و قوله « و اعلم ان النفخة و ان كانت واحدة ضرباً من الوحدة ، الخ » صحيح علي ظاهره و انما قلنا علي ظاهره لانه ربّما اراد انها من جهته متّحدة به و من جهة الخلاۤئق غير متّحدة به و هذا باطل بل التصحيح لظاهره انا نريد انه عز و جل بسط النفخة كما بسط فعله فقبلت منه الاشياۤء بحسب قوابلها فتقدم بعضٌ وَ بعض تأخر فكذا الصيحة و النفخة و كما ان عنده وحدتها بالنسبة الي فعلِهٖ من حيث ذات الفعل فهي عنده بكثرتها من حيث تعلقها بالمفعولات كما قلنا في فعله لان وحدة النفخة و كثرتها كليهما في ملكه و خلقه و كذا الازمان و الاوقات في حالتيهما عنده في ملكه و خلقه .

و قوله « و الساعة ايضا مأخوذة من السعي لان جميع الاشياۤء الكونية الطبيعيّة [ص 28] ساعية اليها من جهة نحوها من باب الحيوانية ثم الانسانية » فيه ان قوله الكونية الطبيعية يريد به اخراج المجردات من هذا السعي و ليس كذلك بل النّفوس و العقول و الارواح كلها ساعية اليها قال تعالي مافرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون و قال تعالي و اذا النفوس زوّجت اي حشرت مع من شاكلها في اعمالها تسير الي يوم القيمة بارجل اعمالها و ايدي بطشها و السن اقوالها و بجميع ادَوات جميع مشاعرها من باب الحيوانية و من باب الانسانية و ما فوق ذلك و امّا النباتات و الجمادات و المعادن فكذلك و لكنها في ايّام اكتساباتها و ذكرها و غفلتها و اكثرها يحاسب في هذه الدار و يحضر يوم القيمة البقاع التي وقعت فيها الطاعات لتشهد لعاملها و التي عملت فيها و المعاصي ليشهد علي عاملها و كذلك الشهور و السنون و الايام و الليالي و الساعات كما نطقت به الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام و الاشياۤء تسير الي الاخرة بارجل اعمالها و اقوالها و احوالها و ما كان منها و لقد شاهدت كيفيّة ذلك في المنام و هو اني كنتُ في ايام اقبالي رأيت في المنام كأن جميع الخلاۤئق يسيرون في ارض واسعة لاتري اطرافها من جهة الشرق الي الغرب و كلهم صامتون مايسمع منهم الّا صوت ارجلهم في المشي و لايلتفت منهم احد الي جهة و لا توجّه لاحدٍ لشيء الّا لمحض سيره ذلك و رأيت كأني معهم واقف و عندي كتاب كبير مارأيتُ في الدنيا كتابا مثله و عن يساري رجل لااعرفه واقف معي و انا فاتح لذلك الكتاب و هو يعرّفني في معانيه في الصفحة اليمني منه و انا اجد في نفسي اعتمادي علي ذلك الرجل و ثقتي ببيانه و احسّ اني انا و الرجل و نحن واقفان و جميع الخلائق يسيرون سيراً حثيثا اني انا و الرجل و كل [ص 29] الخلاۤئق يسيرون بما ينقلني ذلك الرجل اليه من معاني ذلك الكتاب فانتبهتُ و كان نومي وقت القيلولة فرأيت ان الشمس مازالت فسبغت الوضوء و نمتُ و اوّل دخولي في النوم كنت علي تلك الحال مع الرجل و هو يعرّفني في ذلك الكتاب و نحن واقفان و الخلاۤئق تسير و نحن نسير بما ننتقل اليه من معاني ذلك الكتاب لا بارجُلِنا و اري الخلاۤئق تسعي بارجلهم و انا اعلم ان المحرّك لارجلهم في السعي هو تنقّلُنا في معاني ذلك الكتاب فكانت عندي معاني ذلك الكتاب و تنقّلنا فيها لنا و لساۤئر الخلاۤئق كالسفينة تسير براكبيها و هم فيها قاعدون فلمّا انتبهتُ و رجعتُ الي وجداني و الي ما قسم لي ربّي عز و جل من فهم كتابه و سنّة نبيه و اخبار اولياۤئه صلي الله علي محمد و اله وجدتُ ان الخلق كلهم يسيرون الي الاخرة باعمالهم و اقوالهم و احوالهم و اعتقاداتهم ثم اقول روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ه‍ ● .

قال : قاعدة في ارض المحشر هذه الارض التي في الدنيا الّا انّها تبدّل غير الارض كما تمدّ مَدّ الاديم و تبسط فلاتري فيها عوجا و لا امتاً تجمع فيها الخلاۤئق من اول الدنيا الي اخرها لانها في ذلك اليوم مبسوطة علي قدر يسع الخلاۤئق و معني بسطها لاينكشف الا لذوي البصاۤئر النورانية الذي اطلقت ذواتهم من اسر الطبيعة و قيد الزمان و المكان فيعرف ان مجموع الازمنة و ما يوازيها كلمحةٍ واحدةٍ و ما فيها و مجموع الامكنة و ما يطابقها كنقطة واحدة فكانت الاراضي كلها ارْضا واحدة و للارض صورة ارضيّة اخري بيضاۤء نقيّة فيها الخلاۤئق كلها و النبيون و الشهداۤء و الكتب و الموازين و فيها الفصل و القضاۤء بالحقّ كما في قوله تعالي و اشرقت الارض بنور ربها و وضع الكتاب و جيۤئ بالنبيين و الشهدٰاۤء و قضي بينهم بالحق و هم لايظلمون .

[ص 30] اقول قد بيّنّا لك مراراً ان الله سبحانه قد ضرب الامثال و جعل بحكمته الصورة الانسانيّة اعلي الامثال و اعمّها و اشملها في الاستدلال علي كلّ شيء و كلّ من طلب دليلاً صحيحا علي ما يُريد معرفته فليس يجد مثل نفسه شيئا الّا مجموع العالم و لهذا كان فيما نسب الي علي عليه السلام :

و انت الكتاب المبين الذي باحرُفهٖ يظهر المضمرُ

اتحسب انّك جرم صغير و فيك انطوَي العالَمُ الاكبرُ

و اذا ثبت انّ جسدك الذي معك في الدنيا هو المعاد بماۤدته و صورة اعماله ثبت انّ هذه الارض المعادة هي هذه الارض الموجودة في الدنيا بماۤدتها و الصورة المناسبة للحشر و جمع الخلاۤئق و المصنف و ان كان كلامه يوهم الموافقة لما قلنا لكنه صرّح في غير هذا الموضع فيما ان المواۤدَّ كلها تفني و تعدم و انّما تعاد بصورته لا بماۤدته لانّ حقيقة العَوْد عنده انّما هو للنَّفْس و اللازم للمعاد حقيقة هو الصورة و ممّا يدل علي هذا من كلامه قوله ان المعاد في يوم المعاد هذا الشخص الانساني المحسوس الملموس المركّب من الاضداد الممتزج من الاعضاۤء و الاجزاۤء الكاۤئنة من المواۤدّ مع انه تتبدّل عليه في كلّ وقتٍ اعضاۤؤه و اجزاۤؤه و جواهره و جواهره و اعضاۤؤه حتي قلبه و دماغه سيما روحه البخاري الذي هو اقرب جسمٍ طبيعي الي ذاته و اوّل منزلٍ من منازل نفسه في هذا العالم و هو كرسي ذاته و عرش استواۤئه و معسكر قواه و جنوده و هو مع ذلك داۤئم الاستحالة و التبدّل و الحدوث و الانقطاع فان العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انما هي بوحدة النفس فما دامت نفس زيد هذه النفس كان بدنه هذا البدن لانّ نفس الشخص تمام حقيقته و هويّته و هذا كما يقال ان هذا الطفل ممّن يشيب اَوْ هٰذا الرّجل الشاۤئب كانَ طفلاً و عند الشيب قد زال عنه جميع ما كان له عند الطّفوليّة [ص 31] من الاجزاۤء و الاعضاۤء الي ان قال و لايقدح في ذلك ان هذا البدن الدنيوي مضمحلّ فاسد مركب من الاضداد و الاخلاط الكثيفة العفنيّة و ان البدن الاخروي لاهل الجنّة نوراني باق شريف حيّ لذاته غير قابل للفناۤء و الموت و المرض و الهرم انتهي .

