و قوله « و اعلم انّ القيمة كما اشرنا اليه من داخل حجب السّموات و الارض و منزلتها من هذا العالم ، الخ » يريد به انّ عالم الاخرة امّا جنّة و هي في غيب هذه السموات و امّا نار و هي في غيب هذه الارضين و هذا صحيح لانّ الدنيا ما نزل اليها من عالم الغيب في القوس النزولي كالاجسام الباقية يعني المبعوثة يوم القيمة فانها باقية في القبور قال تعالي و ان الله يبعث من في القبور و كالصور البرزخيّة و كالجواهر الهبائية و الطبيعيّة و النفسانية فانها نزلت من المكان الرفيع فلمّا نزلت لحِقَتْها عوارضُ المراتب فلمّا عادت القَتْ ما فيها و تخلّت فاذا مات الانْسان رجع الي البرزخ في الصورة البرزخيّة فاذا نفخ في الصّور رجع الي الهباۤئية و ٱلطبيعية في اربعمائة سنة و يتخلص فيها من العوارض و يرجع الي ٱلنفسيّة يوم القيمة لانّه مقابل النفس و مسامت لها في القوس الصعودي فالجنّة في سموات الاخرة و النار في ارض الاخرة و سموات الاخرة و ارضوها في سموات الدنيا و ارضيها كالزجاج الشّفاف في الحجر الكثيف و كالطير في البيضة و كالشجرة في النواة و ليس منزلتها كمنزلة الانسان في الرحم بل و لا كمنزلة الطّير في البيضة و الشجرة في النواة لانّ الانسان متميّز في الرحم و الطّير و الشجرة غير موجودَيْن بالفعل و الجنّة و النّار و الٰاخرة ليست متميّزة كتميّز الانسان [ص 77] في الرحم بالظّرفية و ليست في وجودِها بالقوة كوجود الطير و الشجرة و انّما وجودها بالفعل كوجود الزجاج في الحجر و كوجود الزبد في اللّبَن و كبُرَادة الذهب في التراب كما مثّل بها الامام عليه السلام فاجسادنا هذه التي في الدّنيا بعينها هي اجساد الاخرة و انّما غطّاها عن الابصار العوارض كما غطّي سحالة الذهبِ التّرابُ عن الابصار فاذا غسل التراب بالماۤء او نفخ بالهواۤء ظهرت برادة الذهب و اذا اُذٖيبَ الحجر بالنار تخلّص الزّجاج و كذلك الجنّة و النار و سموات الاخرة و ارَضُوهَا موجودة الٰان بالفعل كوجود الزجاج في الحجر بالفعل و برادة الذهب في التراب بالفعلِ و امّا وجود الانسان في الرحم فانه متميّز الّا انه مظروف و الطير وجوده بالقوة و لا كذلك الاخرة و الجنة و سمواتها و ارضوها و النار و ارضوها و سمواتها فان للنار سموات كما للجنة لانها ظلها و عكسها و هو قوله تعالي لهم من فوقهم ظلل من النار و هي سمواتها كما ان السموات تظلّ من تحتها و انما لميصرّح بذلك لخفاۤئه علي عامّة المكلّفين و لئلّايتوهّموا انّ فيها فسحة و سعة و لكن علي نحو السموات في الدنيا فان بين كل سماۤء فاصلة و هي المتمّمات الحاوية و المحويّة و الارضون ظلّها و عكسها و ليس بينها فواصل ظاهرة و لايتفوّه بها و المصنّف في قوله انّ القيمة من داخل حجب السموات و الارض علي ما هو الظاهر انه عرف رتبتها و لكنّه ماعرف آيتها و مثالها و يحتمل انّه اخذ ذلك من كلام القوم و لو اخذه بالمعاينة لمااخذه الّا من ايٰاته في الٰافاق و في الانفس و لو اخذه من اياته لمثّل بها لانّها هي مثاله و هي دليله فافهم .
و قوله « فما لمينهدم بناۤء الظاهر لمتنكشف احوال الباطن ، الخ » صحيح لان المراد بذلك هو تخليص الغيب الموجود الأن بالفعل و لذا قال فلاتقوم [ص 78] الساعة الا اذا زلزلت الارض زلزالَها و انشقت السماۤء و انتثرت الكواكب و تساقطت النجوم و كوّرت الشمس و خسف القمر و سيّرت الجبال و عُطّلت العشار و بُعثرَ ما في القبور و حُصِّلَ ما في الصدور و حملت الارض و الجبال فدكّتا دكّة واحدة و بيان هذه علي الظاهر مذكور في التفاسير و المراد انّ هذا كلّه من كيفيات التخليص و التصفيةِ لما تلوّثَ من العالم ليلتحق بالصّافي منه فهذه الاجسام الدنيوية الماۤدّية هي بنفسها تعود بعد التصفية فان قلتَ انّك رددتَ علي المصنف فيما تقدم حتّي قلتَ انه عند اهل البيت عليهم السلام غير قاۤئل بالمعاد الجسماني لانّه لايقول باعادة الماۤدة و انما المعاد هو ٱلصّورة مع انه قاۤئل باعادة الانسان بعد تصفيته لانه لايعاد بهذه العوارض و الكثافات و انما المُعاد الجسم النوراني يعني بعد تصفيته و يريد بالصورةِ الصورةُ الوُجوديّة لانّ الانسان انما هو انسان بهذه الصورة فقوله غير منافٍ لما تذهب اليه و انّما النّزاع لفظيّ قلتُ النزاع معنوي لانّي اقول انّ الذي يعاد هو هذا الجسد الموجود بالفعل بعد تصفية مادته الموجودة بالفعل الأن يعاد بماۤدّته هذه بعد تصفيتها كتصفية الزجاج من الحجر الكثيف في صورة عمله فان عمِل عمل الانسان من الطاعات اعيد بمادته في صورة الانسان لانها هي صورة الطاعة و انْ عمِلَ عَملَ الحيوان اعيد بماۤدته في صورة الحيوان من حمار او ثور او كلب او خنزير او غير ذلك مما اقتضاه عمله من الصور و علي كل تقدير فصورته في الدنيا لاتعود و انْ اُعِيدَ عليها اُعِيدَ علي صورة مثلها لانّ الصور التخطيطيّة ليست جزءاً من الجسد بخصوصها كما لو كسرتَ خاتمك و صغته علي صورته الاولي فانّه هو هو بغير تبديل و الصورة الوجوديّة ليست الّا المادة و المصنّفُ يقول انّ الانسان المُعاد بصورته لا بمادته حتي قال فيما تقدم في الاصول [ص 79] السّبعة في الاصل الاوّل : فهو هو بصورته لا بماۤدّته حتي لو فُرِض تجرّد صورته عن ماۤدّته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرّد و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد ٱلصور عن التفرّد بذاته دون التعلّق الوجودي بما يحمل لوازم شخصه و يحمل امكان وقوعه و يقرّبهُ باستعداده الي جاعله و يرجّح وقت حدوثه علي سائر الاوقات و نسبة الماۤدّة الي الصورة نسبة النقص الي التمام و الشيء مع تمامه واجب الحصول بالفعل و مع نقصه ممكن بالقوة انتهي ، فقوله حتّي لوْ فُرِضَ تجرّد صورته الي آخِرهٖ صريحٌ في عدَمِ ٱعتبار الماۤدّة في الاِعَادةِ و انّما المعتبر في الاعادة عنده الصورة الوجوديّة مثل ما مثّلنا بالنهر فانه يقال لهذا الماۤء الجاري الذي في النّهرِ هذا الماۤء الذي شَرِبْنا منه في العام الماضي مع انه يتبدّل و يتغير كل لحظة و لكنّه باعتبار الصّورة الوجوديّة هو ذلك الاوّل و قد قال في قاعدةٍ بعد الاصول السبعة الماضية : انّ المُعٰاد في يوم المعاد هذا الشخص الانساني المحسوس الملموس المركّب من الاضداد الممتزج من الاعضاۤء و الاجزاۤء