و قوله « في العالمَينِ و الفرق بين الانبعاثَيْنِ » المراد بالعالمين عالم الدنيا و عالم الاخرة و الفرق بين انبعاث البدَن عن النفس في الدنيا و انبعاثه عنها في الاخرة اما عندنا فلا فرق بين البدءِ و العَود كما قال تعالي كما بدءكم تعودون ، و امّا عنده فلانّه يذهب كما تقدّم انّها اي النفس في اوّل نشأتها جوهر جسماني ثم يتدرّج شيئا فشيئا في الاشتداد و هذا و امثاله من كلماته انّها في النشأة الاولي منبعثة عن البدن و في النشأة الاخري بالعكس و الحقّ ما قلنا بتساوي الانبعاث في العالمين لقوله تعالي و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فحيث حثّهم علي الاستدلال علي النشأة الاخري بالنشأة الاولي و لقوله تعالي كما بَدأكم تعودون و ايضا مَنْ نظر بدليل الحكمة عرف انّ الحال في النّشأتين واحدةٌ .

و قوله « يعلم ان هذا القاۤئل و امثاله عن تحقيق علم المعاد بُعَدَاۤءُ بمراحل » صحيح في الجملة اذا اَرادَ به هذا النّمط الذي ذكره الّا انه ايضا في اكثر اموره كذلك و الاصل في هذا ان الباحث عن هذه الدّقاۤئق اذا كان جاريا في تحقيقه علي طريقة صاحب الشريعة صلي الله علي محمد و اله لايكاد يخرج عن سمت الطريق و ان اتّبع الٰاراۤء فلايكاد يصيب شيئاً من الحق انظر الي هذا الرجل اعني المصنف الفيْلسوف المتوغّل المحقّق فانّه لمّا كان استناد انظاره الي رأيه و الي ما يستحسنه من كلام الحكماۤء و الصوفيّة و لم‌يسلك في هذه المسالك الوعرة المظلمة بمصباح هداة الخلق الي الحق صلي الله عليهم اجمعين قلّ ما يصيب الطريق الحقّ .

[ص 275] و قوله في تمثيله البدن بعد الموت او يوم القيمة بخرابة عاش فيها رجل ايّاما كانت معمورة كما كانت الابدان في الدنيا معمورة فهاجرت النفس عنها مدة الدنيا ثم اتّفق لها يوم البعث الرجوع الي البدن الخراب فاشتد اشتياقها اليه لتذكّر عمارته و لذّاتها الماضية فيه فجعلت تعتكف في البدن الخراب اَبداً ، يعني مدّة بقاۤئها في الاخرة فحبست ذاتها عليه و تركت البدن النوراني الاخروي الذي لم‌يكن من نوع البدن الفاني ليس بصحيح لان البدن الدنيوي لم‌يكسره صانعه عز و جل الّا ليصوغه الصيغة الّتي لاتحتمل الفساد كما قال ارسطوطاليس للرجل الدهري فانها مارجعت الي خرابٍ و انما رجعت الي منزلٍ معمور قد احكم عمارته صانعه العليم الحكيم القاهر القادر لانها انما فارقته لخرابه في الدنيا بسبب ما فيه من الاعراض الضعيفة و الاغيار الكثيفة فلمّا صفّاه و خلّصه منها صاغه لها علي اكمل وجهٍ تشتهيه صيغةً محكمة تصلح للبقاۤء لانها لاتحتمل الفساد لان هذا البدن ليس من نوع الدنيا و انما هو من الاخرة فانزل في الدنيا دار التكليف ليأخذ منها متاعا لذلك السّفر الطويل فخرج منها كما دخل فيها و ليس فيما سمعت هوسات و لا خرافات و انما هي امور طبيعية حقيّة .

قال : و ثالثها انه يلزم اعادة المعدوم و قد علمتَ انه غير لازم و اُجيب في المشهور بانّ الماۤدة باقية و الاعضاۤء الاصليّة باقيةٌ و هذا فاسد لان المادة مبهمةٌ غاية الابهام و حقيقة كل شيء و تعيّنه بصورته لا بمادته كما مرّ .

