خبيثةً كما قال تعالي بل طبع اللّه عليها بكفرهم و ليس كما توهّمه المصنف و الاكثر من ان الماۤدّة الطيبة خُلِقت من النور ابتداۤء و اختراعاً لا من حيث قابليتها و ان المادّة الخبيثة خلقت من الظلمة ابتداۤء و اختراعاً لا من حيث قابليّتها بل لا مدخل لشيء في طيب الطيبة و خُبث الخبيثة سوي نفس فعل الله تعالي و مشيته خاۤصة و قد ملئوا من هذا المعني الكتب و الدّفاتر و السطور و القلوب و الخواطر و الصدور و هو غلط لايأول الي شيء من الحقّ بل الحق ما اشرنا اليه و التحقيق ما نبّهناك عليه من ان كل ما خلقه اللّه تعالي فمن مادةٍ متماثلة في اجناس الجواهر و في انواع الاجناس و في افرادِ الانواع فميّز بين اجناسها بالمميّزات الجنسيّة و ابان بين انواعها بالمميزات النوعيّة و عيّن بين اشخاصها بالمميزات الشخصيّة و كل شيء من المميزات في المراتب الثلاث امرٌ وجودي حقيقي لا اعتباري و هي حدود قابليات الاشياۤء للايجاد و بها ميّز بينها و بها احدثها و بطيّبها جعل المميّز بها طيّبا و بخبيثها جعل المميّز بها خبيثا لانه تعالي خلق الماۤدة صالحة لكلٍّ من الامرين بما جعل فيها من التمييز و الاختيار فجعل عز و جلّ ما اجاب دعوته الاجابة الحسني طيّبا باجابته و نوراً بقبوله و جعل ما اجاب دعوته الاجابة السوۤءي خبيثاً بانكاره و ظلمة بعدم قبوله و ما تسمع من احاديثهم عليهم السلام من انه تعالي خلق ذلك الشيء من النور فمعناه انه خلق مادته بقبولها الدعوة التي امر بها من النور و خلق صورته من الجنّة بما اختار من لباس التقوي و خلق ذلك الشيء من الظلمة بمعني انه خلق ماۤدته بعدم قبولها للدعوة التي امر بها من الظلمة و خلق صورته من النار بما اختار من لباس المعصية و حيث ان المصنف لايفهم الّا ان الطيب خلق ابتداۤء و اختراعا طيبا و الخبيث خلق ابتداۤء و اختراعا خبيثا قال مشيراً الي اصل الاختراع « [ص 170] يا حبيبي انا جئنا الي هذا العالم من جنّة الله التي هي حظيرة القدس التي قدّس بها المقدّسون » و المراد بالحظيرة القدس الجنة و القدس الطهر بمعني انها مقدسة هي و ما فيها من الموت و الفناۤء و الهرم و السقم و الغم و الهمّ و الجهل و الدثور و الزوال و التغيير و الانتقال و التعب و النصب و اللغوب و عن كل ما لاتشتهيه الانفس و تلذّ الاعين و عنده انهم جاۤؤا منها في اصل الاختراع و عندنا انهم جاۤؤا بحقيقةِ ما هم اهله و ان كان كلّ نعمِهٖ ابتداۤء و بيان السرّ دقيق يحتاج الي تطويل كلامٍ و قد اشرت اليه سابقاً و مرادهُ بقوله المقدّسون ان اهل الجنة من المقربين مجرّدون عن المواۤدِّ و الصُّور لاحقون بالارواح القادسة التي لمتدخل تحت كن بل و ليسوا من سوي الله سبحانه و هذا كثيراً ما يلوِّح به و يصرّح و نحن قد بيّنّا بطلان هذا كلّه فيما مضي من هذا الكتاب و في شرح المشاعر و غيره بل هم كغيرهم من اصحاب اليمين في التركيب من المواد و الصور و الافتقار الي المدد و ان كانوا بنسبة حالهم .
