و قول المصنف « و الجواب قد مَرَّ مستقصي من انهما في داخل حجب السموات و الارض » غلط و قد تقدّم هناك بيان غلطه لانه يريد انّهما عقليّتان لا جسميتان و لكنه جمع بين ظاهر الشريعة و بين ما توهمه بان المُعاد يوم المَعاد صور الاشخاص و الاشياۤء لا مواۤدّها و انما تكون لها مواۤدُّ نورانية اي [ص 301] مجردة و لو اراد انهما في داخل حجب السموات و الارض الجسمانية لم‌يكن قوله غلطا .

و قوله « و اما الذين لم‌يأتوا البيوت من ابوابها فيجيبون عند الاشكال تارة بنفي كون الجنّة و النار مخلوقتين بعدُ » يريد بالذين لم‌يأتوا البيوت من ابوابها مَن لم‌يقل بقول الفلاسفة و لا بقول مميت‌الدين و البسطامي و ابن‌عطاۤء العازمي و هذه العبارة من الاية الشريفة مقتبسة و يعني تعالي بالبيوت بيوت النبوة و العلم صلي الله عليهم اجمعين و هو اوَّلَها علي ما سمعتَ و لكن هذا هو الذي ينبغي من المتسمّي بالشيعي و من حاوَل في رد الاشكال بانهما الأن غير مخلوقتين فراراً من لزوم تداخل الاجسام كيف يصنع بهما يوم القيمة فكلامه لايخلّصه من الاشكال الّا بانكار وجودهما في الدنيا و الاخرة فانه حينئذٍ يسلم من لزوم تداخل الاجسام .

و قوله « و تارة بتجويز الخلاۤء » قد اشرنا الي ان امتناع الخلاۤء يرجع الي انه ماكان لا انه يمتنع في قدرة الله تعالي ان يكون ان اللّه علي كل ما يتصوّر عبده قدير و كيف يتصوّر العبد صورة لاتكون في علم الله سبحانه و كيف يكون شيء غير اللّه في علم الله لايمكن ان تكوِّنه قدرة اللّهِ اذاً تبايَن العلم و القدرة لا اله الّا الله .

و قوله « و تارة بانفاق السموات بقدر ما يسعها » اي يجعل فيها طريقا فارغاً من الاجسام لتوجد الجنّة فيه و هذا القول و قول من جوّز التداخل بين الاجسام قد اشرنا الي عدم امتناع شيء من ذلك و ان كان الجواب بهما و بالنّفق ليس بسديد و الحقّ ما سمعتَ فانه مذهب ائمة الهدي عليهم السلام لا كما قالوا باجمعهم فانهم ان يتّبعون الّا الظن و ان هم الّا يخرصون .

و قوله « و ليتهم اعترفوا بالعجز و اكتفوا بالتقليد ، الخ » و اقول ليت المصنّف اعترف بالعجز و اكتفي بتقليد ائمة الهدي عليهم السلام فانهم و ان صدق المصنّف [ص 302] في حقهم فيما قال و لكنه واللّهِ اَولي بما قال منهم و انهم مع اعوجاجهم اقوم طريقاً منه .

قال : قاعدة في الامر الباقي من اجزاۤء الانسان و الاشارة الي عذاب القبر اعلم ان الروح اذا فارقت البدن العنصري يبقي معه شيء ضعيف الوجود قد عبّر عنه في الحديث بعَجْبِ الذّنَبِ و قد اختلفوا في معناه فقيل هو الاجزاۤء الاصلية و قيل هو العقل الهيولاني و قيل بل هو الهيولي و قال ابوحامدٍ الغزّالي انما هو النفس و عليها منشأ الاخرة و قال ابويزيد الوقواقي هو جوهر فرد يبقي في هذه النشأة و عند صاحب الفتوحات انه الاعيان الجواهر الثابتة و لكلٍ وجهٌ .

اقول قوله « في الامر الباقي » يعني في بيان ما يبقي « منْ اجزاۤء الانسان » الظاهرة او الباطنة فانّه قَدْ دَلَّ الحديث المقبول علي بقاۤءِ شيءٍ من الانسان و انّه عجب الذّنَبِ روي من طرقهم مستفيضاً و اما من طرقنا ● فالذي يحضرني و وقفتُ عليه ما رواه في الكافي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اي عمار الساباطي سُئل عن الميت يبلي جسده قال عليه السلام نعم حتي لايبقي لحْمٌ و لا عظم الّا الطينة الّتي خلق منها فانها لاتبلي بل تبقي في القبر مستديرةً حتي يخلق منها كما خُلِق اوّل مرّة ه‍ ، و قد بيّنّا كيفيّة تلك الطينة في استدارتها و من اين هي بما معناه انها هي جسد الانسان حقيقة و انها ليست من عناصر الدنيا و انّما هي من عناصر هورقليا اي العالم الذي فيه جنان الدنيا و نيرانها و اليه تأوي ارواح من محض الايمان محضا و محض النفاق محضاً و هو المسمي بعالم البرزخ و هذا الجسد هو الطينة التي تبقي في قبره مستديرةً و هو الذي نسمّيه بالجسد الثاني و معني كونها مستديرة ان تلك الاجزاۤء و ان تفرّقت في بطون السباع او الطير اوْ حيتان البحر فانها بعد [ص 303] تخلّصها من الموانع و هي الاعراض و الاجزاۤء الغريبة تستدير في قبرها اعني الموضع الذي اخذت منْه تربته التي مزجت بنطفتي ابيه و امّه عند تخلّقِه و كيفية استدارتها ان تترتب في ذلك الموضع بوضع ترتّبها في خلقته الاولي في الدنيا فتكون اجزاۤء الرّأس فوق اجزاۤء الرقبة مترتبة و اجزاۤء الرقبة فوق اجزاۤء الصدر و هكذا و ان صح ما نقلوه من انه صلي الله عليه و اله قال ان الجسد يبلي الّا عجب الذَّنَب فانّه لايبلي حتي يخلق منه كما خلق اوّل مرة فهو كناية عن هذه الطّينة و رووا ايضا عنه صلي الله عليه و اله انه قال آخر ما يبلي عجب الذَّنَبِ ه‍ ، و هذه الرواية تدل علي فناۤء عجب الذنب و الحاصل انك عرفتَ المراد فعلي قولهم بتلك الرواية اختلفوا في تأويلها مع اتّفاقهم علي معناها اللغوي من ان المراد به العظم الناتي عند المقعدة المسمي بالعصعص فقال بعضهم ان المراد بعجب الذنب هذا العظم الظاهر و انه لايبلي لانه للجسد اصل تركب الجسد عليه كجؤجؤ السفينة تبني عليه السفينة و هو لايبلي حتي يخلق الجسد منه كما خلق اوّل مرة و قيل كذلك الّا انه يبلي عملاً بالظاهر من الرواية الثانية الّا انه اخر ما يبلي لانه اوّل ما خُلِق .

و قول المصنف « يبقي معه » اي البدن العنصري شيء ضَعيف الوجود لايصح علي قول انه العقل الهيولاني فانه و ان كان بالنسبة الي ما فوقه من العقول ضعيف الّا انّه لاينسبك مع كوْنه مع البدن العنصري فانه اقوي منه و لا علي قول الغزّالي و لا علي قول ابن‌عربي بل و لا علي قول المصنّف لانه يري ان النفس الناطقة اصلها المواد الطبيعيّة فتترقي بالحركة الجوهريّة حتي تكون عقلا هيولانيا ثم بالاكتساب ثم بالفعل ثم مستفاداً .