و قال ايضا في جواب الاعتراض السادس للمنكرين للحشر الجسماني : و ان هذه الارض ليست محشورة علي هذه الصفة و انّما المحشورة صورة هذه الارض اذا مدّت و القت ما فيها و تخلّت انتهي ، فقوله ليست محشورة علي هذه الصفة لو اريد من الصفة المنفية الكثافة خاۤصة لماقال و انما المحشورة صورة هذه الارض فافهم الاشارة .

و قال ايضا في الاصل الاول : ان يقوم كل شخص بصورته لا بماۤدّته و هي عين ماهيته و تمام حقيقته و مبدأ فصله الاخير فهو هو بصورته لا بمادته حتّي لو تجرد صورته عن ماۤدّته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرد و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد الصور عن التفرد بذاته دون التّعلق الوجودي بما يحمل لوازم شخصه الي اخر الاصل الاول فيلزم من كلامه ان زيدا اذا اعيدت نفسه و صورته بماۤدةٍ غير ماۤدّته كان المعاد هو زيدا بحقيقته التي يترتب عليها الثواب او العقاب و هو مراده هنا في حشر الارض فلاتتوهّم انه يريد مرادنا من انّ المعاد هي المواۤدّ ● و لكن في صورة اعماله فقد تتغيّر صورته و لاتتغيّر ماۤدّته في حالٍ من الاحوال بل المعاد الذي يريده ما هو به زيد من الهيئة الانسانية الخاۤصة و لهذا قال بل اصبعه هذا صدق انه الاصبع الذي كان له في الطفوليّة مع انه قد عدم في ذاته ماۤدة و صورة و لم‌يبق بما هو جسم معيّن في ذاته من نوع معيّن و انما بقي بما هو اصبع لهذا الانسان لبقاۤء نفسه فهذا ذاك بعينه من وجه و هذا ليس بذاك بعينه من وجهٍ انتهي ، [ص 32] و نقول انما هو جسم معين بماۤدّته و صورته فاذا لم‌يبق بما هو جسم معيّن في ذاته لم‌يبق للاعادة الّا الهيئة الوجوديّة الانسانيّة و هي لاتكون زيداً الّا بما هو هو من ماۤدّته و صورته و المصنف بني امره في اعتقاده علي دَعْويَيْنِ الاولي ان المجردات ثابتة لايمكن اَنْ يَطرأ عليها التغير و التبدّل و الفناۤء و هو خطأ فانه ان جعلها ممكنةً فحكمها حكم الماديّات في احتياجها الي المدد و ان جعلها قديمة او من لوازم القديم فهو ايضا باطل اذ القديم لايتغير عن حاله و هذه علي قوله كانت عاريةً عن الصور ثم تلبّست بها في هذا العالم فاختلفت احوالها و مختلف الحالات حالات حادث و ايضا القديم لايكون له ظهور غير بطونه و بطونٌ غير ظهوره و ان فرضها من لوازم القديم كما صرح به في كتابه الاسفار و انها لايمكن تصور انفكاكها فهو غلط من وجوه منها ان القديم لايكون له لوازم و الّا كان حادثا للزوم الاقتران الموجب للحدوث و منها ان اللوازم ليست هي المتنزلة في الاجسام بل المتنزلة في الاجسام اشباح تلك اللوازم و اظلّتها كما صرّح به في هذه الرسالة و غيرها و صرّح ايضا علي ان الثابت لايلزم ان تكون آثاره و اظلّته ثابتة و منها ان اللوازم صرّح بانها لايمكن تصوّر انفكاكها فكيف جعلها هي النازلة في صورة زيد الثانية انه بني امره هنا علي اعتقاد ان المواد الجسمانية تفني و تضمحلّ و تعدم و انما المُعاد صورتها و هذا غلط لانّها دخلَتْ في ملك الله فلاتخرج عنه و قد صرّح بذلك تعالي في كتابه فقال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قال تعالي و ان الله يبعث من في القبور لان من في القبور لايكون الّا المواۤدّ الجسمية لا النفس و لا الهيئات الوجوديّة و قد ذكرنا ما توهّموا منه فيما تقدّم من انّه لو اغتذي زيد بعمروٍ حتّي كان [ص 33] عمروٌ جزءاً لِزيدٍ فَانّه لو كان الواقع اعادة الاجسام الدّنيويّة لَتعَذّرَ اِعٰادَتُهمَا مَعاً لاسْتِلزام اعادة ماۤدّة احَدِهما نقصان الاخر و قد بيَّنَّا علّة ذٰلِكَ فيما سَبَقَ مِنْ اَنّ ماۤدة عمرو لاتكون غذاۤءً لزيد و زيد انّما يغتذي بغير ماۤدةِ عمروٍ الاصليّة و امّا ماۤدّته و طينته التي خلق منْها فانها لو حرقت بنيران ٱلدّنيا لماسَطَتْ عليها و لااثّرت فيها لانّها ليست من هذه العناصر و انما نزلت من عالم الغيب و حيث جهلوا هذا المعني قالوا بانّها تَفْنَي و انّها تكون جزءاً من اخر فالارض المحشورَة هذه الارض بعد ازالة الاعراض الدنيويّة لانّ اصلها نزل من عالم الغيب و لكن اكثر الناس لايعلمون .