الكاۤئنة من المواۤدّ مع انه يتبدل عليه في كل وقتٍ اعضاۤؤه و اجزاۤؤه و جواهره و اعراضه حتي قلبه و دماغه سيّما روحه البخاري الذي هو اقرب جسمٍ طبيعي الي ذاته و اوّل منزلٍ من منازل نفسه في هذا العالم و هو كرسي ذاته و عرش استواۤئه و معسكر قواه و جنوده و هو مع ذلك داۤئم الاستحالة و التبدّل و الحدوث و الانقطاع فانّ العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انّما هي بوحدة النفس فما دامت نفس زيد هذه النفس كان بدنه هذا البدن لان نفس الشخص تمام حقيقته و هُويّته و هذا كما يقال ان هذا الطفل ممّن يشيب او هذا الشاۤبّ كان طفلاً و عنْد الشيب قد زال جميع ما كان له عند الطفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤء الي اخر كلامه ، فتأمّل في كلامه و ما قبله [ص 80] هل يدلّ علي اعادة المواۤدّ و هل يكون كما ذكرنا و هل يكون النزاع بيننا لفظيا و قد تقدّم هذا الكلام و ذكرنا هناك ما يرد عليه و لكن اعدته لتتأمل فيه في مثل قوله و عند الشيب قد زال عنه جميع ما كان له عند الطفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤء فاعتبروا يا اولي الالباب و انما مراده بقوله ان هذا البدن الملموس المحسوس في هذه الدنيا هو المعاد ليس انه بماۤدته الّا انّها تصفي و ان الجسم الاخروي الباقي هو هذا بعد التصفية علي نحو ما بيّنّا بل كَما مثَّلْنا بالنّهر لانّ المعاد عنده هو الصّورة الوجوديّة فيا ليت شعري اذا كان الطفل عند الشيب يكون قد زال عنه جميع ما كان له عند الطّفوليّة من الاجزاۤء و الاعضاۤء هل تكون الاعضاۤء التي له قبل الشيب المباشرة للمعاصي تزول و تجدّد له اعضاۤء غيرها تُعَذّب و لمتعمل شيئا من المعاصي بل لاجل انها جعلت عضواً للنفس العاصية و التي عملت المعاصي و باشرَتْ ما حرّم اللّه و تلذّذت بالمعاصي تذهب طِلْقاً سالمةً من العذاب و يحمل عذابها علي ما لميعصِ فهنيۤئاً للاعضاۤء الفانية اذا كانت عاصية و تعساً لها ان كانت مطيعةً لانّها حُمِّلَتْ مَشَقّة الطاعات بلا عوض فالله قال تعالي و لاتزر وازرةٌ وزر اخري و المصنّف قال تزرُ وازرة وزر اخري اذا كانت بصورتِها .
قال : و العارف قد يشاهد هذه الاحوال و الاهوال عند ظهور سلطان الاخرة علي ذاته فيسمع نداۤء لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار فيري السمواتِ مطوياتٍ بيمينه و يري هذه الارض عند القيمة في الزلزال و الجبال في الاندكاكِ حيث لا استقرار و لا جمود لها فاذا انكشف الغطاۤء بالقيامتين الكبري و الصغري يري كلّ علي اصله من غير غلطٍ في الحسّ و شبهةٍ في الوهم فيري ذوات الاوضاع الشخصيّة المركبة مواۤدّ و صوراً متجدّدة مستحيلةً مع اعراضها المختلفة التي كان يتم بها وجودها الشخصي المحسوس الّذي مظهرها آلات [ص 81] الحواۤسّ و انفعالاتها عند الحواسّ و انفعالاتها عند القيمة .
اقول العارف في هذه الدنيا اذا ظهر سلطان الاخرة علي ذاته من جهة عقله علي ساۤئر بدنه حتي امتثل اوامر اللّه و اجتنب نواهيه كما يحبّ اللّه و استقام علي ذلك كان امتداد عقله من النور كما قال الصادق عليه السلام دِعامةُ الانسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصرهُ و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذاكراً فطِناً فَهِماً فعلم بذلِك كيف و لِمَ و حيثُ و عرف مَن نصحه و من غشّه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفْصوله و اخلصَ الوحدانية لله و الاقرار بالطاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فاتَ و وارداً علي ما هو اٰتٍ و يعرف ما هو فيه و لاي شيء هو هيهنا و من اين يأتيه و الي ما هو صاۤئر و ذلك كلّه من تأييد العقل ه ، فاذا كان في الدّنيا كذلك فقد امات نفسه و قامت قيامته كما قال صلّي الله عليه و اله فيشاهِدُ احوال الاخرة و اهوالها لانها كلها الأن موجودة بالفعل و انّما غطّاها عن اهل الدنيا الغواشي الدنيويّة و الحجب الطبيعية الماديّة و من امات نفسه فقد كشف الغواشي و خرق الحجب لانّه قد جمع قلبه علي ما يحبّ الله فقذف اللّه سبحانه في قلبه العلم و اليقين و قد قال تعالي لو تعلمُنَّ علم اليقين لترونّ الجحيم فيسمع نداءَ لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار فيجيب لانه سمع لمن الملك اليوم فقال لِلهِ الواحد القهّار لان اللّه احدث الجواب في سرّه كما احدث الكلام لموسي في الشجرة بل سمع نداء الله سبحانه للارض بين النفختين يا ارض اين ساكنوكِ اين الجبّارون المتكبرون اين من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه تعالي للّه الواحد القهار فيسمع العارف ذلك الرّدّ و يري السموات مطويات بيمينه يعني حين كشِطت اي ازيل عنها القِشر [ص 82] و غسلت من العوارض و يشاهد الارض حين زلزلت و الجبال حين دكّت فكانت هباۤء لان الارض كانت منذ كانت في الزلزال و الجِبال في الاندكاك و النّاس ساۤئرون الي ارض المحشر منذ كانوا في النطف و تتم هذه الحالة الوصفيّة يوم القيمة العاۤمّة و يظهر ذلك لكل احدٍ و امّا الغاية الذاتية اي الحالة الذاتية لهذا الاندكاك فلا غاية لها الّا ان القيمة لمّا كان فيها زيادة تصفيةٍ و ما بعدها ففي ابتداۤء دخول اهل الجنة قيل تحصل لهم بنسبة حالهم اذا دخلوا مقام الرفرف الاخضر فينتقلون الي مقام ارض الزعفران فيُصَفّون ثم ينتقلون الي مقام الاعراف فيصفّون ثم ينتقلون الي مقام الرضوان ثم لا انتقال و لا تصفية اذ لا غاية لذلك المقام و لا نهاية هذا و الاندكاك و التبدّل لاينتهي لان الحادث لاينفك عن ذلك و لكنه في الجنّة من اعظم انواع النعيم لان المؤمن داۤئما في الجنّة بلا نهاية يخلع من الامدادات و يلبس كما يخلع الانسان ثوباً من ثيابه ثم يلبس غيره ثم يخلع الملبوس و يلبس الذي كان لبسه اعني الاول او غيره فهم لايزالون في لبس من خلق جديد كما في الدنيا و البرزخ الّا انه في الدنيا و البرزخ تخليص من الغراۤئب و العَوارض و في الاخرة تبديل و تجديد لا تخليص .
و قوله « لا قرار لها و لا جمود » يعني انها كما وصفها تعالي فكانت هباۤء منبثا و كثيباً مهيلا و كالعهن المنفوش و كذلك هي في الدنيا بل كل شيء ممّا سوي اللّه هكذا و ان اختلفت الاشياۤء في السرعة و البطؤ .