و قوله « و منها الي دار الحيوان و جنة الابدان » يعني بها رتبة النفس الحيوانية الحسّاسة الفلكيّة او النفس الناطقة القدسيّة التي هي صدر العقل لا النفس العليا الّتي هي رتبة الفؤاد فانها الرتبة الاولي السابقة و هم اصحاب اليمين في الجنة الّذين نعيمهم في لذّات المطاعم من المأكل و المشارب و الملابس و المناكح و منها الي هذا العالم و هو دار العمل بغير جزاۤء و هذا يريد منه بيان القوس النزولي اجمالاً و الرجوع في القوس الصعودي علي عكس الترتيب علي نحو ما اشرنا اليه سابقاً و هو قوله « و نذهب من هذا العالم الي دار الجزاۤء » و يريد ان الدنيا دار تكليف و عمل بغير جزاۤء الخ ، و هو في الظاهر لا بأس به علي نحو الاجمال و الّا ففي الحقيقة ان هذه الدار دار التكليف بما تكره النفوس [ص 171] و قد يقع الجزاۤء فيها لبعضِ الاعمال لانّ جزاۤء الاعمال يقع في دار نوع الاعمال فان كانت دنيويّة وقع جزاۤؤها في الدنيا كدفع البلايا و اِدْرار الرزق و دفع الٰالام و الفقر و بالعكس في عقوباتها و ان كانت برزخيّة وقع جزاۤؤها في البرزخ كنعيم الروح و نعيم الاجساد في القبور و بالعكس في عقوباتها و ان كانت اخرويّة وقع جزاۤؤها في الاخرة بانواع النعيم في الجنّة و انواع العذاب في النار و امّا الاخرة ففيها تكليف بما تشتهيه الانفس و تلذّ الاعين و ذلك لما برهن عليه في محلّه ان المخلوق لايتعلّق به الايجاد و التكوين و التمكين من التكوين و التمكين من البقاۤء و لا البقاۤء الّا بالتكليف و هذا مما لا ريب فيه عند اولي الالباب .
و قوله « فمن سلمت منا فطرته و حسنت اعماله فالي جنة اللّه ان كان من المقرّبين الكاملين » يريد بجنة الله التي يكون نعيمهم فيها بمناجاته و لذيذ كلامه و سكر معرفته لانهم حينئذ مقدّسون مجردون عن جميع الاكوان و هذا بناۤء منه علي مذهبه من وحدة الوجود لانهم حينئذٍ ليسوا غير الله و قد بيّنه في باب اتحادِ المعقول بالعاقل و المفعول بالفاعل و المحسوس بالحاۤس و نحن قد بيّنّا مراراً بطلان هذا القول و بطلان اصل هذه المسئلة رأساً و ايضا لو كانت الاشياۤء قبل التكليف و قبل ما يترتّب عليه مخلوقة من الجنّة ابتداۤء لعادت الي الجنّة من دون ان تتّصف نفسها و فطرتها بالسلامة من التقصيرات و حسن الاعمال اذ كل شيء يعود الي ما خلق منه و لمّا ثبت انها لاتعود الي الجنّة الا اذا سلمت فطرتها و حسنت اعمالها دلّ علي انّها لمتخلق من الجنّة الّا بسلامة فطرتها و حسن اعمالها فافهم .
و قوله « فالي جنّة الله » يعني به ان المقربين يرجع امرهم الي جنّة اللّه التي يكون نعيمهم فيها و لذّاتهم و شهواتهم بلذيذِ مُنَاجاتِه و النظر الي وجهه لا غير [ص 172] ذلك و نحن قد بيّنّا انّ المقربين افضل نعيمهم و لذاتهم المناجاة و الذكر و النظر و لهم تنعّم بالمأكل و المشارب و المناكح و ان كانت قرّة اعينهم و تنافسُهم في المناجاة بان يسمعوا كلامه و خطابه و يسمع دعاۤءهم و يذكرهم بما يذكرونه و يراهم بما يرونه و لاجل ذلك قال و يطاف عليهم بانيةٍ من فضّة و اكواب كانَتْ قواريراً قواريرا من فضّة قدّروها تقديراً و يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً عيناً فيها تسمي سلسبيلاً و هذه الايات نزلت في سادات المقربين و انّ اصحاب اليمين لهم حالات كحالات المقرّبين من المناجاة و الاستماع و الرؤية بنسبة حالهم لاشتراك الفريقين في احكام العبوديّة و في الظهور في مظاهر الربوبيّة كما اشار اليه سبحانه بقوله و اذا رأيت ثم رأيتَ نعيما و ملكا كبيرا الّا ان كل طاۤئفة تقبل بنسبة جوهرها و طينتها .
