قال : و منها ان القيمة يوم الجمع لان الازمنة و الحركات علّة التغاير [ص 101] و التعاقب في الحدوث و القدم و الامكنة و الجهات علة الحضور و الغيبة في الوجود و العدم فاذا ارتفعتا في القيمة ارتفعت الحجب بين الموجودات فتجتمع الخلاۤئق كلّهم الاوّلون و الٰاخرون فهي يوم الجمع لقوله يوم يجمعكم ليومِ القيمة .
اقول يريد ان يوم القيمة هو يوم الجمع و انما اقتضي الحال اجتماع الخلق لكون الخلق باجمعهم خلعوا المواۤدّ و كانوا مجرّدين نورانيّين لان التغاير المقتضي للافتراق و التعاقب المقتضي لعدم الاجتماع في رتبةِ الحدوث و القِدم انّما هما لعلّة الازمنة و الحركات و لو لمتكن في الدنيا ازمنة و لا حركات لميقع بين الخلق تغاير و لا افتراق و ايضاً الامكنة و الجهات علة الحضور و الغيبة في وجود الاشياۤء و عدمها فلو لمتكن امكنة لميحضر موجود و لو لمتكن جهات لميغب معدوم فاذا ارتفعت الازمنة و المدد و حركات الافلاك و الامكنة و الجهات في القيمة ارتفعت الحجب بين الخلاۤئق الموجبة للغيبة و الموانع المقتضية للافتراق فتجتمع الخلاۤئق كلّهم الاوّلون و الاخرون فالقيمة يوم الجمع و يريد ان المقتضي للاجتماع هو تجرّدهم و انما سمّيت القيمة بيوم الجمع لانطلاق الخلاۤئق من قيود الازمنة و الامكنة و اقول في كلامه هذا بالنسبة الي كلامه غير هذا تدافع و تناقض و مع هذا معارض بالكتاب و السنة و المذهب الحق و عقول الملّيّين و ذلك لان مذهبه ان الزمان ظرف جميع الكاۤئنات لميتقدّم عليه الّا الباري عز و جل و انّه نهر يجري من تحت جَبَلِ الازل كما نقله عن بعض العارفين في شرحه لاصول الكافي مرتضياً له و قد صرّح في كتبه انّ الزمان عبارة عن حركة الفلك فتعارض قوله بان الزمان ظرف جميع الكاۤئنات و انه لايسبقه الّا اللّٰه تعالي و قوله بانه عبارة عن حركة الفلك اذ يلزم منه كون الفلك سابقاً علي [ص 102] الزمان مع انه من المكوّناتِ و قوله هنا بارتفاع الازمنة و الحركات و الامكنة و الجهات يوم القيمة مع ان في المحشورين الحيوانات كلها كما قال تعالي و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون و يقتصّ يوم القيمة للجمّاۤءِ من القرناۤء و كذلك تحشر الازمنة و الامكنة و الحركات و الجهات كما دلّت عليه الروايات بصريحها و البقر و الغنم و الجماد و امثالها لاتكون مجرّدات و لاتكون خارجة عن الزمان و المكان و الّا لكانت غير داخلةٍ فيه قبل ان يخلق فانّ كونَها بعده في العود دليل علي كونها قبله في البَدْءِ فتكونُ سَابقةً عليهِ فلايصدق قوله انَّ الزمان لميتقدّم عليه الّا البارئ عزّ و جلّ و ايضا كون الازمنة و الحركات من علّة التغاير و التعاقب مما لا اشكال فيه و ان كان غيرهما علّة للتغاير و التعاقب اذ لاتنحصر في الازمنة و الحركات بل منها الازمنة و الحركات و منها غيرها بمعني انّ علّة التّغاير مركّبة من الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و اذا ارتفع شيء منها ارتفعت كلها فلا منافاة في ذكره للزمان خاۤصة و قد قال انّها علّة للحدوث و القدم و نحن نقول كذلك و في الدّنيا و الْاخرة فحيثما وجد الزّمان وجد التغاير و حيثما ارتفع ارتفع كما قال المصنّف و يلزم حينئذٍ ان اهل الجنّة و الجنّة و ما فيها من النعيم لايتغيّر و لايتبدّل و ان كان من ضعفٍ الي قوّة و من بِليً الي جدّةٍ و من تماميّةٍ الي كماليّة و من كماليّة الي اكمليّةٍ و المعلوم من الكتاب و السنة و المذهب و العقل خلاف ذلك فانّ اهل الجنّة داۤئما يترقّون في الدَّرجات و في مراتب الكمال الي غيْر النّهاية و ليس الّا لوجودِ الاَزْمنة و الاجسام الّتي لاتنْفكّ عن الزّمان و المكان و المواۤدّ و الصور [ص 103] و الجهات وَ الرّتب و الاَوْضاع وَ مَا اَشْبه ذلك اذ لٰاتتقوّم الاجسام بدون ذلك في الدنيا و في الاخرة بل و لا المجردات من جميع ما ليس بمعبودٍ بالحق و ان كانت هذه المشخصات و المتممات للقوابل و المقوِّمات للذّوات مجردة بحسبها و انما قلتُ من جميع ما ليس بمعبودٍ بالحقِّ دفعاً لاحتمال اَتْباع المصنّف القاۤئلين بان الارواح القادسة ليست ممّا سوي اللّه تعالي و انّ روح القدس لمتَدْخل تحت حيطةِ كن لانّ الذي يشيرون اليه ان كان هو معبودهم فماادري ما اقول لهم و اما انا فاقول ما يشيرون اليه فعباد مخلوقون مركّبون بنحو ما تركّبَ بهٖ ساۤئر المخلوقات الّا انّ كل شيء فمؤلَّفٌ من نوع رتبته من الكون و الحاصل معني تسمية يوم القيمة يوم الجمع لاجتماع جميع الخلاۤئق فيه لانه يوم الجزاۤء و التزييل في قوله تعالي فزيَّلْنَا بينهم ، و ان قيل ان المصنّف يفهم هذا و لكنّه يريد بيان علّة اجتماعهم من باب الاسباب كما هو طريقة الحكماۤء فَلَا اعْترَاضَ عليه قلنا اذا اراد هذا المعني فانْ كانَ ارادَ بيانه بما ينقل عن غيره فَلَا اعْتِراضَ عليه و انما الاعتراض علي غيره وَ اِنْ ارَادَ اَنَّ بيانَ هذا ٱلنَّمطِ بٱلحقِّ هو ما ذكره فالاعتراض متوجّه عليه بل بيان الحق في سبب اجتماعهم انّ الموجب لذلك هو العدل ( اي وضع كل شيء موضعه و رد كل شيء الي جوهره و التزييل فيجمعهم ليأخذ حق بعضهم عن بعض الذي هو العلاقة بينهم فيتفرقون بعد قطعها و رد كل شيء الي جوهره و اصله فالجمع للفصل الذي هو ثمرة العدل ) الّذي قام نظام الاكوان و دارت عليه رحاهُ و بلحاظ نَمط ادلّتهم فالموجب هو معني قوله تعالي كما بدأكم تعودون ، و ذلك ما قرّرنا في كتبِنا و رساۤئلنا و مباحثاتِنا انّه تعالي خلق رحمته ( صورة العقل ) و كانت رتبتها في اَعْلي الامكان و خلق من ظلّ انّيّتِها غضبَه ( صورة الجهل ) و كانت رتبته في اسفل الامكان قضاۤء لحكم التضاۤدّ فاَقام كُلّاً منهما بالاخر عَلَي نحو ما ذكرنا في الكسر و الانكسارِ فخلص اعلي الخيرات اي اقربها ( فخلق منه محمد و المحمد عليهم السلام ) من المبدء و اسفل الشرور اي ابعدها ( فخلق منه ائمة الجور ) منه و ظهرت آثار الاختلاط ( فالشيعتان مختلطتان بينهم لطخ و خلط و يجب ان يخلصوا ) ممّا بينهما فخلق من كل واحدٍ ( من النور و الظلمة في عالم النفوس و الذر الاول فقال لقوم الي الجنة و لاابالي و لقوم الي النار و لاابالي ) اهلَهُ فلمّا امر النور امتثل و لمّا امر الظلمة [ص 104] لمتمتثِل فاجتمعا ( في عالم الطبيعة ) قبل التكليف كما قالَ تعالي كان الناس امة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشّرين و منذرين في الخلق الثاني ( في عالم المثال ) عند ما قال لهم الستُ بربّكم فاخذوا في التزييل ( في المثال ) و التفريق بعد الاجتماع ( في الطبع ) المسبوق بالتفريق ( في النفس ) ● و يتم التفريق يوم القيمة ( اذا عادوا الي النفوس كما بدؤا ) لاخذ حقوق ( لطخ كل من كل ) كل من كلّ و بكلٍّ يعني حتي حقّ الفضيحة و حتّي يعلم كل احد بانّ الله سبحانه العدل لايجور و الحكيم الذي لايلهو و المتسلّط الذي اليه ترجع الامور و اكثر الخلق لايعرفون من معني هذا الكلام الّا العبارة او مفهومها و لايعلم الجاهل و الغافل بذلك كعلم العارف الذاكر العاقل الّا يوم القيمة و لايتم ذلك كله علي كمال ما ينبغي الّا بجمع جميع الخلق في صعيد واحد ليشاهد كلُّ احدٍ كُلَّ احدٍ و هذا الذي اومأتُ اليه من الحقوق التي يتعلّق بها العدل و معني ما اردتُ مجملا انهم خلقوا من حقاۤئق ( في النفوس ) متباينة ثم جمعوا ( في الطبع ) لما يراد منهم ( من الابتلا و الاختبار و ظهور الاختيار ) هذا في البدءِ و جمعهم لما يراد منهم حين قال لهم الستُ بربّكم لان ذلك مما تعمّ به البلوي فيجب الاجتماع و تنتهي ثمرة الاجتماع ( التي هي الاختبار و ظهور الاختيار ) في يوم القيمة ( بعد انقطاع الطبايع ) لانه مسامِت مشهد الستُ بربّكم في العود ( و هو مشهد النفوس التي هي حقايق المثال و الدنيا ) فافهم ثم يتفرقون ( الي الجنة و النار ) و لايجتمعون ابداً ( لانهم لايعودون الي موادهم الاولية بل الي الشرعية ) يعني لايجتمع من كان من النور بمن كان من الظلمة اَبداً و لو كان علّة الاجتماع ما ذكره المصنف لماحصل افتراق ابداً لانهم بعد القيمة ترتفع عنهم تلك الحجب و الموانع اشدّ من ارتفاعها يوم القيمة مع انهم فريق في الجنّة و فريق في السعير فان قيل اهل الجنة لايفترقون و اهل السعير لايفترقون قلنا فرفع الموانع انّما يقتضي جمع احد الفريقين لا الجميع مَع انّه جَعله علّة للجميع .
قال : و منها اَنّها يوم الفَصْل لان الدنيا دار اشتباهٍ و مغالطةٍ تشابك فيها الحق و الباطل و الخير و الشرّ يتعانق فيها الخصمان و يتمازج فيها المتقابلان و الاخرة دار الفصل و التمييز و الافتراق فيتفرّق المختلفانِ و يتميّز المتشابهانِ [ص 105] لقوله تعالي و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرّقون و قوله ليميز الله الخبيث من الطيب الاية ، و قوله و يحقّ الحق و يبطل الباطل و لا منافاة بين هذا الفصل و ذلك الجمع بل يقرّره و يوجبه كما قال هذا يوم الفصل جمعناكم و الاوّلين » .
اقول من لوازم القيمة انها يوم الفصل و هو مقتضي قيام العدل لما قلنا سابقا قبل هذه انّ الخلاۤئق انّما جمعهم التكليف لِمٰا بينهم من المشابهة ( اي لما ماتوا من عالم النفوس و دفنوا في ارض الطبايع و نبت نبات المواد وقع المشابهة و هي علة الجمع في التكليف و الحشر ) و هو قولي و ظهرت آثار الاختلاط ممّا بينهما و لهذا يميل كلّ شيءٍ الي شكله و نوعه فيتوافقان و يحصل بينهما تنافٍ فيختلفانِ فيحصل من ذلك مع التكليف ( اي التكليف الجامع هو المفرق بينهم لانه الفرقان ) الجامع لهما احسان و عدوان و اعطاۤء و حرمان و تصديق و تكذيب و اعتراف و انكار و طاعة و عصيان فيحصل من التوافق و التفارق الطبيعيَيْن مع التكليف الجامع جميع الصفات المتضاۤدّة و لمّا كان علّة ايجادهم و تكليفهم الرحمة الواسعة الجامعة للفضل و العدلِ اقتضي ذلك الفصْل بينهم بعد جمعهم ( اي الرحمة الواسعة تجمعهم و الفضل و العدل تفرق بينهم ) فيما كانوا فيه يختلفون ليجزي قوما بما كانوا يكسبون و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين و ليعرفوا الخلاۤئق اجمعون انّ الله سبحانه هو الحق المبين العدل الحكيم و انه كما وصف نفسه في كتابه المجيد فانه لايعرف ذلك في الدنيا الّا من هو اعز من الكبريت الاحمر و اقلّ من الغراب الاعصم و اما ساۤئر الخلاۤئق فلايعْرفون ذلك الّا يوم القيمة و ( عطف علي قوله ان الله و انّه ) انما خلق الخلق علي وصف معرفته فانقسموا بما اشرنا اليه من الاتفاق و الافتراق الطبيعيَيْن الي المعرفة و الانكار و الي ما بين ذلك من المراتب و المصنف اشار الي ذلك فقال لانّ الدنيا دار اشتباه و ذلك لما اشرنا اليه سابقا ان النفس الحيوانية الحسّيّة الفلكيّة التي شأنها الغشم و الظلم و الغضب و الشهوة و ما اشبه هذا من الصفات الذميمة يكون وجودها و ولادتها الجسمانية عند تمام الاربعة الاشهر من حين وقوع النطفة في الرحم و عند الولادة الدنيويّة توجد النفس [ص 106] الناطقة و قد تمكّنت الحيوانية من القوي و الٰالات الجسمانية و سرت فيها بشؤنها و صفاتها الذميمة و النفس الناطقة عند ولادتها غريبة لميأتها المربّي لها المؤيد لما تقتضيه و هو العقل الّا بعد ان تصرّفت الحيوانية في ساۤئر القوي و استعبدتها ثم اتي العقل الي بلدٍ قد خربها الظالمون و تعبّد اهلها الفاسقون فوجد النفس الناطقة و ماوجد فيها غير بيت من المسلمين فشرع مع ضعفه و قلّة ناصريه في تأييدها و الانسان الذي هو تلك القرية حصل له داعيانِ متعارضانِ في كلّ فعلٍ و ميلٍ احدهما آمر و الاخر ناهٍ فارسل الملك الحكيم عز و جل الي اهل هذه القرية رسولا من عنده قويّا لايشتبه عليه الدّاعيان صلّي الله علي محمد و اله الطاهرين ليبيّن لهم ما يريد الله سبحانه و يحب مما يكرهه و لايريده فمن اتّبع رسول الله صلي الله عليه و اله اهتدي و لمتشتبه عليه الامور فكانت الدنيا دار اشتباهٍ لتعارض الداعيَيْن من نفس المكلّف اذا مالت الي شيء لايدري ما مراد الله تعالي منه فعله او تركه و دار مغالطةٍ لان النفس الامّارَة تحسّن له مطلوبها من المعاصي و العقل يحسِّن له مطلوبه من الطاعات و قد اجتمعا في بيتٍ واحدٍ و هو القلب الصَّنَوْبري و له اُذُنانِ اذن عن يمينه عليها مَلكٌ مُؤَيِّد يوحي الي العقل اَن يبادر الي طاعة الله سبحانه و تحت ذلك الملك جنود من الملاۤئكة بعدد ميولات الوجود و عدد بَواعث وزيره العقل يعينون الملك علي وحيه و يدفعون الشياطين عن المنع