و قوله « فاذا انكشف الغطاۤء بالقيامتين الكبري » العامة لجميع الخلق « و الصغري » الخاۤصة بالشخص العارف الذي امات نفسه بالارادة في هذه الدنيا يري كلّ شيء من الاشياۤء علي اصله و حقيقته من غير غلطٍ في الحس لان الحقاۤئق تنكشف لكل احدٍ فلايجهل احد شيئا من احوال اهل الجمع العاۤمّة فلايكون [ص 83] غلط في الحسّ و لا شبهة في الوهم لان في ذلك تكشف السراۤئر و تبدئ الضماۤئر .
و قوله « فيري ذوات الاوضاع الشخصية المركّبة مواۤدَّ و صوراً متجدّدَة مستحيلةً ، الخ » هذه الرؤية يراها المصنّف و اتباعه و امّا الذين عرفوا و نظروا بنور اللّه فانّهم يرون ذوات الاوضاع الشخصية و المجردة مواۤدَّ و صوراً متجددة متغيّرة في كل جزءٍ من مواۤدها العنصريّة و البرزخيّة و الملكوتية و الجبروتيّة و في كل حالٍ من صورها و هيئاتها الّا ان تبدّل مواۤدّها الذاتية بكونها ذاهبة عنه عاۤئدة عليه بعين ماۤدتها كما يعود كله بعين ماۤدته يوم القيمة في صورة اعماله كذلك في الدنيا و ما قبلها و في القيمة و ما بعدها فهو بما فيه من الاجزاۤء كالنهر المستدير عودهُ الي بدئه و اخرهُ يصبّ في اوّله فاذا ذهب عنه شيء منه عاد اليه امّا مجدَّداً كما لو وصل الذاهب منه الي بعض خزاۤئنه الكونيّة و امّا جديداً كما لو انتهي الي خزانته الامكانية فالشخص ابداً يمدّ بما ذهب منه و بما لَهُ و امّا تبدّل صورها فانّها تبدّل الصورة الذاهِبة بصورة قد قدّرَتْ في قالبِ الاولي و هذا حكم جميع الممكنات المادّيات و المجردات الّا ان المجردات لمّا كانت في التبدل و التغيّر اشدّ و اسْرع بمعني ان الماديّ اذا دار في تبدّله و تغيّره دورة واحدة دار المجرّد في تبدّله و تغيره الفي دورة او ثلاثةالاف دورة او اربعةٰالاف دورة و كلما كان اشرف و اعلي كان اسرع و اوّل المكوّنات و اشرفها و اعلاها نور محمد صلّي الله عليه و اله فهو اذا دار الماۤدي دورة واحدة دار نوره صلي اللّه عليه و اله في التبدل و التغير الفالف دورة و ربما يستفاد من بعض الروايات سبعينالفَالفِ دورةٍ و ذلك لشدّة فقره الي الله سبحانه و شدّة اعتناۤء الله عز و جل به في امداده و لكن لشدّة دورانه قصّرت العقول و الافهام عن ذلك حتي توهّمته ساكنا [ص 84] قاۤئما بذاته و ذلك لان الشيء اذا كان شديد الاستدارة يراه الانسان بحسّه المشترك ساكناً و ليس بساكن و اعتقاد ذلك غلوّ و شرك باللّه العظيم و المصنف بني تحقيقاته هذه علي منوال اقوام يقيسون الامور باوهامهم و هو قد اغترّ بهم و لو فتح عين بصيرته لمير منهم الّا انهم اشباه الرجال و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة حيث جعلوا المجردات غنيةً عن الاستمداد و انها مجردة عن مطلق الماۤدة اصلاً و كل ما لها بالفعل و ليس فيها ما بالقوة فلاتنتظر شيئا و تعالي الله عما يشركون و لاجل ذلك خصّص التجدّد و الاستحالة بذوات الاوضاع الشخصيّة مع اعراضها اللازمة للمواد المختلفة باختلاف المراتب و الاطوار التي كانت في نزولها الي الدنيا و فيها يتم بتلك الاعراض وجود المركبات الشخصيّ المحسوس المتعيّن لانه يتشخّص بها لا بغيرها و مظهر تلك الاعراض آلٰات الحواۤسّ اي فعلها و انفعالاتها و قد قدّمنا انّ الاعراض المشخّصة من لوازم الانفعال اي القبول عند اجتماع متمّماته لانّ المواۤد الوجوديّة ليس مشخِّصٰاتها من ذاتها كما توهّمه المصنف و انما هي متممات صورها و ماهياتها من الكم و الكيف و المكان و الوقت و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاجل و الاذن التي تلزمها تلك الاعراض و الهندسة المميّزة .
قال : و لها نحو آخر من الرؤية فليس لها في مشهد الاخرة هذا النحو من الوجود فيشاهد الاشياۤء في عرصة القيٰمة علي حقاۤئقها الاصلية بمشعر اخروي يتنوّر بنور الملكوت فيشاهد الجبال كالعهن المنفوش و يتحقق بمعني قوله تعالي و يسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لاتري فيها عوجا و لا امتا و يشاهد يومئذ نار جهنم محيطة بالكافرين و يراها كيف تحرق الابدان و تنضج الجلود و تذيب اللحوم وقودها الناس و الحجارة [ص 85] و يري الحجارة مسجورة .
اقول انّ العارف الواصل المتحقّق بالسير في افعال الصنع بان قرأ القرءان و كشف الله عن بصيرته الاغشية و الحجب بحقيقة ما هو اهله و صدقه مع اللّه تعالي مع توفيق الله سبحانه و سبق العناية له من اللّه تعالي فشاهد من مضي و مَن غبَر و كأنما كان في الاوّلين و اهتدي للتي هي اقوم و نظر الي من نجا بما نجا و الي من هلك بما هلك فاذا استقام علي الاقبال الي الله و الاخلاص للّه شاهد الاشياۤء علي حقاۤئقها الاصلية بمشعرٍ ذاتي بنسبة واحدةٍ في الدّنيا و الاخرة الّا انه لمّا كان التخلّص في الدنيا انّما هو بالوجدان كان اذا نظر من حيث التخلص نظر الاشياۤء علي ما هي عليه فيشاهذا (كذا) الجبال كالعهن المنفوش و يراها منسوفةً و يري الارض قاعا صفصفاً لايري فيها عوجاً و لٰا امتاً و هو ما يظهر من مرّ الريح علي الرمل و كذا من جري الماۤء علي الرمل وَ اذا نظر من حيث الوجود وجد الاشياۤء علي ما هي عليه عند اهل الدنيا و رأي الجبال ثابتةً و لمير من تلك الحالة التي شاهدها من حيث الوجدان لانه الأن لميتخلّص الّا من الوجدان و الاعتبار لا من حيث الوجود لانّه من حيث الوجود مختلط بالاعراض الماديّة الكثيفة و الاغراض الدنيوية السخيفة و امّا في الاخرة فانه يشاهد الاشياۤء علي ما هي عليه كما شاهدها في الدنيا من حيث الوجدان بذلك المشعر الذاتي لانّ المشعر الذاتي في الدنيا و الاخِرة وَاحدٌ و ليس له في الاخرةِ حالة اخري يشاهِدُ بِها الاشياۤء علي حالةٍ اخري لانّ مشاهدته في الاخرة بعد التخلّص الوجودي و الوجداني و مشاهدته في الدنيا بعد التخلص الوجداني قبل التخلص الوجودي و كذلك ايضا في الدنيا بعد التخلّص الوجداني يشاهد نار جهنم محيطةً بالكافرين كما قال تعالي لو تعلمُنّ علم اليقين لتروُنّ ٱلجحيم و يراها كيف تحرق الابدان و تنضج [ص 86] الجلود و تذيب اللحوم وقودها الناس و الحجارة اي حجارة الكبريت او القلوب القاسية كما قال تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و يري الحجارة مسجورة علي المعنيين و المعني الثاني كما لوّح تعالي به لاهل الاشارة في قوله انكم و ما تعبدون من دون الله حصَب جهنم لان الحصب لغة حبشيّة في الحطب و انما عُدِل عن الحطب الي الحصب مع ان المعني واحد للاشارة باخذ الحاۤء و الباۤء من الحطب الذي يشتعل بالنارِ و اخذ الصاد من الحصَي فالصاد من الحصي الذي يبقي و لايفني و الباۤء من الحطب الذي يشتعل و الحاۤء منهما ليكون المعني انهم يشتعلون بالنار كالحطب و يبقون فيها كالحصَي فكذا الحجارة اذا كُنِّي بها عن القلوب .
