قال : و ذلك بحسب القوتين العمليّة و النظريّة و اليهما الاشارة في الحديث بصراط الدنيا و صراط الاخرة فالاول عن تحصيل العدالة و ملكة التوسط في استعمال العملي القوي الثلاثة الشهويّة و الغضبيّة و الوهميّة بين الافراط و التفريط لئلّايكون فاجرا و لا خاملا بل عفيفا و لايكون متهوِّراً و لا جَباناً بل شجاعا و لايكون جَرْبَزاً و لا ابله بل حكيما لتحصل من تركيب هذه الاوساط هيئة اذعانيّة انكساريّة للقوي و هيئة استعلاۤئيّة للروح عليها و التوسّط بين الاطراف الشديدة بمنزلة الخلو عن جنسها فتصير النفس كأنها [ص 52] لا مرتبة لها من الصفات النفسانية التعلقيّة و لا مقام لها في الدنيا يا اهل يثرب لا مقام لكم فصارت كمرءاةٍ مجلوّة تستعدّ لان تتجلَّي فيْها صورة الحقّ و ذلك لايحصل الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام المفترض الطاعة و هذا معني كون صراطٍ في الدنيا هو الامام (ع) .
اقول قوله « و ذلك بحسب القوتين العملية و النظرية » يعني انّ كون النفس هي الصراط المستقيم لسيرها في ذاتها بحركتها الجوهرية انما هو بحسب قوّتَيْها العمليّة و النظريّة فعلي قدر عَملها و عِلمها تنتقل ذاتها بذاتها و نحن نقول كما انّ الدخان الذي في السراج انما استنار بمس النّار و استضاۤء بفعلها فيه لا بنفسه و كما استضاۤء الجدار باشراق الشمسِ لٰا بنفسه كذلك النفس انما انتقلت في درجاتها و معارجها بالاسباب الخارجيّة و هي العمل فانّه علّة النّور التشريعي المسمي بالقوّة العملية و العلم فانّه علة النور الكوني المسمي بالقوة العلميّة و النظريّة و بالعمل يُسْتخرج غَوْرُ العلم و بالعلم يُسْتَخْرَجُ غور العمل و الي الاول الاشارة بقوله تعالي مازال العبد يتقرّبُ اليَّ بالنّوافِلِ حتي احبّه فاذا احببته كنتُ سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به الحديث ، و الي الثاني الاشارة بقوله صلّي اللّه عليه و اله ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور يقذفهُ اللّه في قلب مَن يشاۤء فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاۤء قيل و هل لذلك من علامةٍ فقال (ص) التجافي عن دارِ الغرورِ و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموتِ قبل نزوله ه ، فتنقّل النفوس في درجات كمالاتها انما هو بالقوّتين اللّتين هما كسبيّتا المقدّمات موهبيّتا الذّوات فافهم لا بذوات النفوس .
و قوله « الاشارة في الحديث صراط الدنيا وَ صِراط الٰاخرة » يريد به ان استعمال القوّة العملية هو سير النفس بذاتها في تعديل قواها و ملكاتها و هو الصراط [ص 53] في الدنيا و ان استعمال القوّة العلمية النظريّة هو سير النفس في مراتب اطوارها و اَطْوار الموجودات الحسّية و النفسيّة و العقلية و هو الصّراط في الاخرة .
و قوله « فالاوّل عبارة عن تحصيل العدالة و ملكة التَّوسُّط » بين الافراط و التفريط و المراد بملكة التوسط ما قرّ من مجموع الطَّرفين كما ذكره المصنف اَوِ ٱلقوّة المتوسِّطة في الذات و الصفة و الفعل المقتضي للٰاثار الحَسَنةِ بين الطرفَيْنِ كذلك فانّ القوة المعتدلة نور و الطرفانِ ظلمة فَلَاتتركب منهما اذ المتركب من الظلمتين ظلمة اشد منهما و ذكر الملكة احتراز عن الحال فان الملكة ما قرّ من الاعمال و الاحوال حتّي كان كالطبيعة و الحال ما لميقرّ بل يتبدّل و تحصيل العدالة برياضة العقل و حضر النفس علي ملازمة اداب الشرع من الاوامر و المندوبات و اجتناب المناهي و المكروهات فالقوي التي تحصل بينها العدالة العملية ثلاث القوة الشهويّة فاعتدالها و حسنها ان يكون فعلها بالعقل الذي هو شرع باطن و بالشرع الذي هو عقل ظاهر بان تكون جارية علي مطابقتِهما و يكون عفيفا متّقِيا للهِ سبحانه و للنفس الامارة و ميولاتها و للخلق و هي ملكة تحصل بالتدريج و مداومة الاحوال الطيّبة حتّي تثبت و تكون ملكةً و هي فطرة مطابقة لفطرة الصنع التي فطر اللّه عباده عليها و هي بين الافراط بان يكون صاحبها فاجراً و بين التفريط بان يكون خاملاً و الخٰامِل الساقط الذي لا نَباهةَ له و القوة الغضبيّة اعتدالُها و حسنُها ان يقصر انبساطها و انقباضها علي موجب العقل و الشرع بان تكون مطابقة لمقتضاهما باَنْ يكونَ صاحبها شجاعاً و هي ملكة مطابقة للفطرة الايجاديّة و هي بين الافراط الذي يكون صاحبه متهوِّراً و هو مَن لايبالي و لاينظر العواقب و بين التفريط الذي يكون صاحبُه جَباناً و القوّة الوهميّة حسنها و اعتدالها ان يكون بحيث يدرك الفرق بين الصدق و الكذب في الاقوال و بين النافع و الضاۤرّ في الٰاراۤء [ص 54] و بين الحسن و القبيح في الافعال و هذه الملكة هي الحكمة العمليّة و هي علة ثبات الحكمة العلمية النظريّة و بقاۤئها و هي بين الافراط الذي هو الجربزة من جربز اي ذهب او انقبض او سقط معرب كربز و هذا الافراط تحصل منه اثار قبيحة كالدُّها و المكر و الخِدٰاع و الحيلة و الغواية و الشيطنة لان قوة الادراك اذا لميعتدل بتأديبات العقل و الشرع تحصل منه هذه الصفات القبيحة و امثالها و اذا اعتدل بتأديبات العقل و الشرع حصل منه التفرقة بين الحق فيأخذ به و بين الباطل فيتركه فيحصل منه جودة الذهن و التفطّن لدقاۤئق الاعمال و لافات النفس الامارة و الظن الصحيح و الرأي المصيب و لطافة الحسّ و ذكاۤء الفهم و بين التفريط الذي يكون صاحبه ابْله اي الغافل و الاحمق الذي لا تمييز له و القليل الفطنة لدقاۤئق الامور و المتحيّر و المنخدع .
و قوله « ليحصل من تركيب هذه الاوساط » اي وسط ما بين الفاجر و الخامل في الشهوية و ما بين المتهوّر و الجبان في الغضب و ما بين المجربز و الابله في الوهمية هيئة اذْعٰانية اي سريعة في طاعة العقل و الشرع منقادة لهما و هي العفّة و الشجاعة و الحكمة انكساريّة اي خاضعة ذليلة مقيّدة بقيود تأدّباتها العقلية و الشرعيّة للقوَي الطامحة الافراطية و القاعدة التفريطية من الشهويّة و الغضبية و الوهميّة و هي ايضا هيئة استعلاۤئيّة اي انّ هذه الهيئة تستَعْلي الروح بها علي القوّة الشهويّة و القوّة الغضبية و القوة الوَهْميّة بكسر اِفْرَاطاتها و تفريطاتها و انما ذكر الروح لانّها قريبة من العقل او انّ المراد منها العقل لاطلاقها عليه في كثير من المقامات .