و قوله « تمد مَدّ الاديم و تبسط » يشير به الي الجواب عن الاشكال السادس لمنكري حشر الاجسام في قولهم ان جرم الارض مقدار ممسوح بالفراسخ و الاميال و عدد النفوس غير متناهٍ فلايفي جرمها بحصول الابدان الغير المتناهية فاجاب هناك و نبّه هنا بهٰذا الكلام ملاحظاً فيه تتمّة الجواب من ان الارض تمدّ مدّ الاديم اي تبسط علي قدر يسع الخلاۤئق من اوّل الدنيا الي اخرها و من فهم المراد عرف ان الارض ليس بسطها و مدّها مدّ الاديم اي الجلد لتسع الخلاۤئق اذ لو لم‌تمدّ لماوسعت الخلاۤئق المحشورين بل تسع الخلاۤئق و انّما بسطت ليحضر الكل للكل فلايستتر احد عن احدٍ بوهدة و لا تلعة بل بسطت لتبدو الضّماۤئر و تبلي السراۤئر هذا ظاهر المدّ و البسط و اما حقيقته فانها اذا ازيل عنْها الموانع و الاعراض من كثافة المعاصي اتّصفت بصفات المجردات كما هو مقرر في علم الطبيعي من انّ الارض المقدسة ما دام فيها القوم الجبّارون فهي ضيّقة لما فيها من الجبال و الصخور فاذا خرجوا منها و زالت منها الجبال و الصّخور وسعت كلّ ما يقع فيها و ان كان غير متناهٍ لانّ الداخل الاوّل يشغل منها مكاناً و يكون هو و مكانه مكاناً للداخل [ص 34] الثاني و هكذا فتتّسِعُ بنسبة من يكون فيها و يصدق علي ما قلنا قوله لانها في ذلك اليوم مبسوطة علي قدرٍ يسعها و ان كان لايتصوّر ما اشرنا اليه و كذا قوله و معني بسطها لاينكشف الّا لذوي البصاۤئر النورانية الذي اطلقت ذواتهم من اسر الطبيعة يعني تمحّضت في تجرُّدِها وَ خَلعَتْ اَحْوَال الزمان و ما يتعلّق به و جهات المكان و ما يحلّ فيه فيعرف بصفاۤء حِسِّهٖ اَنَّ مجموع الازمنة و ما يوازيها كلمحةٍ واحدة بالبصر و ما فيها و مجموع الامكنةِ و ما يطابقها من المتحيّزات كنقطة واحدة قد طاشت في داۤئرة فكانت الاراضي السّبع ارض ٱلحيوة و ارض العادة و ارض الطبع و ارض الشّهوة و ارْض الطغيان و اَرْض الالحاد و ارض الشَّقاوة كلّها اَرْضاً واحدةً اي في الظهور و البروز ليحشر في كل ارضٍ اهلها فاذا عرفت اَنّ كلَّ ارضٍ يحشر فيها اهلها و ان كلّ سابق هو و مكانه مكان للاحِقِهٖ و ان اجسام الاخرة لم‌تبق علي حالتها في الدنيا بل اُزٖيلَتْ عنها اعراض الدنيا فكانت بانفسها حيّةً باذن اللّه تعالي فكانت بجعله تعالي رُوحانيّة .

و قوله « و للارض صورة اخري بيضاۤء نقيّة » توصف بالفضّة لبياضها و صفاۤئها و طبيعتها لانها من طبيعة الارض الاولي ارض الحيوة لان الدار الاخرة هي الحيوان و توصف بالخُبْزةِ النّقِيّة لان اهل الجمع يأكلون منها الي ان يفرغوا من الحساب فيها الخلاۤئق كلها من كل ذي روح حيوانية طبيعية اي من نوع الافلاك او نباتيّة من نوع لطاۤئف العناصر او روحٍ ظرفيّة كارواح الامكنة و الازْمنةِ اَوْ عَرضيّة كارواح الاعراض من الالوان و الحركات و السكونات و المقادير و الهيئات و الاحوال و الاقوال و ما اشبه ذلك و فيها النبيون كلهم من ذوي الارواح الكَرُوبيّة و فيها الشهداۤء كلهم من ذوي الارواح النورانية و فيها الصالحون كلهم من ذوي الارواح الجوهريّة و انما قلتُ كارواح [ص 35] الاعراض لانّ كل نوع من انواع الاشياۤء كالاعراض و الطبايع كالحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و كالحروف و الكلمات و الكلام و ما اشبه ذلك مما ذكرناه او ادخلناه في هذه المشابهة امم امثالكم في كل امّة ذكر و انثي و سعيد و شقي و مؤمن و كافر و تناكح و توالدٌ و كل ما يوجد في الامم الحيوانية الّا انّها بنسبة حالها مثلاً لو ظهر لك كلام زيد او طوله او بياضه او حرارته و ما اشبه ذلك و قعَد بجنبِ زيد لم‌تكد تفرّق بينهما الّا ان زيداً اذا تكلم حكي عن نفسه و كلامه او طُوله اذا تكلّم حكي عَنْ زيدٍ و كلامي هذا تنبيهٌ لك علي سرّ عظيم بالتلويح لان التفصيل يطول به الكلام و فيها ايضا الكتب اي تطاۤئرها و هي كتب الاعمال و المراد بكتابك جمع اعمالك بعد تفرّقها و ذلك لان الانسان اوّل ما يدخل في قبره و يشرج عليه اللبن يأتيه رُومان فتّان القبور و يضع روحه في جسده الي حقويه فيقول له اكتب اعمالك فيقول للملك مااحفظها فيقول انا اُمليْها عليك فيقول ليس عندي دواة فيقول من ريقك فيقول ليس عندي قلم فيقول اصبعك فيقول ليس عندي قرطاس فيقول قطعة من كفنِك فيكتب و رُومان يملي عليه فعلتَ كذا يوم كذا و في المكان الفلاني و يذكر له كل شيء عمله او قاله في مكانه و وقته حتي يذكره ثم يطوي تلك القطعة المكتوب فيها و يطوّقه بها في عنقه فيكون اثقل عليه من جبل اُحدٍ و هو قوله تعالي و كلّ انسان الزمناه طاۤئره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً فاذا كان يوم القيمة و كان مؤمنا اتاه كتابه الذي كتبه علي نفسه من اعماله باملاۤء الملك رُومان فتّان القبور من اَمامِهٖ فيأخذه بيمينه و ان كان كافراً اتاه من خلفه و ضرب ظهره و خرج من صدره فيأخذه بشماله ثم يقوم كتاب اللّه الناطق عليه السلام فينطق علي الخلاۤئق بعبارة واحدة تطابق كلّ كتاب املأه رومان [ص 36] بما فيه من خير او شرّ لايخالف منها حرفا واحداً و هو قوله تعالي و تري كل امّةٍ جاثية كل امّةٍ تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و هو تأويل قوله تعالي و قل اعملوا فسيري اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون فيشاهدون عليهم السلام اعمال