و قوله « و قد اختلفوا في معناه » ايضا فيه ان معناه لم‌يختلفوا فيه لان معناه [ص 304] انه هو العصعص و انما اختلفوا في تأويله فقيل هو الاجزاۤء الاصليّة و علي فرض صحة الحديث فهذا القول اصح وجوه التأويل و انما قلت اصحّ وجوه التأويل لان الذي ينبغي ان تكون هذا تفسيره لا تأويله لكن هذه الاجزاۤء لايطلق عليها عَجْبُ الذّنَب اذ لو صحّ لكانت فيه اشارة الي ان الشخص من حقيقته اشياۤء غير ما يسمي عجب الذّنب تبني عليه تتم حقيقته منهما فلمّا اريد به كل ما يبقي امتنع ان يراد به بعض الحقيقة و اذا اريد به كل الحقيقة ماحسن اطلاق عجب الذنب عليه و قيل هو العقل الهيولاني و هذا ليس بصحيح عندنا لان العقل الهيولاني من الجبروت و ما من الجبروت لايبقي مع ما هو من عالم الملك نعم يمكن صحته علي رأي المصنف من ان النفس الناطقة اصلها من المواۤدّ الطّبيعيّة و قيل بل هو الهيولي و هذا القول عند اهل البيت عليهم السلام صحيح و هو مذهبهم و اخبارهم مشحونة بذلك لانها هي الطيْنة الّتي تبقي في قبره مستديرة و لايصح ان يحمل الباقي مع البدن علي النفس لانها ليست ضعيفة الوجود و المصنف قد ذكر انّ الباقي مع البدن ضعيف الوجود و قال ابوحامدٍ الغَزّالي انّما هو النفس و عليها منشأ الاخرة و علي هذا القول لايكون الباقي مع البدن هو النفس لان النفس لاتكون مع البدن في القبر و لاتكون ضعيفة الوجود نعم عَلي قولنا مِنْ انّ مَن لم‌يمحض الايمان او النّفاق محضاً لايسئل في قبره و انّ روحه تبقي فٖي قبره الي يوم القيمة تكون بعض النفوس مع ابدانها في قبورها و لكن وجودها اقوي من وجود ابدانها و قول الغزّالي و عليها اي النفوس منشأ الاخرة يشعر بموافقة المصنف في كون الاعادة في الاخرة انّما هي للنّفس و ما سواها فبالتّبع و قال ابويزيدٍ الوقواقي هو جوهر فرْد يبقي في هذه النشأة و يعني انه ينتقل الي مقامٍ اعلي من مقامه الاول و اذا اراد بالجوهر [ص 305] الفرد بالمعني المتعٰارف يعني انّه لايقبل القسْمة لايراد منه الجسم و انما يريد منه النفس اذ لا محصّل لما هو جسم و عند صاحب الفتوحات انه الاعيان الجواهر الثابتة و هو ابعد مما قبله عن الصواب و وجهه علي مَا افهم انّه يأوّلُهُ علي معني انّ العجب و الذنب هو اللاحق للشيء و وجه الشيء من الوجود هو الباقي بعده مع ٱلبدن و بعد البدن و الاعيان هي شؤن الذات الحقّ تعالي و لوازم الذات و هي صور علميّة ليست موجودة فيتعدّد القديم و ليست معدومة فيكون فاقداً لعلمه و انّما هي ثابتة و الباقي مع البدَن ليس الّا ما كان من نوعه و الاعيان اي الجواهر الثابتة عندهم صور علمه الذي هو ذاته تعالي عمّا يقولون علوّاً كبيرا .

و قوله « و لكلٍّ وجهٌ » صحيح و لكن امّا الي الحق و امّا الي الباطل بل هذا هو المتحقق و الحقّ ان الانسان له جسدانِ و جسمان الجسد الاول و الجسم الاول عارضانِ له من مراتب تنزلاته و ليسا من حقيقته فهما داخلان بلا حاجة و خارجانِ من غير فقدانٍ و تفصيل الاربعة قد تقدم له ذكر و هو ان الانسان له جسدانِ الاول لاحق له من عوارض الدنيا الغريبة و نسبة هذا الي الانسان كنسبة الوسخ الي الثوب لانه ليس منه و لا اليه و الثاني جسده الاصلي الذي هو منه و اليه و هذا الجسد هو الباقي لانه نزل به الي الدنيا و يرحل به منها و هو البدن نفسه و هو المحشور و المُعَاد و هو الطينة التي تبقي في قبره مستديرة فان صحّ حديث عجب الذنَب فالمراد منه هذا الجسد و سُمِّي بذلك لانه متأخر عن الانسان كما ان ذنب الحيوان متأخر عنه و الجسم الاول من عوارض البرزخ الاجنبيّة لحِقَتْه في نزوله الي الدنيا و ليس منه و لا اليه و الجسم الثاني الاصلي فهو جسمه الاصلي و هو من جوهر الهباۤء و الطبيعة النورانية فالجسد الثاني يبقي في قبره في الارض حتي يتخلّص [ص 306] من الاعراض الغراۤئب و الجسم تخرج به الرّوح يدور معها حيثما دارت فاذا نفخ في الصور نفخة الصعق بطلت صورتها و اضمحَلّ تركيبها و خلصت من الاعراض البَرزخيّة كما تخلّص الجسَد فاذا نفخ في الصور نفخة النشور اجتمعا و ربطت بينهما الروح ربْطَ اشتياقٍ و وَفاقٍ لانهما ثوبان لها يتقوّم كلٌّ منهما بالاخر بحيث لايحصل بينهُمٰا انفكاكٌ اَبداً .

قال : لكن البرهان دلّ علي بقاۤء القوّة الخياليّة التي هي منفصلة الذات عن هذا البدن و هي اخر هذه النشأة الاولي و اوّل النشأة الاخرة فالنفس متي فارقت البدن و حملت الصورة المدركة معها فلها اَنْ تُدرِكَ اُموراً جسمانيّة محسوسة و تشاهدُها بحسِّها الباطن الجامع لانواع المحسوسات الّذي هو اصل الحواۤس كما علمت فتتصوّر بدنها الشخصي الذي كانت فيه في الدنيا وَ مَات عليها فتتصوّر ذاتها لقرب اتّصالِها بالبدن عين الانسان المقبور الذي مات علي صورته فيجد بدنه مقبوراً و يدرك الٰالامَ الواصلة اليه علي سبيل المعقولات الحسيّة علي ما وردت به الشريعة الحقّة فهذا عذاب القبرِ و ان تتصور ذاتها علي صورة ملايمةٍ و تصادف الامور الموعودة فهذا ثواب القبر و اليه الاشارة بقوله صلي الله عليه و اله القبر روضة من رياض الجنّة او حفرة من حُفَر النيران .

اقول قوله « لكن البرهان دلّ علي بقاۤء القوّة الخياليّة » مبني علي ما قدّم في الاصل الرابع و قد ذكرنا انّه غير صحيح فيكون حمله الباقي مع البدن عليها غير صحيح لما قلنا و لانه علي رواية انه اخر ما يبلي يلزم ان تكون الصور الخياليّة تبلي و ايضا اذا كانت منفصلة الذات عن البدن و انّما هي في صقعٍ نفساني كيف تبقي مع البدن و ايضا اذا كانت اول النشأة الاولي كيف تكون في صقعٍ نفساني و انها قاۤئمة بالنفس فجعل الباقي مَع البدن [ص 307] هو القول الاول اعني الاجزاۤء الاصليّة اولي لانه هو المروي عن الائمة عليهم السلام و هم اعلم بقول جدّهم صلّي الله عليه و عليهم .