من حصول مطلوبه و اُذن عن يساره عليها شيطان مُقَيَّض يوحي الي النفس الامّارة اَنْ تبادر الي معصيةِ الله سبحانه قبل ان يستولي العقل علي المتعلَّق بفتح اللام المشدّدة و تحت ذلك الشيطان جنود من الشياطين بعدد جنود الملك المؤيّد و عدد ميولات الماهية و عدد بواعث وزيرها النفس الامّارة يعينون الشيطان علي منعه من فعل الطاعة و يدفعون الملاۤئكة من حصول مطلوبهم [ص 107] فالملاۤئكة يزيّنون للشخص فعل الطَّاعات و يرغّبونه فيه بتذكير ثواب اللّه تعالي و الجنّة وَ يكرّهونه فعْل المعاصي و يخوّفونه بتذكير النّار و سَخطِ ٱللّٰهِ علي العَاصٖين و الشياطين يزيّنون للشخص فعل المعاصي و انّها لذّة عاجلةٌ قطعيّة و لا مانع منها و اَنّ ما ذُكِر من العقوبة لا اصلَ له و لو فرض ثبوته فبعضهم يقولون له مَن له طالع ينال به شهْوته و ان كان بعثٌ و رجوعٌ الي الحيوة فالطالع الاول موجود و بعض يقول لبعض لو فرض ذلك فتُبْ عن المعصية و بعض يقول لبعضٍ لذات الدنيا يقين و لذّات الاخرة شك و اليقين خير من الشكّ و بعض يقول لذات الدنيا نقد و لذّات الاخرة نسيۤئة و النقد خير من النسيۤئة و امثال ذلك و الحاصل لمّا اشتبه المَيْلانِ و تشابه الداعيان و تشابَكَ الخير و الشرّ و الحق و الباطل لاجْل اختبار المكلّفين كما قال تعالي احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنّا و هم لايفتنون و غير ذلك من الايات و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لَتُبَلْبَلُنَّ بَلبلةً و لَتُغربَلُنّ غَربلةً و لَتُساطُنّ سوطَ القِدْر حتي يعودَ اعلاكم اسفلكم و اسفلُكم اعلاكم و لَيسبِقُنَّ سبّاقون كانوا قصّروا و ليقصّرُنَّ مقصِّرون كانوا سبقوا ه ، خفي العدل الذي وصف تعالي به نفسه و خلقهم عليه فبيّن عز و جلّ لهم ما وصف به نفسه حتّي لايشك احد من الخلق في شيء مما ذكره في كتابه كما اشار اليه في قوله و اقسموا بالله جهد ايمانهم لايبعث اللّه من يموت بلي وعداً عليه حقّاً و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبيّن لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين لانه تعالي انما خلقهم ليعرفوه فعرّفهم نفسه و ما وصف به نفسه بفعله في قوله وَ اكثرهم ما شاهدوا فعله في قوله و انّما سمعوا قوله فاحبّ ان يريَهم فعله في قوله لئلّايقولوا انّا كنا عن هذا غافلين فبلغت حجته و تمّت كلمته و ما ربّك بظلام للعبيد فيجمعهم و يفصل بينهم بالحقّ ليميز الخبيث من الطيب و يحقّ [ص 108] الحقّ و يبطل الباطل و يتفرّقون حينئذ فريق في الجنّة و فريق في السعير و هو قوله و يوم تقوم الساعة يومئذٍ يتفرّقون .
و قوله « و لا منافاة بين هذا الفصل و ذلك الجمع بل يقرّره و يوجبه كما قال هذا يوم الفصل جمعناكم و الاوّلين » فيه انه ان اراد بهذا الفصل خصوص الحكم لا غير فكما قال و ان اراد به التفريق فينافيه الجمع علي ما علّله كما ذكرنا مما يلزمه فراجع .
قال : و منها ان المتخلّصين عن البرازخ و القبور يتوجّهون عند قيام الساعة الي الحضرة الالهيّة بلا تراخٍ و انتظار كما لغيرهم من المقيّدين بالدنيا المأسورين باسر التعلقات كما قال فاذا هم من الاجداثِ الي ربّهم ينسلون .
اقول من جملة احوال القيمة انّ الّذين تخلّصوا عن قيود البرازخ كالنفوس و الارواح قبل النفخ في الصور نفخة الصّعْق بهذه النفخة كما قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة ما معناه تبقي الارواح ساهرة لاتنام ه ، و عن مضيق المخازن و القبور كالارواح و النفوس عِنْد النفخة الثانية نفخة الفزع و كالاجساد يتوجّهون عند قيام الساعة الي الحضرة الالهية بلا تراخٍ و انتظارٍ لا كما يكون منَ التّراخي و الانتظار لغيرهم من المقيّدين بالدنيا المأْسُورٖينَ المقيّدين بِاَسْرِ التّعلقات و قيدِها بل المتخلِّصون سيرهم حثيثٌ مُسْرِعُون مُهْطِعُونَ الَي دَاعي ٱلحق سُبْحانه كما قال سبحانه فَاِذَا هُمْ مِن الاجداثِ الي ربّهم يَنْسِلُونَ اَيْ يُسْرِعُونَ اقول و اعلم انّ مدّة القيمة كيومٍ من الايام الثلاثة يوم الدُّنْيا و يوم الرجعة و يوم القيمة و النّاس في الايام الثلاثة كلّهم يسيرون الي اللّهِ تعالي سيْراً حثٖيثاً و ليْس سَيْرُهم بَعْدَ النفخة الثانية مُغَايِراً لِسَيْرِهِمْ قبل ذلك و العارفون الّذين علّمهم اللّه اسرار الخليقة اَوْ بَعْضَها يُشاهدون ذلك نعم هم فيما يرون من انفسهم يرون ان اهل الدنيا [ص 109] مقيمون و اَهْل الاخرة يسيرون الي الله سبحانه و امّا انطلاق اهل الاخرة من قيدِ التعلُّقاتِ فلايتم الّا بعد الفصل بينهم و الّا فقبله اشدّ تعلّقا و اعظم اختلاطاً لانّ اغلب التعلّقات في الدنيا معنويّ بخلافِ الاخرة فان التّعلقات حسّيّة و كثير منها لايعتبرونه في الدنيا و امّا في الاخرة فقد قال تعالي و ان تك مثقال حبّة من خردلٍ اَتَيْنَا بها وَ كفي بنا حاسبين و كلّ هذا ممّا يمنع من سرعة السَّيْر و لهذا كان مقداره خمسينالف سنةً لكنّ الظاهر مع المصنف .
قال : و منها ان الموت لكونه عبارة عن هلاك الحيوان بواحدٍ من طرفي التضاۤدّ يقام بين الجنّة و النار في صورة كبش املح و يذبح بشفرةِ يحيي عليه السلام و هو صورة الحيوة بامر جبرئل عليه السلام مبدء الارواح و محيي الاشباح باذن اللّه لتظهر حقيقة البقاۤء و السرمد بموتِ الموت و حيٰوة الحيوة .
اقول انّ الموتَ هو خروج الروح من البدن امّا بقتل او موت فامّا القتل ففيه خلاف هل هو عند انقضاۤء العمر المكتوب بحيث لو ترك و لميُقْتَلْ مات و قيل لايموت وَ اختلف هؤلاۤء في قدر ما يبقي لو لميقتل علي اقوالٍ لعدم عثورهم علي نَصٍّ يدلّ علي شيء و النَّصُّ موجود يذكرونه في الكتب و يقرؤُنَهُ و لايفهمون معناه و هو انّه يَبْقَي سَنَتَيْن و نصفاً و امّا الموت فقسمان مسمّي و مقضي فٱلمُسَمَّي لايزيد و لاينقص و المَقضي يزيد بالطاعات و يَنْقُص بالمعاصي و ليس هذا مكان بيان ذٰلكَ وَ اعلم اَنّ كثيرا مِنَ العُلَماۤءِ ذهَبُوا الي انّ المَوْتَ امرٌ اعتباريّ عدمي ليس بموجودٍ لانّه عدم الحيوة ممّا من شأنه الحيوة و الحقّ انّ الموت شيءٌ موجود مخلوق كما قال تعالي الّذي خلق الموت و الحيوة ليبلوكم ايُّكمْ احسن عملاً .
