( نقل في هذه النسخة بعض الحواشي لمولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني (اع) علي هذا الكتاب المستطاب )

* * * * *

[ص 1]

شرح العرشية الجزء الثالث

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بِسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد و اله الطّاهرين .

و بعد قال العبد المسكين احمد ابن زين‌الدّين الأحسائي هذا الجزؤ الثالث من شرح العرشية لصدرالدّين الشيرازي الشهير بملا صدرا .

قال : قاعدة في النّفختين ، قال اللّه تعالي و نفخ في الصور فصعق من في السّموات الأية ، و اعلم ان النفخة نفختان نفخة تطفئ النار و نفخة تشعلها و الصور بسكون الواو و قرء بفتحها ايضاً جمع الصّورة و لما سئل النبي صلي الله عليه و اله عن الصور ما هو فقال هو قرن من نور التقمه اسرافيل فوصف بالسّعة و الضّيق و اختلف في ان اعلاه اوسع و اسفله اضيق او بالعكس و لكلّ منهما وجه فاذا تهيأت الصور كانت فتيلة استعدادها كالفحم للاشتعال بالنار الّتي كمنت فيها فتبرز بالنّفخ و الصور البرزخيّة مشتعلة بالارواح الّتي فيها فينفخ اسرافيل نفخة واحدة فتمرّ بها فتطفئها و تمرّ النفخة الّتي يليها و هي الثانية علي تلك الصور المستعدة لأرواحها كالسّراج للاشتعال بل الاستينار فاذا هم قيام ينظرون و اشرقت الأرض بنور ربّها فتقوم تلك الصور احياءً ناطقة فمن ناطق الحمد لله الذي احيانا بعد ما اماتنا و اليه النشور و من ناطق يقول من بعثنا من مرقدنا هذا و كل ينطق بحسب عمله و حاله .

اقول قوله « و اعلم انّ النفخة نفختان نفخة تطفي النار و نفخة تشعلها » في [ص 3] الجملة و علي الظاهر صحيح و اما علي التحقيق فهو كلام من لايتصور ذلك فان النفختين مختلفان في الانبعاث و ذلك لان نفخة الصعق نفخة جذب بان يجذب النفس بفتح الفاء الي الجوف و اسرافيل عليه السلام ينفخ في نفخة الصّعق و هي النفخة الاولي نفخة جذب فتنجذب الأرواح الي الصور و تدخل كل روح في ثقبتها و تتفكّك اركانها و تبطل تركيبها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الأعرابي في وصف النفس الحيوانية و نفخة الفزع و البعث نفخة دفع بان يدفع النفس من الجوف الي الفضاۤء فاذا نفخ اسرافيل عليه السلام نفخة الدفع و هي النفخة الثانية فتمر الحقيقة الاولي التي هي حقيقة العبد من ربه و هي النور و الفؤاد و الوجود الذي هو المادة علي العقل في خزانته و هو نايم تحت ظل الشجرة البيضاء فيتعلق بها ثم علي النفس و هي نائمة تحت ظل الشجرة الخضراۤءِ فتتعلق بها ثم علي الطبيعة و هي نائمة تحت قبة الياقوت فتتعلق بها ثمّ علي الهباۤء الجَوهري و هو نائم في هواۤء الجعل فيتعلق بها ثمّ علي الصّورة في الاظلة الشبحيّة فتتعلق بها فتنزل بما تعلّق بها الي طينة الشخص المستديرة في قبره و هي مادة جسده الذي كان في الدنيا المصوّرة بمقتضي صور اعماله فتلبسها ثمّ ينشق التّراب من قبره فاذا هم قيام ينْظرون و اقول و يحتمل ان يكون مراد من قالَ في تمثيله ان النفخة نفختانِ نفخة تُطفِئ النّار و نفخة تشعلها هو ما ذكرنا و ان كان بعيداً لان قوْله تطفِئ النار و قوله فينفخ اسرافيل نفخة واحدة فتمرّ عليها فَتُطفِئُها يشعر بفناۤءِ الارواح و ليس كذلك و انما الاجساد و الارواح باقية نعم هي متفكِّكة الاعضاۤء و الاجزاۤء بين النفختين مدة اربعمائة سنة و فيها تبطل حركتها و تركيبها فاذا نفخ الثانية تركبت و حييت .

و قوله « و الصور بسكون الواو و قُرئ بفتحها ايضاً جمع الصورة » فالمراد [ص 4] بالصور بسكون الواو قلب الانسان الكبير و هو المنفوخ به لان النفخة تقع اوّلاً فيه و لذا قيل نفخ في الصور و تخرج منه علي الارواح و بفتح الواو جمع الصّورة و هو المنفوخ فيه اَوْ لَهُ و لمّا سُئِل النبي صلي الله عليه و اله عن الصور ما هو فقال هو قرن من نور التقمه اسرافيل (ع) و لمّا قام الدليل كما مرّ عن الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هُناك لايكون الّا بما هيهنا ه‍ ، و كذا عن اباۤئه عليهم السلام و ثبتَ ان الصور بسكون الواو قلب الانسان الكبير دلّ علي اَنَّ هيئته كهيئة قلب الانسان الصغير لانّه في كلّ شيءٍ مثله فيكون هيئة الصور كالجسم الصنوبري الذي في صدر الانسان هكذا قال فوصف بالسعة و الضيق نعم كما مثّلنا .

و قوله « و اختلف في ان اعلاه اوسع و اسفله اضيق او بالعكس و لكل منهما وجه » و اقول اما ذكر مجرّد الاعلي و الاسفل فله وجه بالاعتبار و بعد ارادة الاعلي مثلا بالمختوم كما تري فهو اوسع باطنا و اضيق ظاهراً لانّه اخر القلب و خزانته و امّا الشعبتان فهما الاُذُنَانِ اي اُذُنا القلب اليمني الي جهة اهل السموات و اهل الحجب و اليسري الي جهة اهل الارض و يبتدئ خروج الصوت في نفخة الجذب من الايسر الذي يلي الارضَ لانّه في النّفخة الاولي قبل الدنيا في نفخة البدءِ كان من العليا قبل السفلي لان نفخة الجذب في العَود فتكون بعكس الترتيب في ذلك فافهم و كذلك في النفخة الثانية نفخة البعث الابتداۤء بالعليا قبل السّفلي لانها و ان كانت من العَود الّا انّها بالنسبة الي نفخة الصعق كالبَدْءِ .