و قوله « فالنفس متي فارقت البدن و حملت الصورة المدركة معها فلها ان تدرك امورا محسوسةً و تشاهدها بحسّها الباطن » تفريع علي ما قدّم من قوله في مباحث الحواۤسّ الظاهرة بانّ النفس في ملكوتها تدرك صوراً ملكوتية مشابهة لهذه الصور المحسوسة فادراكها للمحسوسات انّما هو بادراك صورٍ ملكوتية تشابهها لانّها تشاهدها بحسها الباطن يعني بذاتها لانها جامعة لانواع المحسوسات اذ هي اصل الحواۤس و انت خبير بانها انّما تدرك المحسوسات بواسطة الحواۤس الظاهرة لان الاحساس منسوب اليها و ان كان من النفس كما انّ حركة اليد حركة ظاهرة من عالم الملك و ان كانت من النفس من عالم الملكوت .

و قوله « فتتصوّر بدنها الشخصي الذي كانت فيه في الدنيا وَ مَاتَ عليها » يريد انّها اي النفس تتصوّر في حال انفرادِها عن البدن بالموت البدن الذي كانت فيه في الدنيا و مات عليها بخروجها منه و هذا التصوّر عنده علَي رأيه اذا فرضنا كونها حاضرة معه باَنْ تدرك صورة ملكوتية تشابه ذلك البدن و امّا اذا فرضنا انها غاۤئبةٌ عن البدن فكذلك عِنْدَهُ و عندنا في حال الحضور كما مر انّها تدركه بواسطة الرّوح البخاري و في حال الغيبة كذلك بمعني انّها تقابل مثال البدن بمرءاة خيالها فتنطبع فيها صورته فتدرك ما في خيالها من الصور و تلك الخياليّة صور ظلّيّة شبَحيّة في الدنيا و الاخرة الّا انها في الاخرة اذا شاۤءت اخرجَتْ ما تريد من تلك الصور بحقيقة ذي الصورة بان تخرج ماۤدته من امكانهٖ و تلبسه تلك الصورة الخياليّة اي بدَلَها .

و قوله « فتتصور ذاتها لقرب اتصالها بالبدن عينَ الانسان المقبور » يعني به ان النفس تتصوّر انّها هي الانسان المقبور الذي مات تتصور ذاتها علي [ص 308] صورته و ذلك لقرب اتّصالها بالبدن فيجد ذلك الانسان التصوّريُّ بدنه مقبوراً و يدرك الٰالٰامَ الواصلةَ اليه بان تتصوّر انّها هي المقبور و انّ الٰالٰامَ وصلَتْ اليه و حلَّتْ عليه و هذا الادراك و التصور علي سبيل ما ذكره من تعقّل المعقولات الحسّية و وصول تلك الالام علي الطريقة التي وردت بها الشريعة الحقّة فهذا عذاب القبر عنده و هذا الكلام اشبه الاشياۤء بالوساوس التوهميّة بل هي كذلك حتّي لو ان مستحق العذاب في الواقع تصوّر حاله و نفسه بنحو ما يتصوّر به مستحق الثواب كان منعّما في قبره و يكون قبره بتصوره و فرضه ذلك روضة من رياض الجنّة كما استشهد به من الحديث و في قوله علي ما وردت به الشريعة الحقّة اشارة خفيّة تظهر لمن له معرفة بمراداته و هي ان ما سمعتَ ممّا حقّقنا به عذاب القبر و ثوابه انه مأخوذ من الشريعة الحقة و لايصح ذلك الّا اذا اراد بالشريعة الحقّة شريعة الصوفية من الاباحيّة و الفلسفيّة التي يقولون فيها اصحابها ان النعيم بجميع انواعه و العذاب بجميع انواعه راجع الي النفوس و انها امور عقليّة كما يظهر من كلام المصنف و ان اسباب السعادة منحصرة في حصول علم الحكمة النظرية لانها هي سعادة النفوس و الجهل به هو شقاوة النفوس و كل ما ذكره هو و اولۤئك خلاف الشريعة الحقّة بل الشريعة الحقّة مصرّحة بان تلك الاعمال هي صور الثواب و العِقاب فتتّصف النفوس بصور اعمالها فتلزمها تلك الصور كلزوم الظل للشاخص فحيث كانت الاعمال هي صور الثواب و العقاب و هي صفات العَاملين اللّازمة لهم بملزوماتها من الثواب و العقاب فتنعّمت بها في جنان الدنيا عند المغرب او تألّمت بها في نيران الدنيا عند المشرق لان ارواح اهل النار تحجّرت و مسخت كالحديد من امر الله في قوله تعالي قل كونوا حجارة او حديداً لانها لمّا عصَتْ رَبّها خرّت من سماۤء [ص 309] قربه و قد كانت في اوجاتِ الدرجات العاليات الي اسفل السّافِلينَ فجمدَتْ بعد ذوَبانها و امتزجت بنباتِيّاتِها المرّة المالحة فجرَتْ فٖي طباۤئع معادن النيران و بقاعها فتألّمَتْ بتفريق اجزاۤئها و باعادتها كارهة للاعادة لعدم حصول المُلَايم من بعضها لبعضٍ و لقرب حقاۤئقها و جمودها من ابدانها اتّصلَتْ بها فادَّتْ صور تلك الٰالٰام الّتي حصلت لها من اعمالها الموجبة لتفريق اجزاۤئها و جَمْعِها و تفريقها و جمعها الي تلك الابدان فلحق الابدان من صور تفريق اجزاۤء الارواح تفريق اجزاۤئها و جمعها من جهة التنافي و تفريقها من جهة الملايمة فتألّمت بتبعيّة تألّم نفوسها و تفرقت اجزاۤؤها بتبعيّة تفرق اجزاۤء نفوسها لان نفوسها لجمودها و كثافتها بالمعاصي و تحجّرها بالشقاق قبلت التفريق و التقسيم كالجماد فكانت كنفوس الحشرات كالخنفس و السام‌ابرص و غيرهما فان الخنفس و السام‌ابرص و الجراد و غيرها اذا قطع عضو منها بقي مدة طويلة يتحرك لان نفسه لجمودها و كثافتها تقبل التجزية و القِسمة و تقبل الفصل فلما قطع عضو من جسدها انقطع جزؤ من نفسه في العضو و الي معني ما ذكرنا اشار الصادق عليه السلام بل صرّح كما ذكر في الحديث الذي تقدّم في حال الكفار بعد موتهم قال ابوعبداللّه الصادق عليه السلام ابدان ملعونة تحت الثري في بقاع النار و ارواح خبيثة تجري بوادي برهوت في بئر الكبريت في مركّبات خبيثات ملعونات تؤدّي ذلك الفزع و الاهوال الي الابدان الملعونة الخبيثة تحت الثري في بقاع النار فهي بمنزلة الناۤئم اذا رأي الاهوال فلاتزال تلك الابدان فزعة ذعرة و تلك الارواح معذّبة بانواع العذاب في انواع المركبات المسخوطات الملعونات المضعّفات مسجونات فيها لاتري رَوْحاً و لا راحة الي مبعث قاۤئمنا فيحشرها اللّه من تلك المركبات فتردّ في الابدان و ذلك عند النشرات فتضرب اعناقهم ثم تصير الي النار [ص 310] ابد الابدين و دهر الداهرين ه‍ ، فهذا عذاب القبر و ثوابه لا ما توهمه المصنف مما هو كالوساوس الوهميّة و الي معني ما ذكرنا لا الي ما ذكره المصنّف الاشارةُ بقوله صلي الله عليه و اله القبر روضة من رياض الجنّة او حفرة من حُفَر النيران ه‍ .