قال : و هذه النّار التي تحرق الجلود و الابدان غير نار اللّه الموقدة التي تطّلع علي الافئدة فان تلك النار قد تخبو بالنوم و شبهه فيخفّف ضربٌ من العذاب عنهم و ان كان نومهم مما لا راحة فيه قال تعالي كلّما خبتْ زِدْناهم سعيراً اي كلّ ما خبت فيهم النار الباطنة لغفلتهم عن الحسد و الحقد و العداوة و البغضاۤء و ساۤئر النيران الكامنة التي تحرق القلوب و اشتغلوا باعمالٍ بدنيّة من قضاۤء شهوةِ البطن و الفرج وَ غيرهما لا علي وجه المصلحة بل علي منهج البهيميّة و المعصية فزيد فيهم قوة بدنيّة موجبة لزيادة نار السعير فيهم و من هيهنا يعلم ان هذه النار محسوسة قابلة للزيادة و النقصان و قال بعض اهل الكشف في معني الاية وجهاً اخر و هو قوله كلّما خبت النار المسلّطة علي ابدانهم زدناهم سعيراً بانقلاب العذاب من ظواهرهم الي بواطنهم و هو عذاب التفكر في الفضيحة و الهول يوم القيمة لان عذاب حرقة القلوب بنيران الامور القطعية و الحجاب عن الملكوت اشدّ من عذاب حرقة الابدان و الجلود فتكون عذاب [ص 87] تفكرهم و توهمهم في نفوسهم اشدّ من حلول العذاب المقرون بتسلّط النار المحسوسة علي اجسامهم و لاجل ذلك قيل شعراً :
النارُ نارانِ نارٌ كلُّها لَهَبُ و نارُ معنيً علي الارواح تطّلِعُ
اقول « يريد انّ النار تكون من نوع ما يتعذّب بها فنار الابدان و الجلود الظاهرة المحسوسة نار ظاهرة محسوسة و نار القلوب و النفوس و الافئدة نار معنويّة و لهذا قال انّ النار التي تحرق الجلود و الابدان غير نار اللّهِ الموقدة الّتي تطّلع علي الافئدة فانها معنويّة من نوع الافئدة فان تلك النار اي نار الافئدة قد تخبو بالنوم يعني يسكن لَهبُها بالنوم و شبهه كشغلٍ بشيء يلهيه عن ذكر المعصية الاولي فيخفّف ضربٌ من العذابِ المعنوي عنهم و ان كان نومهم مما لا راحة فيه لان الملازم للمعاصي اغلب احواله اذا نام رأي في منامه ما هو من نوع يقظته قال الله سبحانه و تعالي كلّما خبت زدناهم سعيراً اي كلما سكن لهب النار الباطنة لغفلتهم عن معاصيهم كٱلحسَد و ٱلحِقْد و ٱلعداوة و البغضاۤء و ساۤئر النيرانِ الكامنة الّتي تحرق القلوب لان ذكري معاصيه تُأَجّجُ نيرانها في قلبه و فؤاده و روحه و نفسه زدناهم من ثمرات اَعْمالهم البَاطلة البدّية التي تحرق الابدانَ و الجلود سعيراً في بَواطنهم و المستعِرة من اعمالهم هي الخابية اي الساكن لهبُها لانّ الاعمال البدنيّة من قضي شهوة البطن و الظهر و ٱلفرج و غيرها ممّا ليس مباحاً و انما هو في طاعة ٱلنّفس الامّارة تزيد في العاملين قوّة بدنيّة موجبةً لزيادة نار السّعير لانها لتلك ٱلنيران كٱلحَطب فان النار انما تزيد بالحطب و تنقص بقلّته و ليس ذلك خاصاً بالنار المحسوسة كما توهّمه المصنف من ان المحسوسة هي القابلة للزيادة و النقصان بل كلّما دخل في الامكان فهو داخل في الزيادةِ و النقصان لا فرق في ذلك بين النار المحسوسة و المعنوية و الباطنة و غيرها الّا اَنّ [ص 88] كُلَّ شيء فزيادته من نَوْعِهٖ و نقصانه من زيادته هذا في الدنيا بان يتألّم الباطن بنار الحسرة و الفضيحة و فقدان الخير او المطلوب و امثال ذلك و يتألّم الظاهر باقامة الحدود فيه كقطع يد السّارق و القصاص و بنقص العمر و ذهاب ماۤء الوجه و الفقر من ٱلزاني و امثال ذلك و امّا في الاخرة فعذاب الابدان و النفوس و العقول و الافئدة و غير ذلك بنيران مختلفة كلّها موجودة في امثالها في الدنيا و هي النار المعروفة العنصر الحار اليابس و الزمهرير العنصر البارد اليابس و الرطب و الهم و الغم و الحزن و الفقر و الخوف و انواع الامراض و الندم و الحسرة و الخزي و التأسف و فوت المطلوب و فراق المحبوب و وجود المنافي و فقدان الملاۤئم و الضيق في المعيشة و في المكان و في النفس بفتح الفاۤء و سكونها و آلام الجروح و القروح و آلٰام القتل و آلام الموت و آلام خروج الروح ما سوي نفس خروج الروح و الدّقّ و الاكل و الشرب المكروهانِ لكونهما حاۤرّين او باردين بحيث لايطاقانِ او للمرارة او الملوحة او مُقَيِّئَيْن و الحاصل كل ما في الدنيا مما تكرهه النفوس و تمجّه الطباع من طعام او شراب او منام او سهر او ثياب او كلام او غير ذلك فهو في الاخرة معدّ لاهل النار علي كمال غايته فكل شيء مكروه في الدنيا يبلغ شديدُه الهلاك و خروج الروح فهو في الاخرة لاهل النار مضاعفٌ اربعةٰالٰاف ضعفٍ و تسعمائة ضعفٍ و يتزايد تضاعفه علي مرّ الدهور و الاوقات بلا غاية لذلك التألّم و لذلك التّضاعف سواۤء كان عذاباً للابدان ام للنفوس ام للعقول ام للافئدة ام لما بينها من البرازخ و لكلٍّ منها كل نوع من كل عذابٍ فللمحسوس عذاب محسوس و عذاب معنوي و للمعنوي عذاب معنوي و محسوس و للمجرد عذاب مجرّد و عذاب ماۤديّ و للمادي عذاب ماۤدّيّ و مجرّدٌ و كلّ ذلك ثمراتُ اعمالِهم فانّك اذا رأيتَ شخصاً قد سرق من السوق رُمّانة كلّما التفت [ص 89] خيالك اليه وجد مثاله هناك سارقاً لتلك الرمانة لانّ الملاۤئكة الحفظةَ كتبَتْ مِثالَهُ و مثالَ عملِه في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت فهو ابداً يسرق فاذا كان يوم القيمة ظهر ذلك المثال بعمله في مكانه و وقته و لبسه علي رؤس الاشهاد و المثال يسرق لانه في الدنيا القي في مثاله روحاً من روحه و هو نيّته و نيّة الكافر شرّ من عمله فان كنت ممن يحلّ الرّمز و يستخرج الكنز فقد دللتُكَ علي مكانه و اعطيتك مفتاح فتحه و الّا فان جري لهذا ذكر في كلام المصنف زدناهُ بياناً و امّا ما ذكره المصنف من كون النار التي تطّلع علي الافئدة قد تخبو فليس لسكونِ لهَبِها و لكنهم عند اشتغالهم بشيءٍ اخر اموات لاتجري فيهم الحيوة النّاطقة القدسية فلايحسّون بلهَبها و اذا التفتوا جرت فيهم النّفس النّاطقة باِحْسٰاسِهَا فَتألّموا و امّا النار المحسوسة فَانّها قد تخبو كما تخبو النّار المعنويّة بل قد تخبو هذه النار و لاتكاد تخبو المعنويّة لانهم اذا اشتغلوا بالاعمال الخبيثة المحسوسة ازدادت المعنويّة تأجُّجاً و تلهُّباً و من هنا تبيّن و عُلِم ان النار المعنويّة تقبل الزيادة و النقصان كالنار المحسوسة لابتنائها عليها وجوداً و عدماً لا كما توهمه المصنّف من اختصاص قبول الزيادة و النقصان بالمحسوسة .