و قوله « فاذا تهيّأت الصُّوَرُ كانت فتيلة استعدادِها كالفحم للاشتعال بالنار الّتي كمنت فيها » يريد به انّ الصور التي هي المعادة مستعدّة للحيوة كاستعداد السنبلة للحبّة الكامنة فيها و كاستعداد الفحم للاشتعال بما كمن فيه من ٱلنّار عند النفخ عليها فان النار المشتعلة في الفحم اذا مرّ بها النفخ طفأها و اذا كان [ص 5] في الفحم نار غير مشتعلة فمرّ بها النفخ اشتعل و من التمثيل يستفاد انّه يري ان الرّوح كامنة في الصورة و يدلّ عليه قوله و الصور البرزخيّة مشتعلة بالارواح الّتي فيها فيلزمه ان جعل الصورة في قبره ان تكون امّا انها قاۤئمة بماۤدّة اوْ لا فان كانت قاۤئمة بماۤدة فامّا ان تكون هي ماۤدتها في الدنيا كما نقوله و يلزمه خلاف قوله او غيرها و يلزمه خلاف ما دلّ عليه الكتاب و السنّة و ان كانت قاۤئمة بغير ماۤدّة خلاف المعقول لانّ الصورة عرض لايقوم بدون معروضٍ و ان كانت ليست في قبره فامّا ان تكون قاۤئمة بروحها كما هو ظاهر قوله التي كمنت فيها و قوله و الصور البرزخية مشتَعِلة بالارواح التي فيها و يلزمه خلوّ الارض منهم اصلاً و هو خلاف الكتاب و السنة او بغير روحها و هو خلاف المعقول فلايصح شيء من قوله اذ لايخرج عن هذه الاحتمالات فان قلتَ فاذا ابطلتَ جميع الشقوق فما قولك الذي تصحّحه في كيفيّة الاحياۤء قلت ما رواه علي بن ابرٰهيم في تفسيره عن علي بن الحسين عليهما السلام قال سئل ساۤئل عن النفختين كم بينهما قال ما شاۤء اللّه فقيل له فاخبرني يا ابن رسول الله (ص) كيف ينفخ فيه فقال امّا النفخة الاولي فان الله يأمر اسرافيل فيهبط الي الارض و معه الصور و للصور رأس واحد و طرفان بين طرف كل رأسٍ منهما ما بين السماۤء و الارض قال فاذا رأت الملاۤئكة اسرافيل و قد هبط الي الارض و معه الصور قالوا قد اذن الله في موت اهل الارض و في موت اهل السماۤء قال فيهبط اسرافيل بحظيرة بيت‌المقدس و هو مستقبل الكعبة فاذا رأوه اهل الارض قالوا قد اذن اللّه في موت اهل الارض قال فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الارض فلايبقي في الارض ذو رُوحٍ الّا صعق و مات و يخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماۤء فلايبقي ذو رُوحٍ في السموات الّا صعق و مات الّا اسرافيل فيمكث في ذلك ما شاۤء اللّه قال فيقول الله [ص 6] لاسرافيْل يا اسرافيْل مُت فيموت اسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاۤء الله ثم يأمر السموات فتمور و يأمر الجبال فتسير و هو قوله يوم تمور السماۤء موراً و تسير الجبال سيراً يعني تبسط و تبدّل الارض غير الارض يعني بارض لم‌تكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها اوّل مرّة و يعيد عرشه علي الماۤء كما كان اول مرّة مستقلّا بعظمته و قدرته قال فعند ذلك ينادي الجبّار بصوتٍ من قبله جَهْوري يسمع اقطار السموات و الارضين لمن الملك اليوم فلايجيبه مجيبٌ فعند ذلك يقول الجبّار عز و جل مجيباً لنفسه لله الواحد القهّار و انا قهرتُ الخلاۤئق كلهم و اَمتّهم اني انا الله لا اله الا انا وحدي لا شريك لي و لا وزير و انا خلقتُ الخلق بيدي و انا امتّهم بمشيّتي و انا احييهم بقدرتي قال فينفخ الجبار نفخة اخري في الصور فيخرج الصوت من احد الطرفين الذي يلي السموات فلايبقي في السموات احد الّا حيِيَ و قام كما كان و تعود حملة العرش و يحضر الجنّة و النار و يحشر الخلاۤئق للحساب قال الراوي فرأيت علي بن الحسين عليهما السلام يبكي عند ذلك بكاۤء شديداً و عن الصادق عليه السلام اذا اراد اللّه ان يبعث الخلق امطر السماۤء علي الارض اربعين صباحاً فاجتمعت الاوصال و نبتت اللحوم و قال (ع) اتي جبرئل عليه السلام رسول الله صلي اللهُ عليه و اله فاخذ بيده فاخرجه الي البقيع فانتهي به الي قبر فصوّت بصاحبه فقال قم باذن اللّه فخرج منه رجل ابيض الرأس و اللحية يمسح التراب عن رأسه و هو يقول الحمد للّه و الله اكبر فقال جبرئل عُد باذنِ اللهِ ثم انتهي به الي قبر آخر فقال قم باذن اللّه فخرج منه رجل مسودّ الوجه و هو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرءيل عد الي ما كنتَ فيه باذن الله عز و جل فقال يا محمد هكذا يحشرون يوم القيمة فالمؤمنون يقولون هذا القول و هؤلاۤء يقولون ما تري ه‍ ، اقول هكذا كيفيّة الاحياۤء [ص 7] و كيفية الاماتة قبل ذلك و بيان ما اقول انه اذا اراد الله اِماتة الخلق امر اسرافيل فنفخ في الصور نفخة الصعق نفخة جذبٍ و انما قال علي بن الحسين عليهما السلام فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الارض لان النفس المجذوب لايحسّ بصوته الّا ما كان خارج القرن فيموت اهل الارض اوّلاً لانهم اخر مَن اُحيي في البدءِ و ذلك في مدة مثل ما اُحْيُوا و مثله باعتبار حياتهم في الدنيا و البرزخ ثم يخرج الصوت بالنفخ كالاوّل من الشعبة اليمني فيموت اهل السماۤء الدنيا في مثل ما مضي و ضعفه و هكذا جميع اهل السموات علي الترتيب ثم ملاۤئكة الحجب و بتلك النفخة نفخة الجذب يرجع كل شيء الي اصله فتبطل المركّبات فتمور السماۤء موراً اي تضطرب يعني يذهب منها ما اخذ لها من غيرها من اعراض الدنيا و البرزخ و يرجع اليها ما اخذ منها لساۤئر الحيوانات من النفوس و الاجزاۤء فحينئذ تشتدّ بساطتها فتكون وردة كالدِّهان و تسير الجبال سيراً و تبسط الارض و تبدّل الارض غير الارض كما قلنا في قوله تعالي بدّلناهم جلوداً غيرها و ذلك لانّ الارض خلقت صافية شفّافة فتكثّفت بذنوب بني آدم فاذا صفّيت و لحقت الذنوب و اعراضها باهلها عادت علي صفاۤئها كما خلقت اول مرّة و ليس كما توهمه المصنّف انّ الارض المعادة غير هذه الارض و انما تعاد صورتها و هو غلط و خطأ و لهذا قال علي بن الحسين عليهما السلام يعني بارض لم‌يكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها اول مرّة فان قوله عليه السلام كما دحاها اوّل مرّة صريح في ان المعاد هو هذه الارض لانها هي المدحوّة اوّل مرّة و اما قوله عليه السلام لم‌يكتسب عليها الذنوب فيريد بها هذه الكثافة كما قلنا في بدّلناهم جلوداً غيرها و قوله عليه السلام و يعيد عرشه علي الماۤء كما كان اوّل مرّة يريد انه تعالي اذَا ابطل الاشياۤء و فكّكها لم‌يبطل دينه و ذكره [ص 8] و يكون القاۤئم به حينئذٍ الماۤء الذي جعل منه كل شيء حيّ اعني وجهه الذي لايفني كل من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك ذو الجلال و الاكرام و هو محمد و اهل بيته الطاهرون صلي الله عليه و اله فانهم هم الذين عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون هكذا قال جعفر بن محمد عليهما السلام و روي عنهم عليهم السلام انهم هم القاۤئلون بامر اللّه لمن الملك اليوم و انّهم هم المجيبون بقوله للّهِ الواحد القهار و اعلم انّه اذا نفخ في الصور نفخة الصعق انجذبت كل روحٍ الي ثقبتها كما اشرنا اليه و في الثقبة ست مخازن و منها اخذت اركان الروح فاوّل مخزن تلقي فيه صورتها المثالية و شبحها و في الثاني حصتها الهبائيّة و هي كالحصة المأخوذة من الخشب لعمل السرير قبل تقديره و في الثالث طبيعتها و في الرابع صورتها الجوهرية و في الخامس رقيقتها الروحية و في السادس معناها العقلي فاذا نفخ نفخة الاحياۤء و النشور تركبت كما تفكّكت فاذا اراد الله سبحانه النشور امطر ماۤء من صاد و هو بحر من ماۤء تحت العرش راۤئحته كراۤئحة المني و هو ابرد من الثلج و احلي من الشهد و هو الذي توضأ منه رسول الله صلي الله عليه و اله ليلة المعراج فقال له جبرئل ادنُ من صاد فتوضّأ للصلوة امطر علي الارض اربعين صباحاً فيكون وجه الارض بحرا واحداً فتضربه الريح فيتموّج فتجتمع اجزاۤء كل شخصٍ في قبره علي هيئة صورته التي يحشر عليها فتنبت اللحوم كلّ في قبره كما تنبت الكُماة في الارض فاذا نفخ اسْرافيل بامر الله نفخة الاحياۤء تطايرت الارواح و قصدت كل روحٍ جسدَها في قبره فتدخل في الجسد الذي تألّف بعد تصفيته من الاعراض الغريبة فتتّحِدُ به اتّحادَ اشتياقٍ و وفاقٍ فلاتنفكّ عنه ابداً للاتحاد المذكور بعد ازالة الموانع الغريبة و برهانه مذكور في العلم الطبيعي المكتوم [ص 9] و قوله « فتقوم تلك الصور » مبني علي مذهبه من انّ المعاد انّما هو الصور و امّا المواۤدّ فانها تفني و نحن نقول فتقوم تلك الاجساد التي كانت في الدنيا لابسةً صور اعمالها احياۤءً لِعَوْد ارواحِها اليها التي خرجت منها في دار الدنيا لان هذه الاجساد عاملة مع ارواحها فهي المعادة للثواب و العقاب .