قال : ثم اذا جاۤء وقت البعث و الحشر تركّب النفس علي بدنٍ يصلح للجنّة و لذّاتها ان كانت من السعداۤء او يصلح للنار و آلامِها ان كانت من الاشقياۤء المجرمين و اياك و ان تعتقد ما يراه الانسان بعد موته من اهوال القبر و احوال البعث امورٌ موهومة لا وجود لها في العين كما زعمه بعض الاسلاميين المتشبثين باذيال الفلاسفة فان من اعتقد ذلك فهو ( كافر ظ ) في الشريعة ضاۤل في الحكمة بل امور القيمة و احوال الاخرة اقوي وجوداً و اشدّ تحصّلا من هذه الصور الموجودة في الهيولي التي هي الموضوعات بوسيلة الحركة و الزمان و الصور الاخروية اما معلّقة بذواتها او قاۤئمة في موضوع النفس و هي الطف الهَيُولَيَات .

اقول قوله « تركبت النفس علي بدن يصلح للجنّة و لذاتها ان كان من السعداۤء او يصلح للنار و آلٰامها ان كان من الاشقياۤء المجرمين » صريح في عدم اعادة مواۤد ابدان الخلق و انّما المعاد نفوسهم و صورهم و قد قلنا سابقا ان المصنف عند اهل البيت عليهم السلام ممّن ينكر المعاد الجسماني و لانه يري انّ الذي تحشر فيه النفس ليس مُعَاداً و انما هو نوراني يصلح و ان جميع الابدان الدنيوية فانية باۤئرة مضمحلّة لا عودَ لها لانها لحقت بالعدم لانه قال ان النفس تركّب علي بدنٍ يصلح للجنّة ان كانت اي النفس من السعداۤء و امّا الابدان الدنيوية فلا ذكر لها عنده لانه لايري ان شيئا من ابدان الدنيا صالح للبقاۤء لانه يتوهّم ان جميع الابدان الدنيوية اصلها من [ص 311] هذه العناصر الفانية المنعدمة و ذلك لانه ماقرأ قوله تعالي و لاسمعه و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم و هذه الابدان اشياۤء و كلّ شيءٍ فهو عند اللّٰهِ خزاۤئنه و ينزّله الي الدنيا من تلك الخزاۤئن و الانسان شيء نزل من تلك الخزاۤئن الي هذا العالم ليأخُذَ منها متاعاً لهذا السَّفَر الطويل فاذا كان شيئا كان ممّا انزله الله الي هذه الدنيا و ليس منها ليكون فانياً فيما بعدَها بل اذا رجع كل شيء الي اَصْله انتقل الي ما منه خلق و انتقل ذلك الاصل الذي خلق هذا الجسد منه به اي بالجسد الي ما منه خلق فتتصاعد الاشياۤءُ الي اصولها و كذلك كلّ ما في عالم الدنيا من الذوات و امّا الاعراض فكذلك الّا ان عودَها الي المراتب نفسها فلاتحملها المعروضات معها لانّها لم‌تكن منها بل تلزم مباديها و مباديها هي المراتب و المراتب لازمة لمقاماتها و لو ترقّت لم‌تترقّ الذّوات مثلا الدنيا لو ترقّت لم‌تخرج الذوات التي فيها عنها بل تترقي الدنيا بتلك الدنيا دنيا ابداً لاتكون اخرة فلم‌تترقّ الدنيا اذ لاتترقي الّا بتجاوزها عن الدّنيا فاذا كان كل شيء يعود الي اصله لا بدّ ان يعود هذا البدن الانساني الي الخزاۤئن الّتي نزل منها و لو انه لم‌يعد كما ذكره المصنف و من قال بقوله بطل حكم القاعدة المتّفق عليها ان كل شيء يعود الي اصله المؤيدة بقوله كما بدأكم تعودون .

و قوله « و ايّاك و ان تعتقد ما يراه الانسان بعد موته من اهوال القبر و احوال البعث امور موهومة لا وجود لها في العين كما زعمه بعض الاسلاميّين المتشبثين باذيال الفلاسفة فانّ من اعتقد ذلك فهو كافر في الشريعة و ضاۤلّ في الحكمة » و هذا الكلام صحيح و ان كان يلزمه في بعض ما ذهب اليه مثل قول هؤلاءِ .

و قوله « بل امور القيمة و احوال الاخرة اقوي وجوداً » و هذا يقارب قول اولۤئك فانهم يقولون انها امور موهومة و هو يقول امور متخيّلة و ما اقرب [ص 312] الخيال من الوهم .

و قوله « اقوي وجوداً و اشدّ تحصّلا من هذه الصور الموجودة في الهيولي التي هي الموضوعات بوسيلة الحركة و الزمان » و اولۤئك يزعمون ان الموهومة اشدّ و اقوي وجوداً و تحصّلا من المتخيّلة و كلامهم لو كان الحقّ منحصراً فيهما اقرب من كلام المصنّف لان الوهم و الخيال كلاهما من فيض الطبيعة النورانية الّا ان الوهم من فيض نفسها و الخيال من فيض صِفَتِها و فيض النفس اقوي من فيض الصّفة و ان كان قول الكل خطأ بل الذوات اقوي من الصور و اهوال القبر و احوال البعث ذوات و دعواه و دعويٰهم ان ذلك صور خيالية او وهميّة باطلة و انما حكم بان الصور الخيالية اقوي من الصور الموجودة في الهيولي بناۤء علي مذهبه من ان الهيولي و الماۤدة لاتعاد بل تفني و انّما تعاد الصور و النفوس و قد بيّنّا فيما سبق فساد مذهبه بل الحق ان الهيولي و الماۤدة هي التي تعاد لانّها هي المباشرة للخير و الشرّ و كون الهيولي انما هي موضوعات بواسطة الحركة و ٱلزمان لاينافي تحقق موضوعيتها اذ كل محدث لايتقوّم الّا بواسطة حركته و وقته و ليس المقابلة بين الخياليّة و بين الصور الحاۤلّة في الماۤدة بل المقابلة بين الخيالية و بين الذوات المتركبة من المواۤدّ و الصور الشخصيّة فاذا نظرنا الي الخياليّة وجدناها اظلّة منتزعة من الصور الخارجيّة القاۤئمة بالمواۤدّ و لا شكّ انّ الصور الخارجيّة ذوات و اربابٌ للصور الخياليّةِ و الصور الخيالية اشباح و اظلّة قاۤئمة من جهة مواۤدّها التي هي الحصص النوعيّة بالصور الخارجيّة التي هي قاۤئمة بالمواۤدّ نعم الخياليّة من حيث الصور قاۤئمة بالخيال و القيام من حيث المواۤدّ اقوي من القيام من حيث كما ان القيام للصورة التي في المرءاة بالشاخص اقوي منه بٱلمرءاة و هذا ظاهر لمن عرف الاشياۤء و اسرار تكوناتها و كونها قاۤئمة بمرءاة النفس التي هي الخيال [ص 313] و ان كانت النَّفْس الطف من الهيولي لايلزم منه كونها اقوي من الصور الخارجيّة القاۤئمة بالمواۤدّ مع ان المقابلة بينها و بين المواۤدّ انفسها و لا شك انها اقوي من مطلق الصور بكلّ نوع ماخلا العلل اعني ما في نفس علة الكون و هذا ظاهر .