و قوله « و التوسط بين الاطراف الشديدة » اي القويّة المتقابلة بمنزلة الخلوّ عن جنسها يشعر ان القوّة المتوسطة بين الطرفين انها مركبة منهما و كذا قوله قبل هذا من تركيب الاوساط و قد نبّه بعضهم علي هذا ايضا اخذا من ان [ص 55] الشيء المتولّد من شيئين انه مركب منهما كتأليف العَقّار المعتدل في المزاج انه من العقاقير المتضاۤدة كالكافور و المسك يعمل منهما كحل معتدل في الحرارة و البرودة و قد ذكرنا بطلان هذا لان الطرفين الافراط و التفريط في القوي الثلاث ظلمة و الوسط الاعتدالي فيها نور و لايكون مركبا من الطرفين لانّ المركّب من الظّلمتين اشدّ ظلمةً منهما و كذا قوله و التوسّط بين الاطراف الشديدة بمنزلة الخلُوِّ عن جنسها فانه يشعر بان الوسط مركب من الطرفين الّا انه بمنزلة المغاير لهما و مراده ان النفس المتصفة بالتوسط بين تلك الاطراف لما كانت بمنزلة الخلوّ عن جنسِها الذي هو التعليقي بالاجسام الظلمانية صارت كأنها لا مرتبة لها من تلك الصفات التعليقية فقد فارقت احوال الدنيا فلا مقام لها فيها و اسْتشهد بتأويل هذه الاية علي مفارقتها فصارت النفس بعد مفارقتها للافاق الضيّقة كأنها مرءاة قد استعدّت بصفاتها و نوريّتها لان تتجلّي فيها صورة الحق تعالي و ذلك لايحصل لها الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام عليه السلام المفترض الطاعة و اقول اذا ثبت ان الامام عليه السلام مفترض الطاعة وجب اَنْ يطاع في منعه لكون شيء تتجلّي فيه صورة الحق تعالي الّا اذا اريد بالصورة مثاله الاعلي اعني صورة ظهوره بايجاد تلك النفس فان صورة ايجادهٖ لها تتجلّي فيها فاذا تزكّتْ بما اشرنا اليه سابقا القي المثال الّذٖي هو صورة ايجادهَا فيها لانّه تعالي تَجلَّي لها بها و بها امتنع منها كما قال اميرالمؤمنين عليه السَّلام لاتحٖيطُ به الاَوْهَام بل تجلّي لَها بها و بها امتنعَ منْها و لاتتجلّي فيها اِلّا الصورة ذات المقدار وَ لَاتنسب الي ٱلحقّ تعالي الّا مَجٰازاً .
و قوله « و هذا معني كون صراط الدنيا هو الامام (ع) » يُرٖيد اَنَّ معني كونِ صراطِ ٱلدنيا هو الامام عليه السلام هو اَنَّ كمال النفس و حصول التوسط لها بين الطرفين انّما هو بطاعة الامام عليه السلام مع انّه ذكر قبل هذا انّ [ص 56] صراط الدنيا هو عبارة عن تحصيل العدالة و ملكة التوسّط في استعمال العملي القوي الثلاثة .
و قوله « ان ذلك لايحصل الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام عليه السلام » يشعر بانّ صراط الدنيا مشروط بطاعة الامام عليه السلام لا انّ الامام هو صراط الدنيا بهذا المعني و انّما الامام عليه السلام هو صراط الله في الدنيا و الاخرة و هو الصراط للخلاۤئق ايضا في الدنيا و الاخرة اذ لايصل شيء من الله سبحانه الي احد من الخلق بعد محمد صلي اللّه عليه و اله الّا بواسطة الامام عليه السلام اذ هو باب الله تعالي في الخلق و الرزق و الحيوة و الممات بمعني ان اللّه تعالي اعطي الخلاۤئق ما يستحقونه بقوابلهم بواسطة الامام عليه السلام و لايصعد عمل و لايقرب عامل الي اللّه تعالي الّا بواسطته و امّا ما في رواية المفضل بن عمر المتقدمة التي ذكر فيها ان الصراط الذي في الدنيا هو الامام عليه السلام فالمرادُ منه انه عليه السلام هو الصراط لجميع المكلّفين في الدنيا في مقابلة ان الصراط في الاخرة جسر علي جهنم فما الصراط في الدنيا فانها مثل الاخرة و كل ما في هذه في هذه فاخبر عليه السلام بانّه الامام عليه السلام لا ان الامام عليه السلام ليس صراطاً في الاخرة بل هو صراط في الدارين للحقّ تعالي و للخلقِ اجمعين .
قال : و الثاني عبارة عن مرور النفس بقوّته النظريّة و عقله العلمي علي مراتب الموجودات و الاطوار الحسّية و النفسية و العقلية و خروجها من مَكامِن الحجب و الغواشي الي اضوية افضية الانوار الالهية فللصراط المستقيم وجهان احدهما احدُّ من السيف مَن وقف عليه شَقّه و الاخر ادقّ من الشعر و الوقوف علي الاول يوجب القطع و الفصل كقوله اثّاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة و جاۤء في الخبر يمرّ المؤمن علي الصراط كالبرق الخاطف و الانحراف عن الثاني يوجب الهلاك و العقاب انّ الذين لايؤمنون بالاخرة [ص 57] عن الصراط لناكبون .
اقول يريد بالثاني القوة النظرية اي عقله العلمي يعني ان النفسَ اذا ادركتِ العلوم بصَدْرِها و عقلت بعقلها المعاني و بحواۤسها الباطنة صور المحسوسات الغيبيّة و بالظّاهرة صورها الظاهرة الشهاديّة و شاهدت بحسّها الاطوار المحسوسة و بحسّها الباطن اطوار الحواس الباطنة و بصدرها اطوار جوهر هباۤئها و اطوار طبيعتها النورانية وَ اطوار رقاۤئقها بروحها و اطوار عقلها بتعقّل عقلها و عرفَتْ ايات ربها الّتي في ذاتها بذاتها التي هي فؤادها و جهتُها من ربّها فقد مرّت علي جميع مراتب الموجودات و وقفَتْ عند تكوين كل شيءٍ منها حين بدئه من عالم الامكان الراجح الي عالم الامكان المساوي اعني عالم الاكوان و تحقّق حينئذٍ خروجها عن مكامن الحجب وَ الغواشي الي اضوية افضية الانوار الالهيّة و هذا هو الصراط الّذي قال انّه في الاخرة و نحن قد بيّنّا فيما مضي ان الحكمة النظريّة لَيْسَت هي الصراط الاخروي الموصل الي السعادة الابديّة بنفسه كما يظهر من كلام المصنف في ساۤئر كتبه تبعاً للحكماۤء الذين لميبنوا ثمرات حكمتهم علي مقتضي الشراۤئع و الكتب السماويّة و قد اشرنا الي ذلك فيما تقدم و ذكرنا ان الصّراط الموصل الي السَّعادة الابديّة انّما هو الحكمة العمليّة التي هي شرط في تحقق النظريّة و في بقاۤئها كما قال عليه السلام العلم يهتِف بالعمل فان اجابه و الّا ارتحل عنه ه ، و في صحّتها قال تعالي انّما يخشي اللّٰهَ من عباده العلماۤء ، و قال الصَّادِقُ عليه السلام في الدعاۤء كما رواه الشيخ في المصباح لا علمَ الّا خشيتُك وَ لَا حُكْمَ الَّا الايمانُ بك لَيْس لمَنْ لميخشك علم و لا لِمَنْ لميؤمِنْ بك حكم ه ، نعم النّظريّة شرط في كمال العَملية اَوْ في صحّتها اذ قَدْ يُقْبَل العمل بدون علمٍ و لايُقْبَلُ العِلم بدُونِ عَملٍ .
