هُناك ابنُ زين‌الدين احمدُ يشتفي و ذٰلِك امرٌ في احاديثكم سِرُّ

و قوله في قوله تعالي « و اَمّا مَن اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتنٖي لم‌اوتَ [ص 125] كتابيه » فقد مَضَي ما يبيّنه و الاية نزلت في الرابع و لم‌ادر ما حسابيه بل كنتُ تراباً او لم‌اُخْلَق و يا ليتَ ما جري عليّ من شدّات الموت و سؤال القبر و عذاب البرزخ كانت قاضية في العقوبة و المجازاة عن هذه الاهوال و شدّات الحساب و العذاب في الجحيم و انما كان ذلك منه و جري عليه لَيْسَ لكثرة اشتغاله بالدنيا و لذّاتها و تلهّيه عن الاخرة و سرورها و خيراتها بل لعدم ايمانه بالاخرة حتي انّ من نزلت هذه الاية في حقه لمّا حضرته الوفاة قالت له زوجته انّي لااتزوّج بعدك و هي تريد حتي تكون انت زوجي في الاخرة فانشأ يقول :

اذا مُتُّ يا اُمَّ الحُمَير فاَنكحي فليس لنا بعد الممات تَلاقيا

و اِنْ كنتِ قد خُبِّرْتِ عن مَبْعثٍ لنا اَحاديث لهوٍ تجعل القلبَ واهِيَا

و مثله قال ابوه و قد دخل علي الثالثِ في اول خلافته في المسجد فقال يا ابن اخي علينا عين قال لا قال تداوَلوا فِتيانَ بني‌اميّة الخلافة فو الذي نفس ابي‌سفيان بيده ما مِن جنّةٍ و لا نارٍ ه‍ ، فاذا كان لايؤمن بالاخرة و لايخافها لم‌يعمل لها فكان جميع اعماله للدّنْيا علي مقتضي شهوة نفسه و هويٰها فاقتضي العدل الذي جرت عليه الخليقة اِعطاۤء كلِّ حَقٍّ حقّه علي حسب القوابل فاعمال الاخرة بالعقل الذي هو الجانب الايمن يأخذها العامل لها بيمينه و من اَمامِهٖ و اعمال الدّنيا بالنفس و هويٰها التي هي الجانب الايسر فيأخذها العامل لها بشماله و من وراۤء ظهره كما ذكرنا سَابقاً و الدّنيا ممَرٌّ و الاخرة مقرّ و المقرّ اطول من الممَرّ و ادوم فاذا كانت الاخرة جاۤء من لم‌يعمل لها شيئا لانّها عنده عدم و ليس عنده شيء من الزاد لدارِ مقرّه الذي لا نهاية له و لا غاية و يري ما اعدّ له من لوازم اعماله و مسبّباتها من العذاب الاليم الداۤئم الذي لاينقطع و كان قد هُدِي الي النجاة و النعيم الداۤئم فاستحبّ [ص 126] العمي علي الهدي و الهلاك علي النجاة مع قدرته علي ما ينجيه و تمكّنه منه فلذا قال يا ليتني لم‌اوت كتابيه و لم‌ادرِ ما حسابيَهْ يا لَيْتها كانت القاضية الايات .

و قوله « و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره فسوف يدعو ثبوراً و يصلي سعيراً » قد قدّمنا عليه انّ كلامه يحتمل ان الاقسام في اخذ الكتاب ثلاثة مَن اوتي كتابه بيمينه و من اوتي كتابه بشماله و من اوتي كتابه وراۤء ظهره و قد تقدّم رَدُّهُ و لو اراد انّ مَن اوتي كتابه بشماله قسمان قسمٌ يؤتي كتابه بشماله لا غير بان يؤتي كتابه من اَمامِه او مطلقا فيأخذه بشماله و قسم يأتيه من ظهره فيضربه و يخرق ظهره و صدره فيأخذه بشماله لكان محتملاً الّا انّي لم‌اقف صريحا او احتمالاً راجحاً ما يدلّ عليه و اما ذكره من توجيهه فيما بعد هذا فتخريج صوفي لايدلّ عليه كتاب و لا سنّة ثمّ انّ من اوتي كتابه بشماله لايقدر علي ان يأخذَهُ بيمينه لان يمينه مغلولة الي عنقه حيث لم‌يُطْلِق جِهَتَها في دار الدنيا بالعمل الصالح .

و قوله « و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره فسوف يدعو ثبورا و يصلي سعيراً » اما دعوة الثبور فلتعلّق نفسه بالامور الهالكة الفانية فيعني به ان اعتمادَهُ في دار الدنيا كان علي شهوات نفسه و اتّباع هويٰها و حظّ ذلك و امثاله من التحقق و البقاۤء مدة تمتّعه بها فاذا كان توهم انه احسن الصنع و هو قد طلب الرِّيَّ من السراب جاۤءه يوم القيمة و لم‌يجده شيئا و ذلك وقت انقِطاع التدارك و التلافي و لم‌يبق الّا الندم و الحسرة دعا وا ثبوراه وَا هَلاكاه وَا حسرتاه .

و قوله « و امّا صلي السعير فلكون كتاب الفجّار المنافقين من جنس الاوراق المسوّدة الباطلة القابلة للنسخ و التبديل و التغيير اللّاۤئقة للاحتراق بنارِ ٱلسَّعير » فماادري ما يفهم من الكتاب و ظاهر كلامه انّه يريد انّ الكتاب شيء [ص 127] من نوع القراطيس و لهذا قال من جنْسِ الاوراق يعني شيئا تكتب فيه الاعمال كتابةً من جنس كتابتِنا لكلامنا فتأمّل في فهم مدّعي الاسرار و الاطلاع علي حقاۤئق الاشياۤء مع انّ الكتاب هو ما يكتب في القرطاس لا القرطاس كما قال تعالي و لو نَزّلْنا عليك كتابا في قرطاس و قال تعالي و كتاب مسطورٍ في رَقٍّ منشور و كلامه هذا في الكتاب كلام عواۤمّ النّاس و فهمهم و مع هذا فهو عنده غير معلوم لانه قال من جنس الاوراق المسوّدة و لاجل انه مايفهم من معني الكتاب الّا ما تفهمه العوام قال القابلة للنسخ و التبديل اخذه من لفظ قوله تعالي انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و القابلة للتبديل و التغيير تليق للاحتراق اي الكتب مع انّ المراد من الاية ان صاحب الكتاب هو المحترق بنار السعير لا الكتاب فانظر هذا الخبط العظيم من هذا العالم الحكيم الّذي يدّعي ان جميع نتاۤئج علومه من عند اللّه من باب الاختصاص لا من باب التعلّم .

قال : و اما الكافر المحض فلا كتاب له و المنافق سلب عنه الايمان و لاتقبل منه صورة الاسلام كما يقبل من العواۤم و الضعفاۤء و يقال في حقّه كان لايؤمن باللّهِ العظيم فيدخل فيه المعطّل و المشرك و الجاحد لان المنافق في باطنه واحد من هؤلاۤء الثلاثة اذ لاتنفع له هناك صورة الاسلام الظاهري كما مرّ و اعلم ان هذا الكتاب غير كتاب اعمال الفجار لانه كتاب الذين اوتوا الكتاب فنبذوه وراۤء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلاً و هو الكتاب المنزل عليه لا كتاب الاعمال فانه حين نبذه وراۤء ظهره ظنّ ان لن‌يَحُورَ اي جزم كما في قوله و ذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم ارديٰكم فاذا كان يوم القيمة قيل له اي للمنافق خذ كتابك من وراۤء ظهرك اي من حيث نبذته في حياتك الدّنيا كما في قوله تعالي قيل ارجعوا وراۤءَكم فالتمسوا نوراً .