قال : قاعدة في القيامتين الصغري و الكبري ، اما الاولي فمعلومة لقوله صلي الله عليه و اله من مات فقد قامت قيامته و امّا الكبري فلها ميعاد عند الله لايطّلع عليها الّا هو و الراسخون في العلم و كل ما في القيمة الكبري له نظير في السفلي و مفتاح العلم بيوم القيمة و معاد الخلاۤئق هو معرفة النفس و قواها و منازلها و معارجها و الموت كالولادة و القيامتان الصغري و الكبري كالولادتين الصغري و هي الخروج من بطن الام و مضيق الرحم الي فضاۤء الدنْيا و الكبري هي الخروج من بطن الدنيا و مضيق البدن الي فضاۤء الاخرة ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة .

اقول القيامة قيامتان صغري و كبري اما الكبري فهي المعلومة التي تعاد فيها الاَشْياۤء الموجودة في ٱلدّنيا بعد تفرّق اجزاۤئها و اما الصغري فالمسمّاة بالقيمة باعتبار التَّأْويل او المجاز مَنْ امات نفسه كما امره الله فقد قامت قيامته و مارت سماوات حواۤسه الباطنة و سيّرت جبال انّيّاته و شهواته و قامَ قاۤئم عقله حتَّي ملأ ارضَ جسده قسطاً و عدلاً كما مُلِئت جورا و ظلماً و من مات في هذه الدّنيا و خرجت روحه من جسده فقد قامت قيامته كما قال صلي اللّه عليه و اله و عرف ما هو عليه من خير او شرّ و هو قوله تعالي و جاۤءَتْ سكرة الموت بٱلحقّ اي بما ختم له به من اعماله و هذا المعني يتّجه حمله في طاۤئفتين من الناسِ الاُولي مَن محَض الايمان محضاً فانّ ملك الموت يقول له امّا ما كنتَ تحذرُهُ فقد آمَنكَ اللهُ منه و امّا ما كنتَ ترجوه فقد ادركته ابشر بالسلف [ص 10] الصالح مرافقة رسول الله و علي و فاطمة صلوات الله عليهم و الثانية من محض الكفر و النفاق محضاً فيقول له ملك الموت يا عبد اللّه اخذتَ فكاك رهانك اخذتَ اَمان براۤءتك تمسّكتَ بالعصمة الكبري في الحيوة الدنيا فيقول لا فيقول ابشر يا عدوّ اللّه بسخط الله تعالي و عذابه و النار اما ما كنتَ تحذر فقد نزل بك و امّا الطاۤئفة الثالثة فهم الذين لم‌يمحضوا الايمان من المؤمنين و لا الكفر و النفاق من الكافرين و المنافقين و هؤلاۤء لم‌يأتهم الموت بما هم عليه لانّهم لم‌يتبيّن الهدي من الضلالة فهؤلاۤء يُلهَي عنهم فهم موقوفون لامر اللّهِ فيكون قوله صلّي اللّه عليه و اله محمولا علي اهل البرزخ و هم الطاۤئفتان الاوليان و للقيمة الصغري اطلاق من حيث المعني و يراد بها قيام القاۤئم (ع) من ال‌محمد صلي الله عليه و اله او رجعتهم عليهم السلام الّتي اوّلُها خروج الحسين عليه السلام او مطلق ظهور دولتهم التي اوّلها ظهور قاۤئمهم عليه و عليهم السلام و آخِرُها خروج رسول اللّهِ صلّي اللّه عليه و اله و مما يدلّ علي ذلك حشر كثير من الاموات و من الايات كثير مثل قوله فارتقب يوم تأتي السماۤء بدخان مبين يغشي الناس هذا عذاب اليم انه عند قيام القاۤئم عليه السلام عجّل الله فرجه و سهل مخرجه و اية القيمة الكبري بعد هذه الايات قوله يوم نبطش البطشة الكبري انا منتقمون و القرءان فيه كثير و ممّا يدلّ ما روي عن الصادق عليه السلام قال ما معناه ان الّذي يحاسب الناس في الرجعة هو الحسين بن علي عليهما السلام فقيل له و يوم القيمة قال انما في يوم القيمة بَعْثٌ الي الجنّة و بعث الي النار و الحاصل ان اطلاق القيمة علي الرجعة هو المعروف من مذهب اهل البيت عليهم السلام و هو اولي من اطلاقها علي من امات نفسه اوْ مات بخروج روحه من جسده .

و قوله « و اما القِيٰمةُ الكبري فلها ميعاد عند الله لايطّلع عليها الّا هو و الرّاسخون [ص 11] في العلم » فاما انه تعالي مطّلع علي وقت قيامها فمما لا شكّ فيه و امّا الراسخون في العلم فالامور المحتومة يعلمونها و التوقيت بالتّعيين لتلك المعلومة المحتومة موقوف علي التّعيين و تعيين القيامة الكبري فيها خلاف فقيل بعدمه لقوله تعالي و ما يدريك لعلّ الساعة تكون قريبا و قد نصّ كثير من المفسّرين بانّ ما في القرءان من و ما ادريٰك فقد اخبر به و ما فيه و ما يدريك فانّه لم‌يُخْبر به و لقوله تعالي يسئلونك عن الساعة ايّان مرسيها فيم انت مِن ذكريٰها انما انت منذرُ من يخشيها و قوله تعالي قل انما علمها عند ربّي لايجلّيها لوقتها الّا هو ثقلت في السموات و الارض لاتأتيكم الّا بغتة و امثال ذلك و قيل باطِّلاعهم عليهم السلام لعموم الاخبار الدّاۤلّة علي ان اللّه تعالي اعلمهم بما كان و ما يكون و الّذي يترجّح عندي الاوّل بمعني انّ الادلّة علي الاِخبار بها ليست صريحة في التوقيت علي جهة التعيين و لو وجد فيها ما يدلّ علي ذلك لم‌يكن علي جهة الحتم و كون الاعلام بالتوقيت علي جهة الحتم فيما لم‌يقع بعيدٌ نادر الوقوع بل كان حالُ المُعَلَّمين به يقتضي عدمَ الحتمِ فيْما لم‌يقع كما دلّت عليه الاخبار مثل قول علي عليه السلام لميثم التمّار لولا اية في كتاب اللّه و هو قوله يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هو السّرّ في اخبار العلماۤء الراسخين الذين اخبرهم سبحانه انهم ملاقوه غداً اخبر عنهم انهم يظنون انهم ملاقوا ربّهِم مع انهم يتيقّنون و لكنهم تأدّبوا لعلمهم بربّهم انه تعالي لو شاۤء لحجبهم عنه فقال الذين يظنون فاتي بلفظ الظنّ جمعاً بين صدق وعده و مقتضي تسلّطه فانه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب .

و قوله « و كلّ ما في الكبري له نظِير في السفلي ( الصغري ن ) » ظاهر لان ما في الصّغري كالبذر لما في الكبري اذ ليس في الصغري الّا ما نزل من الخزاۤئن و كلّ شيء يعود الي اصله و ممّا يدل علي ذلك قول الباقر عليه السلام لمّا سأله [ص 12] عالم النصاري فقال من اين ادّعيتم ان اهل الجنّة يطعمون و يشربون و لايحدثون و لايبولون و ما الدليل فيما تدعونه من شاهدٍ لايجهل قال جعفر عليه السلام فقال ابي عليه السلام دليلُ ما ندّعي من شاهدٍ لايجهل الجنين في بطن امّه يطعم و لايحدث ه‍ ، فقد اشار بكلامه الي انّ ما هنالك فنظيره و مثاله و دليله هنا حتّي انهم قالوا انّ دليل ان نهر الخير في الجنّة ينبت علي حافتَيْهِ اَشجار يحملن بنِساۤء متعلقاتٍ بشعور رؤسهنَّ اَنّ نظير ذلك موجود في جزيرة الوَقواق كما هو متحقّق عند اهل التواريخ و من شاهد ذلك من التّجار و قال عليه السلام الدنيا مزرعة الاخرة ، و قول الرضا عليه السلام المتقدّم .

و قوله « و مفتاح العلم بيوم القيمة و معاد الخلاۤئق هو معرفة النفس و قواها و منازلها » يريد به ان معرفة يوم القيمة و كيفيّة المعاد هو معرفة النفس الخ ، صحيح علي غير مراده لان معرفة النفس لاتكون عِلْما صحيحا الّا اذا كانت مأخوذة عن الهادين عليهم السلام و لو كانَتْ عَلَي نحوِ معرفته للنفس للزم منها انكار المعاد الجسماني كما هو المتيقّن من كلامه لانه يقول بعدم اعادة مواۤد اجسام الخلاۤئق و انما تعاد صورها و نفوسها و هذا عنده من معرفة النفس فايّ دلالة تدلّ بها معرفة النفس علي هذا و هو يشير الي ما قرّر من الاصول السبعة و القواعد التي ذكرها و قد تقدّم الكلام علي بطلان كلّها .

و قوله « و الموت كالولادة ، الخ » هذا من معرفة النفس عنده التي يستدلّ بها علي معرفة يوم القيمة و المعاد و اعلم ان الموت في الدنيا و ان كان دليلا علي نمط ما يستدلّ به الهداة عليهم السلام الّا انه لايهتدي اليه كل ناظر بعين غيرهم عليهم السلام لان الموت في الدنيا في قوس الصعود و هو قوس القيامة و المعاد و القاعدة عندهم ان يستدل بما في قوس النزول علي مقابله مما في قوس الصعود نعم علي نمط استدلال موالينا عليهم السلام الولادة ( كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ) ولادتان ولادة الجسمانية و ولادة الدنيوية فالاولي [ص 13] تظهر فيها النفس الحيوانية من غيب النباتيّة و الثانية تظهر فيها الناطقة من غيب الحيوانيّة فالولادة الاولي فيها تخرج النفس من الجسم و هي اية الموت من هذه الدنيا التي تخرج فيها النفس من الجسم و الولادة الثانية فيها تخرج النفس الناطقة من النفس الحيوانية و هي اية خروج النفس الناطقة من النفس البرزخية و سكرة النفس الحيوانية حال الولادة الجسمانية كسكرة الموت حال خروج النفس من البدن بالموت في الدنيا و سكرة النفس الناطقة حال الولادة الدنيوية و خروجها من النفس الحيوانية كسكرة النفس الناطقة من النفس البرزخيّة بين النفختين و صحو النفس الحيوانية و انتباهتها بعد الولادة الجسمانية كصحو النفس الناطقة و انتباهتها بعد الموت في هذه الدنيا و خروجها من البدن و من الدنيا و صحو النفس الناطقة و انتباهتها بعد الولادة الدنيوية كصحوها و انتباهتها بعد الخروج من البرزخيّة بعد النفختين فهنا وِلادتان للدنيا و ولادتانِ للٰاخرة فما في الدنيا مثال ما في الاخرة و دليله فالخروج من الولادة الجسمانية بتخلّص النفس الحيوانية من مضيق الاجسام و ممازجتها اٰية الخروج من الدنيا بتخلص النفس الناطقة من مضيق الدنيا و سجنها و مضيق الابدان الكثيفة و تعلّقها و الخروج من الولادة الدنيوية بتخلّص الناطقة من مضيق الحيوانيّة و تعلّقها بكثافات شهواتها و دواعيها آية الخروج من البرزخيّة بتخلّصها من جميع الاعراض الغريبة .

و قوله « ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة » يشير الي الاستدلال بالاية الشريفة علي قاعدة مقرّرة لايختلف فيها العارفون و هي ان الصانع عز و جل واحد و الصنع واحد و المصنوع واحد بنمطٍ واحد و انما تتعددت المصنوعات و اختلفت و تعاقبت بحيث تقدّم بعضها علي بَعْضٍ و تفاضلت باختلافِ قوابلها و متمّماتها كالكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و كالوضع [ص 14] و الاذن و الاجل و الكتاب و كالنسب و التّضايف و غير ذلك من اشتراط كلّ واحدٍ منها بكل واحدٍ منها و هذا ظاهر مشاهد عند اهل العلم ليس فيه بينهم اختلاف .

قال : فمن اراد ان يعرف معني القيمة الكبري و رجوع الكل اليه تعالي و عروج الملاۤئكة و الروح اليه في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنةٍ و ظهور الحقّ بالوحدة التّامّة و فناۤء الجميع حتي الافلاك و الاملاك كما قال فصعق من في السموات و من في الارض الّا من شاۤء الله و هم الّذين سبقَتْ لهم القيمة الكبري فليتأمّل الاصول التي بسطناها في الكتب و الرساۤئل سيّما ما في رسالة الحدوث و مَن امكن له ان يعرف كيفيّة حدوث العالم بجميع اجزاۤئه بعد ما لم‌يكن بعديّةً زمانيّةً من غير ان ينقدح به شيء من الاصول العقليّة و لا ان ينثلم به تنزيه الله و صفاته الحقيقيّة عن وصمة التغيّر و التّكثر فقد امكن له اَن يعرف خراب العالم و ما فيه و زواله و اضمحلاله بالكليّة و رجوعها اليه من انكر هذا فلانّه لم‌يصل الي هذا المقام و لم‌يذق هذا المشرب بذوق العيان او بوسيلة البرهان او لانه مغرور بعقله الناقص او لضعف ايمانه بما جاۤء به الانبياۤء عليهم السلام .