[ص 110] و قوله « بواحدٍ من طرفي التّضاۤدّ » كأن تزيد حرارة الشخص علي برودته فتحرقها او برودته علي حَرارتِهٖ فتُطْفِئها او رطوبته علي يبوسته فتذيبها او يبوسته علي رطوبته فتجفّفها لانه ما دامت الطباۤئع معتدلة او قريبة الاعتدال فهو صحيح فاذا زادَتْ واحدة علي ضدّها و لمتذهب ضدّها تمَرّض الشخص فَاِنْ اَذْهَبَتْه هَلك و ليس مراده انّ الهلاك يكون من واحدة لا غير بل مراده اعمّ و هو كذلك .
و قوله « يقام بين الجنّة و النار ، الخ » يعني انّه اذا دخل اهل الجنّة الجنّة و اهل النار النار اُقيم الموتُ بين الجنة و النار في صورة كبش املح بحيث يشاهده اهل الجنّة و اهل النار و يعرفونه انه الموت فيذبح بين الجنة و النار و ينادي منادٍ يا اهل الجنّة خلود و لا موت يا اهل النّار خلود و لا موت فعند ذلك تشتدّ الحسرة علي اهل النار اَمَّا انّه بصورة كبش فكناية عن ذلّته و حقارته في جانب قدرة القادر عز و جل و امّا انه املح فلان هذا اللون مركّب من بياض و سواد ممتزجين فهو في حق المؤمن نور و في حق الكافر ظلمة و لمّا كان ذلك اعني النور و الظلمة كذلك و كان فعله كذلك و لميكن في احدي جهتيه مستمرّاً حتي يفرغ منها بل هنا و هنا اقتضي امتزاج طبعَيْه و فعليه اختلاط لونيه فكان املح .
و قوله « و يذبح بشفرة يحيي عليه السلام » لميحضرني كون الذبح بسكّين النبي يحيي علي محمد و اله و عليه السلام من طرقنا و لعلّه من طرق العاۤمّة و علي فرضه فمعناه كما ذكره المصنف من ان كون ذبح الموت بشَفرة يحيي عليه السلام اشارةٌ الي ظهور الحيوة يوم القيمة في كل شيء كما قال عز من قاۤئل و ان الدّار الاخرة لهي الحيوان اي لا موت فيها لانّ الموت انما يكون في مراتب الاعراض المتبدّلة المتغيّرة لفاۤئدة عدم البقاۤء فيها كما [ص 111] في الدنيا و اما الاخرة فهي لما كانت انما خلقت للبقاۤء كانت اعراضها صافية لاتتغيّر الّا في مراتب الترقّي و الشدّة و القوة و الجِدّة و الصّفاۤء و الحسن فانها لاتزال في الترقي فتبدّلها و تغيّرها الي جهة العلو و الكمال بلا نهاية .
و قوله « بامر جبريل عليه السلام » يعني انه انما قيل بشفرة يحيي عليه السلام لانه كناية عن صورة الحيوة و ذلك بامر جبرئل عليه السلام لانه موكّل بذلك و لذا قال مبدء الارواح و محيي الاشباح و لكن الامر اخصّ ممّا قال لان جبريل عليه السلام هو الموكّل بالخلق و التصوير و اما الارواح و الحيوة فموكل بها اسرافيل عليه السلام لانه صاحب الشاخص الذي ينبّه بالنّفخة صرعي رهائن القبور كما قال سيد الساجدين عليه السلام و لكن بعض العارفين قال ان كل واحد من الملاۤئكة الاربعة يعينه ملكانِ منهم كل واحد بنصف قوته فجبرءيل يعينه اسرافيلُ بنصفِ قوته و عزراۤئيل بنصف قوته و اسرافيْل يعينه جبرئلُ بنصف قوته و ميكاۤئيلُ بنصف قوته و ميكاۤئيل يعينه اسرافيلُ بنصف قوته و عزراۤئيل بنصف قوته و عزراۤئيل يعينه ميكاۤئيلُ بنصف قوته و جبرئلُ بنصف قوته فعلي هذا يتّجه قول المصنف و جبريل مصوّر الاشباح و انما ينفخ فيها الحيوة بما اعانه به اسرافيل لانّ اسرافيل هو المتلَقّي من النفس الكلّيّة اعني اللوح المحفوظ و ذبح الموت بسكّين يحيي عليه السلام ليظهر للناس حكم السرمد و البقاۤء بذبحِ الموت و عدمه و حيوة الحيوة و وجودها .
قال : و منها ان الجحيم تحضر في العرصات علي صورة بَعيرٍ لاجل حِقْده ليتذكّر الانسان صفاته الذميمة الباعثة للعقاب كما في قوله و جيۤئ يومئذٍ بجهنّم يومئذٍ يتذكّر الانسان و انّي له الذكري و هي بارزة في ذلك اليوم لا كامنة كما في هذا اليوم لقوله و بُرّزَتِ الجحيم لمن يَري فيطّلع الخلاۤئق [ص 112] مِن هول مشاهدتها علي فناۤئِهِمْ و عذابهم فيفزعون الي اللّهِ من شرّها لولا اَنْ حبسها اللّه برحمته لشردَتْ شردةً احترقت بها السموات و الارض .
اقول من احوال القيمة ان جهنّم يؤتي بها يوم القيمة تحضر في العرصات اي عرصات القيمة علي صورة بَعٖيرٍ لاجل انّ طبْعَ البعير الحقد بكسر الحاۤء لاضمارها لشدّة الانتقام نعوذ بها من سخط الله و النارِ و ايضا هذا الحديث بهذا الوضع مما رووه ما معناه ان النبي صلي اللّه عليه و اله كان قاعداً مع اصحابه اذ عرض له حال شديدة فقيل يا علي ادرك ابن عمّك رسول اللّه صلي الله عليه و اله فاتي علي عليه السلام و سنّد ظهره بصدره و قال بابي انت و امّي يا رسول الله ما الذي حدث فقال صلي اللّه عليه و اله نزل جبرئل عليه السلام عليّ بهذه الاية و جيۤئ يومئذٍ بجهنّم فقال علي عليه السلام يا رسول اللّه و كيف يُجاۤء بها قال صلي اللّه عليه و اله يؤتي بها تُقاد بسبعينالْفَ زمامٍ في كلّ زمامٍ سبعونالف حَلْقةٍ كلَّ حلقةٍ يمسكُهٰا الف ملك فتشردُ شَرْدَةً فتخِرّ جميع الخلاۤئق علي وجوههم فاعترضها فتقول ما لي و لك يا محمّد و قد حرّم اللّه جسدَك عليَّ فامسكها للملاۤئكة و لولا اني امسكتها لاحرقَتْ اَهْل الجمع ه ، و من طرقنا ما رواه القمّي قال حدثني ابي عن عَمْروِ بن عثمن عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال لمّا نزلت هذه الٰاية و جيۤئ يومئذ بجهنّم سُئِل عن ذلك رسول الله صلّي اللّه عليه و اله فقال ذلك اخبرني الروح الامين ان الله لا اله الّا هو اذا برزَ الخلاۤئق و جمع الاوّلين و الاخرين اُتِيَ بجهنم تُقَاد بالف زمام اخذ بكل زمام مائةالف ملك تقودها من الغلاظ الشّداد لَها هَدّة و غضب و زفير و شهيق و انّها لتزفر الزّفرة فلولا انّ اللّه اخّرهم للحساب اهلكت الجميع ثم يخرج منها عُنق فتحيط بالخلاۤئق بالبرّ منهم و الفاجر فماخلق اللّه عبداً من عبادِ اللّهِ ملكاً وَ لَا نبِيّاً الّا ينادي رَبِّ نفسي نفسي [ص 113] و انت يا نبِيّ اللّٰهِ تُنَادِي امّتي امّتي ثم يوضع عليها الصراط الحديث .