[ص 128] اقول قوله « و امّا الكافر المحض فلا كتاب له » غلط لان الكتاب ان اراد به كتاب الاعمال فان الكافر انسان و قد قال سبحانه و كل انسانٍ الزمناهُ طاۤئره في عنقه يعني كتابه و ان اراد به الكتاب الذي انْزَله علي رَسُولٍ من رُسله فلم‌يهلِكِ اللّه عز و جل امّة من الامم الّا بعد اَنْ يأتيهم نذير و بَعْدَ اَنْ ينبذوا كتابه وَراۤء ظهُورهم فٱلكافر بكل اعتبار له كتاب و المنافق من اظهر الاِسْلام و ابطن الكفر فمِنْ حيثُ كونِه مُنْكِراً هو كافرٌ و من حيث كونه مُظْهِراً للاسلام حينئذٍ لاتنفعه هذه الصورة من حَيْث انه معتقد خلاف ما يظهر و لهذا كذّبهم اللّه فيما يظهرون من الاسلام فقال و الله يشهد انّ المنافقين لكاذبون و لو كان ظاهر الاسلام الذي تلفّظ به فيه شيء من النفع الاخروي و اِنْ قلَّ لَمٰاكذّبهم عزّ و جلّ و المنافق ايضا يقال في حقه اي يصدق انه كان لايؤمن باللّهِ العظيم بل انَّما نزلَتْ هذه الاية في منافقٍ رابعٍ فيدخل في هذه الٰاية المعطّل و ٱلمشرك و الجاحد و المنافق واحدٌ منهم بل صادق عليه كل واحدٍ من الثّلاثة فانّه معطّل و جاحد لانكاره المرسل و الرّسالة و مشركٌ لجعله الٰهَهُ هويٰهُ و هذا المعني الَّذي اَشارَ اليه المصنّف من انّ المنافق واحد من هؤلاۤءِ صحيح و امّا انّه ليس له كتاب فليس بصحيح و امّا اَنّ الكتَاب الّذي يؤتي من وراۤء ظهره فهو الكتاب المنزّل لا كتاب الاَعْمال فليس بصحيح و انّما هذا المعني من تَخْرٖيج الصُّوفيّة المنهي عن اتّباعهم و تصحيح كلامهم و تأويله .

و قوله « و اعلم انّ هذا الكتاب يعني به الذي يؤتي من وراۤء ظهره ، الخ » يريد به بَيان هذا المعني المخرّج من قوله تعالي نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب اللّه وراۤء ظهورهم كأنّهم لايعلمون ، فالمصنّف يريد ان الكتاب الذي يؤتي الانسان وراۤء ظهره هو كتاب الله الذي اوحاه الي نبيّه صلي اللّه عليه و اله لانّه لمّا اعرض عن قبول مَا انزل اللّه تعالي فيه من اوامره و نواهيه [ص 129] و نبذه وراۤء ظهره اي رماه خلفه بان جعله نسياً مَنْسِيّاً و لم‌يعمل بشيء يؤتي له به من المكان الذي رماه فيه ليكون حجة عليه و هذا المعني و ان كان صحيحا في نفسه الّا انّه ليس هو المراد من قوله و امّا مَن اُوتِي كتابه وراۤء ظهره بل المراد به كتاب الاعمال كما ذكرنا سابقاً في قول كثير من المفسّرين انّ المنافق و المشرك يؤتَي له بكتاب اَعْماله فيأتيه من خَلْفِه فيضرب ظهره فيخرقه و يخرق صدره و يأخذه بشماله و معني كلام المصنف و ان كان غير ما نحنُ بصدده يقال للمنافق خذ كتابك الذي اوحاه الله سبحانه الي رسوله الذي ارسله اليك ليهديَك به و بكتابه الي صراطٍ مستقيم فخذ ذلك الكتاب من المكانِ الَّذي جعلتَهُ خلف ظهرِك فيه و في ذلك الوقت و كان قد حشر الله الامكنة و الاوقات لتشهد بما فيها علي العاملين فيها او لهم كما ذكرنا سابقاً علي حدّ ما حكي سبحانه عن المنافقين حين سلبت عنهم انوار الايمان فكانوا يوم القيمة في ظلمة النفاق فيقولون للمؤمنين الذين كانوا معهم في الدنيا و يعرفونهم انظروا نقتبس من انواركم فيقول لهم المؤمنون او الاولياۤء عليهم السلام او الملاۤئكة ارجعوا وراۤءكم حيث قُسِمت الانوار فالتمسوا نوراً و لم‌يقولوا لهم فالتمسوا انواركم اذ لا نورَ لهم اصلاً بخلاف المؤمنين فلذا قيل نقتبِس من نوركم لان تلك الانوار انوار المؤمنين انوار اعتقاداتهم و معارفهم و ايمانهم و اعمالهم .

قال : و امّا وضع الموازين فالميزان عبارة عن معيارٍ صحيح يعرف به قدر الشيء و وزنه سواۤء كان آلةً محسوسة مخصوصة او غيرها و ميزان كل موزونٍ من جنسه و ان لم‌يساوِ ميزان الاخرة لميزان الدنيا و لا موازين العلوم و الاعمال لموازين الاجرام و الاثقال كما لايساوي ميزان الحنطة و الشعير و الاقط و الدبس لميزان الشعر كالعروض و ميزان الفكر كالمنطق و ميزان الاعراب [ص 130] و البناۤء كالنحو و ميزان مقادير الساعات كالاسطرلاب او الارتفاعات و الاعمدة كالشاقول و الدواۤئر و الاستدارات كالپركار ( كالفرجال بيان ) و الاضلاع و الاستقامات كالمسطرة و العقل ميزان الكل .

اقول وضع الموازين انزالُهَا و اظهارها لاقامة العدل بين الخلق و المراد بوضعِ الموازين الموازين الموضوعة ليطابق التّفسير المفسّر كما هو عادته في اغلب عباراته و الميزان آلة يُسْتَعْلَم بها الرّاجح من المرجوح من افراد الاجناس و الانواع و الاصناف و الاشخاص و تلك الٰالة تكون من جنس الموزون بها و الشيء الواحد الموزون اذا اريد بوزنه كمال الاحاطة به وجب تعدّد موازينه فيوزن في كمّ ماۤدته بانها خمسة امنان او عشرة و جوهرها بانّها ذهب او فضة او خشب او تراب و في صفة نفسها بكونها صافية اوْ لا و ببقاۤئها و عدمه و في رتبتها في الاكوان من الملك او الملكوت او الجبروت و في وقت تكوّنها و مدّة بقاۤئها و كذلك موازين الوانها كحجري ياقوت كلّ منهما احمر و كل مثقال و احدهما قيمته عشرة دنانير و الاخر قيمته الف دينار و كذلك موازين صورته و هندستها و حدودها و متمماتها فان موازينها متعددة كموازين الماۤدة و كذلك موازين هذا الشيء المذكور في كونه ذاتا او ذاتَ ذاتٍ او عرضاً او عرضَ عرضٍ و هكذا كلّ عمل تجرٖي فيه هذه الموازين المتعددة و هو السر في افراد العامل و جمع موازينه في قوله فمن ثقلت موازينه و من خفّت موازينه فافهم و ذلك قول المصنف معيار صحيح يعرف به قدر الشيء و وزنه سواۤء كانَ آلةً محسوسة مخصوصة او غيرها و ميزان كلّ موزُونٍ من جنسه و هو صحيح و قوله « و ان لم‌يساوِ ميزان الاخرة لميزان الدنيا » هذا في الظاهر لا بأس به و امّا في الحقيقة الكونية و في نفس الامر فهما متساويان ليس بينهما فرق في [ص 131] الوجود و العدم نعم بينهما فرق في الشدّة و الضّعف و الظّهور و الخفاۤء و يشير الي هذا قوله تعالي انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ و للاخرة اكبر درجاتٍ و اكبر تفضيلاً .