الخلائق فهم الاشهاد يقول تعالي يوم يقوم الاشهاد قال تعالي و كذلك جعلناكم امّة وسطا لتكونوا شهداۤء علي الناس و يكون الرسول شهيداً عليكم ، هذا بيانه بكلام اللّه و سنة نبيه صلي الله عليه و اله و اما ترجمته بلغتكم فكيفيّة الكتابة انّك اذا رأيتَ زيداً يصلّي صلوة الظهر يوم الخميس في المسجد الفلاني في اليوم الخامس‌عشر من شهر رجب مثلا سنة الرابعة و الثلاثين بعد المائتين و الالف من الهجرة كل ما ذكرتَ ذلك ذكرته في ذلك الوقت في ذلك المكان بتلك الحالة فما دمتَ حيّا لاتذكره و لو بعد خمسين سنة الّا هكذا لانه لمّا صلّي كتبتِ الحفظة مثاله في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت متلبّسا بذلك العمل ابداً الي يوم القيمة و اذا رأيتَ عمراً يسرق شيئا من السوق من الدكان الفلاني يوم كذا كل ما ذكرته ذكرته كذلك لان الحفظة كتبتْ مثاله في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت متلبّسا بتلك السرقة فما دمت حيا لاتذكره الّا هكذا فاذا اتاك زيد رأيته متّصفاً بذلك العمل لابساً ذلك المثال العامل المتلبّس بذلك العمل و اذا اتاك عمروٌ رأيته متّصفا بذلك العمل لابساً لذلك المثال العامل المتلبّس بذلك العمل فان اتاك عمرو بعد ان تاب و انت عالم بتوبته لم‌تره متّصفا بذلك و لا لابساً لذلك المثال العامل المتلبس بذلك العمل و رأيت المثال غير قاۤئم بعمرو و انما هو قاۤئم بمبدئِه من لوح الباطل اعني سجّين كتاب الفجار و هو وجه الثري الذي لايعلم ما تحته الا اللّٰه عز و جل فاذا كان عمرو مؤمنا و اخلص توبته بقي ذلك المثال السارق [ص 37] الي نفخة الصور ثم يمحا ذلك المثال السارق من الالواح الصغار الواح المحو و الاثبات كنفوس الملاۤئكة الحفظة و الناس و من ذلك المكان و الزمان و من غيبَيْهِما و الّا بقي متّصِفاً به في الدنيا فاذا كان يوم القيمة لبسه و ظهر به مكشوفاً بين كل الخلاۤئق يا من اظهر الجميل و ستر القبيح جَلِّلني بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك يا كريم هذه كيفية كتابة الحفظة و ما رأيته انما تذكره لانك تقابل بمرءاة خيالك مثاله في مكانه و وقته فتراه متلبّساً بذلك العمل فتنتقش صورة ذلك بما تلبّس به من العمل او القول مع الهيئة في مرءاة خيالك و فيها الموازين و هي جمع بالنسبة الي كل شخص كما قال فمن ثقلت موازينه و قال و من خفّت موازينه و ذلك لان العمل الواحد له موازين متعددة منها ميزان القدر بانه مثلا عشرة مثاقيل او خمسة او مائة يوزن في ذي الكفتين و منها ميزان اللون كما يميّز به بين الحمرة الياقوتية و العقيقية و منها ميزان القيمة كأن تكون قيمته وَاحداً او عشرة او الفاً و منها ميزان البقاۤء بان يبقي يوما او سنة و منها ميزان التأثير مثل ان يكون تأثيره قويا او ضعيفا سريعا او بطيئا يثبت او يزول و منها ميزان الحصول مثل ان يكون وقت الجزاۤء عليه الدنيا او البرزخ او الاخرة و منها ميزان الرتبة في الدرجات بان يبلّغ ادني الجنان او اعلاها اوْ اوسطها و منها ميزان العدد بان يكون اجره الفاً او عشرة‌الاف او اكثر اوْ اقل و ما اشبه ذلك و كل واحدٍ من الموازين يوكّل الولي عليه السلام باذن اللّه علي تمييزه نوعاً من الملاۤئكة لايصلح لغيره يميّز ما وُكِّل به بهداية الولي و تعليمه عليه السلام و فيْها اي في الارض او فيْها علي الصراط الفصل بين الخلق و القضاۤء عليهم بالحقّ فينطبق الحقّ المستقيم علي المستقيم في طريقته علي طبق استقامَتِهٖ و علي المعوجّ في طريقته بطبق اعْوِجاجه و لايظلم ربّك احداً قال تعالي فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره للاسلام اي [ص 38] باهتداۤئه الي الاسلام باختياره و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيِّقا حرِجاً كأنّما يصّعّد في السماء اي يجعله كذلك باعْراضه عن الاسلام باختياره قال تعالي كذلك يجعل اللّه الرجس علي الذين لايؤمنون اي بتركهم الايمان باختيارهم و ميلهم الي الضلالة باختيارهم فوهب لاهل طاعته القوّة علي طاعته بحقيقة ما هم اهله و وهب لاهل المعصية القوّة علي معصيته لسبق علمه فيهم و منعِهِم اِطٰاقةَ القبولِ منْه و معني سبق علمه فيهم انه تعالي اشرف علي ما فعلوا حين فعلوا في مكان فعلهم و وقته قبل ان يكونوا في انفسهم و قبل ان يقع منهم فعْل عند انفسهم و عند جميع الخلق لانه تعالي ليس معه استقبال و لا انتظار لشيء اذ لم‌يفقد شيئا لذاته و ازله شيئا ممّا سواه من ملكه كلّ شيء من الاشياۤء في مكان حدوده و وقت وجوده حاضر عنده قبل ان يكون ذلك الشيء عند نفسه و عند جميع الخلق و هذا صراط ربّك مستقيماً و ذلك الفَصْل و القضاۤء المشار اليه بقوله تعالي ان ربّي علي صراطٍ مستقيم هو المعبّر عنه بقوله تعالي و اشرقت الارض بنور ربّها اي بما اظهر فيها مربّيها و القاۤئم بالقسطِ فيها باذنِ اللّٰهِ عزّ و جلّ من العَدْل القويم و الصراط المستقيم و وضع الكتاب النّاطق بالحقّ علي ٱلخلق و جيۤئ بالنبيّين و الشهداۤء عطف عام علي خاۤص فالشهداۤء هم النبيون و الملاۤئكة و اتباع النبيين و السّنون و الشهور و الايام و الليالي و بقاۤء الارض و قضي بين الخلق بالقَضاۤء الحقّ الذي هو اثارُ ولايةِ ولي اللّه عليه السلام و هم لايظلمون اذ لم‌يحكم الّا باعمالهم التي عملوها باختيارهم و هم يعلمون .