اقول الاشكال الثالث من الاشكالات التي اوردها منكروا حشر الاجساد هو انهم قالوا ان الاجساد من العناصر الاربعة و هي تبطل و تكون عدماً و لو قيل باعادتها لزم اعادة المعدوم و هو محال لان من عدمت هويّته لايصح الحكم عليه و الّا لم‌يكن معدوماً و ايضا لو صح اعادة المعدوم صح [ص 276] اعادة مثله و لو اعيد معه مثله لزم عدم التمييز بينهما و هو محال و ايضا لو صح اعادة المعدوم بعينه صحّ اعادة الوقت الذي كان فيه في الابتداۤء لانه من مشخّصاته و يكون وقت اعادته وقت ابتداۤئه و اجاب مجوزوا اعادة المعدوم عن الاوّل بان قولكم لايصح الحكم عليه متناقض لان قولكم لايصح الحكم عليه ان كان غير صادق كان نقيضه و هو المعدوم يصح الحكم عليه صادقا فيثبت المطلوب و ان كان صادقا لزم صحة الحكم عليه لان قولكم لايصح الحكم عليه حكم عليه بانه لايصح الحكم عليه و عن الثاني بانا لانسلّم انه لو صح اعادته بعينه لصحّ اعادته مع مثله و انما يصدق ذلك لو امكن ان يكون له مثل مساوٍ من كل جهة و لكنه محال و لو سلمنا فلزوم عدم التمييز لم كان محالا بل لو كان بالنسبة الي عقولنا و اذهاننا لم‌يكن محالاً في نفس الامر اذ لا دليل علي امتناعه و عن الثالث لانسلم لزوم اعادة وقت الابتداۤء للاكتفاۤء في التعيّن بوقت الاعادة كما لو كسرتَ خاتمك ثم صغته كالاول فانّك تكتفي بالوقت الثاني في التشخّصِ و بالصورة الثانية مع فناۤء الاولي علي ان الوقتَ لو اعيد لكان في وقت فيكون للزمان زَمانٌ .

و قوله « و اجيب في المشهور ، الخ » يعني ان قول المشهور ليس بصحيح لقوله و اجيب لان البناۤء هنا للمفعول للتحقير اجابوا بانّ الماۤدة باقية و الاعضاۤء باجزاۤئها باقية فلم‌تكن معدومة لانّ الاعادة صدقها علي موجود الماۤدة اولي فلانحتاج الي الجواب عن لزوم اعادة المعدوم قال المصنف و هذا يعني جواب المشهور فاسد لان الماۤدة مبهمة غاية الابهام فلايتحقق بها من خصوص نفسها تعيّن و انّما التّعيّن للشيء و حقيقته بصورته لا بمادته كما مرّ اقول ليس في كلامه ردّ لاعتراض المنكرين و انّما هو ردّ لجواب المشهور و بقي الاشكال علي حاله لانه اذا ردّ جواب الاشكال [ص 277] قرّر الاشكال لكنه لمّا اتي بصورته و انّها معادة دار كلامه بين امرين احدهما احتمال ارادة اعادة نفس ٱلصورة الاولي في الدنيا و انّها معدومة فيكون معارضاً للمنكرين بغير دليل اوْ انّها لم‌تعدم فيكون معارضا للمنكرين بعين ما عارض به المشهور للمنكرين و معارضا للمشهور بان المعاد انما هو الصورة لانها هي المشخّصة المعيّنة لا الماۤدة المبهمة و ثانيهما احتمال ارادة معارضة المشهور و لم‌يتعرّض لمعارضة المنكرين اصلاً و انت خبير بانّه ذكر سابقاً ان المُعادَ من الانسان هو صورته اي ماهيّته التي بها هو لا بماۤدته بمعني انّ زيداً هو نفسه الناطقة مع ما انْضَمّ اليها من ايّ مادة كانت حتّي لو اخذت ماۤدة الحمار و صوّر منها صورة زيد فهي المعاد يعني الماۤدة الّتي تصوّر فيها صورة زيد يوم القيمة فتكون حقيقة العَود انما هو لنفسه و صورته و امّا ماۤدّته الدنياويّة فانها قد فنِيَتْ و اضمحلت و شبهة