و قوله « و قال بعض اهل الكشف في معني الاية وجهاً آخر » يشعر بارتضاۤئه و صحّته و عندي انّه مدخول في بعضه فانّ قوله كلّما خبت النار المسلّطة علي ابدانهم زدناهم سعيراً بانقلاب العذاب من ظواهرهم الي بواطنهم و هو عذاب التفكّر في الفضيحة و الهول يوم القيمة خلاف معني الاية لان معني الاية كلّما خبت النار المعنويّة سعّرناها و هذا القاۤئل قلَب المعني فقال معناها اذا خبت النار المحسوسة زدْنا النار المعنوية سعيراً و هو خلاف المراد من الاية و انما المراد منها كلّما خبت النار المعنوية زدناهم سعيراً منها اي نسعّرها [ص 90] و الّا لماحسن كلّما خبت لانّها اذا خَبَت لايقال كلّما خبت بل خبت مرّة واحدة و سكنت و انّما يقال كلّما خبت النار الّتي اذا خبت سُعِّرَتْ و هي جارية في المحسوسة كلّما خبت المحسوسة باشتغالهم عن التألم بها بعمل خبيثٍ موجبٍ لزيادة سعيرها سعَّرناها علي انّ هذا القاۤئل لو عكس لميتّجه عليه اعتراض فقال كلّما خبت المحسوسة انبسطت عليها المعنوية فزادتها سعيراً و ذلك بانبعاث نيّته و ميل نفسه الامّارة بباعث ماهيّته الي المعاصي الّتي تأجّج النارَيْنِ معاً و قول القاۤئل : و هو عذاب التفكّر في الفضيحة و الهول يوم القيمة لان عذاب حرقة القلوب بنيران الامور القطعية و الحجاب عن الملكوت اشدّ من عذاب حرقة الابدان و الجلود ، الي اخره » يريد به انّ عذاب المعنويّة الباطنة كالعقول و النفوس انّما هو بالنّار المعنوية و انّما قالوا ذلك لِاَنّ النَّار المحسوسة من نوع الماۤدّيات و لاتتسلّط عَلَي البَسٰاۤئطِ كما يفهمونه في الدّنيا بالفَهْمِ الظاهري و ليس الامر كما توهّموا و لا كما فَهِمُوا بل النار بجميع ابْوابها السبعة التي اُعِدّت للكافرين و المشركين و المنافقين آيتُها و مثالُها و دليلها هذه النار الّتي في الدنيا كما قال تعالي افرأيتم النّار الّتي تورون ءَاَنْتم انْشأتم شجرتها ام نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرةً و متاعاً للمقوين يعني جعلها سبحانه تذكرة لنار الاخرة و لا شكّ في كونها مثالاً و تذكرة لنار الاخرة الَّتي اُعِدَّتْ للكفرة الفجرة و نار الحطمة هي الّتي تطّلع علي ٱلافئِدة ففي تفسير علي بْن ابراهيم : و الرابعة الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كأنها جمالاتٌ صفر تدقّ مَنْ صَار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلّما صاروا مثل الكحل عادُوا ه ، فهي كما تحطم المعنويّةُ منها القلوب و الافئدة تحطم الاجساد و الاكباد و النار الحسّيّة هي النار المعنوية و بالعكس فكما انّها تحرق الجلود و الاجساد كذلك تحرق القلوب و الافئدة و كما انّ المعنويّة تؤلّم الافئدة و القلوب كذلك [ص 91] تؤلّم الاجساد و الجلود و تحرقهما و عذاب التفكّر في الفضيحة كما يعذِّب القلوب يعذّب الابدان بِسرِّ ما اشرنا اليه سابقا من انّ اهل الاخرة تدرك ● اجسادُهم المعقولاتِ و المحسوساتِ و تدرِكُ قلوبُهم المحسوساتِ و المعقولاتِ و قد اشرنا سابقاً الي دليله مجملاً من جهة العقل و النقل و من جهة الاية و المثل ما بُرهِن عليه في علم الطبيعي المكتوم بما يوصل من فهمه الي البديهي فافهم و قول الشاعر :
النار نارانِ نارٌ كلُّهَا لهبُ و نارُ معنيً علي الارواح تطّلِعُ
جارٍ علي مفهوم اهل الدنيا كما قلنا .
و قوله « علي الارواح تطّلِعُ » مقْتَبَسٌ من قوله تعالي التي تطّلع علي الافئدة و هي كما قال تعالي كلّا ليُنبذَنَّ في الحطمة و هي نار محسوسة و ان كانت في صفة المعنويّة و فعلها و هي نارٌ معنويّة في صفة المحسوسة و فعلها كما تقدّم فافهم .
قال : اقول و كلتاهما غير هذه النّار الّتي في الدنيا و لاجلِ ذلك وَصَفهَا بانها كلّها لهب لان هذه النار الدنيويّة ليست ناراً محضة بل جوهراً مركّبا فيه نار و غير نارٍ و لهذا قد تنقلب الي هواۤءٍ او ماۤءٍ او غير ذلك و امّا النار المحسوسة الاخرويّة فهي صورة ناريّة بَحْتَةٌ لايُطفِئها شيءٌ الّا رحمة اللّٰه .