قال : الاشراق الثالث في احوالٍ تعرض في الاخرة و فيه قواعد : قاعدة في ان الموت حقّ يجب ان يعلم ان عروض الموت امر طبيعي منشاؤه كما اشرنا اليه حركة النفس عن عالم الطبيعة الي نشأة باقية و اعراضها عن هذا البدن و خروجها عن غبار هذه الهيئات البدنية و اقبالها الي الدار الاخرة و ليس الامر كما زعمه الاطباۤء و علماۤء الطبيعة ان سبب عروضه تناهي القوي الطبيعيّة او نفاد الحرارة الغريزيّة او زيادة الرطوبة الفضلية او غير ذلك من تَأثيرات الكواكب بحسب خطوطها عند طالع المولود او ما اشبهها لما بيّن بطلانها في موضعه بل سببه قوة تجوهر النفس و اشتدادها في الوجود و رجوعها بحركتها الذاتيّة الي جاعلها الذي منه بدؤها و اليه منتهاها امّا مسرورة منعّمة و اما معذّبة منكوسة .

اقول الواجب اعتقاد حقيّة الموت بمعنَي انّ وقوعه علي كل مَن علي الارض و السّموات كاۤئِنٌ لا بد من وقوعه كما اَخْبَرَ به الحق سبحانه في كلامه الحق في قوله كل نفس ذاۤئقة الموت و بمعني ان وقوعه بهم حقّ لما فيه من المصالح و المنافع العظيمة التي لاتُعَدُّ و لانّه به يصل كلّ عاملٍ الي ثمرة عمله و به يتحقّق صدق الوعد و ٱلوعيد و به يظهر تمام الفضل و العدل .

و قول المصنّف « و يجب اَنْ يعلم انّ عروض الموت اَمْر طبيعي » هذا الوجوب لايصح حمله علي المعني الشّرعي اذ لايجب علي اَحَدٍ معرفة كيفيّةِ الموت و انّما يحمل الوجوب علي ثبوته في العلم و الحكمة و مراد المصنف البحْث عن كنه الموت و حقيقته و اكثر العلماۤء جعلوه امراً اعتباريّا و انه ليس بشيء [ص 314] مخلوق و كأنهم ماسمعوا كلام اللّه ينطق عليهم في بيوتهم الّذي خلق الموت و الحيوة اَوْ سمعوا وَ ماوَعَوْا اوْ وعَوا وَ ماحَفِظُوا و كأنهم ماسمعوا الاخبار المتواترة مَعْنيً بين الفريقين انه اذا دخل اهل الجنّة الجنّةَ و اهل النّارِ النارَ اُتي بالموت في صورة كبشٍ املح فيذبح بين الجنّة و النار و ينادي منادٍ يا اهلَ الجنّةِ خلود و لا موتَ يا اهلَ النار خلودٌ و لا موت الحديث ، فلو كان ليس بشيء لماقال تعالي الذي خلق الموتَ و الحيوة و لمااُتِي به و ذُبِحَ .

و قول المصنّف « ان عروض الموت امر طبيعي منشاؤه كما اشرنا اليه حركة النفس عن عالم الطبيعة الي نشأة باقية الي قوله الي الدار الاخرة » يريد بالاشارة ما ذكره قبل في الاشارة الي حدوث العالم في هذه الرسالة و في المشاعر من اثبات الحركة الجوهرية للشيء لذاته و قد ذكرنا في الموضعين ان الحركة الجوهريّة تثبت للشيء بواسطة المدد و الصورة و ان ذلك ليس شيئا من ذات الشيء بل من الله سبحانه بواسطة قوابل الاشياۤء للايجاد و الامداد لما اشرنا اليه مرارا انه تعالي لايفعل بخصوص مقتضي قدرته و ارادته بل علي حسب قابليات المَفْعولات للايجاد و الامداد و ما ربّك بظلّام للعباد و ليس لشيء من الاشياۤء كون بما يمدّه و لا قبول لما يفعله فيه و لا حركة و لا سكون الّا بفعل اللّه فاذا سبّب للشيء جميع ما يتوقّف عليه كونه بقي الشيء واقفاً عن الانفعال و الاسباب واقفة عن الفعل حتي يأذنَ لها فاذا اذن و اجري بفعله تلك الدواعي من الاسباب و المسبّبات جرَتْ بفعله و حفظِهٖ و مِن هنا وردت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام : انه لايكون شيء في الارض و لا في السماۤء الّا بسبعة بمشيّةٍ و ارادة و قدرٍ و قَضاۤءٍ و اذنٍ و اجلٍ و كتابٍ فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر ، و روي فقد اشرك و رُوِي نقض بالضاد المعجمة لكن اكثر العلماۤء تبعوا كثيرا من الفلاسفة في [ص 315] نسبة الافْعال الي الاسباب و بنوا اعتقاداتهم علي ذلك حتّي انست نفوسهم بذلك فكانوا يعزلون اللّه تعالي عن سلطانه حتي انه اشتهر بينهم اَنّ القول بما اشرنا اليه مذهب الاشاعرة و غلطوا علينا كما غلطت الاشاعرة علي الحقّ فان الاشاعرة يقولون اللّه سبحانه هو الذي يحرق الحطب اذا وضعته في النار و النار ليست محرقة اصلاً و انّما اللّه يحْرق عندها و يغرّق عند الماۤء و ليس للنار اثر في الاحْراق و لا للماۤء في التغريق اصلاً بوجه من الوجوه و هؤلاۤء يقولون خلق اللّه النار و جعلها محرقة فهي تحرق بالاستقلال فالاوّل عين الجبر و الثاني عين التفويض و الحق غير الاثنين و هو ان الله سبحانه خلق النار و جعلها محرقةً و اودع قوّة الاحراق فيها و حفِظها و حفِظ ما جعلها و اودع فيها فهي بقيوميّة جعله و ايداعِه قوة الاحراق القاۤئمين بحفظِهٖ تحرق فلا شيء الّا بالله سبحانه و المصنّف جارٍ في كل اموره علي متابعة مَن تقدّمه فاعتماده علي احد اقوالهم مما يرجّحه بنفسه ليس له مستند غير هذا فلهذا قال ان الموت امر طبيعي و هو ان النفس تصل الي رتبةٍ من رُتَب كمالاتها من اليمين او الشمال و تنتقل بحركتها الجوهريّة الذاتيّةِ عن هذا البدن و تعرض عنه وَ تخرج من غبار الهيئات البدنية و تقبل الي الدار الاخرة و هي النّشأة الاخري الباقية و هذا علي ظاهره مذهبُ القدريّة فان قلت انما يتكلّم علي نمط كلام القوم و الّا فهو يعتقد ان كل شيء باللّه كما انّك كثيرا ما تتكلّم بعباراتهم قلتُ نعم هو اذا اخذ في كون كلّ شيء انما هو باللّه يقول بذلك علي جهة الاجمال و لايذكر شيئا من ذلك في التفصيل و ذلك لانس نفسه بكلام القوم و لا كذلك نحن لانا لكثرة ما نذكر من ان كلّ شيء لايكون الّا باللّه في اغلب الاماكن و المساۤئل اذا اتيتُ بلفظ يشابه قول المفوّضة اختصاراً [ص 316] مايتوهم احدٌ عليّ بذلك لكثرة ما اصرّح بذلك و انهي عن الجبر و التفويض و ادلّ علي اماكن كثيرة يلزم منها الجبر و التفويض من قول من ينفيهما و قد بيّنّا مراراً فيما تقدّم انّ الشيء الممكن لاتكون من ذاته الحركة الجوهريّة الذاتية علي مرادهم من انه لذاته يترقّي و انّما يَقع من ذاته ميل الافتقار و هو غير ناقلٍ للماۤئل عن رتبته الدنيا الي العليا الّا بالمدد الجديد الّذي لم‌يكن معه و به اي بقبوله الذي هو عبارة عن الصورة يترقّي و مرادي انّ الله سبحانه يرقّيه بقبوله المدد و انفعاله به لانّ الاشياۤء كلّها واقفة علي ساق العبودية لاتملك لنفسها ضرا و لا نفعا و لا موتاً و لا حيوة و لا نشوراً و مرادي بوقوفها انها لاتوجِد شيئا من نفسها فاذا اوجدها تعالي لاتقدر علي بقاۤئها و لا علي عدم بقاۤئها و لا علي زيادة شيء منها و لا علي نقصانه و اذا اذن لها بالعدم لاتقدر الّا باعدامه او بالبقاۤء لاتبقي الّا بابقاۤئه فَبِهٖ تتحرّك النفس عن عالم الطبيعة و به تتوجّه الي النّشأة الباقية و به تُعرِض عن هذا البدن و به تخرج عن غبار هذه الهيئات البدنيّة و به تقبل الي الدار الاخرة و مرادي بقولي به تتحرك الي اخر الكلام انه وكّل بها ملاۤئكة ينقلونها بامره تعالي الي كل حركةٍ و سكون حسّيّ او عقلي كلّي او جزئي و تلك الملاۤئكة في ذواتهم و افعالهم بالنسبة الي امره الفعلي اي مشيته و الي امره المفعولي اي النور المحمدي صلي الله عليه و اله بمنزلة الشعاع من السراج و بمنزلة الصورة في المرءاة من الشاخص فالملائكة المدبرة متقوِّمون في ذواتهم بامره الفعلي تقوّم صدورٍ و بامره المفعولي تقوّم تحقّقٍ ركنيّ و ذلك كالنور من السّراج و كالصورةِ من الشاخص فالملاۤئكة بامره يعملون و هو قول الصادق عليه السلام في الدعاۤء كل شيءٍ سواك قامَ بامرك ، فهم بامره علي نحو القيوميّة المذكورة يحرّكون النفس و يصرفونها عن عالم الطبيعة و هي كارهة الي [ص 317] اخر ما ذكر و لو كان الامر كما ذكر المصنّف لماكرهت الموت .