اقول يريد ان الله سبحانه كان وحده ثم انه افاض من ذاته الاشياۤء فيكون قبل القيمة وحده بمعني انّه قد تقرّر انّ كلّ شيء يرجع الي اصله و هو تعالي اصل الاشياۤءِ فترجع اليه فكما كانت وحدته في الازل قد طوت كل كثرةٍ كذلك بعد نفخ الصور النفخة الاولي بل بعد الموت في كثير من الاشياۤء تفني كثرتها في وحدته تعالي و ذلك عند عروج الملاۤئكة و الروح اليه في يومٍ كان مقداره خمسين‌الف سنة و مرادهُ ان الملائكة تعرج اليه و الروح فتفني تشخّصاتها في وحدته و كأنه يريد بقوله في يوم كانَ مقداره خمسين‌الف سنة فلعلّه يعني بذلك بين النفختين و ما قبلها لان ما بيْن النفختين عندهم [ص 15] اربعون سنة و عندنا اربعمائة سنة بقرينة قوله و ظهور الحق بالوحدة التاۤمّة و فناۤء الخلق حتي الافلاك و الاملاك ثم استشهد بالاية فقال « كما قال فصعق من في السموات و من في الارض الّا من شاۤء اللّه » فذكر يوم الفناۤء و الاتحاد بربّ العباد سبحانه بانّه اليوم الّذي كان مقدارهُ خمسين‌الف سنة فخالف ظاهرَ القرءان و باطنه و تأويلهُ لانّ الله سبحانه يخاطب الارض بعد فناۤء الخلق بما معناه يَا اَرْضُ اَيْنَ ساكنُوكِ اين المتكبِّرون اَيْنَ من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه فيقول للّه الواحد القهار فَاَيْن الوحدة التّاۤمّة و السّماۤء الذي يمور غير الجبال التي تسير و غير الارض التي خاطَبها بعد فناۤء كل ذي روح اذ ليس المراد بالفناۤء و الهلاك العدم الحقيقي او اتّحاد المفعولات بفاعلها كما يريده المصنّف من قوله « و رجوعها اليه » و انّما المراد بالفناۤء و الهلاك تفكّك تراكيبها و بطلان افعالها و حركاتها و المراد برجوعها اليه رجوع احكامها و ما يناط بها وَ تناط به الي حكم قَدَرِهٖ و قضاۤئِهٖ بامرِه .

و قوله « و هم الذين سبقت لهم القيمة الكبري » يعني به انّ الذين استثناهم اللّه من الذين صعقوا ممّن في الارض و الارض الارواح القادسة و هو يريد بالغير الصاعق من كان متّحداً بالحق تعالي فانه باق ببقاۤءِ اللّه لا بابقاۤئه لانه تعالي ح لايفيض شيئا و يلزمه ما ذكرناه مراراً مكرّرا من وجود شيء قاۤئم بغير مددٍ من اللّه فهو غنيّ عن مدده تعالي و انه تعالي مختلف الحالات لانه في هذه الحالة ما كان فيّاضاً و قبلها كانَ فيّاضاً و نريد نحن بالمُسْتَثْنَيْنَ ظاهراً جبريل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل فانهم لايصعقون بالنفخة و انما يأمر اللّه عزراۤئيل فيقبض روح ميكاۤئيل و اسرافيل و في جبرءيل روايتانِ احديهما ان عزراۤئيل يقبض روحه و ثانيتهما انّ الله تعالي يقبض روحه و يقول تعالي لعزراۤئيل مُت فيموت فكان استثناۤؤهم انما هو في الظاهر و امّا [ص 16] المستثنون الَّذٖينَ لَمْ‌يَصْعَقُوا ابداً و انّما نفخة الصعق في الحقيقةِ من آيٰاتهم و هم محمد و اله الطيبون صلّي الله عليه و اله الطيبين لانهم وجه اللّه الباقي فعن السجاد عليه السلام في قوله كل من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك نحن وجه اللّه الذي يؤتي و في المناقب عن الصادق عليه السلام و يبقي وجه ربّك قال نحن وجه اللّه و قد ذكرنا في شرح الزيارة الجامع ما يدلّ علي انّهم وجه اللّه الذي لايفني و منه قول علي عليه السلام انّ ميتنا اذا مات لم‌يمُتْ و انّ مقتولَنا اذا قُتِل لم‌يُقْتَلْ ه‍ ، و اضربُ لك مثلاً تعرف منه دليلاً قطعيّاً و هو اني اقول لك نفخة الصور حادثة مخلوقة للّهِ بل الصور و النافخ فيه كذلك فايّما اقرب الي اللّه تعالي و اقوي و اشدّ تحقّقاً و وجوداً محمد و اله صلي الله عليه و اله او نفخة الصّور فان عرفتَ هذا ظهر لك علي جهة القطع ان النفخة لاتجري علي ذواتهم لانهم عليهم السلام اشدّ و اقوي وجوداً من النفخة و من النّافخ و من كلّ شيءٍ لانهم الوساۤئط بين اللّه تعالي و بين ساۤئر خلقه الذي من جملته النفخة و النافخ و الموت و ملك الموت و اسمع الي قولِ علي عليه السلام في خطبته في يوم اتّفق فيه الجمعة و الغدير علي ما رواه الشيخ في مصباح المتهجّد في خطبة يوم الغدير الي ان قال علي عليه السلام و اشهد انّ محمّدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التَّماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه اٰمِراً و ناهياً عنه اقامَهُ في ساۤئِر عالمِهٖ في الاداۤءِ مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثِّلُه غوامض الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار قرن الاعتراف بنبوّته بالاعترافِ بلاهوتيّته و اختصّه من تكرمته بما لم‌يلحقه احدٌ من بريّتِهٖ فهو اهل ذلك بخاۤصّته و خلّتِهٖ اذ لايختصّ من يَشوبُه التغيير و لايُخالِلُ مَن يلحقه التظنينُ و امَر [ص 17] بالصلوة عليه مزيداً في تكرمته و تطريقاً ( و طريقاً خ‌ل ) للداعي الي اجابته فصلّي اللّه عليه و كرّم و شرّفَ و عظّم مزيداً لايلحقه التنفيد و لاينقطع علي التأبيد و ان الله تعالي اختصّ لنفسهٖ من بعد نبيه صلي الله عليه و اله من بريّته خاۤصّة عَلّاهم بتعليته و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاۤء بالحقِّ اليه و الادلّاۤء بالارشاد عليه لقرنٍ قرنٍ و زمَنٍ زمَنٍ انشأهم في القِدَم قبل كلِّ شيءٍ مذروۤءٍ و مبروۤءٍ انواراً انطقها بتحميده و الهمها شكره و تمجيده و جعلها الحجج علي كل معترفٍ له بمَلكَةِ الربوبيّة و سلطان العبوديّة و استنطق بها الخرسات بانواع اللغات بخوعاً له بانه فاطر الارضين و السموات و اشهدهم خلق خلقهِ و ولّاهم ما شاۤء من امره و جعلهم تراجمة مشيّته و اَلْسُنَ ارادته عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون الخطبة ، و المراد بالقدم في حقّه و في حقّ آله صلّي اللّه عليه و اله القدم الراجح الامكاني اي القدم الفعلي السرمدي لا القدم الواجب الحق عز و جلّ فتدبّر هذه الخطبة الشريفة و تفهّم كلامه عليه السلام ليَظْهر لك انّه و اله صلّي الله عليه و اله لايدركهم ما انحطّ عن مقامهم كالموت و القتل و الصعق و ان جرَتْ علي ظواهرهم التي بها ظهروا في الخلق فافهم ما لوّحْتُ لك و صرّحتُ .