قال : قاعدة في ان الصراط حقّ ، ورد في الحديث و قد رواه المفضل ابن عمر عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال الصراط هو الطريق الي معرفة اللّه عز و جل و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة اما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي [ص 39] هو جسر علي جهنم في الاخرة و من لم‌يعرفه في الدّنيا زلّت قدمه عن الصّراط في الاخرة فتردّي في نار جهنّم و روي الحلبي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الصراط المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام و ايضا عنه عليه السلام في قول اللّه عز و جل اهدنا الصراط المستقيم قال هو اميرالمؤمنين عليه السلام و معرفته و في رواية اخري عن واحدٍ منهم عليهم السلام الصراط المستقيم صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فاما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقامَ فلم‌يعدل الي شيء من الباطل و الطريق الاخر طريق المؤمنين الي الجنّة و هو مستقيم لايعدلون عن الجنة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنّة و عنهم عليهم السلام نحن ابواب الله و نحن الصراط المستقيم .

اقول الصراط لغةً الطريق و قول الصادق عليه السلام الصراط هو الطريق الي معرفة اللّه عز و جل لبيان الطريق الكامل المؤدّي الي اللّهِ و لهذا فسّرَهُ بمعرفة اللّٰهِ الّتي تكمل بتوحيدِ ٱللّٰهِ و توحيده تعالي في اربع مراتب الاولي توحيد ذاتِه عن التَّعدُّدِ و التركيب و اخْتلاف الاحوال قال تعالي و قال اللّه لاتتخذوا الهين اثنين انما هو الٰه واحد ، الثانية توحيد صفاته قال تعالي ليس كمثله شيء ، الثّالثة توحيد افعاله لان الفاعل الحقيقي هو الذي يحدث ماۤدةَ مفعوله لا من شيءٍ و ليس للّه سبحانه شريك في ذلك اذ لايحدث شيئاً من المواۤدّ غيره قال تعالي هذا خلق الله فاروني مٰاذا خلق الذين من دونه ، الرابعة توحيد عبادته قال تعالي فمن كان يرجو لقاۤءَ ربّه فليعمل عملاً صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احداً ، و هما صراطانِ صراط في الدنيا و صراط في الاخرة امّا الصراط في الدنيا فيطلق علي معاني احدها القيام باوامر الله تعالي و اجتناب نواهيه علي حدّ ما امر به علي السنة اولياۤئه عليهم السلام و ذلك فروعهم و اتّباعهم و التسليم لهم و الرد اليهم و التفويض اليهم في كل شيء مما علمتَ و ممّا لم‌تعلم و هذه ظاهرُ [ص 40] وَلايتهم عليهم السلام و ثانيها محبّتهم و التولّي بهم و الموالاة لوليهم و التبرئ من اعداۤئهم و مخالفتهم و المجانبة لهم و لاتباعهم و هذه اركان ولايتهم عليهم السلام و ثالثها الاعتقاد لما اعتقدوا له و الايمان بما امنوا به و الكفر بما كفروا به و هذه ابواب ولايتهم و رابعها الامام المفترض الطاعة صلوات الله عليه من عرفه في الدنيا باسمه و صفته و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي هو جسر جهنم يمرّون عليه الخلاۤئق صعودهم اليه الف سنة و حُذَال الف سنة و نزولهم الف سنة و يأتي بعض اوصافه و من لم‌يعرف الامام عليه السلام في نحو ما ذكر زلّت قدمه عن الصراط في الاخرة فتردّي في نار جهنّم لانه جسر للجنّة علي جهنّم تمر الخلاۤئق علي قدر اعمالهم لانه صورة اعمالهم لما كلّفوا به من القيام بامر الله و الانتهاۤء من معاصي اللّه و الاعتقاد لما اُرٖيد منهم فمنهم من يمرّ عليه كالبرق الخاطف و منهم من يمرّ عليه كالجواد السابق و منهم من هو كالماشي و منهم من يحبو حَبْواً و منهم مَن تأخذ النار بعضه و منهم من يمرّ عليه حتي يصل الي مكانه من جهنّم فيسقط فيه و ذلك كما قال تعالي و لكل درجات مما عملوا ، و قوله و روي الحلبي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الصراط المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام يريد به ذكر معني من الصراط في الباطن و المراد من كونه عليه السلام الصراط المستقيم انه عليه السلام هو و رسول الله صلي الله عليه و اله علّة الاشياۤء الماديّة و الصورة بل و الفاعلية و الغاۤئيّة امّا انهما صلي الله عليهما و الهما العلة الفاعلية فلان الله سبحانه خلقهما و القي في هويّتهما مثاله فاظهر عنهما افعاله فهو تعالي فاعل بهما كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في ذكر العالم العلوي من المدبرات امرا فان تلك الملاۤئكة قال عليه السلام في بيان معرفتهم و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله ه‍ ، و ذلك كما القت النار في هويّة الحديدة المحميّة بها مثالها اي اثر فعلهٰا فظهر بها اثر الاحراق كما [ص 41] يظهر بالنار و ذلك المثال هو امره الفعْلي المسمي بالمشية و الارادة و الابداع فهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ان شئتَ قلتَ فهو تعالي بهم يفعل ما يشاۤء لانّ فعله متقوّم بهما تقوّم ظهور و هما تقوّما بفعله تقوّم تحقّق فٰاية فعله تعالي بهما اي تقوّم فعله بهما و تقومهما بفعله كالقاۤئم و الضارب بالنسبة الي زيد و لله المثل الاعلي فان القاۤئم و الضارب اسما فاعل القيام و فاعل الضرب و ليسا اسماً لذات زيدٍ و لايحملانِ علي ذات زيدٍ الّا مجازاً و المجاز هو الصراط فهما باللهِ العلة الفاعلية لانهما محلّا فعله الحاملانِ له و امّا انهما العلّة المادّية و العلّة الصوريّة فلان الله سبحانه خلق من شعاع نور محمد صلّي اللّه عليه و اله انوار جميع الانبياۤء عليهم السلام و حقاۤئقهم و ذلك جميع مواۤدّهم عليهم السلام و خلق من اشعّة انوار الانبياۤء عليهم السلام جميع المؤمنين اي مواۤدّهم و خلق من اشعة انوار المؤمنين مواۤد الملاۤئكة و هكذا الي رتبة الجماد فشعاع نوره صلي الله عليه و اله هو العلة المادّية لجميع الخلق و هو النور الذي عناه الصادق عليه السلام في قوله ان الله خلق المؤمنين من نوره و امّا العلة الصوريّة فلان الله سبحانه خلق من هيئة اعمال عليّ عليه السلام و قابليته صور جميع الانبياۤء عليهم السلام و خلق من هيئة صور الانبياۤء عليهم السلام صور المؤمنين و هكذا الي الجمادات الطيبة العذبة كما خلق من هيئة صورة المقابل و هيئة حركته الصورة في المرءاة و حركتها و كما خلق من هيئة حركة يد الكاتب هيئة الكتابة بحركة يده و امّا صور الكفار و المنافقين و اتباعهم من الحيوانات و النباتات و الجمادات فقد خلق اللّه عز و جل من عكوسات هيئات اعمال علي عليه السلام و عكوسات قابلياته صور الكافرين و المنافقين و خلق من هيئات صورهم صور اتباعهم الي الجمادات المرّة و ٱلسَّبخة و المالحة و قد قال صلي اللّه عليه و اله انا و علي اَبَوا هذه الامّة و اذا فسّرنا هذه الاُبوّة علي تفسير التأويل [ص 42] قلنا الاب هو الماۤدة كما ذكرناه في ساۤئر كتبنا مبرهناً عليه عقلا و نقلا خصوصا في الفواۤئد و شرحها و الامّ هي الصورة لا كما ذكره الحكماۤء بل كما ذكره ائمة الهدي عليهم السلام كما في قول الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امّه الرحمة ، ه‍ .

و قوله من نوره ، هو الماۤدة لان الماۤدة هي تدخل عليها لفظة من كما تقول عملت السرير من خشب و صُغْتُ الخاتم من فضة فما دخلت عليه من فهو الماۤدة فدلّ علي ان الماۤدة هي الاب فشبّه الشعاع المشتق من اشراق نوره صلي الله عليه و اله بالاب و الهيئة المشتقة من هيئة اعمال علي عليه السلام و قابلياته التي هي الرحمة المكتوبة الخاۤصة بالمؤمنين بالامّ لان مواۤدّ جميع الخلق من شعاع نور محمد صلي الله عليه و اله و صور جميع الخلق من شعاع هيئة اعمال عليّ عليه السلام اوْ عَكْسِها .