و قوله « و ليس الامر كما زعمته الاطباۤء و علماۤء الطبيعة ان سبب عروضِهٖ تناهي القوي الطبيعيّة او نفاد الحرارة الغريزيّة او زيادة الرطوبة الفضليّة » و اقول : اذا جرينا علي العبارة المبنية علي ظاهر الامر كان كلامهم اصح من كلامه لان النفس انما وضعت في هذا المكان الضيّق و حبست فيه علي خلاف محبّتها و لكنها لاتوضع الّا في مكان تامّ تتأدّي به شؤنها فاذا تناهت القوي الطبيعية التي هي المصلحة لمسكنها و المُعٖينة لها علي مطالبها و لم‌تقدر علي اصلاح المسكن خرب المسكن بلفح الرياح الاربع ريح الجنوب من الكبد و ريح الصبا من الرية و ريح الشمال من الطّحال و ريح الدبور من المرة الصفراۤء و لم‌يبق لها قرار لخراب الديار و كذلك اذا نفدت الحرارة الغريزية التي هي الحافظة للروح البخاري الحامل للنفس الفلكية الحاملة للنفس الناطقة فاذا ذهب ما تتعلّق به ذهبت كاشراق الشمس اذا ذهب الجدار الذي يتعلّق به ذهب الاشراق و كذا الرطوبة الفضلية و يؤيّد هذا ما رواه كميل ابن زياد من حديث الاعرابي عن اميرالمؤمنين عليه السلام و قد تقدم بتمامه و منه قال اي الاعرابي و ما النفس الحيوانية قال عليه السلام قوة فلكيّة و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانيّة فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرّها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدئت عَود ممازجةٍ لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحلّ تركيبها فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة قال قوّة لاهوتيّة بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرّها العلوم الحقيقيّة الدينيّة مواۤدّها التأييدات العقلية فعلها المعارف الرّبانية فراقها عند تحلّل الٰالات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئت [ص 318] عَود مجاورة لا عَود ممازجةٍ الحديث ، فذكر عليه السلام ان النفس الحسّية الحيوانية سبب فراقها اختلاف المتولدات فيختلف عليها المَدَد فيختلف عليها الاستمداد لعروض ما ينافيها فلايستقيم متعلّقها فيبطل فيخرج و ذكر عليه السلام ان الناطقة القدسيّة سبب فراقها تحلّل الالات الجسمانيّة التي هي متعلّق مركبها فاذا خربت آلٰاتها الجسمانيّة لم‌يكن له تعلّق باصلاح محلّ متعلّقها اذ لاتتمكن من ذلك الّا بِالٰالٰاتِ بواسطة الحيوانية و كلامه عليه السلام مؤيّد لكلام الاطباۤء و الطّبيعيّين شاهد بصحة قولهم و ببطلان قول المصنّف .

و قوله « او غير ذلك من تأثيرات الكواكب بحسب خطوطها عند طالع المولود » لِانّها اذا اختلفت علي طالعه الخارج من المشرق عند سقوط المولود الي الدنيا من بطن امّه بما ينافيه اختلّ تركيب بُنْيَتِه اذِ استقامتها بنظر طالعه بطبعه و تأثيره فاذا عارضه مؤثر منافٍ له بطلت استقامة البُنْيَةِ لاختلاف المتولّدات و كلّ هذه اسباب جعل الله سبحانه لها تأثيراً و في تفسير العياشي بسنده عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امراً القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ه‍ ، و روي علي بن عيسي الاربلي في كشف الغمّة بسنده الي علي بن الحسين عليهما السلام في كلامه في ذم الدنيا في قوله الذي جمع فيه متفرق العلوم قال عليه السلام : و ما عسيتُ اَن اَصِفَ مِحن الدنيا و اَبلُغَ من كشف الغطاۤء عمّا وُكِّلَ به دَور الفلكِ من علوم الغيوب الحديث ، مما يحدث من تأثيراتها من الكسوف و الخسوف و القاۤء اشعّتها من الحر و البرد و ما يتألّف من ذلك و ما يحدث بذلك من الاسباب او مع المطاعم و المشارب كالحمّي فقد قال صلي الله عليه و اله الحمّي راۤئد الموت و حرّها من فيح جهنّم و هي حَظّ كل مؤمن و مؤمنة من النار ه‍ ، و ما وردت [ص 319] به الاخبار من ذكر الاسباب الموجبة للموت كثيرة جدّاً من الامراض و السموم و القتل و التردي و الغرق و ما اشبه ذلك مما يشهد للاطباۤء و يشهد علي المصنّف .

و قوله « لما بيّن بطلانها في موضعه » لا شك ان الباطل ذلك البيان المشار اليه لانه مبني علي اختياراته و هي كما سمعت ماتجد منها شيئا واحداً صحيحاً و ذلك مثل قوله « بل سببه قوة تجوهر النفس و اشتدادها في الوجود و رجوعها بحركتها الذاتية الي جاعلها الذي منه بدؤها و اليه منتهاها ، الخ » ماادري هل عنده ان نفس النبي صلّي الله عليه و اله ماقوِي تجوهرُهَا و لااشتدّت في وجودها الي ان عرج الي السماۤء و نزل و عاش بعده المدة الطويلة الي ان بلغ عمره ثلاثاً و ستين سنة و بعد هذه المدّة اشتدّت و لكن كلّ بياناته من نوع هذه الكلمات التي لايجد العارف فيها كلمة صحيحةً فبمثلِ هذه اَبْطَل حجّة الاطباۤء و الطبيعيّين و كلام الائمة الطّاهرين صلي الله عليهم اجمعين .