و قوله « ليتذكّر الانسان صفاته الذميمة » يعني اذا رأي النار ندم علي ما فعل في الدنيا من افراطٍ او تفريطٍ يقول يا ليتني قدّمت لحياتي و هي بارزة في ذلك اليوم محسوسة ظاهرة لكلّ احَدٍ و الأن في الدنيا كامنة كما روي عنهم عليهم السلام اَنَّها الأٰن فيهم و غداً هم فيها و هو قوله تعالي يصلونها يوم الدّين و ما هم عنها بغاۤئبين و قوله تعالي لو تعلمُنّ علم اليقين لتروُنَّ الجحٖيم فاذا برزت غداً كما قال تعالي و برّزت الجحيم لمن يري اطّلَعَ الخلاۤئق من هول رؤيتها علي فناۤئهم و هلاكهم و عَذابهم فيفزعون الي اللهِ من شرّها و هي محيطة بهم لايظنّ احَدٌ منهم نجاة و لا ملجأ و لا مفزع الّا الي اللّهِ سبحانه و لوْلا انّ اللّه تعالي بلطفه بعبادهٖ حَبَسَها برحمته و قيّدَها بقَيْدِ لطفه لشرَدَتْ شَرْدةً من الملاۤئكة الموكّلين بها احترقت بها السّموات و الارض و من فيهنّ اجرنا من النار بعفوك يا مجير .
قال : قاعدة في العرض و الحساب و اخْذ الكتب و وضع الموازين امّا العرض فهو مثل عرض الجيش ليعرف اعمالهم في الموقف و قد علمت صحة اجتماع الخلاۤئق كلّهم علي ساهرة واحدة فيعرف المجرمون بسيميٰهم كما تعرف الاجناد هيهنا و قد ورد ان النبي صلّي الله عليه و اله سُئِل عن قوله تعالي فسوف يحاسب حساباً يسيراً فقال ذلك هو العرض فانّ من نُوقِشَ في الحساب عُذِّب و اما الحساب فهو عبارة عن جمع تفاريق الاعداد و المقادير ليعرف فذلكتها و مبلغها و في قدرة الله تعالي ان يكشف في لحظة واحدة للخلاۤئق حاصل متفرقاتِ اعمالهم و جمع نتاۤيج اعداد حسناتهم و سيّئاتهم و اثر كل دقيق و جليل من افعالهم و نيّاتهم و هو اسرع الحاسبين .
اقول المراد بعَرْض الخلاۤئق ايقافهم بين يدي وليّ اللّه علي خلقه ليجزي [ص 114] قوماً بما كانوا يعملون كما دلّت عليه احاديثهم و ادعيتهم مثل ما في الزيارة الجامعة الكبيرة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عَليكم و فصل الخطاب عندكم و هو معرفة لغات الخلاۤئق و من ذلك ما في الكافي عن الكاظم عليه السلام الينا ايابُ هذا الخلق و علينا حسابهم فما كان لهم من ذنبٍ بينهم و بين اللّه عز و جل حتمنا علي اللّه في تركه لنا فاجابنا الي ذلك و ما كان بينهُم و بين النّاس استوهبناه منهم و اجابوا الي ذلك و عوّضهم اللّه عز و جلّ ه ، و فاۤئدة العرض لتعرف اعمالهم ظاهرة عَلَي رؤس الْاشهاد بعد اجتماع جميع الخلاۤئق بالساهرة و هي الارض البيضاۤء المستوية الّتي لَيْس فيها نبات و لا بناۤءٌ فيعرف المجرمون بسيميٰهم اي بامثالهم في اعمالهم مثلا اذا سرق زيد من دكان عمروٍ رمّانة كتبت الملاۤئكة الحفظة مثاله في صورة عمله فاذا جاۤء يوم القيمة جاۤء لابسا ذلك المثال بعمله فكما انّك الأن ما دمتَ حيّاً كلّما التفتَّ بخيالك الي ذلك رأيتَ صورة مِثَالِهٖ يسرق الرمانة كذلك اذا جاۤء يوم القيمة جاۤء لابساً ذلك المثال بما هو فاعل فتراه الخلاۤئق ماۤدّاً في دكّان عمروٍ آخِذاً لتلك الرمّانَة في ذلك الوقت الَّذي اخذها فيه في دار الدّنيا و هكذا جميع الاعمال و علي هذا قياس شهادة الجوارح و المؤمنون يعرفون بسيميٰهم بما البسوا من امثالهم الحسنة بما هم فاعلون من الخيرات علي حَدِّ ما ذكرنا في المجرمين لظهور كلِّ عاملٍ بعمله و الاعتقادات الصحيحة و النيات الصّالحة و الاعتقادات الباطلة و النيات الطالحة تظهر اعمالاً ظاهرة محسوسة لاهل الجمع اِذْ يَوم الْقيٰمة تُبْلي السراۤئر و تُبْدَي الضّماۤئر و اَمّا الحساب فهو في اللغة عبارة عن جمع متفرقاتِ الاعداد و المقادير الممسوحات و المذروعات و الموزونات و المكيلات و المراد به هنا ضبط الاعمال باعدادِها و مقاديرها في كمّها و كيفها و معرفة نهاياتها و يوم المجازاة عنها او بها و بما [ص 115] تساويه في نحو القٖيمة و مدّة بقاۤئها و صحّتها و فسادِها و اختلافها و معرفة رُتَبِ اَرْواحِها من النيّات و المقاصد و المرادات و بيان مَن اُريدَ بها و امكنتها من الاكوان و اوقاتها و امثال ذلك لتتميز فَذْلكَتُها اي نهايتها في جهة مَا طلِب منها و مبلغها من رتب الوجود علي وجهٍ لايكون فيه خفاۤء او يجوز عليه خفاۤء بحَيْث يتعلّق به متعلِّل اَوْ متعذِّر بل صحوٌ قاۤئم و عدلٌ داۤئم .
و قوله « و في قدرة اللّه تعالي اَن يكشف في لحظة واحدةٍ للخلاۤئق حاصل متفرّقات اعمالهم ، الي اخره » صحيح لانه علي كل شيء قدير الّا انّه لايفعل ذلك لانّه منافٍ للحكمة اذ مقتضي الحكمة اَنْ تجري الاشياۤء عَلَي مقتضي اسبابها و هو تعالي حافظ لها و لاسبابها بقيوميّته و يعطي اَسْبَابها آثارَها الَّتٖي اقتضتها فلذا خلقَ ما خلق في الدنيا علي مقتضي الاسباب و القوابل ليبيّن لخلقه ليعرفوه فيطيعوه فيستحقّوا الدرجات العاليات من ثوابه و رضوانه و اخبر في كتابه المجيد انّ سُنّته لاتتبدّل و لاتتحوّل و جعل ما فعل في الدنيا دليلاً و مثالاً لمن اَرادَ اَنْ يعرفَهُ و يعرفَ سنّته في عباده فقال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون فتستدلّون بها علي النشأة الاُخْرَي .
و قوله « و جمع نتاۤئج اعداد حسناتهم و سيّئاتهم » الانسب في العبارة اَنْ يقول و جمع نتاۤئج حسناتهم و سيّئاتهم لان خصوص الاعداد ليس فيها نتاۤئج معتدّ بها و انْ امكن توجيهه مع قلّة الفائدة .