اقول في الظاهر ان النّارين الاخرويتَيْن المعنويّة و المحسوسة غير هذه النار التي تستعملها الناس لانهما لهب بحتٌ كما اشار اليه الشاعر و يدلّ علي هذا الظاهر ما روي ما معناه انّ نار الدنيا توضع يوم القيمة في جهنم بعد سَلْبِ نورها و رجوعه الي اصله من نور الكرسي لانها عُبِدت من دون الله سبحانه و قد حكم تعالي في قوله الحق انكم و ما تعبدون من دون اللّه حصب جهنّم فتصرخ حين توضع في النار صرخة لو جاز علي اهل المحشر ان يموتوا لماتوا من شدّة صرختها و لانّ هذه النار الدنيويّة [ص 92] ليست نارا مَحضةً بل هي جوهر مركّب من اربعة اجزاۤء حرارة و ثلاثة اجزاۤء برودة و اربعة اجزاۤء يبوسة و ثلاثة اجزاۤء رطوبة و لهذا قد تنقلب اذا طُفِئَتْ هواۤء كما ذكره ابنسيناۤء في الاشارات و قد تنقلب ماۤء كما لَوْ طُفِئت في قرع ثم ركّب عليه الانبيق بحيث لايتخلّله شيء من الهواۤء الّا الهواۤء المنقلب عن النار و اُوقِد تحته بنار الحضانة فانه يعني ذلك الهواۤء المنقلب من النار يقطر ماۤءً عذباً بخلاف النار الاخرويّة و قولي في الظاهر احتراز عن النظر الباطن فان مقتضاه ان نار الدنيا هي نار الاخرة و جنّة الدنيا هي الاخرة كما اشرنا اليه سابقاً من انه علي نحو انّ ابدان الدنيا هي ابدان الاخرة و كما دلّ عليه القرءان و امّا نار الدنيا التي يستعملها اهل الدنيا فقد روي ما معناه ان ادم عليه السلام لمّا هبط من الجنّة الي الارض هو و حواۤء احتاجا الي نارٍ لينتفعا بها في عملِ طعامهم و غيره نزل جبرءيل عليه السلام و اخذ من جهنم جذوةً فغسلها في نهر الكوثر سبعين مرة و في رواية وضعها في الكوثر سبعين سنة و لولا ذلك لاحرقت الارض و من عليها فحقيقة نار الدنيا المعروفة من نار جهنّم و انّما لحقها الخلط بالماۤء من الكوثر و بالهواۤء من هذا الهواۤء الذي بين الارض و السّماۤءِ لاستنشاقها و استمدادها منه و لنزولها الي محلِّهما كما هو شأن كل نازلٍ في تلوّثه بلطخ مراتب النزول و امّا صرختها من النار و احتراقها بها فليس لانها ليست من النار و الّا لمااحترقت بل لتخليصها من الاعراض الدنيوية و ذلك الصوت صوت القلع لتلك الاعراض و امّا احتراقها فلانها من النوع الذي يأكل بعضه بعضاً ● و يصول بعضه علي بعض فان هذا النوع من النار يشتعل بعضه ببعض و يحرق بعضه بعضا فان هذا النوع اذا ثار منه لهب و كان قويّا اشتعل باللهب الذي قبله و احرقه و تقوّي به كما تتقوّي نار الدنيا بالحطب و ان كان ضعيفا اشتعَلَ به الاوّل [ص 93] و تقوّي به و اذا جاۤء لهب آخر كان حاله كاللهب الاول في القوّة و الضعف و هذه التي اشار اليها علي بن الحسين عليهما السلام في دعاۤء صلوة الليل بعد الفراغ منها من ادعية الصحيفة قال عليه السلام و من نارٍ يأكل بعضها بعض و يصول بعضُها علي بعضٍ .
و قوله « و اما النار المحسوسة الاخرويّة فلايطفئها شيء الّا رحمة اللّه » صحيح لكنه ليس خاصّاً بالمحسوسة الاخروية بل المعنويّة ايضا لايطفئها شيء الا رحمة اللّه و كذلك نار الدنيا لايطفئها شيء الّا رحمة اللّه فان قلتَ نار الدنيا يُطفئها الماۤء قلتُ لانه اثر الرحمة و هي اثر نار الاخرة قال تعالي فانظر الي اثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها اللهم اجرنا من النار برحمتك يا ارحم الراحمين .
قال : و من جملة الاحوال يومئذٍ ان المرء يفرّ من اخيه و امّه و ابيه و صاحبته و بنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه و ذلك لان النفس قد فارقت هذا البدن و خرجت عن الدنيا و كل ما فيها كما قال و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً فلايصادف الانسان احداً من هذا العالم الّا نتاۤئج اعماله و افعاله و صور نياته و لوازم صفاته و ملكاتِه » .
اقول ان النفس قد فارقت هذا البدن و يوم القيمة تعود اليه و تجتمع به و يكونون كما قال تعالي يتعارفون بينهم و كل ما كان لله من صداقة و صحبة و خلّة و محبّة فهي لازمة للانسان لاتفارقه كما قال تعالي الاخلاۤء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ الّا المتّقين فان خلّتهم صداقة و محبّة في اللّه و هي باقية لاتفني و لاتغيرها الدهور فقوله « و من جملة الاحوال يومَئذ انّ المرء يفرّ من اخيه ، الخ » يريد به ما اشار اليه من المفارقة لكلّ شيء غيره و غير نتائج اعماله و افعاله و صور نيّاته و لوازم صفاته و ملكاته لانه اخذ من الاية وجه تأويلها [ص 94] و الّا ففي عيون الاخبار قال قام رجل يسئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن هذه الاية مَن هم قال قابيل يفرّ من هابيل و الذي يفرّ من امّه موسي و الذي يفرّ من ابيه ابراهيم يعني الاب المربّي لا الوالد و الّذي يفرّ من صاحبته لوط و الذي يفرّ من ابنه نوح و ابنه كنعان ه ، و المراد انّ منهم من يفرّ خوفاً كقابيل يفرّ خوفاً من هابيل لانه يطالبه بدمه و كموسي عليه السلام يفرّ من امّه خشية ان يكون قصّر فيما وجب عليه من حقّها و منهم من يَفِرّ فِرَارَ تَبَرِّءٍ كفِرارِ ابراهيم (ع) من ابيه المربّي له اعني آزَرَ الّذي هو زوج امّه فانه هو الذي قال تعالي في حقّه فلمّا تبيّن لَهُ انّه عدوٌّ لِلّهِ تبرّأَ منه و ليس المراد به ابوه الحقيقي الّذي اسمه تَارَحُ و كلُوطٍ فانه يفرّ من زوجته واهلة اَوْ والهة فِرارَ براۤءةٍ و كنوح فانّه يفرّ من ابنه كنعان فِرار براۤءةٍ و ايٰات الكتاب و السنّة و المعروف من مذهب المسلمين و ما عند العقول تنافي ما ذهب اليهِ من كون النفس حين خرجت من البدن خرجَتْ من الدنيا و من كلّ ما فيها و من تأويله للاية الاولي من ان المراد من انه لكل امرءٍ من الخلاۤئق شأن يغنيه انّه لايجد الّا نفسه و نتاۤئج اعماله و صور نيّاته و لوازم صفاته و ملكاته و للاية الثانية في قوله تعالي و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً علي ذلك فانه يلزم من مراده انّ كل واحدٍ يحشر وحده فلاتكشف السراۤئر من احدٍ لاحدٍ فاذا كان لايصادف احداً من هذا العالم و لا شيئا الّا نتايج اعماله فهو يحشر وحده و يبقي وحده لان جنّته عند المصنف قصورها و حورها و ولدانها و حريرها و طعامها و شرابها و جميع ما ذكر مما هو معدّ للمؤمنين عبارة عن صور نيّاته و ملكاته و هذا حال عجيب لانه يكون قوله اخوانا علي سرر متقابلين يراد من اُولٰۤئِك الاخوان صور نيّاته و لوازم ملكاته و لايصحّ ان يحمل قوله علي ان زيداً انما يصادِف من عمروٍ شأنه و ما يناط به من [ص 95] مطالبه لانّه لَوْ ارَادَ هذا لَقال فلايلتفت الي شيء و لٰايعتني به الّا اذا كان له معه رابطة مثل طلب حقٍّ اوْ اداۤءِ حقّ او شهادة او طلب شفاعةٍ او شفاعةٍ للغير و نحو ذلك لكنه قال فلايصادف الانسان احداً من هذا العالم و لا شيئاً الّا نتايج اعماله و افعاله و صور نيّاته و لوازم صفاته و مَلكاته و لكن الواقع انّ الانسان يحشر مع ما يشابهه في الاعمال كما قال سبحانه و تعالي احْشُرُوا الّذين ظلموا وَ اَزْوَاجَهُمْ اي مع ما يشابههم فالعشّار مع العشّارين وَ الحَاكم مع الحكّام وَ العالم مع العلماۤء و هكذا كلّ شخص يحشر مع اَبْناۤء نوعه المشابهٖينَ له في صفاته و اعماله و تحشر الخلاۤئق كلّهم في صعيدٍ واحدٍ فهم علي انواعٍ مختلفةٍ يشاهد بعضهم بعضاً فمنهم ظالم و منهم مظلوم و منهم شاهد و منهم مشهود و منهم شافع و منهم مستشفع و منهم مفتضح يشاهد مَساويه من له به تعلّق و من ليس له به تعلّق و منهم المتحاۤبّون و منهم المتباغضون و منهم المذكّرون و منهم المتذكّرون و منهم المتعارفون و منهم المتناكرون الي غير ذلك و كل احدٍ مما ذكر يكون يصادفُه غيره غالباً لانهم مجموعون ليوم عظيم فكيف لايصادف الانسان احداً من العالم و لا شيئا الّا نتايج اعماله و لكن هذا الّذي يطابق اعتقاده كما تقدّم في ذكر الجنّة .