و قولهُ « و لا موازيْن العلوم و الاعمال لموَازين الاجرام و الاثقال » هذا صحيح لتغاير الميزانَيْنِ فينبغي ان يفصل بين تغاير ميزاني الاخرة و الدنيا و بين تغاير ما ذكر لان التغاير بين ميزاني الدنيا و الاخرة صوري و الّا فهما شيء واحد لا تغاير بينهما و الي هذا اشار عليه السلام بقوله حاسِبوا انفسكم قبل ان تُحاسَبوا ه‍ ، اذ لو تغاير الميزانَانِ لَمٰاكان حساب الدنيا كافِياً عن حساب الاخرة و باقي كلامه في اختلَافِ صور الموازين باختلاف الموزونات ظاهر كموازين العلوم بالقواعد و الضوابط و موازين الاعمال الاتيان بها علي طبق حدود ٱللّه من اوامره و نواهيه و موازيْن الاجرام ٱلفلكيّة بالابعاد المقداريّة و الموازاة و الخطوط المستقيمة و ما اشبه ذلك و موازين الاثقال بالمعايير الصنجيّة لمحض الاثقال كما في وزن الحنطَة و الشعير او لتعديل الطباۤئع كما قلنا ان الحاجة الي الماۤء اكثر من الحاجة الي الطعام فاذا اريد ذلك اخذ من النار جزءٌ و من الهواۤء جزءٌ و من التراب جزءٌ و من الماۤء جزءانِ و ميزان الشعر بضبط الحركات كما هو مذكور في علم العروض في دواۤئر البحور كالطويل و البسيط و الكامل و ما اشبهها و ميزان النحو بمعرفة العامل و ما يقتضيه من الاعْراب و ميزان الفكر و النظر في المعاني و المفاهيم بما قرّر في علم المنطق و ميزان الساعات و الارتفاعات بالٰالةِ المعروفة كالاسطرلاب و الربع المُجَيَّبِ و الكرة و ميزان الاعمدة في تقوّمها و اعوجاجها كالشاقول المستعمل لتعديل الارض و اجراۤء الانهار و ميزان الدواۤئر و الاستدارات كالپركار المعروف بالفرجال و ميزان الاضلاع [ص 132] و الاستقامات في الخطوط و الاعوِجَاجاتِ كالمسطرة و البصر و مسقط الحجر و ما اشبه ذلك و العقل هو ميزان الموازين اذ لايعرف صحيحها من سقيمها و معوجّها من مستقيمها الّا بالعقل لانه في كل شيء نور الهداية و باب الدراية .

قال : و بالجملة ميزان القيمة نوع آخر من الموازيْن فتوزن به الكتب و الصحاۤئف و تجعل فيه و ممّا ورد في هذا الباب عن ائمتِنا عليهم السلام ما رواه عن محمد بن علي بن بابويه رحمه الله انه سئل هشام بن سالم عن قول اللّه عز و جل و نضع الموازين القسط ليوم القيمة قال هم الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام و اعلم ان كل عمل بدني اوْ قلبي و كل ذكر او نيّةٍ يوضع في الميزان و يدخل فيه و يقابله شيء الّا كلمة التوحيد من قول لا اله الّا اللّه مخلصاً لان كل عملٍ له مقابل في هذا العالم عالم التضاۤدّ و ليس للتوحيد مقابل الّا الشرك و هما لايجتمعان في ميزان احد لانّ اليقين الداۤئم لايجامع مع نقيضه في قلبٍ واحدٍ و لايتعاقبانِ علي موضوع كما اومأنا اليه من ان نَفْس المؤمن الموحّد بحسب الجوهر و الذات تخالف نفس الكافر مخالفة نوعية فضلاً عن الشخصية فليست للكلمة ما يقابلها في الكفّة الاخري من قول او عملٍ او نيّة فضلاً عن ان يرجح عليها كما يدلّ عليه حديث صاحب السِّجِلّات و لهذا روي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال كما لاينفع مع الكفر شيء لايضرّ مع الايمان شيء و روي ابوالصامت عنه عليه السلام ان اللّه يغفر للمؤمن و ان جاۤء بمثل ذا و اومأ بيده قال قلتُ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات فقال اي واللّهِ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات اي واللهِ مرّتين و في رواية عن النبي صلي الله عليه و اله و ان زني و ان سرق ، و اعلم ان اعمال الجوارح خيرها و شرّها كلها مما يدخل في الموازٖين و امّا الاعمال الباطنة فلايدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيه العدل و هو الميزان الحكمي المعنوي فالمحسوس [ص 133] يوزن بالمحسوس و المعني بالمعني فلذا توزن الاعمال من حيث ما هي مكتوبة و اخر ما وضع في هذا الميزان قول الانسان الحمد للّه و به يملأ الميزان و اليه الاشارة فيما قال صلي اللّه عليه و اله الحمد للّه يملأ الميزان و من اللطاۤئف الكشفيّة انّ كفّةَ ميزانِ كل احدٍ بقدر عمله لا زيادة و لا نقصان .