و قوله « و اثر كل دقيقٍ و جليل من افعالهم و نيّاتهم » ربّما اعترض بعضٌ علي هذا فقال الٰاثار مترتّبة علي الاعمال لا علي النيات و ان كانت لاتترتّب علي الاعمال الّا بالنّيات لانّ افعال القلوب لا شيئيّة لها الّا باعمال الجوارح فاُجِيبَ بانّ المراد بالنيّات الاعتقادات لانّها هي التي تترتّب عليها المجازاة بالثواب او العقاب و عورض بما صحّ من ان نيّة فعل الحسنة تكتب حسنة [ص 116] و اجيب بانّه لو كان المراد من النّيات نيات الاَعْمال لماصحّ في نيّة فعل المعصية لما صحّ من انّها لاتكتب حتّي يعملها فاذا عملها كتبت سيّئةً واحدةً و الحقّ انّ كلّ نيّة فلها اثرٌ كما اطلقه المُصَنّف اَمَّا نيّة الاعتقادات فظاهر لانها هي اعمال القلوب و امّا نيّة الحسنة فلانّ الٰالٰاتِ و الاَسْبَاب و جميع ما يتوقّف عليه العمل من تخلية السرب و الصحة التي بها يكون العبد متحرّكاً مستطٖيعاً للفعل و الدّواعي و ما اشبه ذلك كلّها انّما خُلِقت للطاعة فتكون متأصِّلةً فيها فاذا انبعثتْ النيّة من القلب بميل الفؤاد مرّت علي مراتبها التسعة القلب و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود الثاني و الخيال و الفكر و الحيوة و هي متفرّقةُ التّأثير فلِذا تحسب بحسنةٍ واحدة لان كلّ واحدة ناظرةٌ اِلَي عَملِ الجَوارح علي الانفراد فاذا عملت الجوارح كتبت عشراً لتعلق كلّ واحدة من التّسع بعمل الجسد فاذا عمل كتب كل تعلّقٍ منها حسنة و عمل الجوارح حسنة و امّا نيّة المعصية فلانها لاتنبعث من القلب و انّما تنبعث من النفس الامّارة و تمرّ علي المراتب التي لمتخلق لها و انما خلقت للطاعة فلا قرار لها بدون العمل و استقراره فتمرّ من النفس و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة فهي ناظرة الي عمل الجوارح لكنها مع تفرّقها من كون كل واحدة نظرها الي عمل الجوارح علي حدة غير متأصّلة فيها فقبل عمل الجوارح لميكن لها ثبوت و لا استقرار لانّها مُجتثة فاذا عملت الجوارح تلك المعصية كانت واحدة اذا قرّت لانّ قرار تلك الستّة لايتحقق لها تعلّق قبلَ فعلِ الجوارح لعرضيتها فاذا عملت الجوارح انتظر سبع ساعات فان تاب لمتكتب و ان مضت سبع ساعات و لميتب كتبتْ سَيّئة لان الجوارح اذا عملت و مضت ساعة قرّت في الحيوة عرضيّتها و في الساعة الثانية تقرّ في الفكر و في الثالثة في الخيال و في الرابعة في الوهم و في الخامسة في العلم و في السادسة [ص 117] في النفس و ذلك بعد ساعة الجوارح فهذه سبع ساعات تستقرّ بعدها سيّئة واحدة و ان تاب مرّ ماۤء التوبة الذاتيّة علي تلك العرضيات فغسلها فلايحدث من نيّة المعصية البدنيّة اثر نعم يحدث منها اذا تكرّرت آثارٌ عرضيّة اذا تراكمَتْ و لميرد عليها ما ينافيها حَدثتْ عنها بواعِث و شياطين مقيَّضٖين يزيّنون المعاصي و يصدون عن سبيل اللّٰهِ الذي امر بسلوكه كما قال عيسي بن مريم علي محمد و اله و عليه السلام للحواريّين ما معناه اياكم و الزنا قالوا يا روح الله انا نُهِمُّ به فقال مااريد انكم لاتهمّون به و لكن اريد انكم لاتجروه علي خواطِرِكم فانّ البيوت التي توقد تحتها النّار تسودّ سُقوفها فكذلك هذا و كما نقل عن بعضِهم انّه ما من خطْرةٍ ترد علي قلب بشرٍ الّا هي ماۤدّة لملَكٍ او شيطان ه ، فميولات النفوس الامّارة و الحيوانية الفلكية و التِفاتاتها اذا تكرّرت حدثتْ عنها بواعثُ و دواعٍ شيطانيةٌ او حيوانيةٌ او سبعيّةٌ و الحاصل ان مدّة حساب الخلاۤئق خمسونالف سنة من سني الدنيا و لكنه حساب شخص واحدٍ فيفرغ حساب جميع الخلاۤئق بفراغ حسابِ واحدٍ منهم اِمّا لان كلّ وجهٍ من كتاب اللّه الناطق و وليّه الصادق عليه و اله السلام يختصّ بشخصٍ واحد من الخلق فاذا فرغ من حسابه فرغت الوجوه و اِمَّا لطيّ الزمان بالقدرة العاۤمّة و اِمّا لان طول المدّة كناية عن عظم الشدّة و اِمّا لانّ الوجوه المذكورة عبارة عن التعلقات و الوجه الواحد كما اشار اليه الحق تعالي في قوله الحق ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة و ذلك بامره الواسع و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر فمدّة الحساب كلمح البصر و هو اسرع الحاسبين .
قال : و اما طول مدّة الحساب و مكثِهم في العذاب فلاجل قصور ذواتهم عن سرعة التفطّن بجمع متفرقاتهم وَ الوصول الي حاصل حسابهم و اما اخذ الكتب فقد علمت ان كتب النفوس و صحاۤئف القلوب بعضها علويّة و بعضها [ص 118] يمينيّة و بعضها شمالية فاما من اوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً و ينقلب الي اهله مسروراً لانه المؤمن السعيد الذي قلبه منور بنور الايمان مطهّر عن خبث الباطن وَ ذَحَل السريرة و لا حساب له مع احدٍ من الخلق و لا شاغل لذمته عن التوجّه الي عالم القدس و لذلك قال و اما من اوتي كتابه بيمينه فيقول هاۤؤمُ اقرأوا كتابيه اني ظننت اني ملاقٍ حسابيَه فهو في عيشةٍ راضيَةٍ في جنّة عالية لانه كان عارفا بالاخرة و بالحشر و الجزاۤء عالماً بانه يلاقي حسابه و كتابَهُ اذِ الظنّ هنا بمعني الجزم و اليقين و امّا من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لماوت كتابيه و لمادر ما حسابيه و ذلك لكثرة اشتغاله بالدنيا و لذّاتها و تَلهّٖيه عن الاخرة و سرورِها و خيراتها و اما من اوتي كتابه وَراۤء ظهره فسوف يدعو ثبوراً و يَصْلَي سَعٖيراً امّا دعوة الثبور فلتعلّق نفسِه بالامور الهالكة الفانية و اما صلي السعير فلكون كتاب الفجار المنافقين من جنس الاوراق المسوّدة الباطلة القابلة للنسخ و التبديل و التغيير اللاۤئقة للاحراق بنار السعير .