هؤلاۤء اَنَّ زيداً لوْ اكله عمروٌ و اغتذَي به حتي كان ما اكله من لحم زيدٍ جزءاً منه و حكمنا باعادة الماۤدة الدنْيويّة لماامكن اعادة زيد و عمروٍ معاً لانه اذا اعيد زيد نقص عمروٌ و اذا اُعٖيدَ عمرو نقص زيدٌ و قد دلّ الدليل علي اعادتهما معاً فيجب ان يكون المُعاد غير الماۤدّة وَ هُو الصورة و النفس لانّ النفس باقية لاتفني و الصورة تحفظها النفس في خيالها و هذه الشّبهة عجزوا عن حَلِّها لانّهم انّما يردّون امرهم الي اللّهِ و الي رسوله و الي اهل بيت رسوله صلي الله عليه و عليهم بالقول و اللفظ باَلْسنتِهم ما ليس في قلوبهم و انّما في قلوبهم اعتمادهم علي افهامهم فلذا كان منهم ما سمعتَ و مثله لانهم انما اخذوا هذه العلوم من العاۤمّة و تتبّع كتبهم الاصوليّة من الكلام و الحكمة و تأمّل فيها يظهر لك صدق قولي و فكّ الشبهة هو انّ اجزاۤء بدن زيد الاصليّة التي تتعلق بها نفسه في الدنيا [ص 278] و الاخرة ليست من هذه الدنيا و انما هي من عناصر هُورقليا اهبطها اللّه عز و جل بحكمته الي هذه الدنيا التي هي دار التكليف فلحقتها من هذه الدار اعْراض غريبة اجنبيّة فاذا اكله عمرو اغتذي عمروٌ بالغريبة الاجنبيّة و امّا الاصليّة فلايغتذي بشيء منها و لايستحيل منها غذاۤءً بوجه من الوجوه لانّها ليست منْ هذا العَالم فلو اكلها الف حيوان و حرقَتْ مع ما تعلّق بها من الاعراض الغريبة في الدنيا بجميع النيران ماذهب منها قدر ذرّة و هي التي خلق منها اوّل مرّة و هيَ الطينة التي تبقي في قبره مستديرة و اضرب لك مثلها لو انّك اخذتَ مثقالاً من الذهب و مزجته بمثقال من النحاس حتي كانا سبيكة ثم وضعتها في النار ما شاۤء اللّه احترقت كل الاجزاۤء النحاسيّة و لم‌ينقص مثقال الذهب قدر ذرّة و كذا لو بردتَ السّبيكة بالمبرد حتي جعلتها سحالة و القيت السحالة في الارض و بقيت في الارض مائة سنةٍ ثم صفّيت التّراب لم‌تجد من النحاس شيئا و وجدت اجزاۤء الذهب تامّة لم‌تنقص شيئا فكذلك طينة زيد الاصلية فانها اذا اكله الحيوان فانما يغتذي بالاعراض الدنياويّة التي نسمّيها بالجسد الاوّل لانه من هذه الدنيا و مثال ما يريد المصنّف من انّ البدن بَدن زيدٍ الدنيوي اذا مات فني و اضمحل و يوم القيمة انّما زيد المعاد نفسه بصورته في الدنيا و مادّته نورانيّة من الاخرة لا مادته الدنيويّة مثل ما اِذَا عملتَ صورة فرسٍ من النحاسِ ثم كسرتها ثم عملتَ تلك الفرس علي تلك الصورة بعينها من الذهب فان المصنف يقول هذه الثانية هي الاولي بعينها و ان اختلفت ماۤدّتها و المستفاد من فحوي كلام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ان الثانية ليست هي الاولي و لو انك عملتها من النحاس الذي هو ماۤدّتها في الحالة كانت الثانية هي الاولي في ذاتها و يصدق عليها من جهة الصورة انها غير الاولي لان الصورة بعينها ذهبت و اتيتَ بصورة مثلها [ص 279] كما قال تعالي كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ، و المصنف يقول هذه الصورة الثانية هي بعينها الاولي حفظتها القوّة الخياليّة الداۤئمة الباقية فاختر لنَفْسِك ما يحلو .