و قوله « و يبقي من ساۤء عمله و اسودّ قلبه تحت نار غضب اللّه في جهنّم خالداً فيها ، الخ » يعني انّ من حسن عمله و ابيضّ قلبه رفعته اعماله الي علّيين و من ساۤء عمله و اسودّ قلبه بقي في سجن طبيعته لثقل اغلال اعماله فحطّته الي اسفل سافلين الذي هو محل غضب اللّه و ظاهر كلامه في قوله و يبقي من ساۤء عمله انّ الكلّ مخلوقون في البعد فرفعت المقرّبين اعمالهم الي عِلّيّٖين و بقي في مقام البعد مَن ساۤء عمله اي لمترفعه اعماله و ليس الامر كذلك و يحتمل انّه اراد بقوله يبقي معني يمكث كما تفٖيده القراۤئن و المراد بقوله تحت نار غضب اللّه تحت قاهرية غضب اللّه الّتي يظهر عنها التعذيب بنار جَهنّمَ و قد اشرنا سابقاً و يأتي انشاۤء اللّه الي اَنّ الثواب و العقاب متقوِّمان بالاعمال لان الاعمال صور الثواب و العقاب و ماۤدّة الثواب و العقاب اشراق من امر اللهِ الذي به قامَ كلّ شيءٍ تَحَصَّصَ ذلك الاشراق بصور الاعمال و هذا [ص 173] الاشراق يحمله امر الله و نهيه القوليّان المتعلقانِ بافعال المكلّفين فاذا وافق عمل المكلّف امر الله و نهيه خلق تعالي منهما الثواب و ان خالف خلق منهما العقاب فالعمل كالفصل لحصَص الجنس و كالمشخصات بل هو المجنّس و المنوّع و المشخّص لانه في الحقيقة هو الصورة و لاجل كون الاعمال صور الثواب و العقاب قال تعالي و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون ، و اصل ذلك ان الامداد و المدد اللذانِ لايستغني المخلوق عنهما لا في التكوين و لا في البقاۤءِ منحصران في الرحمة و الغضب و امتثال امر اللّه و اجتناب نهيه طريق رحمته و مخالفتهما طريق غضبه فمن اطاع دخل باختياره الرحمة لانّ ذلك ثمرة عمله و من عصي دخل في الغضَبِ باختياره لانه ثمرة عمله و ليس في الدنيا و الاخرة الّا دار الرحمة او دار الغضب فمن خرج عن احديهما دخل في الاخري و هذا حكم الدارين و اهلهما خالدين فيها ما دامت السموات و الارض امّا اهل الجنّة فمنعّمون فيها ابداً و يشتدّ نعيمهم فيها علي مر الدهور المتطاولة بلا نهاية لزيادة النعيم و اشتداده و دوامه و امّا اهل النار فمعذّبون فيها ابداً و اهل التّصوف كابنعربي و عبدالكريم الجيلاني و ابن عطاۤءالله و البسطامي و امثالهم من العاۤمة و اتباعهم من العامة و الخاۤصّة كالمصنف علي ما نصّ عليه في شواهد الربوبيّة و الملّا محسن علي ما ذكره في النّوادر و غيره و امثالهم قاۤئلون بانقطاع التألّم عنهم و رجوع امرهم الي التنعّم بالعذاب و هو خلاف نصّ الكتاب و السّنة و الاجماع كأنّهم ماقرأوا قول اللّه كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب او قرأوه و مافهموه و اصل هذا توهّم انّ الله سبحانه عدل لايجور و لايظلم العباد و مقتضي العدل انّه لايعذِّب العاصي اكثر من جزاۤء معصيته فاذا عصي عشر سنين لو عذّب احديعشرة سنة مثلاً كان قبيحاً و كان الظالم بمعصيته مظلوماً [ص 174] بمعاقبته اكثر من معصيته و لان العاصي اذا طال مكثه في الجحيم كانت طبيعته ملاۤئمةً لطبيعة النار و كان معتاداً بها فيتلذّذ بالعذاب كالجمرة فانها كانت خشبة فاثّرَتْ فيها النار و احرقتها