و قوله « فليتأمل الاصول التي بسطناها في الكتبِ و الرساۤئل » يعني بها مثل ما قدّم من الاصول السبعة و غيرها و قد سمعتَ ما يرد عليها و ما لم‌تسمع و انّما ايٰاتُ ذلك ما ضربه اللّه من الامثال في الافاق و في الانفس و ذلك مثل قوله تعالي و انزلنا من السّماۤء ماۤء مباركا فانبتنا به جناتٍ و حبّ الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد و احْيَيْنا به بلدةً ميْتاً كذلك الخروج و قوله تعالي فاحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور و معلوم انّ الّذي [ص 18] ينبت بالمطر انما هو بذر النبات الذي كان في العام الماضي بعد اَنْ يَبِسَ وقع بذره في التراب فلمّا وقع عليه المطر خرج ذلك النبات من ذلك البذر الّذي هو الماۤدة و الصورة ذهبت و صوّره القادر تعالي علي تلك الصّورة و ليس المُعَاد هو الصورة بل المُعاد هو ● و قد صرّح تعالي بذلك حيث قال منكروا البعث ائذا كنّا تراباً ذلك رجع بعيد يعنون ان الارض قد اكلت جميع لحومنا و عظامنا فكيف نرجع فبيّن عز و جل انّ ما اكلت الارض محفوظ عندنا فقال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتابٌ حفيظ و هو صريح في ان المُعَاد هو الماۤدة و القرءان مشحون من ذلك افلايتدبرون القرءان ام علي قلوب اقفالها الم‌يعلموا انّ منكر وقوع الاعادة للمادة الموجودة في الدنيا منكر للبعث تارك لنصّ المعيد سبحانه و اِخباره في كتابه و لسنّة نبيه صلي الله عليه و اله و تابع لاصحاب الاراۤء السخيفة التجاۤءً الي انّها قد فَنِيَتْ و كانت تراباً و حجّة اللّه جعفر بن محمد عليهما السلام قد نصّ علي انّ طينته تبقي في قبره مستديرة حتي يعادَ [ص 19] منها كما بدأهُ و انّها كبُرادَةِ الذهب في التراب اذا غسلت و صُفِّيت عاد الذهب الاوّل بعينه و الله عز و جل يقول في كتابه المهجور و انّ الله يبعث من في القبور فليت شعري هل يريدون بمن في القبور الصُّوَر و ايّ صورةٍ بقيت في القبور و لكنهم بنوا علومهم و اعتقاداتهم علي عدم الالتفات الي الكتاب و السنة و انما علومهم مبنية علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيهم و في امثالهم ذهب مَن ذهب الي غيرنا الي عيونٍ كدرة يفرغ بعضها في بعضٍ ه‍ ، و الله سبحانه ماترك شيئا الّا دل عليه في كتابه و كيفيّة حدوث العالم هي بعينها كيفيّة حدوث الناس ،

اتحسب انّك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر

و هو تعالي قال يا ايها الناس ان كنتم في ريبٍ من البعث فانا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ مخلّقةٍ و غير مخلّقةٍ لِنبيّن لكم و قال تعالي كما بدأكم تعودون و ذلك لان الطينة الاصليّة الّتي هي الماۤدة كانت ترابا فامتزجتْ بالماۤء النازل من بحر صاد كما ذكرنا و انّ راۤئحته راۤئحة المني فتتكوّن منهما النطفة ثم العلقة الي اخر اطواره حتّي تضع الارض حملها ممّا فيها من الاموات و لهذا فسّر كثير من المفسرين انّ قوله تعالي و تضع كلّ ذاتِ حملٍ حملها يراد من ذات حملٍ الارض او بقاع الارض فانّ الاَرْضَ عند النفخة تلقي ما فيها من الاموات المقبورة فيها و هو قوله تعالي و اذا الارض مدّت و اَلْقَتْ ما فيها و تخلّت .

و قوله « بعد ما لم‌يكن بعديّة زمانيّة » و هذا غير صحيح لان اجزاۤء العالم لم‌تكن كلها زمانيّة اذِ العقول و النفوس ليست زمانية لانها لو كانت زمانية لمااستحضرَتْ ما مضي من الزمان كما انّ الاجسام لاتستحْضر شيئا من الزمان الماضي و المصنف صرّح في الكتاب الكبير انّ الزمان [ص 20] ماسبقه الّا اللّه تعالي و صرّح في المشاعر و غيره ان روح القدس لم‌تدخل تحت كن لانها هي كن فنقول له اذا لم‌تدخل تحت كن فهي قديمة و مع هذا لاينكر ان اوّل ما خلق اللّه العقل و العقل ان ارادَ به روح القدس فهو مخلوق و ان اراد به الروح الكلّيّة فهي مخلوقة هذا و قد ذكر في شرح اصول الكافي انّ العقل بل ساۤئر المجردات خلقها من نور ذاته بغير توسط شيء بل يفهم من كلامه ايضا بغير اختيار لانه قال و لكن ايجاده تعالي للثابتات بنفس ذاته بلا وسط و للمتغيّرات بواسطة العرش الذي هو واسطة فيض الرحمن و البرزخ بين عالمي الامر و الخلق .

ثم قال بعد كلام طويل فنقول : جميع ما يصدر منه في الاشياۤء الخارجة لا بد ان يكون منشأها و مبدؤها حاصلاً اوّلاً في العرش قبل صدورها و وجودها لان الله تعالي فاعل لها بالارادة و الاختيار و كل فاعلٍ لشيء بالاختيار لا بدّ و ان يتصوّره اوّلاً و لاجل تصوّره اياه يشاۤؤه و يريده انتهي ، و هو طويل هذا بعضه ففهم من قوله في الاشياۤء الخارجة التي احدثها بواسطة انه تعالي فاعل لها بالارادة و الاختيار ان الاشياۤء الغير الخارجة التي احدثها بذاته من غير توسّط شيء انه فاعل لها بغير ارادة و لا اختيار لانها مخلوقة من نور ذاته قال في الشرح المذكور بعد ما ذكرنا عنه من نوره اي خلق العقل خلقاً من نور ذاته الذي هو عين ذاته الي ان قال فان الروحانيين كلهم مخلوقة من نور ذاته .

و قال في المشاعر : ان الارواح القادسة ليست من العالم و لا ممّا سوي الله تعالي ، و هذا كله يدلّ علي ان المجردات عنده كلها ليست من العالم و لا ممّا سوي اللّه تعالي فاذا قال ان العالم كله في الزمان و انّ الزمان لم‌يسبقه شيء الّا اللّه تعالي لم‌يضرّه كون هذه الاشياۤء خارجة عن الزمان لانها [ص 21] ليست غير اللّه عنده تعالي اللّه عن قوله علوا كبيرا فيكون اعتراضنا علي كلامه ليس عنده في محلّه لانها ليست من العالم .