و قوله « لانّ المادة مبهمة غاية الابهام و حقيقة كل شيء و تعيّنه بصورته لا بماۤدّته » فيه انّ الماۤدة لو كانت بدون الصورة كانت مبهمة بل كانت مجرّدة لانّها ماتنزل الي عالم الاجسام الّا اذا اقترنت بها الصورة و لكن ليست الّا انفعال الماۤدة بطبيعتها عند تعلق الفعْل بها لانّها هي قابليّة الماۤدّة للصنع و تعيّنها فالصورة في الحقيقة صفة للماۤدة و هيئة قبولها و حكاية مقتضي طبيعتها فالشيء له حقيقتان حقيقة من ربّه اي اثر فعل ربّه و هي المسماة بالوجود و بالفؤاد و بالنفس التي من عرفها فقد عرف ربّه و بالماۤدّة و بالنور اي نور الله الذي ينظر به المؤمن المتوسّم اي المتفرِّسُ كما دلّ عليه خبر الصادق عليه السلام المتقدّم الذي هو ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و هذه الحقيقة هي المخلوقة اوّلاً و بالذاتِ و حقيقة منْ نفسه و هي المسمّاة بالماهيّة و هذه لايعرف بها ربّه لانها انيّته و بالصورة و بصبغ الرحمة في كون المؤمن و بصبغ الغضب في كون الكافر و هي مخلوقة ثانيا و بالعرض و المادة الموجودة في الانسان كزيد حصّة من النوع الانساني و هي مركّبة من ماۤدّة و صورة نوعيين كحصّة من الخشب تكون سريراً بالصورة الشخصيّة كما تكون تلك الحصّة زيداً بالصورة الشخصيّة فالحقيقة الثانية خلقت من نفس الحقيقة الاولي كما تفهم مِنْ خَلَقهُ فانخلقَ ان كنتَ تفهم فاذا كانت مخلوقة من نفس الماۤدّة كما ذكرناه سابقاً كانت الصورة الّتي يحشر فيها زيدٌ لاتخلو امّا ان تكون هي صورته التي هو بها هو في الدّنيا فيجب ان تكون مخلوقة من ماۤدّته الَّتي في الدنيا فلاتحشر في غيرها لان الصورة صفتها و انفعالها و الصفة لاتكون صفة لغير [ص 280] موصوفها و الّا لم‌تكن صفةً له و امّا ان تكون هي غيرها فان كانت مِنْ قالَبها فهي مخلوقة من نفس المادة الّتي خلِقَتْ منها الاُولَي فهي غير الاولي و لكن لاتكون في غير قالَبِها و لاتحشر في غير ماۤدّتها كما هو الواقع الكاۤئن لانّ قالَبَها هو المادة الّتي خلقت الصورة من نفسِها و ان كانت من غير قالَبِها لم‌تكن صورةَ زَيْدٍ و قد تقدّم ان الماۤدة بصورتها التي خلقت منها هي المقتضية لتعلّق النفس بها لا العكس فكون الماۤدة مبهمة غاية الابهام لا معني له الّا اذا اريد بالماۤدّة الهيولي اي المادة الجنسية او النوعيّة لان الاصطلاح جري علي تسمية الاصل الصالح لتعلق جميع الصور به هيولي و علي ما تعلّقت به الصورة ماۤدة لعدم صلوحها حينئذٍ لغير صورتها فلو اراد به الهيولي فهي مبهمة حتّي تتعلق بها الصّورة فتتعين و لكن ليس مما نحن بصدده و فيما نحن بصدده يراد بالماۤدّة ما تعلّقت به الصورة و في هذه الحال لاتصلح فان قال انها بعد الموت تخلع الصورة حين كانت تراباً فتكون مبهمة قلنا اذا خلعت صورتها الظاهرة لَبِسَتْ صورتها الطبيعيّة التي اشار اليها الصادق عليه السلام بقوله تبقي طينته التي خلق منها في قبره مستديرةً و قد بيّنّا في ما سبق معني استدارتها فاشرب صافيا و دع عنك العيون الكدرة التي يُفْرِغ بعضها في بعض .