حتي كانت من نوعها فانست بها بحيث لو اتاها ما ينافي النار و الاحراق كالماۤء اطفأها و افسدَها و كذلك اهل النار بعد تطاوُل الدهور و انقلاب طباۤئعهم كطبيعة اهل النار لو اُدخلوا الجنّة تألّموا بها و اضَرَّتْ بهم كما تضرّ النار اهل الجنّة لو كانوا فيها و لانّ اللّه سبحانه قال و هو اصدق القاۤئلين و رحمتي وسِعَتْ كلّ شيءٍ و لا شكّ انّهم حينئذٍ من الاشياۤء فتسعهم الرحمة الواسعة و لانّهم خلقوا من النّار فاذا عادوا اليها عاد البعض علي كلّه و الشيء لايحرق نفسه و امّا تألّمهم في اوّل دخولهم مع انهم اشياۤء و الرحمة تسع كلّ شيء و انهم من النار خلقوا و الشيء لايحرق نفسه فقد خرج بدليل خاۤصّ و قضاۤء مبرم و امثال هذه التوهّمات و هذا اصل منتقض و اساس منهدم و قد اجبنا عن هذه و اَمْثَالها في رَسَاۤئِلنا وَ مُبَاحَثاتِنا بما لا مردّ لَهُ عند كلّ من له اَدْنَي عقل و اقرب فهم و منه علي جهة الاقْتصار اَنّ العَدل الحق تعالي لايظلم النّاسَ شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون فانّ النِّيَّاتِ و العزيمات اعمال حقيقيّة و اعمال الجوارح آثارها فانّ مَنْ نَظر اَحاديث اهْل العصمة عليهم السلام و عرفها ظهر له ان الاخبار الداۤلة علي انّ نيّة المعصية انّما لمتكتب معصيةً اذا نواها و لميفعل و كانت النيّة نيّة اعمال الجوارح و تركها و لميعملها فانّها لاتترتّب عليها احكام الشرع في الدنيا اَمَّا لو كان المانع له من الفعل عدم التمكن منه فانه يكون يوم القيمة فاعلاً لها و مؤاخذاً بهَا و هذا ممّا لا ريبَ فيه كما صرّحت به الاخبار و اتفقت عليه الفرقة المحقّة من انّ القاۤئم عليه السلام عجّل اللّه فرجه و سهَّل مخرجه يقتل قتلة الحسين عليه السلام و مَن رضِيَ بافعالهم الي يوم قيامه قصاصاً و قد ورد ما معناه لو انّ رجلا قتل رجلاً [ص 175] بالمشرق و رضي بذلك رجل في المغرب كان شريكاً في دمه و يؤاخذ به و يجري عليه حكم القاتل و لاجل ذلك ورد انه انّما خُلِّد اهل الجنّة في الجنّة و اهل النار في النار بنيّاتهم ، يعني ان اهل الجنّة في نيّاتهم انهم لو بقوا في الدنيا ابد الابدٖين انهم يطيعون اللّه و لايعصونه و اهل النار في نياتهم انهم لو بقوا في الدنيا ابد الابدين انهم يعصون الله و لايطيعونه و بذلك العزم و تلك النيّة خلِّدوا و ذلك حيث ساوت النية العمل و قامت مقامه و كذا ما مثّلنا به من مثال الاعمال المنقوش في غيب مكان الفعل و وقته كما تقدم فراجع فعلي هذا لا فرق بين اوّل دخولهم الجنّة و بين ما بعده و امّا ملايمتهم للنار و انقلاب طبايعهم بطبعها حتّي كانوا بعضاً منها فليس بصحيح لانهم لو كانوا كذلك لميكونوا ايّاهم لانّهم انّما تميزوا منها بالمميزات الّتي هي جزؤهم فانهم مركّبون من مادة جنسية او نوعية او شخصيّة و من صورة صبغهم فيها بصبغ الغضب و لو كانوا بعضا منها لماتمايزوا منها و لا في انفسهم بل مقتضي حكم بقاۤئهم لايموتوا و لايخفّف عنهم من عذابها تمايزهم داۤئما و عدم اتحادهم بها ابداً بل كلما تطاولت الدهور قويَتْ انِّيّاتهم التي هي المميزة لهم فلا اتّحاد بينها و بينهم اصلاً .