[ص 58] و قوله « الي اضوية افضية الانوار » ليس عبارةً مطابقة علي ما ينبغي اذِ القول المطابق لِلْمَعْنَي اَنْ يقال الي اَفْضية انوار الاضويّة الالهية لانّ الاضويّة جمع ضِيٰاۤءٍ و هو المنير و الافضية جمع فضاۤء و النور شعاع الضِياۤء كما قال تعالي و الشمس ضياۤء و ٱلقمر نوراً .
و قوله « فللصراطِ المستقيم وجهانِ احدهما احدّ من السيف مَن وقف عليه شَقّه » و المراد من تشبيهه بحدّ السّيف في كونه يشقّ قدم من مشي اوْ وقف عليه الكناية عن دقّته و صعوبة الثّبات و اجتماع المشاعر عليه بل اكثر مَن يمر عليه تتفرّق مشاعره و حواۤسّه الظاهرة و الباطنة و لاتكاد تجتمع المكني عن ذلك بالشقّ فانه يفرّق قدم الساۤئر عليه فرقتين المكنيّ بهما عن الحق و الباطل و الوجه الاخر ادقّ من الشعر كناية عن كونه يمور و يضطرب بالساۤئر عليه و لايثبت عليه الّا من ثبّته اللّه بالقول الثابت من المؤمنين و الوقوف علي الاول اي الوجه الاوّل يوجب القطع و الفصل اي تفريق الادراك و العمل حيث لايقدر الساۤئر علي تخليص الحقّ عن شاۤئبة الباطل و لا علي اخلاص العمل عن شاۤئبة الشرك و الاغراض الباطلة و الغفلات المبعّدة عن الزلفي لديه تعالي فيكون النظر و العمل شِقَّيْنِ لانه احد من السيف فيشق القدم المعبّر به عن بصيرة النظر و نية العمل و استشهاد المصنف بقوله تعالي اثّاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة الذي يراد منه الكناية عن القعود و طلب الراحة و عن العجز يدلّ علي انّه لميفهم المراد من شقّ القدم حيث اشار الي معناه بالتثاقل الي الارض و ان كان من لوازمه و كذا بيانه لكونه ادقّ من الشعر بالانحراف عنه لضيقه عن السلوك و انما هو كناية عن اضطرابه و ان كان الانحراف من لوازمه و استشهاده بقوله تعالي و ان الذين لايؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون انما هو للانحراف .
[ص 59] قال : بصيرة كشفية اعلم ان الصراط المستقيم الذي اذا سلكته اوصلك الي الجنة هو بعينه صورة هدي النفس الممدودة من مبدءِ الطبيعة الحسّيّة الي باب الرضوان فهو في هذه الدار كساۤئر الحقاۤئق الغاۤئبة عن الابصار لاتشاهد له صورة معيّنة فاذا انكشف غطاۤء الطبيعة بالموت يكشف لك يوم القيٰمة جسراً ممدوداً محسوساً علي متن جهنّم اوّله في الموقف و اخره علي باب الجنّة كلّ مَن يشاهده يعرف انّه صنعك و بناۤؤك و يعلم انه قد كان جسراً ممدوداً علي متن جهنم التي قيل لها هل امتَلئْتِ فتقول هل من مزيد ليزيد في طول طبيعتك و عرضها و عمقها و هي حقيقتك ذي ثلاث شعب و هو ظل غير ظليل لايغني جوهر ذاتك من اللهب لهبِ جهنّم بل هو الذي يقودُها الي لهب الشهوات الكامنة نارها الأن البارزة يوم القيمة لقوله و برّزتِ الجحٖيم لمن يري الّا ان يُطفِئَها ماۤء التوبة المطهرة للنفس عن المعاصي و ماۤء العلم المطهّر للقلوب عن رجس الجاهلية الاولي و الثانية .
اقول يريد ان الصراط الموصل للجنّة هو صورة هدَي النّفس لاصابة الحقّ فيما يسلكه من العلوم النظريّة التي من جملتها ما يحدس من معرفة النيازك و الشهب و تصوّر هالةِ القمر و ترتيب الْوَانِ قوس السَّحَاب و مثل معرفة طباۤئع الاجسٰاد و امثال ذلك من الامور الّتي لا تعلّق لها بشيء من اصول الدين و لا فروعه كما يذهب اليه بعض الحكماۤء كما ذكرنا و الحق انّ الصراط الذي يوصلك الي الجنّة هو سيرك باقدام اعمالك و نظر علمك و معرفتك علي حدود الله و تعريفه للهدي و تعرّفه لك باياته التي في نفسك فانّ صورة هذه الحدود و التعريفات و التعرّفات باياته هي الصراط الممدود يوم القيمة علي جسر جهنم و هو الكلي الجامع لجميع الصراطات الجزئيّة و سَيْرُك علي تلك الحدود و المعالم الّتي هي الصّراط الاعظم الممدود علي [ص 60] متن جهنّم باَقدام اعمالك و بعيني علمك و معرفتك هو صراطك الخاۤصّ بك المُوصِل لك الي ما خُلِقتَ له .
و قوله « الممدودة » يعني بها انّ النفس هي صراطها و هي الممدودة جسراً لانها ممتدّة في اطوارِ تكوّناتها من الطبيعة العنصرية التي كنّي بارض الموقف عنها الي باب الرضوان من الجنّة يعني اعلاها الذي كنّي به عن مُرورِ النفس بعلمها النظري عَلي خفايا الموجودات و اطوار التكونات و قد قدّمنا سابقا انّ النفس المجردة ليست من عالم الاجسام و الطباۤئع و انما هي من عالم الملكوت مواۤدّها من تأييدات العقل و اشراقه و انّما تعلّقت بالاجسام بافعالها لان عالم الاجسام مملكتها بمعني ان الاجسام انما خلقت لها فلمّا خلقت لها و مُلِّكَتْها تنزّلت الي مملكتها تتصرف فيها بافعالها لا غير و هي بريۤئة منها في ذاتها اذِ الملكوت مغاير للملك و انّما اَنْزله الحكيم عز و جل الي عالم الملك في الوساۤئط علي جهة التدريج ليتعَلّم لُغَةَ عالَمِ الملكِ و افعاله و كيفيّة اطواره فيعلم علمه فيترقّي في ثمرات افعاله فيه و هي ثمراتُ ما زرع فيه صاعداً الي اَنْ يصل الي رتبته في الملكوت و الدّهر فيقعد علي كرسيّه و يستوي علي عرشه فاذا اخذ يترقّي مِنْ رُتبته ترقّي في رُتَبِ آثار الجبروت التي هي من نوع مَواۤدِّهٖ فلايتجاوز نوعه و انّما ترقّيه اشتداده في نوعه .