و قوله « من غير ان ينقدح به شيء من الاصول العقلية » يعني بها ما تقدّم و نحن قد بيّنّا بطلانها كلها و اثبتنا القدح فيها لكنه عنده لايقدح فيها قدحنا عيباً لبناۤء مذهبه علي وحدة الوجود و علي انّ الجوهر يترقّي بنفسه و علي ان الكثرة نقوش و الذات واحدة و امثال ذلك منْ قواعده فاذا قلتَ هو تعالي كلّ الاشياۤء في وحدته لاينثلم به تنزيه الله و توحيده لانك لو لم‌تقل في وحدته منع المصنف منه و لكن اذا قلتَ في وحدته لم‌ينثلم تنزيه الله و تنزيه صفاته و ان كانت مغايرة له و لبعضها بعضاً في المفهوم عن وصمة التغير و التكثر لانك اذا عرفتَ ان الله تعالي مبدأ الاشياۤء منه ظهرت فاذا افناها عاد كل شيء الي اصله فتعود اليه تعالي اذا افني العالم فتنطوي كثرتها في وحدته فيظهر الحق بالوحدة التاۤمّة يقول المصنف اذا عرف العالم بهذا في البدء في القوس النزولي امكن له ان يعرف خراب العالم بعكس نظامه و عوده بعكس بدئه و عرف زوال العالم في العود و اضمحلاله بالكلية و رجوع الاشياۤء كلها اليه تعالي لانها قبل بروزها كانت كامنة في ذاته كما قال الملّا محسن في الكلمات المكنونة : بان العالم كان كامناً فيه لكنه مستعد لقبول الكون اذا ورد عليه الامر بكن قال و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجد بذلك و اتصل في رأي العين امره ظهر الكون الكامن فيه بالقوة الي الفعل انتهي ، هذا في البدء فاذا افني العالم في العود رجع الي ما منه تولّد و لذا قال المصنف و رجوعها اليه لا حول و لا قوة الّا بالله .

و قوله « و من انكر هذا فلانه لم‌يصل الي هذا المقام » يعني به مقام اتّحاد الاشياۤء به اذا افناها « و لم‌يذق هذا المشرب » يعني به مشرب الصوفيّة « بذوق [ص 22] العيان » يعني انه تولّد من نور الحق تعالي الذي هو ذاته لانه يقول ان حقيقة زيد المحسوس صورة علمية عقلية متّحدة بذات عاقلها تعالي و زيد المحسوس شبح لتلك الصورة المتحدة بالعاقل عز و جل ربّي لان الانسان عند المصنف مخلوق علي مثال الخالق اخذ هذا الكلام من الحديث المحرّف و هو ان الله خلق ادم علي صورته و اصل الحديث ان النبي صلي الله عليه و اله سمع رجلا يقول لٰاخر قبّحك اللّه و قبّح من يشبه صورتك فقال صلي الله عليه و اله لاتقل هكذا فان الله خلق ادم علي صورته فحذف المجسّمون اوّل الحديث ابتغاۤء الفتنة و ابتغاۤء تأويله و المصنف حكم بانه تعالي خلق الانسان علي صورته تعالي .

قال في شرح الكافي في شرح حديث العقل : و الانسان لكونه مخلوقا علي مثال الله تعالي ذاتاً و صفة و فعلا فروحه الذي هو من امر ربه مثال ذاته و دماغه الذي هو معدن ادراكاته و هو ملكوته الاعلي الذي فوق قلبه هو مثال الروحانيات التي عن ( علي خ‌ل ) يمين العرش و قلبه الذي هو مستقر نفسه مثال عرش الرحمن و صدره مثال الكرسي الخ ، انتهي ، فتدبّر هذا التشبيه الذي هو بيان التوحيد عنده و لاينافي التّنزيه ان نسبة دماغ زيد الي روح زيد كنسبة الروحَانيين الي ذات الحقّ تعالي فشبّه ذات الله تعالي بروح زيد و العقول و الارواح المجردة من ذات الله تعالي بمنزلة الدّماغ من زيد و هذا عنده لاينافي الاصول الّتي قرّرها و هو كذلك و عنده ان هذا لاينافي تنزيه الله و صفاته الذّاتية عن وصمة التغيّر و التكثر و لاينثلم به التوحيد و انّ ذلك ثبت عنده بذوق العيان اي شاهدَها متحقّقة في الكون و انّ من انكر ذلك فلانه امّا لعدم ذوقه لتلك المشاهدة او لم‌يثبت له ذلك بالمقدّماتِ القطعية او انه قد اغترّ بما فهم بعقله الناقص الذي لم‌يتكمل بحكمة ابن‌سيناۤء وَ الفارابي [ص 23] و لا بعلم مميت‌الدين و البسطامي و عبدالكريم الجيلاني و ابن‌عطا العَازمي و لا برابعة العدويّة و امثالهم اوْ انّه شاۤكّ فيما جاۤءَتْ به الانبياۤء عليهم السلام لانه انّما اعتمد عَلَي ما اتَي به محمّد بن عبداللّهِ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و اله فانّه مخالف لعلم اولۤئك و حكمتهم فاعتبروا يا اولي الاَبْصٰار .

قال : و من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين شاهد تبدّل اجزاۤء العالم و اعيانها و طبايعها و صورها و نفوسها في كل حين الي ان تزول تعيّناتها و تضمحلّ تشخّصاتها و من شاهد حشر جميع القوي الانسانية مع تباينها في الوجود و اختلاف مواضعها في البدن الي ذات واحدة بسٖيطة رُوحٰانيّة حتّي تزول و تضمحل بالكلّيّة و تفني فيها راجعة اليها ثم تنبعث من تلك الذات تارة اخري في القيمة بصُوَرٍ تحتمل الدوام و البقاۤء هان عليه التّصديق برجوع الكلّ الي الواحدِ القهّار ثم صدورها و انشاۤؤها منه تارة اخري من النّشأة الباقية و اعلم انّ النفخة و ان كانت واحدة ضرباً من الوحدة من جانب الحق لاحاطته بجميع ما سواه لٰكنّها بالاضافة الي الخلاۤئق متكثّرة حسب كثرتها العدديّة و النوعيّة و غيرهما كما ان الازمنة و الاوقات بالقياس اليه ساعة واحدة ضرباً آخر من الوحدة و الساعة ايضا مأخوذة من السعي لان جميع الاشياۤء الكونية الطبيعيّة ساعية اليها من جهة نحوها من باب الحيوانية ثمّ الانسانيّة و تحقيق هذا المرام يطلب من اهل هذا الكشف بكثرة المراجعة اليهم و طول الصحبة معهم .