قال : و منها ان الملك يومئذ لِلّهِ و ذلك لانّ الروابط الماۤدّيّة و الاسباب الوضعيّة و العلل المعدّة مرتفعة هناك لان هذه الروابط مختصة بعالم الاتفاقات التي منشاؤها انفعالات المواۤدّ و استحالاتها بواسطة الجهات و الاوضاع السماويّة كما بيّن في مقامه و امّا النشأة الثانية فالاسباب هناك ليست الّا ذاتيّة غير خارجة عن ذات الشيء و مقوّم وجوده و هذا العالم ايضا الملك للّه اذِ الكل بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته الّا ان الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدّة موجودة هيهنا و الاتفاقات واقعة بقضاۤئه و قدره .
[ص 96] اقول يريد انّما قيل انّ الملك للّه وحده يوم القيمة بمعني ان في الدنيا مَن يملك و في الاخرة ليس مالكٌ الّا اللّه لانه و ان كان في الدّنيا ايضا ليس مالك الّا اللّه كما في الاخرة علي الحقيقة الّا ان الاشياۤء المملوكة خلقت لمنافع الانسان في هذه الدنيا لما فيها من موافقة دار الدنيا كما تنفع الاشياۤء الحارة في فصل الشتاۤء و الباردة في فصْل الصيف و كما لاينفع البارد في الشتاۤء و الحار في الصّيف كذلك لاينفع ما في الدنيا في الاخرة و ما في الاخرة في الدنيا و العلّة في ذلك انه خلق لخصوص الدار فلاينفع لضدِّها لان الروابط الماۤدّية المقرونة بالاضمحلال و عدم الاعادة و بالانهدام و عدم البناۤء و بالذهاب و عدم العود و كذلك الاسباب الوضعية و العلل المعدة المقرونة بما ذكرنا خلقت الامور المملوكة عليها و الاخرة و احوالها مقرونة بالدوام و الثبات فروابطها الماۤدّية يلزم اضمحلالها العود و التجدد علي وجهٍ اكمل من المضمحل و انهدامَها البناۤءُ الاكمل و ذهابها العود الاتم بحيث لايفقد المضمحل و المنهدم و الذاهب بل انّما يجدون الجدّة و القوة و الاشتداد فيضمحل ضعيفها الي القوي و متهافتها الي الشدّة و عتيقها الي الجدّة لا انها لاتتغير ابداً فان ذلك وصف القديم الغني عز و جل و لكنّها تتغيّر من الضعف الي القوّة و الكمال ابداً فلمّا كان ما خلقت من المملوكات في الدنيا مقرونة بالاضمحلال و الانهدام و الذهاب لان الدار ليست دار القرار لميبق لاحدٍ شيء مما ملكه في الدنيا من جميع الاشياۤء من اعيان اوْ اعراض لميوجد لاحدٍ من الخلاۤئق شيء من التملّك و التسلّط علي شيء مما تملّكه و تسلَّط عليه في الدنيا و لا علي ما هو من نوعه و مثله و لميدخل في يوم القيمة و هو حينئذ لميدخل الجنّة ليعطي الملك الكبير كما قال تعالي و اذا رأيتَ ثَمّ رأيتَ نعيماً و ملكا كبيراً فخلَص الملك يوم القيمة للّه سبحانه هذا باعتبار الامر الصوري الظاهري و الّا ففي الحقيقة في الواقع [ص 97] و في نفس الامر ليس مالك الا اللّه عز و جل في الدنيا و الٰاخرة عَلَي حَدٍّ سَواۤءٍ و لكنه تعالي اَعْطَي عباده في الدُّنْيَا ما يتمّ به نظامهم و بلاغ معاشهم وَ مَعادِهِمْ و هو في ملكه و في قبضته لميُخَلِّه من يده مع انّ الخلق ملكه و ما ملّكهم ملكه فليس لاحدٍ سواه ملك لا في الدنيا و لا في الاخرة فالعارف باللّه لايفرق بين الدنيا و الاخرة فانّ الخلق فيهما مايملكون من قطمير و امّا العوام فانهم يفرقون لانهم يرون انهم مالكون في الدنيا و يوم القيمة تنكشف الحقاۤئق و يشاهدون الملك خالصاً للّه .
و قوله « لان هذه الروابط مختصّة بعالم الاتفاقات و الحركات الّتي منشاؤها انفعالات المواۤدّ و استحالاتها بواسطة الجهات و الاوضاع السماوية » فيه انَّ هذه الروابط و الاضافات و ان كانت ناشئة من انفعالات المواۤد لكنها ليست مختصة بعالم الدنيا و ليس هذا بعالمِ اتفاقاتٍ بل افعاله و انفعالات مفاعيله علي نمط افعال الاخرة و انفعالات مفاعيلها نعم قد تخلّل هذه المواۤدّ الدنيويّة اعراض رتبتها فتغيرت الاوضاع و تغيّرت التأليفات و ذلك لفائدة الانتقال و عدم البقاۤء فيها لانّها دارُ اختبارٍ لا دار قرار و الّا فانها هي دار التجارة و التحصيل و دار الاكتساب جعلها تعالي هكذا بحكمته سُوقاً تشتري منه متاعَك لسفرك الي دار القرار فاقتضت الحكمة هذا التغيير و التبديل و الفناۤء و الذهاب و الاضمحلال فسَبّب الاسباب رب الارباب سبحانه لتكون هذه الدار هكذا فكان حَتما ما اراد و في الاخرة سبب اسباب البقاۤء بان رفع اسباب التغيير الموجب للفناۤء و وضع اسباب التغيير الموجب للبقاۤء و هو دوام الاعادة و التجديد و مضاعفة القوة و الشدّة و ليست اسباب البقاۤء في الاخرة و لا اسباب الفناۤء في الدنيا ذاتيّة بل كلّ منها باعطاۤء الجواد مقتضيات الاستعداد لانّ الحادث مطلقا يعني مادّيّا او مجردا في الدنيا او في الاخرة لايقدر اَنْ يوجِد [ص 98] نفسَهُ و كما لايقدر ان يوجِدَ نفسه و يحدثها لايقدر ان يبقيها و لا ان يُفْنِيَها فليس لاحدٍ من الخلق من الامر شيء الّا ما اعطاه اللّه و اقدره عليه و ليس من اسباب الايجاد و لا اسبابِ الفناۤء و لا اسباب البقاۤء شيء ذاتي لشيء من الخلق و الّا لَماتَغَيّر عنه و لااحتاج الي غيْره فيه و من استغني عن غيره في شيءٍ استغني عَنْه في كلِّ شيءٍ فلو كانت الاسباب غير خارجة عن ذات الشيء لميحتج الي غيره في جميع مطالبه .