و قوله « فهو في هذه الدار » يعني الصّراط كساۤئر الحقاۤئق الغاۤئبة عن الابصار من حيث الصورة الصراطيّة اعني انه جسر مَمْدود علي جهنّم لاتشاهَد له صورة معيّنة و انما يشاهَدُ منه الاعمال و العلوم لانّ المشاهِد هو النفس و لكنها لمّا نزلت من عالمها الاعلي و غطَّتْ بصيرتَها الاجسام و احوالها قبل ان تمرّ علي الصّراط فلمّا اُمِرَتْ بالمرور علي الصراط في الدنيا لمتُشَاهَدْ جسراً مَمْدُوداً علي جهنّم لان بصيرتها غطّتْها غشاوة الاجسام و طباۤئعها فاذا امات [ص 61] نفسه وَ راضَها برياضة اهل الشرع عليهم السلام اجتمع متفرّقها فعاينت عملها و علمها جسراً ممدوداً علي متنِ طبيعتها المكني عنها بجهنّم لانّ سلوكَ مقتضاها مؤدي الي جهنّم لانها خلقت منها اَوْ مُجانسةٌ لها و كذا اذا كشف الغطاۤء بالموت و هو قوله فاذا انكشف غطاۤء الطبيعة بالموت يكشف لك يوم القيمة جسراً ممدوداً محسوسا علي متن جهنّم اوّله في الموقف و اخره علي باب الجنّة ان كان مستقيما و الّا فاخره علي باب النار و انما لميُشَاهَدْ هو و ما دونه بدرجةٍ كاحوال البرزخ و ما فيه من الذوات و الصفات و الاقوال و الاَفْعال و كاَحْوَال القيمة و ما فيها كالصراط و الحوض و تطاير الكتب و الحساب و الختم علي الافواه و انطاق الجَوارح و السلاسل و الاغلال و جميع ما اعدّ للكافرين من انواع العذابِ و جميع ما اُعِدَّ للمؤمنين من انواع الثواب و ما فوق ذلك من عالم الملكوت و الجبروت و ما هنالك من الصفات و الاحوال و الافعال و الاقوال لانّ الناظر الي شيء من ذلك بعين جسمانية ليس معه في صقعٍ بل هذه العين الجسمانيّة و الناظر بها في هذه الاجسام و المنظور اليه في عالم آخر خارجٍ عن عالم الاجسام لان ادني ما ذكر الي عالم الاجسام عالم البرزخ و هو في الاقليم الثامن اسفله فوق محدّب محدد الجهاتِ في الرتبة و عالم الملكوت خارج عن عالم البرزخ و وراۤءه بين مسير الف سنة و عالم الجبروت وراۤء عالم الملكوت بينه و بين الملكوت مسير الف سنة و امّا اذا مات او امات نفسه خرج من عالم الاجسام وَ شاهَدَ كلّ عالمٍ وَصل اليه .
و قوله « اوّله في الموقف » يريد اوّل الصراط الصوري المشاهد يوم القيمة لا مطلق المشاهدة فان من شاهده في الدنيا شاهد انه في الدنيا ساۤئر عليه فلايكون عنده اوّله الموقف الّا اذا اريد بالموقف الموقف الباطني اعني [ص 62] علي مَعْني التأويل .
و قوله « كل من يشاهده يعرف انه صنعك و بناۤؤك » و ذلك لانكشاف الحقاۤئق يوم القيمة يوم تُبْدَي الضّماۤئر و الصراط الممدود جسراً علي جهنّم واحد لانه صورة ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و الخلاۤئق كلهم مكلّفون بالمرور علي ذلك الجسر الواحد و امّا صراطُك الخاۤص بك فهو صورة سيرك في ذلك اعني سيرك في القيام باوامر اللّه تعالي و اجتناب نواهيه علي النحو الذي امرك به و علمك و اعتقاداتك التي هي سيرك فيما يراد منك معرفته و اعتقادُك له و هو الذي مَن رءاه عرف انّه صنعُك و بناۤؤُك لانه صورة عملك و علمك و اعتقادِك و يعلم ايضا انّ هذا كان جسراً ممدوداً علي متن جهنّم يعني يعلم ان ما كان عليه من القوة العملية و القوة النظريّة هو هذا الجسر الممدود علي متن جهنم الّتي قيل لها هل امتلئتِ فتقول هل من مزيد لانّ عمله و علمه المكلّف بهما ممدودان علي انيّته و طبيعته ليصرفانِها عن مقتضي ميلها الي مَحبّة اللّه تعالي و تضعفَ و تصغُرَ و تتلاشَي كثافتُهٰا و تخفّ فتلحق بالملكوت فتقول هل من مزيد اي هل مَن يقوّي ضعفي و يزيدَ في كمي و كيفي فماازدادت بالتّأديب و التخويف الّا نفوراً استكباراً في الارْض و مكر السيّء و لايحيق المكر السّيء الّا باهله و هي ظلّ حقيقتِك يعني ماهيّتك ذي ثلاث شعب شعبة النفس و شعبة ٱلطّبيعة و شعبة الجسم و هو ظلٌّ غير ظليل قيل انّما قيل ذي ثلاث شعب لا ظَلٖيل لانّ المثلّث اذا وضع في الاَرْض قاۤئماً علي زاويةٍ مِنْ زَواياه في الشمس لايكون له ظلّ و هذا انما يتحقّق اذا كان ضِلْعٰاهُ القاۤئمانِ لايزيد انفراجُهُمَا عن سَعةِ الشمس اذا فُرِضَ قرصُ الشمس قَاعِدةً لِذَيْنِكَ الضِّلْعَيْنِ بل امّا ان يساوي قاعدة المثلّث الموضوع علي رَأسه في الاَرْضِ او يزيد عليها و تكون قاعدته الي جهةِ الشّمْس بحيث يكون المثلّث قطعةً من [ص 63] رأس مثلّثٍ قاعدتُهُ قرص الشمس و كون الظلّ غير ظليلٍ لانّه من سنخ النّار و لايُغْني من لهب جهنّم لانّه هو الجالب لها اي للهب الشَّهْوة و الغَضَب لانّ ذلك هو بذْر جهَنّم و لهبها لانّ جهنم و لهبها كامن في الطبيعة و في القوّة الشهوية و الغضبيّة اذا لميُعَدَّلَا و هي الأن كامنة في اهلها فاذا كان يوم القيمة برزت ليكونوا فيها قال تعالي يستعجلونك بالعذاب و ان جهنّم لمحيطة بالكافرين و قال تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغاۤئبين و قال تعالي لَوْ تعلَمُنَّ علْمَ اليَقٖينِ لَتَروُنَّ ٱلجحيم .
و قوله « الّا اَنْ يُطْفِئَها ماۤءُ التّوبة المطهّرة للنّفس عن المعاصي » التي تنشأ عن طرفي الحكمة العمليّة ، و ماۤءُ العلمِ المطهّر لدنس القلوب الناشي عن رجس الجاهليّة الاولي و الجاهلية الثانية المنبعث عن طرفي الحكمة النّظريّة و المراد بالجاهلية الاولي ما قبلَ بعثة نبيّنا محمد صلي اللّه عليه و اله و ما قبل التوسط بين اطراف الحكمة ٱلنظرية و الجاهليّة الثانية ما قبلَ ولايةِ اميرالمؤمنين عليه السلام و ما قبل التوسط بين اطراف الحكمة العمليّة .