اقول امّا طول مدّة الحساب و مكثهم في العذاب قدر خمسينالف سنة فقد ذكرنا بعض الوجوه كالمتقدمة و المصنّف قال ان ذلك ليس لطول المدّة في نفس الامر و انما كان الطول علي اهل المحشر لاجل قصور ذواتهم عن سرعة التفطّن بجمع متفرقات اَعْمَالِهِمْ و احوالهم وَ ذَوٰاتهم و بالوصول الي حاصل حسابهم لما هم فيه من الشدّةِ و يحتمل ان يكون المراد بالواحدة في قوله و ما امرنا الّا واحدة الواحدة الدهريّة او السرمدية فانه تعالي انما قال كن فكان كل شيءٍ بها مما كان و مما يكون الي يوم القيمة و بعد القيٰمة بلا نهاية فهذه الكلمة الواحدة مع وحدتها ممتدّة بلا اوَّل لها في الامكان و لا اخر كذلك علي انّا قد اشرنا في ما سبق انّ يوم القيمة في القوس [ص 119] الصعودي مقابل ليوم التكليف الاول في عالم الذر في القوس النزولي و هو ايضاً خمسونالف سنة و يوم القيمة يوم جزاۤء ذلك التكليف و هو خمسونالف سنةٍ فكما ان يوم التكليف بكلمةٍ واحدةٍ و هي الست بربّكم قالوا بلي مع انّه اخذهم من اصلاب آباۤئهم كما في الدنيا بالتناكح و من بطون امّهاتهم بالتّوالد علي التّدريج و كلّ من حضَر كلّف و التكليف ممتدّ بالكلمة الممتدّة مثل نور الشمس لمّا طلعت استنار بها الجدار و الموضع الّذي ليس فيه جدار لميستنِرْ فاذا بُنِي فيه جدار استنار فكذلك الستُ بربكم بصوت واحدٍ كل مَن وجد و ارشد خوطب به الي انقضاۤء التكليف بخطاب واحدٍ بكلمة واحدة كذلك النشأة الاخري و اهل المحشر لايخفي عليهم هذا المعني الّا انهم في شغل عن ذلك الّا مَنْ كَان مُكلّفا به في الدنيا لا بد ان يتفطّنَ في ذلك لانه مسئول عنه و لو ترك لميُتْرَك لانه مسئول عن التفطّن اِنْ غفل عنه لانّه مكلّف به اذ بعض الاشخاص مكلّف بالعلم كَما دلّ عليه قوله عليه السلام في قوله تعالي قل فللّه الحجّة البالغةُ ما معناه انّه تعالي يقول للعبد يوم القيمة المءَاْمُرك المانهَك ان قال لماعلم قال تعالي لِمَ لمتعلم و قد جاۤءك المذكِّر و ان قال علمتُ قال لِمَ لاتعمل ه ، فمن غفل عن التفطّن و لميدرِك حقاۤئق الاشياۤء وَجَد كلّ حينٍ تعْرض عليه اعمال من اعماله في وقتها و مكانها فتعرض الاعمال في اوقاتها المتعددة المتعاقبة و امكنتها المتجددة المصاحبة فالغافل يري الطُّول في التجدّد و التعاقب و التعدّد بالنسبة الي تَنَقُّلِ نظرِهٖ اليها كما اذا نظرتَ الي ورقِ الشجرة واحدة بعد واحدة في جهة بدءِ ظهورها من الغصن الي نهايةِ تكوّنِها فان مدةَ استقصاۤئها واحدةً بعد واحدةٍ تطول عليك بخلاف ما لو نظرتَ الي مجموع الورق من حيث تكوّنه من الشجرة فانه بماۤدّة واحدة و سبب واحدٍ و انّما تعددت و تعاقبت من جهة اركان قوابلها [ص 120] كما قرّرنا سابقاً مكرّراً .
و قوله « و امّا اخذ الكتب ، الخ » تفسير منه لاخذ الكتب و هذا لايصحّ الّا اذا اراد بقوله و امّا اخذ الكتب الكتُبَ المأخوذةَ و اما اذا اراد اخْذَها فهو ما ذكرناه سابقا من ان اخذ الكتب في الظاهر عبارة عن ان الكتب الطيبة بالاعمال الصالحة تأتي اصحابها من بين ايديهم فيَأخذونها باَيمانهم و الكتب الخبيثة بالاعمال الخبيثة تأتي اصحابَها من وراۤءِ ظهورهم فتضربهم و تخرق ظهورهم و تخرج من صدورهم و يأخذونها بشماۤئلهِمْ و امّا اخذُها الحقيقي الذي ظاهره ما ذكرنا من الاخذ المعروف فهو ما اشرنا اليه سابقا من كون الكتب عبارة عن نسخ امثال العاملين بما هم عاملون له في غيوب امكنتها و ازمنتِها المعبّر عن تلك الغيوب بالالواح الجزئيّة من اللوح الكلّي الذي هو اللوح المحفوظ و اخذها عبارة عن لَبْسِ تلك الامثال و خروجهم بتلك الملابس بين الخلاۤئق متلبّسين باعمالهم اي عاملين بها فمن لبس مثالَهُ المصلِّيَ للنافلةِ خرج بين النّاس يصلّي تلك النافلة في المكان الّذي صلّاها فيه في الدنيا في الوقت الذي صلّاها فيه لانّ اللّه سبحانه يحشر تلك البقعة و ذلك الوقت و كذلك جميع اعمال الخير و اعمال الشّر الّا العمل الخبيث الذي تاب عنه في الدنيا توبة نصوحاً و اصلح بعد ذلك عمله بينه و بين اللّه فان اللّه عز و جل بفضله يمحوه من المكان و الزمان و ينسي الملاۤئكة الحافظين و الّا فكل صغير و كبير مستطر فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرَهُ و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يرَهُ .
و قوله « فقد علمتَ انّ كتب النفوس و صحاۤئف القلوب بعضها علويّة و بعضها يمينيّة و بعضها شماليّة » ظاهره انّ الكتب النفسانية و العقلية قسم ثالث و ذلك بناۤءً منه علي ان الكتب اليمينيّة و الشماليّة امور حسّية لانها نسخ الاعمال الحسّية و تؤخذ باليَد اليمني و اليسري و هما بَدَنيّتانِ بخلاف [ص 121] الكتب التي هي نسخ العلوم و الاعتقادات فانّها من نوع الملكوت و الجبروت فهي قسم ثالث و هذا ليس بصحيح امّا اوّلا فلانّ الكتاب المجيد و السنّة النبويّة مصرّحانِ بحصر الكتب في اليمينيَّةِ و الشّماليّة و ليس ذلك عن عدم علمٍ و لا عن غفلةٍ و امّا ثانياً فلانّ ذلك كما ذكرنا سابقاً من ان الاجسام اذا تخلّصَتْ من الاعراض الدنيوية و البرزخيّة ادركت بذاتها الجبروت و الملكوت لانها من نوعه و ان كانت جامدة لكونها اسفلهما و اسفل الشيء من نوعه و ان كان الشيء الاعلي اكمل في مدركه من الاسفل الّا ان الشيء الواحد لاتختلف مداركه اختلافاً كثيرا و ايضا يكون ملكوتها و جبروتها يدركانِ الاجسامَ و الجسمانيات بذاتهما فتكون كتبُ النفوس و صحاۤئفُ القلوب داخلةً في اليمينيّة و الشماليّة فامّا مَن اوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيراً بان يبدّل اللّه سيّئاتهم حَسَناتٍ لان سيّئاتهم ليسَتْ ذاتيّةً بل هي آثارُ اللطخِ الذي لحقهم من مجاورة طينة المنافقين فاذا رجع كلّ شيء الي اصله رجعت تلك المعاصي الي المنافِقِين و ما عمل المنافقون من حسناتٍ فليسَتْ ذاتيّةً بل هي آثارُ اللطخ الذي لحقهم من مجاورة طينة المؤمنين و مثاله اذا اخذتَ قطعة من الصبِرِ الاسقطري و وضعتها في شيء من الخلّ الثقيف فان ذقتَ الصَّبِرَ وجدتَ في مرارته حموضةً و ان ذقتَ الخلَّ وجدتَ في حموضتِهٖ مرارة فهل تنسب حموضة الصبِرِ الي الصبر ام الي الخلّ و هل تنسب مرارة الخل الي الخلّ ام الي الصبر بل