اقول قوله « ميزان الاخرة نوع آخر من الموازين » قد ذكرنا قبل هذا انّ موازين الدنيا و موازين الاخرة شيء واحد لا اختلاف فيه الّا في الشّدة و الضّعف و الظهور و الخفاۤء و الكبر و الصغر لان الميزان المحسوس في الدنيا عين المحسوس في الاخرة و المعنوي عين المعنوي فلا فرق بينها في النشأتين و تعدّدها في الدارين انما هو لاختلاف الموزونات و تعددها كما تري ذلك في الدنيا و انما قال « فتوزن به الكتب و الصحاۤئف » لان الاعمال عنده اعراض فلاتؤذن بنفسها بل تكتب في صحاۤئف و توزن تلك الصحاۤئِفُ و انت خبير بانّ وزن صحاۤئف الاعمال لايُسْتعلم منه وزن الاعمال علي مراده الّا مجازفة لاتليق بالعدل المستقيم الّا انّه لمّا لم‌يقل بتجسيم الاعمال بانفسها كما قاله بعضهم او توزن هي بلحاظ الامر او النهي مطابقة اوْ مخالفةً كما هو مختارنا و قد ثبت وزن الاعمال و وضعها في كُفّتي الميزان لم‌يجد له بُدّاً من القول بان وزنها في صحاۤئفها و منشأ الاختلاف الايات الداۤلّة علي انّ الثواب و العقاب هي الاعمال مثل و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون و ان ليس للانسان الّا ما سَعَي و مثل ان هذا ما كنتم به تمترون و علي انّ الاعمال سبب الثواب و العقاب مثل كلوا و اشربوا هنيۤئا بما كنتم تعملون و بما اسلفتم في الايام الخالية و كذلك اختلاف ظاهر الروايات و ايضا اختلاف ظاهرها في ميزان الاعمال و انه هل هو ذو كفّتين ام لا و انما هو ولاية اميْرالمؤمنين عليه السلام او الانبياۤء و الرسل و الحجج عليهم السلام و ذكر ذلك كله و [ص 134] تفصيله مما يطول به الكلام بل لايقتضيه المقام الّا انه لا بدّ من التلويح الي ذلك بذكر كلماتٍ من باب دليل الحكمة يعرف بها الحق من كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و ذلك انه قد ورد ان الاعمال صور الثواب و العقاب فتتفاوت صورة صلوة ركعتين من زيد و من عمرو تفاوتاً ابعد مما بين الارض و السماۤء و ان كانت الماۤدة واحدة كما تتفاوت صورة السرير من الخشب الواحد من نجّارين بحيث تكون قيمة احدهما خمسة و الاخر خمسين و لو كان ما قيمته خمسة من الخشب و ما قيمته خمسين من النحاس او ٱلحديد لكان تفاوت القيمة منسوباً الي الماۤدّة فلايصدق قوله لنبلوهم ايّهم احْسَنُ عملاً ، اذ معني احسنيّةِ العمل ليس الّا من جهة الصورة الّتي هي عمل المكلّف مع وحدة الماۤدّة فاذا كانت الماۤدة واحدة و عمِل المكلّفون فيها صحّ ابتلاۤؤهم بالاحسنيّة في اعمالهم و لم‌يوجّه اليهم الّا الاَمْر و النهي ٱلحاملانِ للماۤدّة التي يكون عمل المكلف صورةً لها و هذه الماۤدّة التي وردت بها الاوامر و النواهي هي المعاني الّتي دلّت عليها الفاظ الاَوامر وَ النّواهي او ما يقوم مقامها فالاعمال الموافقة لتلك الاوامر و النواهي في انطباقها علي المعاني المشار اليها هي صور الثواب و الاعمال المخالفة لتلك الاوامر و النّواهي لعدم انطباقها عليها هي صور العقاب و المواۤدّ هي تلك المعاني فالثواب خلقه الله تعالي من ماۤدةٍ هي تلك المعاني و من صورة هي عمل المكلّف بموافقة الامر و العقاب خلقه اللّه تعالي من ماۤدةٍ هي مخالفة تلك المعاني و من صورة هي عمل المكلّف بمخالفة الامر فللوزن يومئِذٍ احوال ينقسم بسببها وزن العدد و وزن القٖيمة و وزن الرتبة و وزن الجهة و وزن ٱلوقت و وزن مدّة البقاۤء و الابتداۤء و الانتهاۤء و وزن المكان و وزن الكيف و وزن الكم في المقدار و في ايجاد الثواب و العقاب فوزن العدد معرفة عدد الاعمال [ص 135] الحسنة و السيّئة و وزن القٖيمة بكسر القاف و سكون الياۤء استعلام مقدار ما يستحقّ العامل بعمَلِه من الحسنات و الدرجاتِ او من السيّئات و الدركات و وزن الرتبة استعلام رتبة العمل من الدرجات او الدركات و وزن الجهة استعلام جهة العمل من العامل مثل ما يستحق بفعل الطاعة جنّة عن يمينه و بترك المعصية جنّة عن يساره و وزن الوقت استعلام وقت جزاۤء العمل هل هو الدنيا ام البرزخ ام الٰاخرة و وزن مدّة بقاۤء العمل يعني بقاۤء جزاۤئه هو استعلامه هل هو يوم مثلاً ام سنة ام الف سنة ام هو داۤئم و مدّة وزن ابتداۤء جزاۤء العمل هَلْ هو اوّل التكليف ام اوّل البرزخ ام اوّل القيٰمة امْ غير ذلك و مدّة انتهاۤئه هل هو في الدنيا ام في البرزخ ام غير متناه و وزن المكان استعلام مكان جزاۤء العمل هل هو في العامل كبياض وجهه او اسوداده ام في قلبه كنور الايمان و نور العلم ام ظلمة الكفر و ظلمة الجهل ام في داره في الارض و الدنيا ام في الاخرة في الجنّة او النار و وزن الكيف استعلام نوريّة العمل و نوريّة جزاۤئه او ظلمتهما في ايّ رتبةٍ من مراتب اجزاۤء النور او الظلمة و وزن الكم في المقدار استعلام مقدار العمل في الكمّ و الحجم الصوري و الماۤدّي في غيبه و شهادته و وزن الكم في المقدار الركني في الايجاد استعلام مقدار العمل بالنسبة الي المعنَي الذي منه و من العمل يركّب الثواب او العقاب لانّ العمل فصل و صورة للحصّة المعنويّة التي ورد بها امر الشرع و نهيه التي هي ماۤدة الثواب او العقاب كما ذكرنا سابقا فان كل شيء مركب من مادة و صورة و في كل مرتبة من مراتب الترويج الاربع يؤخذ جزء من الصورة اعْني الفصل و الماهية و جزءانِ من الماۤدّة اعني الحصّة النوعية التي اُخِذَتْ من الجنس كالحصّة المأخوذة من الحيوان للانسان و كالحصّة المأخوذة من الانسان لزيد فانها جزءانِ و الفصل المأخوذ [ص 136] للانسان اعني الناطق جزءٌ و حصة الفصل المأخوذة من النّاطق لزيدٍ فانها جزءٌ و ذلك هو ما اشرنا اليه من ان المعني الذي اتي به الامر او النهي الشرعيان للتكليف الذي هو ماۤدة الثواب مع الموافقة و ماۤدة العقاب مع المخالفة يؤخذ منه جزءانِ كحصّة الحيوان في خلق الانسان و ان عمل المكلف في الموافقة او المخالفة يؤخذ منه جزء في خلق الثواب او العقاب لانه هو الصّورة و يؤخذ جزءان من المعني الَّذي دَلّ عليه لفْظُ الامرِ و النَّهي لانّه هو الماۤدة و الموزون الذي يوضع في ٱلميزان في كُفّتيْهِ هي الاَعْمال الّتي يعملها المكلّفون مطابقةً للامر او مخالفة و هي الحسنات و ٱلسيّئات لانّ الاعمال حال تعلّقها بمَواۤدِّها المعنويّة التي اتت بها الفاظُ الاوامر و النواهي تكون حسناتٍ و سيّئات و تُوزن الحسنات و السيّئات بتلك الموازين المتعددة التي اشرنا الي انواعها و بها تعرف جهات العمل الواحد فالاعمال انفسها هي الموزونة لا صحائفها و لا في صحاۤئفها لان صحائف الاعمال هي غيب اماكنها و غيب اوقاتها التي تكتب الحفظة الكرام اعمال العاملين فيها و من ذلك الرِّقّ و القرطاس قطعة من كفن العامل يكتب اَعْماله فيها باملاۤءِ رُومان فتّان القبور عند اوّل دخُوله في القبْر قبل مجيۤئ منكر و نكير اليه كما اشرنا اليه سابقا فان قلت يلزم علي هذا ايضاً انّ الوزن مجازفةً لا تحقيقاً لان الاعمال علي ظاهر قولك انما توزن مع المعاني قلتُ لاتلزم المجازفة لانّا نريد انها هي الموزونة لا المعاني فلايحصل اشتباه علي المكلّفين لانها ثلث المجموع و المعاني ثلثانِ هذا علي فرض ان الوزن بعد التركيب و امّا اذا كان قبل التركيب فلا اشكال و لايقال انّها اعراض لا قيام لها بدون معروضاتها لانَّ الاعراض تستقلّ في العلم بدون معروضاتها اذا لم‌يلحظ فيها كونها عارضةً فتستقلّ في الميزان و تتقوّم به كما تستقل حمرة الثوب في الخيال اذا تخيَّلْتَها فانّ الاعمال قاۤئمة في [ص 137] كتاب الابرار عليّين و في كتاب الفجّار سجّين اعني صحاۤئفها كما اشرنا اليه قَبْلَ ذلك بمُثُلِ العاملين بضم الميم و الثاۤءِ بمعني انّ قيامها بمُثُل العاملين في تلك الصحاۤئف الّتي هي غيب مكانِ ايقاعها و وقتِه به تتحقّق و فيه توزن و هو غير قيامها بتلك المعاني الّتي هي مواۤدُّ الثّوابِ وَ العقاب فافهم و اعلم ان كل نوع من انواع الموازين له كفّتان بحسبه تسمّيان باسم الكفّتين المعلومتين عند العواۤم و هما كفّتان حقيقة في ذلك الميزان لان المراد من الكفّتين شيء يحيط بالموزون من الجهات الخمس فالكفّتان في ميزان مثل الحنطة معلومتانِ لان الكفّة محيطة بالحنطة في الجهات الخمس و امّا جهة العُلوِّ في الثقيل و السفل في الخفيف فغير مفيدة اذِ المقصود و الفاۤئدة رفع الثقيل بالاثقل و وضع الخفيف بالاخفِّ و مثل الكفّتين المعلومتين مع الكفّتين الغير معلومتين كمثل اليدين المعلومتين في الصنع مع اليدين بمعني القدرة و حقيقة الصنع انما هو بيدي القدرة و امّا الصنع بيدي الجسم فتابع لما هو بيدي القدرة فافهم الاشارة من العبارة .