قال : قاعدة في الحشر حشر الخلاۤئق علي انحاۤءٍ مختلفةٍ حسب اعمالهم و نياتهم فلقومٍ علي سبيلِ الوَفْد يوم نحشر المتقين الي الرحمن وفداً و لقومٍ علي سبيل التعذيب و يوم يحشر اعداۤء الله الي النار فهم يوزعون لاختلاف انواع الملكات السيئة فيهم الموجبة لاختلاف صورهم الحيوانية فلقومٍ منهم قوله تعالي و نحشره يوم القيمة اعمي و لقومٍ اذِ الاغلال في اعناقهم و السلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون و لقومٍ يوم يسحبون في النار علي وجوههم و لقومٍ و نحشر المجرمين يومئذ زرقا و لقومٍ لهم فيها زفير و شهيق و لقومٍ اخْسئوا فيها و لاتكلمونِ و لقومٍ فطمسنا اعينهم و بالجملة يحشر كل واحدٍ علي صورة باطنِهٖ و يساق الي غاية سعيه و عمله كما قال تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدي سبيلاً و في [ص 320] الحديث يحشر المرء مع من احبَّه حتّي انه لو احبّ احدكم حجراً لَحُشِر معه » .

اقولُ حشر الخلاۤئق علي انحاۤءٍ مختلفة و ذلك علي حسب اعمالهم وَ نِيَّاتهم لان الاعمال هي صور الثواب و ٱلعقاب و هيئات تلك الاعمال و اَوْضَاعها هيئات الثواب و العقاب و اوضاعهم و لهذا لاينكر احد من الفريقين ما يثاب به او يعاقب به انّه هو عمله و لذا قال تعالي و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون و قال تعالي ذق انك انت العزيز الكريم انّ هذا ما كنتم به تمترون و قد قال الله تعالي و لكلٍّ درجات مما عملوا ، فمن قال تعالي فيهم و نحشره يوم القيمة اعمي يعني اعمي عن طريق الجنّة لانه عمي في الدنيا عن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام ففي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالي و من اعرض عن ذكري قال ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام اعمي البصر في الاخرة اعمي القلب في الدنيا عن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و هو متحيّر في القيمة يقول لم حشرتني اعمي و قد كنتُ بصيراً قال كذلك اتتك اياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي قال الايات الائمة عليهم السلام و من قال تعالي فيهم اذ الاغلال في اعناقهم و السلاسل الايات ، عن الباقر عليه السلام فامّا النصّاب من اهل القبْلة فانهم يخدّ لهم خدّاً الي النار التي خلقها الله في المشرق فيدخل عليهم منها اللهب و الشرر و الدخان و فَورة الحميم الي يوم القيمة ثم مصيرهم الي الحميم ثم في النار يسجرون ، ثم قيل لهم اينما كنتم تشركون من دون الله اي اين امامكم الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله الله للناس اماماً و في البصاۤئر عنه عليه السلام قال كنتُ خلف ابي و هو علي بغلته فنفرت بغلته فاذا هو شيخ في عنقه سلسلة و رجل يتبعه فقال يا علي بن الحسين اسقني فقال الرجل لاتسقه لاسقاه اللّه و كان الشيخ معوية اقول و هذه السلسلة فيها ثلاثون من بني‌اميّة و اربعون من [ص 321] بني‌العبّاس و ذرعها سبعون ذراعا بذراع ابليس و من قال فيهم و نحشر المجرمين يومئذٍ زرقاً فهم ممّن اعرضوا عن الولاية يحشرون زرق العيون لشدّة العطش او كناية عن العمي او لانّ زرقة العين تبغضها العرب و من قال تعالي فيهم لهم فيها زفيرٌ و شَهٖيقٌ فهم من الاوّلين المعرضين عن ذكر اللّه و منهم قتلة الحسين عليه السلام و الزفير اخراج النفس بفتح الفاۤءِ و الشهيق ردّه الي الجوف و من قال فيهم اخسئوا فيها و لاتكلّمونِ ، روي انهم اذا قالوا ربّنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون تُرِكوا مائة سنة ثم اتاهم الجواب اخسئوا فيها و لاتكلّمونِ و هؤلاۤء من المذكورين قبل و مَن قال فيهم فطمسنا اَعْيُنَهم فهم قوم لوط و من عمِلَ عمَلهم و بالجملة كل احدٍ يحشر عَلَي صورة ما استقرّ عليه عمله في باطنِهٖ وَ تخلّقَ من الأَعمال سواۤء تمحّضَ عمله عليه اوْ غلبَ و يُسَاق الي غاية سَعْيهٖ و عملِه لان اللّه عز و جل اقام في ساۤئر عالمه مَن يقوم بما يحتاجون اليه مما تبعثهم دواعيهم و مُيُولهم عليه و جعل له خلفاۤء اَعْضَاداً قاۤئِدين ساۤئقين يسوقون باذن الله كلّ عاملٍ الي ما يُسِّرَ له من عمله الذي خلق له بتمييز العلم القيّومي و في حديث ابي‌الطفيل عامر بن واثلة قال قلتُ يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي صلي الله عليه و اله في الدنيا ام في الاخرة قال بل في الدنيا قلتُ فمن الذاۤئد عليه قال انا بيدي فليَرِدَنّه اولياۤئي و ليُصْرَفنَّ عنه اعداۤئي و في رواية و لاُورِدنَّهُ اولياۤئي و لاَصرفنّ عنه اعداۤئي الحديث ، و ذلك كما قال تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فربّكم اعلم بمن هو اهدي سبيلاً ، و كلّ من الخلاۤئق يكون مع من يعمل مثل عمله و هو قوله تعالي احشروا الذين ظلموا و ازواجهم اي اشباههم في اعمالهم الظاهرة و الباطنة و من انطوت سريرته علي ميلٍ ذاتي او تطبّعي الي شيءٍ فهو معه في رتبته و يحشر معه [ص 322] و في الحديث يحشر المرء مع مَنْ اَحبَّهُ حتّي لو احبّ احدُكم حَجراً لَحُشِرَ معَهُ لانّ المحبّة يظهر من اعْلي اكوانِ المُحِبّ فتكون من كنه حقيقته فيكون ميله الَي نوعهِ المشابه فيشاركه فيما يتّصف به من ثوابٍ و عقاب و من هنا قال تعالي احشروا الذين ظلموا و ازواجهم .

قال : فان تكرّر الافاعيل يوجب حدوث الملكات و الملكات النفسانيّة تؤدّي الي تغير الصورة و الاشكال فكل ملكةٍ تغلبُ علي الانسان في الدنيا يتصوّر في الاخرة بصورة تُنَاسِبُهَا و هذا امر محقق عند اهل اليقين حتّي ان الله سبحانه انما خلق الابدان الحيوانية علي طبق دواعيها و اغراضها النفسانيّة و خلق الاعضاۤء البدنيّة كالقلب و الدماغ و الكبد و الطحال و الانثيين و ساۤئر الاعضاۤء و الجوارح علي حسب مَأٰرِبِ النفس و هيئاتها الذاتية و كذا خلق لكل نوع من انواع الحيوانات آلاتٍ مناسبة لصفات نفوسها كالقرن للثور و المخلب للسبع و الظلف للفرَس و الجناح للطير و الناب للحيّة و الحمة للعقرب .