تقطع بان حموضة الصبر من الخل و مرارة الخلّ من الصبر فاذا عاد كل شيء الي اصله بحكم العدل الحق عادت الحموضة كلها الي الخل و المرارة كلها الي الصَّبِرِ و ما ربّك بظلام للعبيد و علي هذا فوجِّه احاديثَ الطّينة و لاتقابلها بالانكار مع كثرتها و صحة اكثرها من علمٍ و للحساب اليسير وجوه كثيرة كالشفاعة و العَفو و الفضل و براۤءة [ص 122] المحبة و الولاية و العفو عمّا نقصت العقوبة عليه عن حقبٍ و امثال ذلك كثير ممّا يطول الكلام ببيانه بل بذكره و ينقلب الي اهله مسروراً و المراد من اهله اخوانه في الدين مِنْ اَقارِبهِ البَدنِيّين و الروحانيين الذين اتّبعوه اوِ اتّبعَهم بايمانهِمْ و ذلك لقوله تعالي قال نوح في سؤاله في شأن ابنه كنعان ربّ ان ابني من اهلي و انّ وعدك الحق و انت احكم الحاكمين قال يا نوح انّه ليس من اهلك انّه عمل غير صالح و قال تعالي في تعليم ابراهيم علي محمد و اله و عليه السلام فمن تبعَني فَاِنّه منّي لانّ الانساب و الاسباب كلّها تنقطع الّا ما كان لله سبحانه فينقلب اليهم مسروراً بما هو قادم عليه مما بُشِّرَ به و اُعِدَّ له لانّه المؤمن السعيد الّذي قلبه مُنوَّر بنُورِ الايمان لانّه كتبَ في قلبه الايمان و ايّده بروح منه و هو نور الحيوة في قوله اومن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في الناسِ فكان قلبه مطهّراً من الاخباثِ الباطنةِ كالشرك الظاهر و الباطن و الاعتقادات السّيّئة و الظنون السوۤء و من كدورات الغفلات و ذحلِ السريرة بالذال المعجمة و الحاۤء المهملة بمعني الحِقد بكسر الحاۤء بان لايكون في قلبه غلّاً للذين امنوا بل هو صافي السريرة حسن السيرة مع الله سبحانه بالاخلاص و ذكره علي كل حال و بالرضي بقضاۤئه و بعطاۤئه و بالصّبر علي بلاۤئه و مع النَّفْسِ بالّايمكّنَها من شهواتها و لميهملها بل قيّدها بقيود الشريعة و رَاضَهَا بالطّاعات حتّي اطمأنّت بمتابعة العَقْلِ في جميع مطالبه و مع الناس بالّايكون له حساب مع احد من الخلق و لا تعلّق عليه لاحدٍ منهم و لا له فيكون شاغلاً له عن التوجّه الي عالم القدس بالعمل الصادر عن العلم العَياني و دوام الذكر و كثرة الفكر في خلق اللّه و في الموت و الجنّة و النار فان تفكّر ساعة خير من عبادة سنة و ادامة النّظر و الاعتبار في ايات اللّه التي يُرٖي عباده ايّاها في الٰافاق و في انْفسهم [ص 123] و التدبر لكتاب اللّٰهِ و العمل بما امر اللّه و الانتهاۤء عما نهي عنه و ادامة التقرب الي اللّه عز و جل بالنوافل و التخلّق باخلاق الروحانيّين و التأدب باداب الله سبحانه و لاجل كون ما عمله و صنعه في دار الدنيا عن علم ذوقي و معرفة يقينية قال للملاۤئكة او لاولياۤء اللّه عليهم السلام هاۤؤم اقرأوا كتابيه انّي ظننتُ انّي ملاقٍ حسابيَه فهو باعماله التي تفضّل الله عليه بقبولها في عيشةٍ راضية اي مرضيّة ففاعل بمعني مفعول مثل لٰا عاصم اليوم من امر الله الّا من رحم علي احد الوجوه في جنّة عالية و قد تقدّم ذكر الجنان و اسماۤؤها و ترتيبها .
و قوله « اذِ الظنّ هيهنا بمعني الجزم و اليقين » معلوم و لا بيان نكتةٍ فيه و بيان النكتة في قوله اني ظننتُ اني ملاقٍ حسابيَهْ مع انه متيقّن فينبغي اَنْ يقول اني علمتُ او تيقّنتُ و انما عدل الي الظن لفاۤئدة هي انّه يريد انّ عملي هذا الصالح الّذي هو سبب نجاتي اَعْلَمُ و اتيقن ان التوفيقَ له نعمة من اللّه عليَّ لااقدر علي اداۤء شكرها و انّ قبوله مني نعمة اخري و انّ وعده تعالي لي بحسن المجازاة نعمة اخري و انّي لااستحقّ شيئا من ذلك و لا غيره الّا برحمة منه و فضلٍ ابتداۤئي و مع هذا كله اذا شاۤء ان يُعذبَنٖي فهو غير ظالم لي و انا مستحق لاعظم من ذلك و لكن تصديقاً لوعده في كتابه انه لايضيع عمل عامل و حسن ظنٍّ به و عظم رجاۤءٍ في كرمه ظننتُ بعظيم املي و رجاۤئي النجاةَ و ذلك كما قال زينالعابدين عليه السلام في السجود بعد الثّمان من صلوة اللّيل قال الهي و عزّتِكَ و جلالك لو انّني منذُ بدَعْتَ فِطْرتي من اوّل الدهرِ عبدتُك دوامَ خلودِ ربوبيّتِك بكلّ شَعْرةٍ في كلّ طرفة عينٍ سرْمدَ الابَدِ بحمد الخلاۤئق و شكرهم اجمعين لكنتُ مقصّراً في بلوغ اداۤءِ شكر خفيِّ نعمةٍ من نِعَمِك عليَّ و لو انّني يا الهي كربتُ معادنَ حديدِ الدنيا بانيابي و حَرثْتُ ارضَها باشفارِ عينيّ و بكيتُ من خشيتِك مثل بحور السموات [ص 124] و الارض دَما و صديداً لكان ذلك قليلاً فٖي كثيرِ ما يجب مِن حقِّكَ عَلَيَّ و لو انّك يا الهي بعد ذلك عذّبتنٖي بعذابِ الخلاۤئق اجمعين و عظّمْتَ للنارِ خَلْقي و جسمي و ملئتَ جهنّم و طبقاتها منّي حتّي لايكون في النار معذَّبٌ غيري و لا لجهنم حطَبٌ سواي لكان ذلك بعَدْلِك قليلاً في كثيرِ ما اَسْتَوْجب من عقوبتك ه ، فتأمّل في كلامه عليه السلام هذا الّذي لايحتمله غيرهم الّا من شاۤؤا و مثله ما روي عن الصادق عليه السلام ما من معناه ان النبي الياس علي محمد و اله و عليه السلام سجد و بكي فاوحي الله اليه اَن ارفع رأسك فانّي لااُعَذِّبُكَ فقال يا ربّ ان قلتَ لااعذّبُك ثم عذّبتَني الستُ عبدك ه ، رواه في الكافي و الأن لايحضرني لفظهُ فتأمّل رحمك الله في كلام المقربين مثل هذا و امثاله و من فهم ما ذكرنا و اشاروا عليهم السلام اليه عرف ان الانسب ان يقال انّي ظننتُ انّي ملاق حسابيه و كقوله تعالي الذين يظنون انهم ملاقوا ربّهم و انّهم اليه راجعون فكيف يعلمون انهم ملاقوا ربهم و الله سبحانه يقول كلّا انّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون فالظن في الظاهر بمعني الجزم و في نفس الامر علي ظاهره ليستحقوا من الله عز و جل المدح بقوله و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم الي ربهم راجعون و كم من سرٍّ في الالفاظ في القرءان المراد منها غير ظاهرها و لكن اذا اقتضي المقام ذكر شيء منها ذكرته بنحو ما تفهمه الخواۤصّ و ربّما لااذكره بما يفهمه الخصيصون الّا قليلاً علي جهةِ الاشارة لان هذا الزمان زمانُ دَوْلةِ الباطلِ عجّل اللّه فرجَ مَنْ يملأها قِسطاً و عدلا كما مُلِئت ظلما و جوراً فحينئذٍ اَكُونُ اِنْشاۤء اللهُ كما قلتُ في قصيدةٍ رَثَيْتُ بها الحسين عليه السلام :