قال : قاعدة في نشر الكتب و الصحاۤئف ، قال تعالي و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشوراً اقرأ كتابَك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا و قال و اذا الصحف نُشِرَتْ اعلم ان كلّ ما يفعله الانسان بنفسه و يدركه بحسِّه يرتفع منهُ اثر الي ذاته و يجتمع في صحيفة نفسِهٖ و خزانة مدركاته اثارُ الحركاتِ و الافعال و هو كتابٌ مُنْطَوٍ اليومَ غاۤئبٌ عن مشاهدة الابصار فيكشف له بالموت ما يغيب عن البصر في حال الحيوة مما كان مسطوراً في كتاب لايجلّيها لوقتها الّا هو و قد مرّت الاشارة الي انّ رسوخ الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانية و هو المسمّي عند الحكماۤءِ بالملكة و عند اهل الشريعة بالملك و الشيطان مما يوجب خلود الثواب و العقاب فكلُّ مَن فعل مثقالَ ذرّةٍ من خيرٍ [ص 64] او شرٍّ يري اثرَهُ مكتوبا في صحيفة ذاته او صحيفةٍ اعلي منها و هو عبارة عن نشر الصّحاۤئف و بَسْط الكتبِ .
اقول نشر الصحاۤئف و الكتب عبارة عن تطاۤئرها و ذلك لانها في قبره موضوعة في اعناق المكلفين كما تقدّم في ذكر كتابتها في قطعة من كفنه باصبعه و ريقه باملاۤء رُومان فتان القبور و كانت في الدنيا كذلك كتبها رقيب و عتيدٌ في ورقةٍ من اللّوح المحفوظ بمعني انه اذا عمل عملاً صالحاً مثلا كما اذا صلّي يوم الجمعة في المسجد ركعتين كتبها رقيب و عتيد كما يكتب المقابل للمرءاة صورته فيها يكتبان صلاته للركعتين بهيئة المصلّي في غيب ذلك المسجد و غيب ذلك الوقت و يبقي ذلك مكتوبا في غيب ذلك المكان و ذلك الزمان الي يوم القيمة فاذا كنتَ حضرته حين الصلوة في المسجد يوم الجمعة لاتزال كلّما التفتَّ بخيٰالك اليه رأيتَ مثاله يصلّي في الصلوة التي حضرته فيها و ان كان العامل قاعداً عندك فان مثاله لايزال في تلك فاذا حضر عندك وجدته لَابِساً لذلك المثال و كذلك لَوْ رأيته سارقاً لشيءٍ و جميع الاعمال مكتوبة بهذا النحو و لكن رُومان فتّان القبور هو الذي يلبسه تلك الامثال المتعددة المتفرّقة المتباينة بان يلبسه الٰاثار القاۤئمة بها فاذا كان يوم القيمة تطايرت ذوات الامثال من امكنتِها و اوقاتها و ذلك حين مُدَّتِ الاَرْض و اَلْقَتْ ما فيها و تخلّت و نشرها ان يجيۤءَ كُلُّ عَمَلٍ في مكانِه و وقتهٖ و مثاله متلبِّسٌ بذلك فكلُّ مثالٍ عاملٌ بعمله فلزيدٍ مثلا الف مثالٍ في الفِ عملٍ بل مائةُالفِ مثالٍ في مائةالف عملٍ كل مثال متلبّس بعمله فذلك نشر الكتب و الدواوين و كشف السراۤئر يا مَن اظهر الجميل و ستر القبيح يا من لميؤاخذ بالجريرة و لميهتك السِّتْر يا اللّٰهُ قال تعالي و كلّ انسانٍ الزمناه طاۤئرَهُ في عنقه و ذلك في قَبْرِهٖ عَلَي يدِ رُومانَ و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه [ص 65] منشورا و هذا كتاب الاعمال الّتي تعمل فيها الامثال و آثارها ما وضعَها رومان في عنقه فيقال له اقرأ كتابك اي الذي طوّقك به رُومان فانه لايخالف الكتاب المنشور الجامع للامثال العاملة بتلك الاعْمال في اماكنها و اوقاتها كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا لانّه اذا رأي نفسه في امثاله عاملةً لاعماله كما تري نفسك في صورتك التي في المرءاة محرِّكةً للصورة لايقدر علي انكارِ ما اَقرَّ به حالة اقراره فكفي بنفسه ذلك اليوم عليه حسيباً و قال تعالي و اذا الصحف نشرت و هي كتب الامثال فانها هي الكتب المنشورة و الصحف المنشورة .
و قوله « اعلم ان كلّ ما يفعل الانسان بنفسه و يدركه بحسِّهٖ يرتفع منه اثر الي ذاته » و هو اتّصافه بذلك العمل فالعمل متلبس به مثاله في مكان الفعل و وقته الي يوم القيمة و هو الكتاب المنشور يوم القيمة و الاثر المرتفع الي ذاته هو اتّصافه بذلك العمل و هو طاۤئره اللّازم لذاته في عنقه مثاله اذا رأيتَ عمراً يسرق من دكّان زيدٍ في السوق يوم الخميس شيئا ثم اتاك بعد ذلك عمروٌ فانّك تراه متّصفاً بتلك السرقة فتشاهد الوصف الذي هو طاۤئره لازماً لعنقه اي غير منفكٍّ عنه و تري فعله و مثاله الذي سَرق و السرقة عند الدكان المعروف و هو في غيب الدكّان المحسوس و في غيب يوم الخميس فتشاهد الكتاب المنشور في غيب مكانه و غيب وقته و مثاله يسرق ابداً لتلك السرقة هذا و عمروٌ ما لميتب تراه متّصفا باثار فعله لازمة لعنقه كلزوم الظلّ للشاخص فاذا تاب و علمتَ بتوبته و اتاك لمتره متّصفاً بتلك الاثار و لكن ترٰي مثاله في السوق يسرق من دكّان زيد يوم الخميس و لاتري آثار ذلك المثال بعمرو لانها متعلّقة بمباديها من سجّين كتاب الفجار فاذا كان يوم القيمة و قد تاب في الدنيا محا الله سبحانه صورة ذلك المثال السابق من الامكنة و الاوقات [ص 66] و من نفوس الملاۤئكة و مدّ الله سبحانه علي عمرو سرادق ستره و ان لميتب بقي اثر ذلك منطوِياً مدّة حياته غاۤئبا عن مشاهدة الابصار فاذا مات كشف عنه الغطاۤء فعاين الاشياۤء كما هي قال تعالي لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنكَ غطاۤءَك فَبَصرُكَ اليوم حدٖيد مما كان مسطوراً في كتابٍ لايجلّيها لوقتها الّا هو اي لايكشفها في الوقت الذي تكون فيه الّا هو سبحانه .