و قوله « و هذا العالم ايضاً الملك لله تعالي اذِ الكل بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته الّا انّ الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدّة موجودة هيهنا و الاتفاقات واقعة بقضاۤئه و قدره » اَمّا ان الكلّ بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته فصحيح في الدنيا و الاخرة و اما ان الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدة موجودة هيهنا اي في الدنيا فكذلك و موجودة في الاخرة كل شيء بنسبة رتبته فليس العرضية و المعدّة مخصوصة بالدنيا و الّا لزم اِمّا اتّحاد ما في الاخرة و عدم تعدّده اذ التعدّد و الكثرة انما تكون بالقوابل و متمماتها من الكم و الكيف و المكان و الوقت و الجهة و الرتبة و الوضْع و الاذن و الاجل و الكتاب لا فرق بين المجرّد و الماۤدّيّ و ان كان كلّ شيء بحسبه و امّا الاتفاقات فلاتوجد في حالٍ و انّما الاشياۤء كلها مرهونة باوقاتها فاذا اقتضت الدّواعي و الاسباب امراً جري به القدر و القضاۤء و هذا في الدنيا و في الاخرة و ان اختلفت الدواعي و الاسباب شدّةً و ضعْفاً و سرعة و بطؤاً لانّه انّما يفعل بالاسباب و اِمّا اَنَّ الفاعل في الاخرة هو الانسان و هذه المملّكات في الاخرة شؤنه و صناۤئعه اَوْ اَنَّها مصنوعة من وجودِهٖ و كلَا اللَّازِمَيْنِ باطل و مراده ان الدنيا و ان كان فيها كون الملك للّه سبحانه الّا انّ الدنيا يقع فيها اتّفاقاتٌ لاهلها ليسَتْ بسبق ٱلعناية ليخلُصَ الملكُ للهِ و انما تقع بدواعي الاسباب الوضعية و الوساۤئط العرضيّة فيجري [ص 99] بها القضاۤء و القدر فلميخلص الملك للّهِ و امّا الاخرة فكلّ ما فيها بسبق العناية اقول و هذا نظر ضعيف لميصدر عن النور و امّا النظر الصادر عن النور فهو اَنَّ كلّ الاشياۤء مجرّدها و ماۤدّيّها جوهرها و عرضها لازمها و ملزومها دنيوِيَّها و اُخرويّها علي نمط و صنعٍ واحدٍ اَجْريٰها سبحانه علي اسبابها و من الاسباب انّ الدّار المخلوقة للفناۤء كالدنيا تقتضي تغيّر ما فيها و اخْتِلافَه و فناۤءه و اضمحلاله و استتار وجوهِ الاشياۤء فيها و حقاۤئقها كما قال تعالي انَّ السَّاعة آتية اكاد اخفيها لتجزَي كلُّ نفسٍ بما تسعي ، وَ انَّ الدّار المخلوقة للبقاۤء كالٰاخرة تقتضي بقاۤء ما فيها و عدم اختلافه من قوّةٍ الي ضعفٍ و من وجودٍ الي عدمٍ و اضمحلالٍ و لمّا كانت الاشياۤء كلها لاتثبت و لاتبقي الّا بدوام المدَدِ وجب اَن يكون كل ما فيها يختلف و يتجدّد من ضعفٍ الي قوّةٍ و من عدمٍ الي وجودٍ و منْ بِليً الي جدَّةٍ و ذلِك باعادةِ ما فني منها بالتَّدْريج السَّيّال بحيثُ لايفقد شيء و لا قوّة و لا جدّةٌ و انّما كان ما في الاخرة من الضعف الي القوة لكونها داۤئمةُ الترقي و القرب الي المبدءِ و انما كان المعاد اقوي منه قبل فناۤئِهٖ لِمٰا بُرهِن عليه في العلم الطبيعي المكتوم الذي هو مخ العلوم انّ الشيء كلّما كثر حلُّه و عقدُه و حلُّه و عقدُه ازداد قوّة و تأثيرا و ذلك كاللِبنة اذا كسرتَها ناعماً ثم صُغتها كان اقوي من الاولي فاذا دَققْتَها ناعماً و صُغتها كانت اقوي من الثانية فالثالثة اقوَي من الثانية و الرابعة اقوي من الثالثة و هكذا و لِان ما تحلّلَ خلص من التأليف فيرجع الي رتبةٍ اعلي من رتبته في التأليف فاذا اُعٖيد مع ما دونه اُلْحِقَ ما هو ادون الي رتبةِ مٰا اعيد و هكذا .
قال : و منها انّ الملك يومئذٍ الحق و اَن لا ظلم اليوم لما عرفت من ارتفاع المصادمات و المعارضات الاتفاقيّة في ذلك العالم .
اقول في يوم القيمة يخلص الحقّ في الوجود كلّه فينقسم ما فيه علي [ص 100] شِقَّي الرحمة الواسعة فاهل محبّة اللّه مغمورون بالشقّ الايمن الاعلي و هو الرحمة المكتوبة فساكتبها للّذين يتّقون و يؤتون الزكوة الايات ، و اهل سخطِ اللّه جري عليهم العدل و هو الشِّق الايسر الاسفل فلايكون يوم القيمة و ما بعده الّا فضل او عدل فاهل الفضل الذاتي في الجنان الاصليّة علي حسب مراتبهم و اهل الفضل العرضي في جنات ٱلحَظاۤئِر السبع يسكنها ثلاث طواۤئف و هم المؤمنون من الجن و اولادُ الزنا اذا كانوا مؤمنين و ما تناسل منهم الي سبعة ابطن و الثامن يلحق بالمؤمنين الطاهرين في الجنان الثمان الاصليّة و المجانين الذين لميرشدوا في الدنيا و ليس في اقاربهم و ذرّياتهم من هو من اهل الشفاعة و اهل العدل الذاتي في النيران السبع الاصليّة و اهل العدل العرضي في نيران الحظاۤئر و الضَّحْضَاح علي حسب مراتبهم و جنان الحظاۤئر السبع اسماۤؤها باسماۤء اصولها و نيران الحظاۤئر السبع تسمي ايْضا باسماۤء اصولها فلا ظلم اليوم اي يوم القيمة لاستيلاۤء العدل علي جميع ذرّات الكون و لارتفاع الاعراض و الاغراض المدافِعة لسرّ الخليقة الّتي ماكوِّنَتْ هيئتها الّا علي هيئة فعل اللّه و هي فطرة الله التي فطر الناس عليها و ما بال المصنف مع ما عنده من العلم وَ مَا يدّعيه يُثْبِت في خلقِ اللّهِ و في ملكه اُموراً اتّفاقيّة لاَنّه اِنْ ارادَ ان العباد تفعل اشْيَاۤء تترتّب عليها اَسْبَاب و موانع فصَحٖيحٌ و لكن لٰايُعّبر عن تلك الافعال بالاتِّفاقات لانها لو كانت الافعال بالاتّفاق لَقَلّ ترتّب الاَسْبَاب عليها لعدم ايقاعها عن قَصْدٍ و اختيارٍ ذاتِيَّين غالباً و ان اراد انّها واقعة من غير افعالهم الاختيارية فاسوءُ حالاً سواۤء فرضت من فعله او من فعله بهم و الحاصل التعبير بالاتفاقيات ليس بمستقيم لان ما يكون بقضاۤء الله و قدره لايكون اتّفاقاً علي اي نحو فرض و ان كان ما يقع اتفاقاً لايكون الّا بقضاء الله سبحانه و قدره .