و امّا العلّة الغائيّة فهم عليهم السلام العلّة الغاۤئيّة لانّ اللّٰهَ خلَق الخلق لاجلهم كما قال علي عليه السلام نحن صناۤئعُ اللّهِ و الخلق بعد صنائع لنا ه‍ ، ايْ صنعهم اللّٰهُ لَنا و في الانجيل خلقتك لاجلي و خلقتُ الاَشْياۤء لاجلك ه‍ ، فاِذَا عرفتَ انّ اميرالمؤمنين عليه السلام علة لجميع الخلق في ايجاد اكوانهم و اَعْيانِهمْ فهو طريقُ اللّه تعالي الَي خلقه و ترجُمَان امداداته و مؤدّيها اليهم و معطي كل ذي حقٍّ حقّه باذْنِ اللّهِ تعالي و هو عليه السلام الحامل لاعباۤء ولايَة اللّه التي جعلها لنبيّه محمد صلي اللّه عليه و اله علي جميع خلقه و ذلك في جميع ذرّاتِ ما يُنَاط بالخلاۤئق كلهم من احوال اركان التكوينات الاربع التي دار عليْها الوجود الامكاني الخلق و الرزق و الممات و الحيوة و هو طريق اللّه الي خلقه في حدوده التكليفيّة و التكونيّة و عن الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل اهدنا الصراط المستقيم قال هو اميرالمؤمنين عليه السلام و معرفته [ص 43] و المراد بمعرفته التي تكون هي الصراط المستقيم الذي يكون احدّ من السيف و ادقّ من الشعرة هي معرفته بالنورانية كما رواه سلمن و ابوذرّ عنه عليه السلام في تعليمه لهما المشتمل علي الاسرار يجمعها قول الصادق عليه السلام اجعلوا لنا ربّاً نؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا فقال له الساۤئل نقول ما شئنا قال عليه السلام و ما عسي اَنْ تقولوا واللّهِ ماخرج اليكم من علمنا الّا الف غير معطوفة ه‍ ، و انما قيّد بالمستقيم تنبيهاً علي انّ غيره ايضاً سُبُلٌ و لكنها غير مستقيمةٍ بل تهجُم بسالكها علي كلّ ما يكرهه اللّه و امّا هذا عليه السلام فانّ الله تبارك و تعالي خلقه في احسن تقويمٍ و صوره علي صورة مشيّته و محبّته بحيث لَوْ تُرِكَ وَ ميل نفسه بفطرته و شهوة بنيتِهٖ لم‌يفعل الّا ما يريد اللّه تعالي لانه هو و اهل بيته الطاهرين عليهم السلام علّاهم اللّٰهُ تعالي بتَعْلِيَةِ محمدٍ حبيبه و رسوله صلي الله عليه و اله و سَما بِهم الي رتبته و هو صلّي الله عليه و اله قد خلقه اللّه علي فطرةٍ لايحتمل الامكان فطرة لبَشرٍ اعدل من الفطرة التي فطره عليها فلذا قال و انّك لعلي خلقٍ عظيمٍ و لاجل انّ اللّه عز و جل سما به الي رتبة المستقيم الذي ليس في الامكان استقامة تزيد علي استقامته او تساويها سمّاه بعليٍ و وصفه بالصراط المستقيم و قوله و في رواية اخري عن واحد منهم عليهم السلام في تفسير الاميرزا القمي (ره) قال حدثنا محمد بن القاسم الاسترابادي المفسّر قال حدثني يوسف بن محمد بن زياد و علي بن محمد بن سيّار عن ابويهما عن الحسن ابن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب عليهم السلام في قوله اهدنا الصراط المستقيم قال اَدِمْ لنا توفيقَك الذي به اطعناك فيما مضي من ايامنا حتي نطيعَك كذلك في مستقبَلِ اعمارنا و الصراط المستقيم هو صراطانِ صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فامّا الطريق المستقيم [ص 44] في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ و ارتفع عن التقصير و استقام فلم‌يعدل الي شيء من الباطل و الطريق الاخر طريق المؤمنين الي الجنّة الذي هو مستقيم لايعدلون عن الجنة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنّة ه‍ ، و المروي عنه هو الحسن العسكري عليه و علي ابائه و ابنه السلام في تفسيره و فسّر اهدنا بالمعني لا باللغة فقال اَدِمْ لنا توفيقك و فيه تنبيه علي ان العمل الباقي هو ما دام عليه المكلف او انّ الهداية انما تكون ملكة و طبيعة بالدّوام اوْ انّ الاعتبار في الاعمال بما يكون خاتمة لها كما يشير اليه قوله تعالي و جاۤءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنتَ منه تحيد و الصراط صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فامّا الطريق المستقيم اعني الصراط فانه لغة و شرعا و عرفا هو الطريق و هو في الدنيا ما قصر عن الغلوّ و الافراط و ارتفع عن التقصير و التفريط و استقام لتوسطه بين الطرفين فلم‌يعدل بالسالك فيه الي شيء من الباطل لان الباطل لايكون شيء منه مستقيما بل اما افراط و ارتفاع و اما تفريطٌ و انْحِطاط و معني استقامته انطباقه علي ما يحب الله بامتثال اوامره كما امر و اجتناب نواهيه كما نهي و الطريق الاخر يعني الصراط الذي في الاخرة طريق المؤمنين الي الجنّة الذي هو مستقيم يعني بغير ارتفاعٍ و لا تقصير لايعدلون يعني السالكين له عن الجنّة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنة و قوله عليه السلام و لا الي غير النار سوي الجنة لايريد به ان هناك شيئا ليس بنارٍ و لا جنّة ليحترز بهذا عنه بل المراد بيان ما هو الواقع اذ ليس شيء في الاخرة لاحد من المكلفين الا الجنّة او النار كما قال صلي اللّه عليه و اله ليس وراۤء دنياكم هذه بمستعتبٍ و لا دار الّا جنّة اَوْ نار ه‍ ، و عنهم عليهم السلام نحن ابواب اللّه و نحن الصراط المستقيم امّا انّهم عليهم السلام ابواب اللّه فانه تعالي حيث كان لايدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار اختار محمداً و اله صلي الله عليه و اله من [ص 45] جميع خلقه و انهي اليهم علم ما خلق بعد اَنْ اشهدهم خلق جميع ما خلق و اقدرهم علي ما اراد منهم ثم جعلهم اولياۤء علي ساۤئر خلقه اقامهم بيوتاً و خزاۤئن لاسرار العبودية و اقامهم ابواباً له تعالي في تلك الخزاۤئن في اداۤء ما جعَل لخلقه كما جعلت النار في السراج الشعلة المرئيّة التي هي دخان من الزيت الذي كلّسَتْه و نعّمته فاستضاۤءَ بفعلِها فيه باباً لجميع اشعة السراج في احداثها و امدادِها بما به هي و بما به بقاۤؤها و للاَبْواب باعتبارٍ اربعُ مراتبَ بل خمس مراتب الاولي مرتبة الامثال العليا و هي المقامات باعتبارِ نسبة الافعال اليه تعالي بمعني انّ اللّٰه تعالي فاعل لافعاله بهم و باعتبارِ اَنّهم فاعلون باذن اللّه و امره لايكونون ظاهراً ابواباً الثانية مرتبة المشيّة الحاۤلّةِ فيهم فهم ابواب ظهور اٰثارِها بهذا الاعتبار الثالثة مرتبة الامر المفعولي اعني النور المحمدي صلي الله عليه و اله و هذه مرتبة المعاني فهم باعتبار انّ الوجودات الحادثة تشرق من شعاعهم ابواب لاشراقها و في المراتب الثلاثة الغالب فيها اطلاق غير الابواب ففي الاولي الاطلاق الغالب عليها الامثال العليا و المقامات و العلامات و في الثانية الاطلاق الغالب عليها المشية و الارادة و الاختراع و الابداع و الامر الفعلي و في الثالثة الاطْلاق الغالب عليها المعاني اي معاني الافعال و الامر المفعولي الرابعة مرتبة الابواب و هي مرتبة عقل الكل و القلم قال له الله سبحانه و تعالي ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل الخامسة ايْضاً مرتبة الباب و هي مرتبة نفس الكل و اللوح المحفوظ قال عليه السلام ظهرت الموجودات من باۤء بسم اللّهِ الرحمن الرّحيم و باعتبارٍ اخر الابواب اربعة الاوّل ركن العرش الايمن الاعلي و هو باب الرزق الثاني ركن العرش الايمن الاسفل و هو باب الحيوة الثالث ركن العرش الايسر الاعلي و هو باب الموت الرابع ركن العرش الايسر الاسفل و هو باب الخلق و امّا انهم الصراط المستقيم فكما [ص 46] مرّ عليك بعض معانيه .