اقول يريد انّ من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين المستفاد من طريقة مَن اشرنا اليهم بذكر بعضهم و هم الصوفيّة لانه عيّنهم بقوله « و تحقيق هذا المرام يطلب من اهل هذا الكشف بكثرة المراجعة اليهم و طول الصحبة معهم » و نحن نعتقد انّ من كثّر المراجعة اليهم و طوّل الصحبة معهم ماۤئلاً اليهم [ص 24] انّه يشرب من زقّومهم و غسلينهم و امّا من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين المستفاد من طريقة اهل الحق صلي الله عليهم فانه يشاهد تبدّل اجزاۤء العالم و اعيانها و طبايعها و صورها و نفوسها في كل حين الي ان تزول تعيّناتها الوضعية و تلبس اوضاعاً غيرها اِنْ تغيّرت في الاعمال و الّا فتدور علي اوضاعها الاولي حتي تستقرّ علي فطرتها الاولي التي خلقه الله عليها و هي كناية عن اجابته داعي اللّه في قوله بلي بقلبه و لسانه و اركانه و من شاهد حشر جميع القوي الانسانيّة مع تباينها في الوجود ، يعني مع تقدّم بعضها علي بعض منها ملكوتية و منها طبيعية و منها عنصرية و اختلاف مواضعها التي تتعلّق بها كالحواۤس الباطنة الخمس فانها تتعلّق بالدماغ في بطونه الثلاثة كما تقدم و كالحواۤس الظاهرة الخمس اعني حاۤسة اللّمس و الذوق و الشم و السمع وَ البصر كما ذكرناه سابقاً من قوله و قولنا لانّه يريد انّها كلها برزت من النفس و انبعثت عنْها كما تقدّم فاذا رجعَتْ اليها اضمحلّت كلّيتها و انمحت صورتها و عادت النفس علي حال بساطتها و وحدتها فاذا نفخ في الصور نفخةَ الفزع انبعثت من النفس تارة اخري كما انبعثت منها اوّل مرة بصور محكمة كاملة لرجوعها الي النفس الكاملة فشابهتها في البقاۤء يقول المصنف مَن شاهد تلك القوي النفسانيّة في رجوعها الي النفس و اتّحادها بها هان عليه التصديق بما قلنا من ان المراد بفناۤء الاشياۤء رجوعها الي الخالق المُشَيِّءِ و اتّحادها به كما كانت قبل النشأة الاولي ثم يحشرها يوم القيمة للجزاۤء فتخرج بصورٍ كاملة محكمة تَقتضي من ذاتها البقاۤء لرجوعها الي الباقي تعالي و اتّحادِها به لان مسئلة النفس و قواها دليل علي هذا المدّعي و نحن قد بيّنا فيما سبق بطلان هذه الدَّعاوَي في النفس و قواها و في الخالق تعالي و خلقه بانّ هذا انما يصحّ في المقامين اذا كانت الاشياۤء المنبعثة عن الشيء اجزاۤءً [ص 25] مقتطعة من ذات كالقطرات المأخوذة من النهر الماۤء فاذا عادت الي الماۤء اضمحل تركيبها و صورها و اتّحدت بالماۤء حتي لاتبقي لها انّيّة اصلا فاذا اخذت منه مرّة ثانية كان حكمها حكمه و القول بهذا كفرٌ و جحود و امّا اذا لم‌يقل بانّها اجزاۤءٌ من الشّيء من ذاته فلا بدّ باَنْ يُقَال انّها احدثت بفعله لا من شيء فهي انّما هي آثار فعلِهٖ و اثار الفعل لاتكون من الفعْل و لاتعود اليه و لاتتّحد به و انّما تجاور الفعل بمعني انها تقوم به قيام صدورٍ او يقال انّها اشراق منه و الاشراق ليس من ذات المشرق و لايعود اليه بل يعود الي رتبته التي ابتدأه المشرق منها او فيها فان نور الشمس و ان كان يصير حيث صارت الّا انه اذا غربت لايتّحد بها و انما هو في رتبته و مقامِهٖ و ما منّا الّا له مقام معلوم لايتجاوز موضعه الذي وضعتْهُ فيه و اقامته فيه و اَحدثتهُ فيه و هذه ايات الله نتلوها عليك بالحق و امّا مثل قوله و الي الله المصير و الي اللّه ترجع الامور و اليه يرجع الامر كله و نظاۤئرها فالمراد منها ان كل شيء راجع الي حكمه و قدره و قضاۤئه و تدبيره لايخالف شيء منها محبّته و هي الأن في الدنيا كذلك بلا فرق باعتبار الحقيقة كما قال سيد الساجدين عليه السلام في دعاۤء الصباح من الصحيفة اصبحنا و اصبحت الاشياۤء كلها بجملتها لك سماۤؤها و ارضها و ما بَثَثْتَ في كل واحد منهما ساكنه و متحرّكه و مقيمه و شاخصه و ما علا في الهواۤء و ما كَنَّ تحت الثري اصبحنا في قبضتك يحوينا ملكك و سلطانك و تضمّنا مشيتك و نتصرف عن امرك و نتقلّب في تدبيرك ليس لنا من الامر الّا ما قضيتَ و لا من الخير الّا ما اعطيتَ الدعاۤء ، فتدبّر كلماته عليه السلام و فيها بيان تلك الايات و ما شابَهها علي اكمل بيان و لكنّ المصنّف لمّا كان يعتقد ان الاشياۤء المجردة احدثها بذاته من نور ذاته الذي هو ذاته بغير واسطة و ثبت انّ كلّ شيءٍ [ص 26] يرجع الي اصله قال ما سمعتَ و لو كان يعتقد ان الاشياۤء احدثها لا من شيءٍ و انما هي اثر فعله و ان فعله ليس له اوّليّة حادثة فاذا رجع كل شيءٍ الي اصله رجعت الاشياۤء الَي فعْلِهٖ و اَمْرِه و لكنها لاتصل الي فعله و اَمْره ابداً فَلٰاتَفْنَي فيه لِانّها لَمْ‌تبرز من ذاته لتعود الي ذاته و انما بَرزت من رتبتها منه اي من رُتَبِ اثرِهٖ فيعود كل واحدٍ منها الي رتبة كونه و لكنه لمّا كان في بقاۤئه محتاجاً الي المدد و لايمدّ بما وصل اليه ممّا هو مددٌ له بل ان كان ممّا تحلل منه فانه اذا جدّد للامداد جُدِّد من فوق رتبتِه الاولي فاذا اتّصل بالممدود كسر الممدود و صٖيغ من رتبة المجدّد فانها اعلي من رتبته الاولي و ان كان من مددٍ جديد بمعني انه و ان كان ممّا للممدود لكنه لم‌يصل اليه لان رتبته اعلي من مبدء الممدود لانه حين البدء لم‌يصل الي رتبة هذا المدد فاذا اتصل به المدد الجديد كسِر و صيغ من رتبة هذا المدد الجديد و بمثل هذا و ذاك يترقي الممدود في مراتب البدء السابق الي ما لايتناهي من الدرجات فلاينقطع عن سيره في رتب البدء و لا في ما تقتضيه من رتب العود هذا باعتبار عدم النهاية في الاولية و الاخريّة و امّا باعتبار ما بينهما فلان الانسان من طَوْرِ النطفة هو يترقي قاصداً الي جهة مبدئه الذي لو اتّصل به فني فيه او اتّحد به فكان علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي لحما ثم انشئ خلقا اخر فكان في الدنيا يسير سيراً حثيْثا الي جهة مبدئه لكنه لايصل ثم مات في تَرقّيه ليخلّص من الاعراض المانعة له من السير فاذا تخلّص منه صٖيغ صٖيغة محكمةً لاتقبل الفناۤء باذن اللهِ تعالي و حشر يوم القيمة للجزاۤء و ليُوَفّي ما كسبَ و يدخل الجنّة او النار و هو ساۤئر الي جهة مبدئه فاين الفناۤء او الاتحاد المدّعي و انما كسر في قبره و تفرقت اجزاۤؤه لاجل التصفية لا انّ قبره مبدؤه لينتهيَ اليه و لا انّ الدنيا اصله ليفني فيها و انما اتي من مكانٍ عالٍ و ان من شيء الا عندنا [ص 27] خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم فقوله في انها تفني في مبدئها برجوعها الي الواحد القهار جهل بما كانت الاشياۤء عليه في الدنيا فان تنظيره يدلّ علي انها بعد الموت في هذه الدنيا ترجع الي خالقها و تتّحد به ثم يبدؤها يوم القيمة منه و يحشرها فيصير محصّل كلامه انه بدأها منه و اظهرها في الدنيا ثم يعيدها الي نفسه او تعود بطبايعها اليه و تتّحد به ثم يبدؤها منه مرّة ثانية ثم يحشرها و ينبغي علي كلامه انها تعود اليه بعد الحشر فتتّحد به لانها عنده تكون جميع الاشياۤء صُوراً نورانيّة و الصور النورانية الغير الماديّة تتحد عنده بعاقلها فترجع الاشياۤء كما هي قبل الخلق الاوّل و نحن لانقول بانه تعالي فقد الاشياۤء من اَماكنها بحال من الاحوال بل هي حاضرة عنده تعالي كل شيء في مكانه و وقته قبل ان يكون شيء منها عند نفسه و عند جميع الخلاۤئق و بعد ذلك فيكون قول المصنف عندنا قولاً بفناۤء الجنة و النار و ما فيهما و انقطاعهما من غير شك و ان لم‌يرد ذلك و لكنه لازم علي كلامه .