و قوله « و مما ورد في هذا الباب عن ائمتنا عليهم السلام ما رواه عن محمد بن علي بن بابويه (ره) الي قوله قال هم الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام يعني انّ الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام » لمّا دعوا الي الله سبحانَهُ اَطاع بعض الناس وَ عَصَي بعض فطاعتهم كفّة يوزن فيها المؤمنُونَ و معصيتهم كفّة يوزن فيها الكافرون و محبّتهم كفّة يوزن فيها المؤمنون و بغضهم كفةٌ يُوْزَنُ فيها المنافقون و ولايتهم كفة يوزن فيها التّابعون و مُجَانَبَتُهُمْ كفّة يوزَنُ فيها المخالفون و هكذا و المراد من الكفتين هنا في هذا المقام و غيرِه واحدٌ و كل شيءٍ بحسبه فما كان من عالم الغيب وزن في كفّةٍ من عالم الغيب و ما كان من عالم الشهادة وُزِنَ في كفّةٍ من عالم الشهادة .

[ص 138] و قوله « و اعلم ان كل عمل بدني او قلبي ، الخ » يريد به ان جميع الاعمال البدنيّة ممّا جرت به الشريعة الغراۤء و كلّ عمل قلبي من ساۤئر الاعتقادات و النّيّات و ساۤئر المطالب النفسانيّة تجري عليه الموازنة و يصح دخوله في الميزان و يوجد له ما يقابله الّا كلمة التوحيد اذ لا شيء من الاعمال الجزئيّة يصلح لمعادلة كلمة التوحيد ليوزن معها الّا الشّرك فانّه يصلح لمعادلة التوحيد الّا انه لايجتمع معه في قلب لان الشرك اذا وُجِد في قلب المكلف لم‌ينصب له ميزان و لايرفع له ديوان حيث انّ الشرك يمحق كل عملٍ اذ لايتحقّق مع الوحدة الحقّية فقوله « لان كل عمل له مقابل في هذا العالم عالم التضاۤدّ » يريد به ان العالم الزماني الذي هو عالم التضاۤد كلّما وجد فيه شيء وجد له ضدّ فيكون قول لا اله الّا اللّه مخلصا يعني كلمة التوحيد من عالم التضاد اي عالم الحوادث اذ الحوادث عنده في الزمان و لم‌يتقدّم علي الزمان الّا البارئ سبحانه عنده كما صرّح به في كتابه الكبير الاسفار و قد تقدّم ما يلزمه علي ذلك فاذا كانت كلمة التوحيد من عالم التضاۤد حيث كانت فضدّها الشرك فعلي كلامه لايجتمعانِ في قلبٍ واحدٍ و لايتعاقبان امّا انهما لايجتمعان فلما قال لان اليقين الداۤئم لايجامع مع نقيضه في قلب احدٍ و في هذا ان التوحيد الذي هو من عالم التضاد عالم الزمان يجتمع مع ضده كما اشار اليه تعالي بقوله و مايؤمن اكثرهم باللّه الّا و هم مشركون و بقوله تعالي فيقول اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم‌تكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّهِ ربّنا ماكنّا مشركين لاعتقادهم انهم مُوَحّدون و هم مشركون فلذا كذّبهم فقال انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و قال الصادق عليه السلام هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنوا انهم آمنوا و اشركوا من حيث [ص 139] لايعلمون فقد اجتمع التوحيد و الشرك لكونهما من عالم التضاۤدّ و انّما يجتمع المتضاۤدانِ في هذا العالم من جهة اختلاف الجهة و الحيثية و الاعتبار او علي التعاقب و لو كان التوحيد اريد به اليقين الداۤئم امتنع ان تكون من عالم التضاۤدّ لان وصف الوحدة الحقيّة لا ضدّ له اذ من شرط كونه وصفاً للوحدة الحقيّة ان لا ضدّ له و لا ندّ و لايلاحظ فيه الدوام و لا عدمه فلايجامعه ضد و لا ند لانه عنوان لمعرفة المعبود سبحانه و آيته و ذلك هو نفس العارف و فؤاده فمن عرفها فقد عرف ربّه و انما يعرفها بان يجرّدها من جميع سبحاتها و امّا انهما لايتعاقبان علي موضوع واحدٍ ففيه ايضاً انهما اذا كان من عالم التضاۤدّ لايكون يقينا داۤئماً بل يتعاقبان كما قال تعالي انّ الذين امنوا ثم كفروا ثم امنوا ثمّ كفروا ثم ازدادوا كفراً و هم عضل و الفأرة يعني عضل بن الهون بن خزيمة اخو ٱلرّيش و هما ٱلفارة كفروا مرّين بعد ايمانَيْنِ وَ انْ كانت المسئلة علي خلافٍ بين ٱلمتكلّمين الّا ان الاية صريحة في وقوع الكفر بعد الايمان و ما حكي سبحانه عن قوم صالحين علموا بان القلوب قد تزيغ انهم قالوا ربّنا لاتزغ قلوبَنا بعْدَ اذ هديتنا ظاهر في ذلك بل ربّما لا اشكال في وقوع التعاقب و صحّته و انّما يمتنع التعاقب في عالم الوحدة و البساطة و هو عالم الثبات لان شرط تحقّقه نفي الغير عنه و بذلك يحصل اليقين الداۤئم المانع من النقيض اجتماعاً و تعاقُباً .

و ما اوْمَأ اليه المصنّف من « انّ نفس المؤمن الموحِّد بحسب الجوهر و الذات تخالفُ نفسَ الكافر ، الخ » مع كونهما معاً في عالم التّضاۤدّ و من ثبت فيه التوحيد و تحقّق فهو المؤمن و من ثبت فيه الشرك فهو الكافر و المؤمن من حيثُ هو مخالف في ذاته للكافر لايحلّ الشرك في قلبه و الكافر من حيث هو كافر لايحلّ في قلبه التوحيد انّما يصحّ اذا كان كلّ واحدٍ منهم في عالم [ص 140] البساطة علي جهة الانفراد بمعني كون كلٍّ منهما متّصِفاً بصفةٍ قد اعتبر فيه نفي ضدّها امّا المؤمن فقد تحقّق في وجدانه شيء ليس كمثله شيء اعني معرفة نفسه لا اثبات شيء غير شيءٍ بحتٍ فانّه منافٍ للتوحيد فلايعرف اللّه به و امّا الكافر فقد تحقق في وجدانه شيء له ضد او ندّ اوْ حَدّ فانه منافٍ للتوحيد و امّا اذا فرضه في عالم التضاۤدّ فانهما يجتمعان فيه و يتعاقبان كما اشرنا اليه لان رتبة الخلط و اللطخ هي محلّ الاجتماع و التعاقب وَ امّا تخالفُ نَفْسَي المؤمنِ و الكافر مع كونهما في الاَصْلِ منْ شيء واحدٍ كما تشهد به الايات القرءانية مثل قوله تعالي كان الناس امّة واحدة فبعث اللّه النبيّين و الايات الٰافاقية كما نري في المداد فانَّ الاسم الشّريف و الاسم الوضيع من مدادٍ واحدٍ و انما تخالفا و تمايَزا بالقابِليّةِ فمِن تَخَالُفِ القوابلِ الوُجُوديّة و الشرعية كما قال الشاعر :