قال : و هذه الاحاديث المروية عن ساداتِنا عليهم السلام متوافقة المعاني و البواطن يحتاج شرحها الي بسطٍ في الكلام مَن اراد الاطّلاع عليه فليرجع الي تفسيرِنا لفاتحةِ الكتاب و الاشارة اليه انّ للنّفس الانسانية من مبدء حدوثها الي منتهي عمرها الدنيوي انتقالات نفسانيّة و حركات جوهريّة لاجلها في نشأة ذاتيّة فكل نفسٍ صراطٌ الي الاخرة بوجهٍ كما انها سالكة ايضا بوجهٍ فالمتحرك و المسافة شيء واحد بالذّات متغاير بالاعتبار فالنفوس صِرَاطاتٌ الي العاقبة بعضها مستقيمة و بعضها منحرفةٌ و بعضها منكوسة و المستقيمة بعضها واصلة و بعضها واقفة او معطّلة و الواصلة بعضها سريعة و بعضها بَطيۤئة و اتمّ الصِّراطات المستقيمة نفس اميرالمؤمنين عليه السلام ثم نفوس اولاده المقدّسين عليهم السلام .

اقول انّ هذه الاحاديث و غيرها من اَحَاديثهم عليهم السّلام كلّها متوافقة في المعاني و البواطن و لكن بيانها يحتاج في تعريفه و في فهمِه الي اِمْدَادٍ منهم عليهم السلام .

و قوله « يحتاج شرحها الي بسطٍ في الكلام » صحيح .

و قوله « من ارٰادَ الاطِّلاعَ عليه فليرجع الي تفسيرنا لفاتحة الكتاب » يريد به تفسير معني الصراط علي تفسير التأويل كما ذكره في قوله و الاشارة اليه و انا اقول مَن اراد الاطلاع علي معني الصراط بتفسير الباطن الذي هو معني كونهم (ع) الصراط المستقيم و كون ولايتهم عليهم السلام الصراط المستقيم فليرجع الي شرحنا علي الزيارة الجامعة الكبيرة فانه قد حوي ما لايحويه كتاب و لايجري عليه خطاب فاني قد ذكرت فيه من اسرار معرفتهم ما هو من المكتوم المستور عن اولي الالباب و شاهدي العيان لمن كان له عينانِ .

[ص 47] و قوله « و الاشارة اليه انّ للنفسِ الانسانيّة » يعني بها الناطقة القدسيّة فينا و فيهم عليهم السلام الملكيّة الالهيّة المعبر عنها باللوح المحفوظ و ليست هي النباتية و لا الحيوانيّة الحسّيّة الفلكية و لا البَرْزخيّة و ليست هي التي من عرفها عرف ربّه لا فينا وَ لا فيهم عليهم السلام لان التي من عرفها عرف ربّه هي وجوده من الله تعالي المعبّر عنها بالنور التي خلق منها و بالفؤاد و بحجاب الجلال من مبدئ حدوثها الي منتهي عمرها الدنيوي انتقالات نفسانيّة يعني انّها بكونها و نفس وجودها تتنقّل الي جهة مَبْدئِها بحركاتٍ جوهريّة و هي تَنقّل نفس الشيء بكنهه من غير موجب من خارج و نحن قد ابطلنا فيما سبق هذه الحركة بان يكون جوهر الشيء منتقلا عن رتبةٍ الي اخري بنفس ذلك الجوهر من غير داع موجب للانتقال غير نفس الجوهر و اثبتناها بالموجب الخارجي المتجدّد مثل ما لو كان في موضع من الارض جزء من الزيبق الصافي اتصل به جزءان من الكبريت الصافي و امتزجا فانهما لايزالانِ في موضعهما كما هما من غير تغيير و لا انتقالٍ فاذا اتّصلت حرارة الشمس بهما مع الرطوبة الطبيعيّة و استمر ذلك من غير عروض يبس لقلّة التبريد و الترطيب و بالعكس فانهما ينعقدان ذهبا فينتقلان بالمعين الخارجي من مدد الشمس و القمر علي نِسْبة الجزئَيْن فالنَّفْسُ تنتقل صاعدة بمدد اعمالها الصالحة و نازِلةً بمددِ اعمالها الطّالحة فَاثبات الحركة الجوهريّة صحيح بهذا المعني و هو انّ الجوهر يترقّي بالمدَدِ وَ يتحرّك بالمحرِّكِ في نشأة ذاتية لان انتقالها بالحركة الجوهريّة من نشأةٍ ذاتيّة الي نشأةٍ ذاتيّة و لكن المصنّف يذهب الي انّ النفس تترقّي بحركتها الي اَن تكون عقلاً و نحن نمنعُ ذلك لانّ النّفس ماۤدّتها التأييدات العقلية و هي اشراقات من العقل مَحلّها من العَقْل محلّ الاشراق من ٱلشمس فكما لايكونُ الاشراق بترقّيه مشرقا وَ لَا النّور منيراً كذلك لاتكونُ ٱلنَّفْسُ بِترَقّٖيها عقلاً [ص 48] و المصنف يثبت التعقل و ادراك المعقولات و ينفي وجود العقل فلا بُدَّ له من ان يحكم علي النفس بالوصول الي هذه فمراده انّها تكون عقلا انّها تعقل الاشياۤء لا انّها تنقلِبُ عقلاً عنده لانه لايثبت العقل و نحن نقول النّفس تدرك الصُّور و امّا المعاني فلا اذ لايدركها الا العقل و الحاصل ان النفس اذا ثَبتَ لها الحركة الجوهريّة ترقَّتْ بحركتها سواۤء قيل بنفسها كما يقول ام بموجبٍ خارجيّ مُحرِّكٍ كما نقول و لاتزال صاعدة في سيرها الي جهة مبدئِها بلا نهاية لكنها لاتتّصل بمبدئها ابداً و انّما تسير في المراتب النفسانيّة فسيرُها في نفسها صراطها فكل نفس صراط الي الٰاخرة بوجهٍ اي من حيث هي ساۤئرة فيْه فالمتحرّك و المسافة شيء واحد بالذات متغاير بالاعتبار لان السالك ساۤئر بتنقّلِ نفسه في اطوارها و ان كان السالك من حيث هو سالك غير مسافة سلوكه في الاعتبار فالنفوس صراطات الي عواقبها و لكنها بحسب تحريك محرّكها فان كانت الاعمال المحركة صالحةً كانَتْ باعمالها صراطات مستقيمة لان اعمالها كانت مستقيمة لكونها مطابقةً لامر اللّهِ و نهيه اللّذينِ هما مستقيمانِ لمطابقتهما لفعل الله و سير النفوس انما هو بتلك الاعمال و ان كان سيرها في انفسها و بعضها منحرفة لان اعمالها منحرفة لكونها غير مطابقةٍ لامر اللّه و نهيه و بعضها منكوسة ناكسوا رؤسهم عند ربّهم لان اعمالها منكوسة لكونها علي عَكسِ ما امر الله و نَهي فكانت اعمالها التي هي المحركة لها اظلّة معاكسة لاوامر الله و نواهيه و الظل منتكس من الشاخص القاۤئم و تلك المنكوسة تحرّك العاملين علي مقتضي اوضاعها فتحركت النفوس العاملة بحركة اعمالها فكانَتْ صراطاتها منكوسة لان جاعلها تعالي كذلك انّما جعلها بقَوابلها و قوله « و المستقيمة بعضها واصلة و بعضها واقفة او معطّلة » ليس بصَحيح لان المستقيمة لاتَقِفُ الّا اذا طرء عليها الاعوجاج كما لو صعدت بعمل صالح [ص 49] درجة و انحطّت بعمل طالحٍ درجةً و صعدت بصالحٍ درجة و انحطّت بطالحٍ درجة و هكذا فانها بتردُّدِها بين الصعود و النزول ينسب اليها الوقف لعدم تجاوزها رتبتها الاولي في الجملة كما كانت بنوااسراۤئيل في التيه لبثوا اربعين سنةً في ستّة فراسخ يسيرون من الصباح الي المساۤء فاذا هم بحيث ارتحلوا عنه فلايتحقّق الوقف و لا التعطيل في شيء من الممكنات الّا بمثل تيه بني‌اسراۤئيل و نحوه و امّا الوصول فيكون للساۤئِرٖينَ الي اللّه تعالي في الطريق الذي امرهم بسلوكه و حال هؤلاۤء في سيرهم في كل رتبة واصلون و غير واصلين بمعني ما في حديث الاسرار حيث يقول تعالي في شأنهم في دار قربه الجنّة كلّما وضعتُ لهم علما رَفعْتُ لهم حلماً و ليس لمحبّتي غاية و لا نهاية ه‍ ، و عدم الوصول للمحجوبين عن ربهم فانهم لايزدادون بسيرهم الّا بُعداً عن اللّه تعالي بمعني انهم صاۤئرون الي الله تعالي حيث يكره كما ان الواصلين صاۤئرون الي الله تعالي حيث يحبّ و النفوس الواصلة الي اللّه عز و جل اعني الصاۤئرات اليه حيث يحبّ منها سَرِيعات السير الي الله تعالي لانهم تخفّفوا و اجتمعت قلوبهم و تجمّعت شؤنهم علي رضي الله تعالي فقربوا الي الله عز و جل من غير ان تقصر المسافة بينهم و بينه تعالي و السابقون السابقون اولۤئك المقرّبون الذين بسط لهم بساط القرب في سفح رضوانه ان المتقين في جناتٍ و نهر في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدرٍ و منها بطيۤئات السّير لثِقَلِهم بشَواۤئب من احوال الخلق فرّقت قلوبهم و بها تفرّقت شؤنهم فقعدَتْ بهم تصادم الدواعي فابطأوا في سيرهم .