اقول انّ تكرّر الافاعيل بحيث تقع بغير توجّه جدٖيد و قصد خاۤصّ يوجب حدوث الملكات لان الذوات تتّصف باثار افعالها فتلك الصفة ان قرّت بكثرة تكرر تلك الافعال حتّي كانت كالطبيعة الثانية بل طبيعة ثانية سمّيت ملكةً اي قوّة و قدرة و ان لم‌تستقر لعدم دوام الفعل بل يقع غيره سمّي حالا و الملكات النّفسانية تؤدي الي تغير الصورة و الاشكال و لكن لاتنسي ما ذكرناه لك سابقا من انّ الملكات النفسانية التي تغيّر الصورة حتي يحشر الرجل يوم القيمة سَبُعاً اوْ خنزيراً ليست من ملكات الناطقة القدسيّة لان الناطقة لاتلبس شيئا من صور الحيوانات بل الناطقة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام مقرّها العلوم الحقيقيّة الدينيّة مواۤدّها التأييدات العقليّة فعلها المعارف [ص 323] الربّانية و قال عليه السلام في حديث كميل بن زياد لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياۤء بالنفوس الملكيّة و لها خاۤصيّتان النزاهة و الحكمة و نقل عنه عليه السلام انه قال الصورة الانسانيّة هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غاۤئب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم الي كل خير و هي الصراط الممدود بين الجنّة و النار ه‍ ، و انّما هذه الملَكات الّتي تؤدّي الي تغير الصورة من النفس التي هي الامّارَة بالسوۤء التي هي ضدّ العقل و من النفس الحيوانيّة الحسّيّة الفلكية التي قال فيها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي المتقدّم فعلها الحيوة و الحركة و الظّلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيويّة و التي قال فيها في حديث كميل ابن زياد لها قوي خمس سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب فان هاتين النّفسين هما الباعثتانِ للافعال التي تنشأ عنها الملكات المغيّرة للصورة الانسانية الي صور الشياطين و الحيوانات فالملكات المغيّرة بكسر الياۤء تنسب اليهما لا الي النفس الناطقة لانّها لاتصدر عنها الّا الملكات المقرّرة للصُّورة الانسانية الّتي هي صورة الاجابة و صورة الاجابة هي صورة الفِطْرة التي فطر اللّهُ الناسَ عليها لانها من هيْئة فعله فالملكات المغيّرة من الحيوانية و الامّارة و الصورة المغيّرة بفتح الياۤء هي صورة النفس الناطقة و ليس معني تغيرها انّها بنفسها تنقلب الي صور الحيواناتِ او الشياطين و انما هي كانت متعلقةً بالبدن ما دام تحت سلطنة الناطقة فاذا استولت عليه الامارة و الحيوانية ذهبت الصورة الناطقية و لحِقَتْ [ص 324] بالكرسي و صوّر البدن بما غلب عليه من الصورة الحيوانية او الصورة الامارة لانّ النّاطقية نور و النور لاينقلب الي الظلمة و انما يلحق بالمنير فتنبسط الظلمة في محلّ النّور اذا ذهب و الصورة الانسانية قد ورد في الاخبار انها نور و سماها الرضا عليه السلام بذلك و انها ترجع الي العرش و الراجع منها الي الكرسي عاۤئدٌ الي العرش لانّه من تأييداته فالمتغيّرة انّما هي الحيوانيّة و الاَمّارة .

و قوله « فكل ملكةٍ تغلب علي الانسان في الدنيا يتصوّر في الاخرة بصورةٍ تناسبها و هذا امر محقق عند اهل اليقين » هذا صحيح الّا انه ليس علي نمط الحكمة بحيث يقال انّ هذا سرّ الخليقة و امّا تحقيق ذلك و بيان مأخذه هو ان يقال انّما غلبت لان الحصّة الحيوانية التي في الانسان لم‌يكن لها فصل مخصوص لانها في نفسها صالحة لان تلبس كلّ صورة فيصلح لها فصل الصاهل و الناهق و النابح و الناعق و ما اشبه ذلك و النفس الناطقة ماۤدّتها اشراق العقل و فصلها الناطق فالانسان فيه الحصّة الاشراقية مع فصلها الناطق و فيه حصّة من الحيوانيّة و حصّة من الامارة غير مفصولة بفصلٍ معيّن بل ما دامت النفس الاَمَّارة لم‌تطمئن فتدخل تحت فصل العقل لاتزالانِ تلبسانِ صور الحيوانات و الشياطين فقبلَ ان يتكرر الفعل من هاتين او من احديهما حتي كان اثره ملكة هما داخلتان تحت فصل الحصة الانسانية بالتبعية اي ليس لاحديهما فصل قاۤرّ فيها لازم لها بل الفصل القار للانسانية هو الناطق و الشخص من حيث وحدته لايقبل الفصول المتعدّدة الا علي جهة التعاقب فاذا لبست واحدة منهما فصْلاً من فصول جنسها ارتفع فصل الناطق حال حصول فصل لاحديهما حيواني او شيطاني فاذا لم‌يستقر بان يكون اثره ملكة و ارتفع نزل فصل الناطق و هكذا كلما لبس صورة من صور الحيوانية او الشيطانية ارتفعت الصورة الانسانية فاذا ارتفعت كل الصورة نزلت الانسانية لايزني [ص 325] الزاني و هو مؤمن فاذا زنَي خرجَتْ منه روح الايمان و بقيت فيه روح الاسلام فاذا تاب عادت اليه روح الايمان فاذا تكرر الفعل من احدي الصورتين حتي كان اثره ملكةً خرجَتْ منه الانسانيّةُ بحيوانيتها اي بمادتها من التأييدات العقلية و بفصلها الناطق اي بصورتها الناطقية و ظهرت الصورة الحيوانية عليه اذا كان الفعْل المتكرر من الحيوانية الحسيّة الفلكية او الصورة الشيطانية عليه اذا كان الفعل المتكرّر من الامّارة بالسوۤء فالملكة الحيوانية او الشيطانيّة انّما تغلب اذا خرجت عليها الانسانية بماۤدّتها و صورتها فيكون المحشور حيواناً او شيطاناً ليس هو انساناً انقلب حيوانا لان الماۤدة الانسانية و الصورة الانسانية خرجَا من الشخص فهو حيوان كما قال تعالي ان هم الّا كالانعام بل هم اضلّ او شيطان كما قال تعالي شياطين الانس و الجن لا كما توهّمه المصنف من انقلاب الانسانية حيوانية فقولنا انّ قوله فكل ملكةٍ تغلب علي الانسان في الدنيا يتصور في الاخرة بصورة تناسبها صحيح في الظاهر لانّ تبدّل الصور ليس علي الظاهر منافيا لما نقول لان هذا الشخص خرجت منه الانسانية و صار الٰان حيوانا لان الانسان كما مر فيه الحيوانية و الانسانية و لكن الحيوانية لم‌تكن مفصولة اكتفاۤءً بفصل الانسان فلما تقرّر فيهٰا فصلها خرجت الانسانية لانها ما دامت موجودة لم‌يكن للحيوانية فصل خاۤص فالصُّوَر تتعاقب علي الشخص و لاتجتمع فيه فاذا اطمأنت الامّارة كانت اخت العقل لاستيلاۤء العقل عليها حتي نسيت اعتبارها من نفسها فيَضمحل اعتبار الحيوانية لنفسها .