و قوله « و قد مرّت الاشارة الي ان رسوخ الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانية و هو المسمّي عند الحكماۤء بالملكة و عند اهل الشريعة بالملك و الشيطان » نعم و لكن اشرنا اِلَي بطلانه امّا ان رسوخها يكون ملكةً ثابتة فلا كلام فيه لان الاَعْمال و الواردات من الافكار و الاعتقادات ان لمتستقرّ تسمّي احوالاً و ان استقرت سُمِّيَتْ مَلَكاتٍ عند الحكماۤء و الصوفيّة و امّا انّها اي رسوخ الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانيّة تسمّي عند اهل الشريعة عليهم السلام بالملك و الشيطان فلا لان الملك عندهم عليهم السلام و كذلك الشيطان نفوس علي حدَةٍ ذوات شعور و تكليف و اختيار الّا انّ الله سبحانه بلطيف صنعه وكّل الملاۤئكة بما يريد ايجاده مثلا اذا اراد ايجادَ زيد امر كلمته فقبض له عشر قبضَاتٍ مِنْ كل فلكٍ من الافلاك التسعة قبضةً و من مجموع العناصر الاربعة قبضة و جعل لكلّ قبضةٍ من القبضات العشر ملاۤئكة فملاۤئكة القبضة منهم ملاۤئكة الدور الاول يديرون عناصرها و ملاۤئكة الدور الثاني يديرون معادنها و ملاۤئكة الدَّور الثالث يديرون نباتيتها و ملاۤئكة الدور ٱلرابع يديرون حيوانيّتها و ملاۤئكة تألّف القبضات العشر و ملاۤئكة تربّي المركب منها من نطفة الي علقةٍ الي مضغة الي عظام الي ان تكسي لحما الي ان تنشأ خلقا و ملاۤئكة تصوّره علي ما يشاء تعالي و ملاۤئكة في اكوار تلك القبضات في تربية نفوسها و ملاۤئكة الاحكام تربّي سعادته او شقاوته و هذه الملاۤئكة [ص 67] المذكورون محاۤلّ امر الله تعالي و حملته بواسطة اولياۤئه صلّي اللّه علي محمّد و اله فهم المدبرات امراً و هم حملة فعله فهم بامره يعملون قال اميرالمؤمنين عليه السلام في شأن الملأ الاعلي تجلّي لها فاشرقت و طالَعها فتلألأَتْ و القي في هُويّتها مِثالَه فاظهر عنها افعاله ه ، فالملاۤئكة في جميع ما اعطاهم من القوة و القدرة و الاستطاعة و الاختيار و المعرفة بجهات ما امروا به كالٰالةِ لفعله لانّهم اعضاد للمسببات يحملون الاسباب و هي افعاله و بها يعملون و ليسوا قُوَي المخلوقات كما توهّموا لانّ القوي اجزاۤء المخلوق و آلاته الصالحة لجميع اراداته يفعل بها خيره و شرّه و الملاۤئكة جند الله المطهّرون عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لكن الحكيم اذا رأي السبب ضعيفاً وضع له مقوِّياً يعضده ليقدر علي مسبّبه و اذا رأي المسبّب ضعيفاً عن مباشرة السبب وضع له حجابا يحجب قوّة السبب لئلّايحترق المسبّب قال صلي اللّه عليه و اله انّ للّه سبعينالف حجابٍ من نورٍ و ظلمة لو كشف حجاب منها لاحرقَتْ سُبُحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه ، و الملاۤئكة من القسم الثاني فهم الحجب و السّبحات افعاله فان قلتَ قوله و ظلمة ينافي ما قلتَ من انها الملاۤئكة لانهم كلهم نورانيون قلتُ ان ملاۤئكة النور نورانيون و ملاۤئكة الظلمة ظلمانيون و ملاۤئكة النعيم في غاية الحسن و الجمال كرضوان و ملاۤئكة العذاب في غاية القبح كمالِكٍ و منكر و نكير و ايضاً يراد بالنور الملاۤئكة العقلانيون المجردون و بالظلمة الملائكة الجسمانيون الماۤدّيّون و ايضا وجود النور نور و وجود الظلمة نور كوجود النُّور فالملك و الشيطان نفسانِ متحركان بالارادة مباينانِ للانسان و لساۤئر الحيوان و ليسا ملكة .
و قوله « مما يوجب خلود الثواب و العقاب » صحيح علي ما بيّنّاهُ سَابِقاً من [ص 68] انّ الرجل اذا عَملَ عملاً كتبَتِ الحَفَظةُ مِثالَهُ في غيب مكان عمله و غيب وقته فلايزال ذلك المثال يعمل ذلك العمل في ذلك المكان و الوقتِ و ثمرات تلك الاَعْمَال تصل اليه وَ يتّصِف بها فان دام علي ذلك العمل حتي حصلت له منه ملكة و طبيعة دامت له تلك الثمرات من ثَمرات ٱلاعمال ٱلصّالحة من الثواب و من ثمرات الاعمال ٱلطَّالحة من ٱلعقَاب و هذا وجه لايجاب الخلود و وجه اخر انّ اهل الجنة انطوَتْ سراۤئرهم و تحقّقت نيّاتهم و عزمهم علي انّهم لو بقوا ابد الابدين اَنْ يُطيعوا ٱللّه سبحانه في كلِّ ما يأمره و انّما يمنعه عن بعضها بعض الموانع و يكون حينئذٍ ماقِتاً لنفسِهٖ مُعْترفا بتقصيره في كلِّ حالٍ و ذلك من اعظم الاعمال و افضلها ففي الحقيقة لايفتّر المؤمن عن طاعة اللّه طرفة عينٍ لانّه امّا عامل و اِمّا معترف بالتقصير و الذنوب فهو بذلك عامل و اَهْل النّار علي العكس من اهل الجنّة في كلّ ما ذكر و لذا ورد انّما خُلِّد اهل الجنة في الجنّة و اهل النار في النار بنيّاتهم .
و قوله « من فعل مثقال ذرّة من خير او شرّ يري اثره مكتوبا في صحيفة ذاته او صحيفة اعلي منها » نعم كل مَن فعل وجد اثر فعله مكتوباً في صحيفة ذاته اي تكون ذاته متصفةً باثر ذلك العمل و يجد ذلك العمل مكتوبا في صحيفةٍ اعلي من صحيفة ذاته لا اثره اذ اثر عمله لايكون علي غيره و لاتزر وازرةٌ وزر اخري و يجد ذلك مكتوبا في صحائف دون صحيفة ذاته فامّا ما في ذاته فهو لون عمله و هيئته فتتقدّر ماۤدَّته بصورة عمله و يبيضّ وجهه او يَسْوَدُّ و امّا ما في صحيفةٍ او صحاۤئفَ اعلي من ذٰاته فهو ما في الواح نفوس الملاۤئكة و الاشهاد من الانبياۤء و المرسلين و الشهداۤء و الصالحين و امّا ما في صحاۤئفَ ادني من ذاته فهو ما في الواح بقاع الارض التي عمل فيها و الاوْقات من الساعات و الايام و الشهور و السنين كذلك و ما علي الارض من الحيوانات و النباتات [ص 69] و الجمادات و هذا معلوم الّا انّ ما في صحيفة ذاته امثال اعماله و آثارها التي هي نتاۤئج تلك الاعمال و ثمراتها و ما في ما هو اعلي من ذلك امثال اعماله و ما في ما هو ادني من ذاته صُور امثال اعماله و عكوسات آثارِها و لذا تقع من وجود المؤمن الصالح العامل بركات و خصب و رخاۤء في الزروع و الثمار وَ الاسعار و تقع من وجود المنافق قلّة البركة و قلّة الرَّيع و الغلاۤء .
و قوله « و هو عبارة عن نشر الصحاۤئف و بسط الكتب » قد بيّنّا في معناه ان الاثار الّتي تلزم ذات العامل عبارة عمّا املأه عليه رومان عند اوّل دخول قبره و ان نشر الصحاۤئف عند تطاير الكتب و لبس العامل امثاله التي عملت به اعماله و ظهوره بها مكشوفة بين الخلاۤئق بحيث لايُستر منها شيء الّا ما ستره الله بستره و عفوه او ما ستره الله تعالي بتوبة عبده و ذلك عند حضور الاشهاد من الملاۤئكة المقربين و الانبياۤء و المرسلين و الشهداۤء و الصالحين و الامكنة و البقاع و الشهور و السنين .