اَرَي الاحْسان عند الحُرِّ دَيْناً و عند النّذلِ منقصَةً و ذَمَّا

كقطرِ الماۤءِ في الاَصْدَاف دُرٌّ و في بطن الافاعي صَار سَمّا

لان المراد بوجودات الاشْياۤء مَواۤدّها و طيبُ الماۤدّةِ انّما هو من الصورة و كذا خبثُهٰا كما تري في الباب و الصنم فاِن كلّا منهما عُمِلَ من الخشب و خبث ماۤدة الصّنم و طيب ماۤدة الباب انما هو من الصورة التي هي الماهيّة و مراده من كون نفس المؤمن مخالفة لنفس الكافر حتي في النوع ان نفس المؤمن خلقت ابتداۤء من شيء غير ما خلقت منه نفس الكافر بل اصل ماۤدّة نفس المؤمن من نور و اصل ماۤدة نفس الكافر من ظلمة و لا ريبَ ان التوحيد نور فلايقع في الظلمة و الشرك ظلمة فلايقع في النور و لهذا علّل عدم اجتماع التوحيد و الشرك في قلب واحدٍ لتضاۤدّهما و ان كانا في عالم التّضاۤدّ و لا تعاقبهما لتضاۤدِّ اَصْلَيْ النفسَيْن و القلبَيْن و ليس كما توهّمه بل اصل نفسَيْ [ص 141] المؤمن و الكافر شيء واحد كما اشرنا اليه و بقبول المؤمن خلق ذلك الاصل الذي خلق منه من نورٍ اي غُمِس في نور الاجابة و الرحمة و هو الايمان المكتوب في القلب و بانكار الكافر خلق ذلك الاصل الذي خلق منه من ظلمةٍ اي غمس في ظلمة الانكار و الغضب و هو الطبع علي قلوبهم بكفرهم فاصل المؤمن نور باجابته لا من ذلك الاصل نفسه و اصل الكافر ظلمة بانكاره لا مِن اصله فبعد استقرار الاجابة او الانكار يكون صاحب ذلك الاستقرار من عالم البساطة لا من عالم التّضاۤدّ فلايجتمع فيه التوحيد و الشرك و لايتعاقبان و قبل الاستقرار قد يجتمعان مع اختلاف الحيثيات و الاعتبارات مثل ان يشرك مع ظنه انه موحّد و قد يتعاقبانِ لصلوح المحل للمتنافيين علي التعاقب و للاجتماع مع اختلاف الجهات .

و قوله « فليس للكلمة ما يقابلها او يعادلها في الكفّة الاخري من قول او عملٍ او نيّة الي قوله حديث صاحب السّجلات » هذا انما يتمّ بعد استقرار الايمان او الكفر كما بيّنّا و ما رواه صاحب السِّجلّات غير منافٍ لما ذكرناه و الحديث من طرقهم .

و قوله « و لهذا روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انّه قال كما لاينفع مع الكفر شيء لايضر مع الايمان شيء ، ه‍ » و المراد انّ الكفر اذا اتي به المرء يوم القيٰمة لاينفعه شيء من الاعمال بان يدخله الجنّة او ينجيه من النار و ان كان ينفعه بان يدفع به عنه بعض انواع العذاب في البرزخ او يخفّف به بعض عذاب النار يوم القيمة بحيث لايحسّ بالتخفيف كما لو كان مستحقّا لمائة نوعٍ من العذاب بكفره و كان له عمل صالح لم‌يجاز به في الدنيا و لا في البرزخ جعل عليه عند اوّلِ دخوله النّار خمسين نوعاً من العذاب مدّة ما يقابل عمله الصالح ثم يجعل عليه مائة نوع من العذاب فلايحسّ بالتخفيف الاوّل و رُبَّما يُجازَي [ص 142] به في الدّنيا و اذا اتي المرء يوم القيمة بالايمان الصحيح لايضرّه شيء مما عمله من المعاصي بان يمنعه من دخول الجنّة و ان كان يعاقَب عليه في الدنيا او عند الموت او في البرزخ او يوم القيمة الّا انه لا بد و ان يدخل الجنّة بعد ذلك و كذا قوله « روي ابوالصامت عنه عليه السلام ايضا ان اللّه يغفر للمؤمن و ان جاۤء بمثل ذا و اومي بيده قال قلتُ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات يعني بمثل السموات و الارض او الجبال فقال (ع) اي واللّهِ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات اي واللّهِ مرّتين » و المراد بالمؤمن هنا هو المتوالي لمحمد و اهْل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليه و اله و المتبرئ من اعداۤئهم و الكافر هو من انكر ذلك من بعد ما تبيّن له الهدي و امّا مَن انكر ذلك قبل ان يتبيّن له الهدي و انما انكر ذلك متابعة لغيره من غير بصيرةٍ و لا علم فان مثل ذلك ممّن يجدّد له يوم القيٰمةِ التكليف و ربّما يدخل بايمانه و معرفته الجنّة و لا فرق في السيّئات بين الكبيرة و الصغيرة في كونها غير مٰانعةٍ من دخول الجنّةِ لمن لم‌يبلغ بمعاصيه الشرك و لا بين الحسنات في كونها غير موجبةٍ لدخول الجنّة لمن اتي بالشّرك و مثله قوله « و في رواية ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و اله و ان زَنَي و اِنْ سَرق » يعني ان المؤمن يدخل الجنّة بولايته لهم صلي اللّه عليه و عليهم و ان زنَي و انْ سرق و مثله قول الصادق عليه السلام حين سئل عن محب عليّ عليه السلام انه يدخل الجنّة و ان زني و ان سرق و هذا انشاۤء الله ظاهر .

و قوله « و اعلم انّ اعمال الجوارح خيرها و شرّها كلها مما يدخل في الموازين ، الي اخره » يريد انّ اعمال الجوارح توزن بذي الكفّتين لانّها محسوسة فتوزن في الميزان المحسوس و لانّها مقداريّة تدرك بالحواۤسّ الظاهرة و قوله و امّا اعمال البواطن فانها معنويّة لاتوزن بالموازين الصوريّة و انما [ص 143] توزن بميزان العدل و هو الميزان الحكمي باَنْ يحكم علي هذه بالرّاجحيّة و علي هذه بالمرجوحيّة و لاجل هذا قال لاتوزن بنفسها و انّما توزن بصحاۤئفها و كتبها .

و اقول قد مضي الكلام علي هذا المعني و ان اعمال الجوارح و اعمال البواطن كلّها توزن بميزان ذي كفّتين الّا انّ ذلك من نوع الموزون كلّ ميزان فكفّتاه بحسبه و ان الموزون هو العمل و هو يوزن بنفسه لا في صحاۤئفهِ و كتُبهِ و لكنه بني معرفة الاعمال علي ما تفهم منها العواۤمّ و ان الصلوة مكتوبة في صحيفتها هكذا صلوة صاد لام واو هي الف هاۤء كما لو كتبنا نحن زيد يصلّي نافلةً فانا نكتبها في القرطاس كما تري و الملكان الكاتبان عنده يكتبان الاعمال كلها بهذا النمط و ليس كذلك و انما يكتبان الاعمال بمُثُلها بضم الميم و الثاۤء الاتري انّك اذا رأيت زيدا يصلّي يوم الجمعة في المسجد ركعتين فما دمتَ حيّا متي ذكرتَ ذلك رأيتَ مثال زيد يصلّي تلك الركعتين في غيب يوم الجمعة و في المسجد في غيبه فالذي يشاهده خيالك في غيب يوم الجمعة و في غيب المسجد يصلّي تلك الصلوة هو مثاله و هو الذي كتبه الملكانِ من عمله فهو باق في مكانه و وقته الي يوم القيمة حتي يبعث صاحبه زيد و يلبسه و يحضر يوم الجمع متّصِفاً به كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال و لكم الويل مما تصفون .