و قوله « و اتمّ الصراطات نفس اميرالمؤمنين عليه السلام ثم نفوس اولاده المقدّسين عليهم السلام » يحتمل وجوهاً حيث لم‌يذكر نفسَ النبي صلي اللّه عليه و اله مع انّها اتم من نفوس آلِهٖ عليهم السلام الاول انّه ورد ان الصراط [ص 50] المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام و اهل بيته عليهم السلام فاستطرد عند ذكره و وصفه بالصراط المستقيم تفسير الصراط المطلق المشتمل علي المستقيم و غيره و بيّن ان نفسه و نفوس اولاده المعصومين عليهم السلام اتمّ الصراطات المذكورة لان المذكور هُنَا هو و اولاده عليهم السلام و النبي صلّي اللّه عليه و اله لم‌يذكر في الموصوفين بالصراط المستقيم و ان كان فسّر مطلق الصراط لان الموجب لذكر المطلق هو ذكره بالصّراط المستقيم و لعلّ المصنف لم‌يرد غير هذا الوجه الثاني انّه عليه السلام هو المشتهر بالولاية و النّبي صلي الله عليه و اله اشتهر بالنبوة و الولاية فسّرت بالصراط المستقيم دون النبوة الثالث انّ نفس النّبي صلّي اللّٰه عليه و اله هي الغاية التي الصراطات كلّها تؤدّي اليها لما دلّت عليه الادلّة النقلية و ٱلعقليّة علي ان كلّ شيء فمردّه و مصيره الي اللّه تعالي و قد دلّت الادلّة عقلا و نقلاً علي انّ الردّ الي الله و الرجوع و المصير اليه هو الرد و الرجوع و المصير الي رسوله صلّي اللّه عليه و اله في الدنيا و الاخرة لان الحوادث لاتنتهي الّا الي مثلها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطّلب الي شَكْله و قوله عليه السلام في شَأْن النّبي صلَّي اللّٰهُ عليه و اله في خطبته يوم الجمعة و الغدير قال اقامَهُ في سَاۤئر عالَمِهٖ مقامَهُ في الاداۤء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحْويه خواطر الافكار ه‍ ، و اذا قطعنا النظر عن كلام المصنف و عن مراده فلك ان تعتبر الوجه الثالث لانه هو الجاري علي تفسير باطن الباطن و بيان السّر المقنّع بالسّر و لك ان تفسّر الصراطات المطلقة مطلقا يعني الشاملة لكلّ احَدٍ فان قلتَ اكملها تعيّنَتْ نفس النبي صلي اللّه عليه و اله و ان قلتَ اتمّها فكما قال المصنف و لك ان تستعمل اتمّ بصيغة التفضيل المطلق فتقول اتمّها نفس النبي صلي اللّه عليه و اله و تلك الاتميّة الحقيقيّة و ان اردت الاتميّة الاضافية فكما قال المصنّف [ص 51] و قد اشرنا ان تفسير المصنف للصّراط من تفسير التأويل و اذا فسّرناه بتفسير الباطن فصورته الاعمال الشرعيّة و مادته بل حقيقته الوجودات التكليفيّة اذ بها تترقّي الذوات لانها هي لُبُّها و بيانه في المثال ان الشخص اذا قام بحدود اللّه و فعل ما امره اللّه فذلك صورة صراطه الي الجنّة فاذا فعل ذلك و استقام عليه كتب الله في قلبه الايمان و ايّده بروح منه يسدّده و يرشده الي طريق النجاة و يعينه علي ما يرضي و يحبّب له ما عند اللّه فيكون بذلك راضيا بما يرد عليه من اللّه فيكون مرضيا عند اللّه فتشابه نفسه اواۤئل جواهر عللها فهذا مادة صراطه و حقيقته فهذه هي سفينته التي توصله الي القرب من اللّه و تحرّك نفسه و ذاته الحركة الجوهريّة الذاتية لانها هي ارواح نفسه و تساقيه الكونية كما هو مذكور في مرءاة الحكماۤء يشاهد عيانا هناك بان هذه الارواح الشرعيّة هي تساقيه التي لاتبلغ الكمال بدونها و هي تبلّغ الحجر الرخيص درجة الياقوت الاحمر البَهْرمَاني العديم النظير و الي ما اشرنا اليه اشار الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام بقوله بالعقل يُستخرج غَور الحكمة و بالحِكمةِ يُستخرَجُ غَور العقل ه‍ ، فان النفس تعمل الاعمال و الاعمال ترفعها الي غاية الكمال و تقرّبها من ذي الجلال .