قال : فاذا حان وقتُ اَن يقع بصره علي وجه ذاته عند كشف الغطاۤء و رفع الغشاوة فيلتفت الي صفحة باطنه و كتاب نفسه فمن كان في غفلة عن ذاته و حساب حسناته و سيئاته يقول عند ذلك ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لايظلم ربّك احداً و ذلك ان نشأة الاخرة نشأة ادراكية حيوانية كل من فيها حديد البصر لقوله فكشفنا عنك غطاۤءك فبصرك اليوم حديد فمن كان من اهل السعادة و اصحاب اليمين اوتي كتابه بيمينه من جهة عليّين لان معلوماته امور كلّيّة رفيعة عالية كما قال ان كتاب الابرار لفي عليّين و ما ادريٰك ما علّيّون كتاب مرقوم يشهده المقرّبون و من كان من الاشقياۤء المردودين الي اسفل سافلين و اصحاب الشمال فقد اوتي كتابه بشماله او من وراۤء ظهره من جهة سجّين [ص 70] لان مدركاته مقصورة علي اغراض جزئيّةٍ سفليّة و لاشتمال كتابه علي الكذب و البهتان و الهذَيان فَحَرِيٌّ بان يلقي في النار و خليق بان يحترق في الجحيم كما قال ان كتاب الفجار لفي سجّٖين و ما ادريك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذّبين » .
اقول يريد انّ المكلّف الذي كتبت آثارُ اعمالِه في صحيفة ذاته اذا قرب وقت اطّلاعِهٖ علي ما كتب في صحيفةِ ذاته وقع بصرُهُ اي بصيرته علي وجه ذاته و المراد بالوجه مقدّمها الذي هو متعلّق الاتّصاف بتلك الٰاثار و تلك المشاهدة عند كشف الغطاۤء غطاۤء الطبيعة الماۤدّية اعني الجسم بان تُلْقِيَهُ و تخرج اي الروح عنه و رفع الغشاوة اي رفع كدورات الطبيعة الشاغلة للروح عَنِ الالتفاتِ الي ما كتب في نفسها فتلتَفِت الي صفحة باطنه و كتابِ نفسه فمن كان منتبهاً حاسب نفسه في الدنيا قبل انْ يُحاسَب و من حاسب نفسه في الدنيا و قام بما يراد منه المعبّر عنه بمحاسبة النفس في الدنيا لميحاسبه الله تعالي يوم القيمة لانه تعالي اكرم و ارحم من ان يجمع علي عبده حسابَيْنِ وَ من كان في غفلةٍ عن ذاته و عن حساب حسناته و سيّئاته يقول عند ذلك ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصيها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لايظلم ربُّك احداً قال المصنف و ذلك اي كونه قد عايَن ما هو مكتوب في ذاته لان نشأة الاخرة نشأة ادراكيّة اي عقليّة تعقليّة حيوانية ليس فيهٰا موت من جهلٍ او غفلةٍ بل كلها حيوة و يقظة و تعقّل و تذكر فيكون كل مَن فيها حديد البصر لقوله تعالي فكشفنا عنك غطاۤءك فبصرك اليوم حديد ، و اقول و ان كان كلامه غير منافٍ في الجملة لكنه ليس مبنيّاً علي كون العود عين البدء اذا ازيلت الامور العارضة عنه و ذلك لان العاۤئد قبل وصوله دار التكليف علي حاله في العود بعد التخلص [ص 71] من الامور العارضة له من مراتب النزول و من شراۤئط التكليف الجاري في استيجاب الثواب او العقاب علي مقتضي الحكمة المحفوفة بالعدل و الفضل المشفوعة بالابتلاۤء و الاختبار ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بينَةٍ فالعود كالبدء كما بدأكم تعودون فحالته في الادْراك و التذكر و التعقل و مشاهدة الغيب في العود نفس حالته في البدءِ و لكن تيقّظه في الدنيا مستور بالغواشي الطبيعيّة و الظلمات الماۤدّيّة فلما كشفت ظهر منها ما كانَ مَسْتُوراً فيها فمن ساعده التوفيق و انتبه من غفلته في هذه الدنيا وجد ما يجده في الاخرة و عرف ما يعرفه و شاهَد هنا ما يشاهده هناك فان كانت مشاهدته هناك مشاهدة تاۤمّة عَلَي مقتضي صحّة الحكمتَيْنِ العَمليّة و النظريّة قامت قيامته و عرف مفصولَهُ و موصولَهُ و الّا فاذا ماتَ و كشف عنه غطاۤءه الّذي هو جسده كان بصره حديداً يشاهد الغيب كما قال لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاۤءَك فبصرُك اليوم حديد ، فمن كان من اهل السعادة و اصحابِ اليمين يعني اصحاب علي عليه السلام فانه هو يمين الله حتّي انّه قد اتّفق ان حساب يمين موافق لحساب اسم علي عليه السلام بحساب الجُملِ الكبير اوتي كتابه بيمينه ليطابق الظاهر الباطن من جهة علّيّين و علّيّون اعالي الجنان لانه محلّ جنّة عدنٍ التي هي مسكن الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام و هو محلّ كتاب الابرار و المراد منه نفس فلك الثوابت المسمّي بالكرسي و باللوح المحفوظ و فيه صور الاعمال الصالحة اعني صور الاجابة حين سألهم داعي الله صلي الله عليه و اله عن امر اللّه يقول الله لكم الستُ بربّكم قالوا بلي و المجيب يؤتي كتابه بيمينه من تلك الجهة اي الجهة العليا لان معلوماته امور كلّيّة بل و جزئيّة كما عندنا رفيعة عالية لانّ اليمين تطلق علي الحق و علي العالي و علي اللبِّ و الباطن [ص 72] و الغيب فيؤتي كتابه بيمينه لذلك كما قال تعالي كلا ان كتاب الابرار لفي علّيّين و ما ادريك ما علّيّون كتاب مرقوم يشهده المقرّبون و هم الرجال الكروبيّون اعني ملاۤئكة الحجب الّذين جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سئل موسي ربّه ما سأل امر رَجُلاً من الكروبيّين فتجلّي للجبَلِ فجعله دكّا كذا رواه ابنادريس في مستطرفات السراۤئر نقلا من بصاۤئر الصفّار و الكروبيون في القاموس انه مخفّف الراۤء و بعضهم قرأ بالتّشْديد و معني ذلك انه صٖيغ من كرَبَ بمعني قرب و مَن كان من الاشقياۤء المردودين الي اسفل سافلين و اصحاب الشمال فقد اوتي كتابه بشماله او مِنْ وراۤء ظهره و ظاهر عبارة المصنف هنا و فيما تقدّم انّهم فريقان فريق يؤتي كتابه بشماله و فريق يؤتي كتابه من وراۤء ظهره و الذي صرّح به كثير من العلماۤء انهم فريق واحد و انّما ذكر في القرءان مرّة و امّا من اوتي كتابه بشماله و مرّة و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره لانه تعالي يكرّر الذكر و القصّة لتستقرّ في قلوب المكلّفين و ليدلّ علي تعظيم الامر في نفوسهم فيكون اردعَ لهم عن المعاصي و لئلّاينسي ما هو نبأ عظيم و يُعرَض عنه و لو ذكر القصّة كلّها في موضع واحدٍ من كتابه و ذكرها في موضع اخر بغير زيادة في المعني و بغير تغيير العبارة لَمجَّتْها النفوس و ملّت من استماعها فجرت عادته سبحانه ان يكرّرها ليتذكّر اولوا الالباب بزيادة معانٍ في الثانية ليرغب المكلّف الي استماعها طلباً لفهم المعني الجديد و بتغيير العبارة لئلّايملّ من استماعها و ليكون الذكر الثاني مغايراً للاوّل معني و لفظا و لما فيه من الاسرار الّتي لايحيط بها الّا هو و من اطلعهم عليه من اولياۤئه عليهم السلام التي من جملتها انه لمينزل لقوم دون قوم بل هو جار لجميع المكلفين الي انقضاۤء التكليف موافق لطِباعِ [ص 73] كلِّ طبقةٍ بما يلايم لهم فلذا كان مرّة قال تعالي فامّا من اوتي كتابه بشماله و مرّة قال تعالي فامّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره و معناه كما قال بعضهم ان كتاب المنافق و الكافر يأتيه من وراۤء ظهره فيضربه فيخرق ظهره و يظهر من صدره و يأخذه بشماله .