و قوله « و اخر ما وضع في هذا الميزان قول الانسان الحمد لله و به يملأ الميزان ، الخ » هذا الكلام و هو انّ اخر ما يوضع من الاعمال الحمد للّه و انها تملأ الميزان ليس الان علي خاطري من هذا شيء بمعني وروده في رواياتنا بهذا النمط و ليس في العقل ما ينافيه و لستُ نافياً له و انما الذي ببالي ما في الدعاۤء الحمد لله ملأ الميزان و منتهي العلم و هو معني غير ما ذكره .

و قوله « و من اللطاۤئف الكشفية ان كفّة ميزان كل احد بقدر عمله لا زيادة [ص 144] و لا نقصان » يريد به ان المراد من كفة الميزان انهما آلة وزن العمل و وزن كل عمل هو قدر وزنه و هذا علي المعني ظاهر لانه لايتعلّق به من الاختبار ازيد من اختباره و ما زاد عن اختباره و استعلامه فهو استعلام لغيره كما ان استعلام العشرة و عدّها لايصلح لاستعلام الاحدعشر و عَدِّها نعم لو زيد الموزون اُمِدّت الكفّة بنسبة الزيادة فكفّة كلِ عملٍ بهذا المعني لاتزيد عليه و لاتنقص و هذا الاعتبار راجع الي خصوص الاعتبار لا الي نفس ما يعتبر به فافهم .

قال : قاعدة في الجنّة و النار ، يجب ان تعلم انّ الجنّة التي خرج عنها ابونا ادم (ع) و زوجته لاجل خطيۤئتهما غير الجنّة التي وعد المُتّقون لانّ هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوارِ السموات و الارض و انتهاۤء مدة عالم الحركات و ان كانتا متّفقتَيْن في الحقيقة و الرتبة و الشرف لكونهما جميعاً دار الحيوة الذاتيّة و دارُ البقاۤء غير متجددّةٍ و لا متبدّلةٍ و لا دائرة و لا فانية و لا زاۤئلةٍ و بيان ذلك انّ الغايات كالمبادي متحاذيةً متقابلةً و ان الموت الطبيعي ابتداۤء حركة الرجوع الي اللّه كما ان الحيوة الطبيعيّة ابتداۤء حركة النزول من عنده فكلّ درجةٍ من درجات القوس الصعوديّة بازاۤء مقابلتها من درجات القوس النّزوليّة و قد شبّهت الحكماۤء و العرفاۤء هاتين السلسلتين بالقوسين من الداۤئرتين اشعاراً بانّ الحركة الثانية الرجوعية انعطافيّة لا استقاميّة .

اقول انّ الناس اختلفوا في الجنّة و النار هل هما موجودتانِ في الدنيا يعني الأن ام ليستا بموجودتين و انما توجدانِ في الاخرة ام هما موجودان بمكانهما خاۤصّةً و حاۤئطهمَا و انّ الملاۤئكة تصنع فيهما المنازل و الدرجات و الدركات بمدد اَعْمَالِ العَامِلٖينَ فيكون وجودهما في الدنيا اي قبل يوم القيمة بالتَّدْرٖيج و منشأ الاختِلاف من اختلاف ظواهر الايات و الروايات و الحقّ انّهما موجودتانِ الأن بل منهما بُدِئت الخلاۤئق و اليهما تعود اذ كل [ص 145] شيءٍ يعود الي ما منه بُدِئ و الكتاب و السُّنّة متطابقان ناۤصّانِ علي وجودهما الأن و المعروف الداۤئر بين النّاسِ تعدّدها فجنّة الدنيا غير جنّة الاخرة و نار الدُّنيا غير نار الاخرة و لذا صرّح المصنّف بانّ الجنّة التي خرج عنها ابونا آدمُ و زوجته لاجل خَطٖيۤئتهما غير الجنّة التي وُعِد المتّقونَ ثم علّل هذا المعني بقوله لان هذه يعني جنّة الاخرة لاتكون الّا بعدَ خَراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدّة الحركات مع انّه قال في كتاب المبدء و المعاد في فصل : ان الجنّة و النار حق قال فاذا ثبت و تحقّق ما ذكرناه اتّضح و استبان فساد بعضٍ من المذاهب السخيفة و الاراۤء الباطلة في هذا الباب و هو رأي مَن زعم ان الجنّة و النار لم‌توجدٰا و لاتوجدانِ الّا بعد بوار العالم و هلاك السموات و الارض و لم‌يعلموا ان هذا الاعتقاد يبعّد صاحبه عن طريق الاخرة و يقلّل رغبته في ثواب اعماله و جزاۤء احسانه و يقلّل رهبته و خوفه عن عقوبة معاصيه و سيئاته انتهي ، فان قوله هنا في الجنة التي وُعِدَ المتقون لان هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدة عالم الحركات انتهي ، هو بعينه قول من افسد مذهبه و رأيه في كِتاب المبدء و المعاد كما سمعتَ قوله هناك فان قوله هناك صحيح و مراده كما تقدّم اوّلاً انّ الجنّة و ما فيها جواهر عقليّة لاتحتمِل الدثور و لا البوار و لا التغير و لا التّجدد و لا التبدّل بخلاف الدنيا و ما فيها و هذه السموات و الارض فان ذلك كلّه جار عليها فلاتكون جنّة المتقين الّا بعد ذلك كلِّه فلايصلح ان تكون في شيء من ذلك و امّا جنّة الدنيا فظاهر كلامه انها كجنّة المتّقين لاتفاقهما في الحقيقة و الرتبة و الشرف لكونهما دار الحيوة الذاتية و دار البقاۤء و ظاهر كلامه انّهما اثنتان في الاخرة جنّة المقرّبين و هي لاتكون الّا بعد فناۤء عالم التغيير و التبدّل و التجدّد لما بينهما من كمال التباين و جنّة اصحاب اليمين و هي المدهاۤمّتان [ص 146] و هي جنّة الدنيا التي خرج عنها آدم و زوجته عليهما السلام و هي تجامع عالم التغير و التبدّل في حال و لايخفي ما في كلامه من الاضطراب و التنافي فان كونهما متطابقتين في الحقيقة و الرتبة و الشرف يقتضي تساويهما و كونهما دار الحيوة الذاتية كذلك و يلزم من ذلك ان يكونا معاً متأخّرتَين عن عالم التجدد و التبدّل و يلزم من ذلك كله عدم وجودهما الأن فيكون كلامه منافياً لكلامه و مقتضي ظاهر الادلّة علي رأي الاكثر انّ لمن خاف مقام ربّه جنّتان و هما ذواتا افنانٍ و هاتان للمقربين و انّ من دون تَيْنِك جنّتان و هما المدهاۤمّتانِ لاصحاب اليمين و انّ للمؤمنين الذين محضوا الايمان محضاً اذا ماتوا جنّةً تأوي اليها ارواحهم و انّ هذه جنّة الدنيا و هي جنّة ادم عليه السلام و فيها البكرة و العشيّ و الكلام في النيران مثل الكلام في الجنان هذا ملخّصُ ما فهموا و الذي ثبت عندي ممّا فهمتُه من الكتاب و السنّة علي سبيل القطع بحيث لاارتاب فيه و لا مرية عندي تعتريه انّ جنّة الاخرة خلقت قبل ساۤئر الخلق و انّ المؤمنين خلقوا منها و اليها يعودون و ان جنّة الدّنيا خلقت بعد خلق الاجسام خلقت من تنزّل جنة الاخرة كما خلقت الاجسام من تنزّل النفوس و الارواح و العقول و انّ جنّة الدّنيا هي بعينها بعد التصفية جنّة الاخرة كما انّ اجسام الناس الأن هي بعينها اجسام الدنيا و هي بعينها بعد تصفيتها اجسام الاخرة و القرءان ناطق بذلك لمن كان له قلب قال في حق الجنّة فاولۤئك يدخلون الجنّة و لايظلمون شيئا جنّاتِ عدنٍ الّتي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغواً الّا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّاً تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيا فقوله و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا يعني جنّة الدنيا لانّ الاخرة ليس فيها بكرة و عَشِيّ و قوله تلك الجنّة التي نورث من عبادنا يعني جنّة الاخرة و هذا صريح في [ص 147] ان جنّة الدنيا هي بعينها جنّة الاخرة و قال في شأن النار و حاقَ بال فرعَون سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّاً و عشيّاً و يوم تقوم الساعة فقوله النار يعرضون عَليها غدوّا و عشيّاً يعني نار الدنيا لان الاخرة ليس فيها غدوٌّ و عشيٌّ و قوله و يوم تقوم السّاعة يعني بالنار المعروض عليها يوم تقوم الساعة نار الاخرة و قد اتفق القرّاۤء علي الوقف علي تقوم الساعة و يلزم منه اتّحاد النار المعروض عليها و هذا ظاهر فانّ جنّة الدنيا تنزّل جنّة الاخرة و نار الدنيا تنزّل نار الاخِرة كما ان اجسام الدنيا تنزّل اجسام الاخرة فتُصَفّي اجسام الدنيا و تكون بعينها اجسام الاخرة كذلك تصفّي جنّة الدنيا و تكون بعينها جنّة الاخرة و تصفّي نار الدنيا التي عند مطلع الشمس و تكون بعينها نار الاخرة لان الله سبحانه قد بيّن لنا آية ذلك بل اية كل شيء في انفسنا فقال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفُسِهمْ حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، و ايضا قال الله تعالي و لمن خاف مقام ربه جنّتان و قال و من دونهما جنتان و المراد بالدون هنا القَبل و القلّة و الضعف اي و لمن خاف مقام ربّه قبل يوم القيٰمة و اقل من جنة الاخرة جنّتان فيصير المعني و من دون جنّتي الاخرة اي من قبلهما و من دونهما اي مِنْ اَنْزلَ منهما جنّتانِ في الدنيا اذا ماتوا تأوي اليهما ارواحهم و هما الأن في المغرب في الاقليم الثّامن و ٱلفرات و النّيل و سيحان و جيحان تجري من الجنّتَيْن اللّتين في المغرب و هما المدهاۤمّتان و في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام ما يدلّ علي انّهما في الدنيا و هو قوله عليه السلام في الرَّجْعة و عند ذلك تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ما وراۤء ذلك بما شاۤءَ اللّٰهُ ه‍ ، و الرجعة من الدّنيا و ظهورهما في الدُّنيا دليلٌ علي انّهما اي ٱلمدهاۤمّتان من جنانِ ٱلدُّنْيا و جنة ادم عليه السلام هي من جنان الدنيا فيها البكرة و العشيّ و هي المدهاۤمّتانِ فقد ظهر لمن نظر انّ جنّة ادم التي خرج [ص 148] منها هو و زوجته حواۤء هي من جنان الدنيا و هي الجنّتانِ المدهاۤمّتان و انها موجودة الأن و انّها هي بعينها جنّة الاخرة الّا انّها تصفي بمعني انّها تطهّر من اعراض البرزخيّة سبعين مرة فتكون هي بعد التطهر جنّة الخلد كما ان اجساد المؤمنين تطهّر في البرزخ للاخرة و في الدنيا للبرزخ فتصفّي سبعين مرة في الدنيا فتكون اجساداً للبرزخ لانها تطهّر من اعراض الدنيا سبعين مرّة فتكون برزخيّة و تطهّر في البرزخ من اعراض البرزخ سبعين مرّة فتكون اخرويّةً فما بين الدنيا و الاخرة في كل ما في الدنيا من الاحوال من النعيم و العذاب اربعةٰ‌الٰاف رتبةٍ و تسعمائة رتبة و ما بين البرزخ و الاخرة سبعون رتبة فما بين جنّة ادم عليه السلام الّتي هي جنّة الدنيا و جنّة الاخرة سبعون رتبة و بهذا يتبيّن لك خطأ المصنف حيث جعل جنّة ادم (ع) و جنّة الاخرة متفقين في الحقيقة و الرّتبة و الشرف و علّل ذلك بكونهما جميعاً دار الحيوة و دار البقاۤء و نحن قد نبّهناك علي انّ جنّة الدنيا اعني جنّة آدم عليه السلام لاتبقي الي يوم القيمة بَلْ تَفْنَي عند نفْخَة الصور و انّ مَنْ جعل المدهاۤمتين هي جنّة الاخرة لاصحاب اليمين فقدْ اخطأ كما هو اكثر المفسّرين لعدم ذكر ذلك في السنّة الّا اَن يراد منها جنان الحَظاۤئر الّتي يسكنها في الاخرة ثلاث طواۤئف لا غير المؤمنون من الجنّ و اولاد الزّنا من المؤمنين الي سبعة ابْطن ثم يلحق البطن الثامن منهم بجنّة المؤمنين و المجانين الذين ليس لهم مِن آباۤئهم مَن هو من اهل الشفاعة و لم‌يبلغوا الحلم قبل اَن يُجَنُّوا و هي اي جنان الحَظاۤئر سبع جنانٍ كلّ جنّة تسمي باسم اصلها و موصوفها و جنّةُ عدنٍ و هي اعلا الجنان الثمان ليس لها حظيرةٌ فليس في جنان الحظاۤئر ما تسمي بجنّة عَدْنٍ نعم جنان المقربين و منازلهم اعلي من جنان اصحاب اليمين و منازلهم و ان كان الفريقان في جنّة واحدة لانهم يتفاضلون في الدرجات و المراتب كما قال تعالي [ص 149] انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ و للٰاخرة اكبر درجاتٍ و اكبر تفضيلاً ، و الحاصل ان قوله « لكونهما جميعاً دار الحيوة الذّاتيّة و دار البقاۤء غير متجدّدَة و لا متبدّلة ، الي اخره » غلط لان جنّة الدنيا متجدّدة و متبدّلةٌ و داثرة و فانية و زاۤئلة بزوال عالم البرزخ بمعني انّ المؤمنين ينتقلون عنها الي جنان الاخرة و بمعني عدم وجودها يوم القيمة و انّما توجد الجنان التي في باطنها لانّها تصفّي كما تصفّي الاجساد فانّ جَسدك الان في الدنيا لايوجد في البرزخ باعراضه الدنيويّة بل يصفّي منها فيكون في البرزخ برزخيّا لا دنيويّاً و لايوجد جسدك البرزخي في الاخرة بل يصفّي من الاعراض البرزخيّة فيكون في الاخرة جسداً اخرويّا لا برزخيّا فكذلك جنان الدنيا تصفي يوم القيمة فتكون هي جنان الاخرة لا جنان البرزخ .