و قوله « المردودين الي اسفل سافلين » من قوله لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين و لكن المخلوق في احسن تقويم ليس هو المردود الي اسفل سافلين لان المخلوق في احسن تقويم هو محمد او محمد و علي صلّي ٱللّه عليهما و الهما و المردود الي اسفل سافلين حبتر او حبتر و زُرَيق و هما اعرابيان من المنافقين صُوِّرَا بصورة الانسان فدخلا في الانسان بالاسم الصوري فيكون ضمير المفعول في رددنٰاه عاۤئداً الي الانسان الصوري لا الي المعنوي لانّهما ليسا من اصحابه صلّي اللّه عليه و اله الّذين بايعوه بيعة الرضوان رضوان الله عليهم و انّما كانا من الجنّ و لميحضرا بيعة الشجرة الّا بتلك الصورة الاولي فاذا عاد كلّ شيء الي اصله عادَا الي رتبتهما من الكون و هو الردّ المذكور .
و قوله « من جهة سجّين » و هو الصخرة التي تحت الارض السّابعة و هي كتاب الفجّار قال المصنف لان مدركاته يعني من اوتي كتابه بشماله مقصورة علي اغراضٍ جزئية سفليّة منتزعة من امثاله العاملين لاعماله و تلك المدركات صور قاۤئمة بالصخرة و مباديها في الثري الذي لايعلم ما تحته الّا الله سبحانه و انما اشتمل كتابه علي الكذب و البهتان و الهذَيان لان الصور التي كتِبت فيه من الثري الذي هو مظهر الجهل الكلي الذي قال له الله سبحانه ادبر فادبر ثم قال له اقبل فادبر فلعنه و طرده من رحمته و كلّ ما منه لاحق به فمن كان كتابه الذي اخذه بشماله مشحونا بذلك [ص 74] فهو حَرِيّ بان يلقي في النار و خليق اي حقيق بان يحترق في الجحيم كما قال كلّا ان كتاب الفجار لفي سجين و ما ادريٰك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذّبين و ويل اسم وادٍ في جهنم يرده من اوتي كتابه بشماله و من وراۤء ظهره .
قال : قاعدة في ظهور كيفية ظهور احوالٍ تعرض يوم القيٰمة علي الاجمال و تفاصيلها مستفادة من القرءان و الحديث علي اتم تفصيلٍ و اوضحِهٖ الّا انّه نبأ عظيم و الناس عنه معرضون كما قال عز من قاۤئل و كأين من اية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و اعلم ان القيمة كما اشرنا اليه من داخل حجب السموات و الارض و منزلتها من هذا العالم منزلة الانسان من الرحم و الطّير من البيضة فما لمينهدم بناۤء الظاهر لمينكشف احوال الباطن لان الغيب و الشهادة لايجتمعان في موضعٍ واحدٍ فلاتقوم الساعة الّا اذا زلزلتِ الارض زلزالها و انشقّت السماۤء و انتثرت الكواكب و تساقطت النجوم و كوّرت الشمس و خسف القمر و سيّرت الجبال و عُطِّلت العشار و بعثر ما في القبور و حصِّل ما في الصُّدور و حملت الارض و الجبال فدكّتا دكّةً واحدة » .
اقول يريد انّ العارف في هذه الدنيا تظهر له كيفيّة ظهور احوال الاخرة و يتعقّلها و يتصوّرها كلّا او بعضاً و ذلك يحصل في هذه الدنيا لمن اَمات نفسه حتي قامت قيامته و ظهر سلطان عقله علي جميع جوارحه فانه لمّا قطع العلاۤئق وصل الي الخالق سبحانه يعني انمحَي في نور امره و اشتغل بطاعته و ذكره .
و قوله « علي الاجمال » يريد ان اسم العارف و الواصل يصدق علي من لميقدر علي تفاصيل احوال الاخرة و ان كانت في جميع جهاتها مفصّلة في الكتاب و السّنة علي اتمّ تفصيل و اوضحه الّا انه ليس [ص 75] علي نمطٍ واحدٍ بل منها مبيّن في التفسير الظاهر و منها في غيره كالباطن و باطن الباطن الي سبعة و كالظاهر و ظاهر الظاهر و ظاهر ظاهر الظاهر و هكذا الي سبعةٍ و كالتّأويل و باطن التأويل و باطن باطنه و هكذا الي سبعة بل الي سبعين و لكن لايطّلع عليها الّا من خوطب به كما قال تعالي لايسعني ارضي و لا سماۤئي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن لانه يتقلّب مَعي و فِيَّ وَ بي ه ، و ذلك هو الّذي يحيط بتَفاصيلها و تفاصيلها بعضاً او كلّاً مستفادة من الكتاب و السنة و كذلك من الٰافاق و الانفس لانّ اللّه تعالي سنريهم اياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحقّ ، و قال الصّادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فقد في العبودية وُجد في الرّبوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اصيب في العبودية الحديث ، و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هيهنا ه ، و ايات الكتاب مشتمِلةٌ عَلَي الاشارة اِلَي اَنَّ تَفاصيلَ الاشياۤءِ موجودة في الافاق و في الانفس مثل قوله تعالي و كأَيّن من آية في السَّموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال تعالي و في الارض ايات للموقنين و في اَنْفُسِكم اَفلَاتبصِرُونَ و قال تعالي و تلك الامثال نضربُهَا للنَّاسِ وَ مايَعْقِلُها الّا العَالِمُونَ و امثال ذلك كثير يشير الي كلها قوله تعالي قل سيروا في الارض اي اقرءوا القرءان بالتدبر او انظروا في الافاق و في انفسكم حَتَّي يَتبين لكم اَنّه الحق تعالي و حَتَّي يتبيّن لكم حَقاۤئق الاشياۤء و حتي يتبيّن لكم ما يراد منكم و اعلم انّ الكتاب التَّدْوٖينٖي طبق الكتاب التكويني و كُلَّ ما في الكتاب التّكويني فهو في نَفْسِك لانك قد انطوي فيك العالم الاكبر فاذا اردتَ ان تعتبر في الايات اما في الافاق و اما في نفسك فاذا ظهر لك في العالم فانظر هل هو مطابقٌ [ص 76] لما في نفسك ام لا و بالعكس فاذا تطابقا فهو الحقّ وَ اِنْ تَخالَفَا فهو البٰاطل و اِنْ لمتَقف الّا علي واحدٍ فتأمّل و تَدبّر فانّهما لايختلفانِ و المصنف انّما ذكر هذه الاية للاشارة الي انّ ما ذكره مأخوذ من التدبّر في الايات و هو ممّن يتدبّر الّا ان شرط الصحة و هو المطابقة بين العالم الكبير و العالم الصغير قد لايتوجّه له لان المهتدي الي هذا الشرط قليل لكثرة وقوع الخطأ في الاقتصار علي احدهما و مع التطابق ربّما لايقع خطأ .