قال : و رابعها ان الاعادة لا لغرَضٍ عبثٌ لايليق بالحكيم و الغرض ان كان عاۤئدا اليه كان نقصاً له فيجبُ تنزيهه عن ذلك و ان كان عاۤئدا الي العباد فهو ان كان اٖيلاماً فهو غير لاۤئق به و ان كان ايصال لذّة فاللّذات سيّما الحسّيّات انما هي دفع الٰامٍ كما بَيّنه الحكماۤء و الاطبّاۤء في كتبهم فيلزم ان يُؤلِمَهُ اوّلاً حتي يوصلَ اليه لذة حسّيّةً فهل يليق هذا بالحكيم مثل من يقطع عضواً ثم يضع عليه المراهم ليلتذّ و قوم اجابوا عن هذا بانّ الله لايُسئل عمّا يفعل و ليس لاحدٍ اَنْ يَعْترض علي مالكٍ فيما يفعل في ملكه .

[ص 281] اقول : هذا الاعتراض الرابع لمنكري حشر الاجساد و اجاب قوم بان اللّه لايُسئل عما يفعل و يرد علي الاعتراض ما هو جوابٌ كافٍ و ان كان يحصل غيره و هو انّا نقول بموجب انّ الاعادة لا لغرضٍ عبث لايليق بالحكيم و ان الغرضَ ان كان عائدا اليه كان نقصاً يَلزم منه احتياج الغني عز و جل و يجب تنزيهه عن ذلك و لكنّا نقول الاعادة لغرضٍ يعود الي العباد و ليس الغرض محض ايلامٍ خاۤصّة لان ذلك لايليق بالغني الحكيم الرؤف الرحيم بل الغرض امّا لذّة عظيمة جليلة يلزم منها ايلام قليل حقير بالنسبة الي تلك اللّذّة فان نفوس العقلاۤء تتحمّل تلك الالام المنقطعة لطلب اللّذة الدّاۤئمة اذا كانت متوقّفةً علي تلك الالام و الحكماۤء و العلماۤء و الانبياۤء عليهم السلام يأمرون بها كالحجامة و الفصد و اسقاۤء الدّواۤء المرّ لطلب العافية و كالكي بالنار في المواضع الّتي تتوقّف السلامة عليه مثل من نكحه الفار المخصوص و هو ما نقل المؤرّخون ان في بعض الجزاۤئر نوعاً من الفار اذا كان وقت هيجانه للنكاح و رأي انساناً ضربه بقضيبه في ايّ موضعٍ كان من جَسده فان بادرَ ذلك الانسان الي موضع الضربة و كواه بالنار سلم و الّا بقي يظهر من ذلك الموضع كل يوم فارٌ يتولّد من لحمه حتي يفني جميع لحمه و يموت لا علاج له الا بالكي في الابتداۤء فهذا يأمره بالكي العاقل و العالم و الجاهل و الحكيم و تلتذّ نفسه بالم الكي المنقطع طلبا للسلامة و كقطع العضو لمن لدغته بنت‌طبق و هي حيّة صفراۤء قصيرة نقلوا ان السُّلَحفاة لها فرجانِ و لذكرِها ذَكَرانِ و انها تبيض مائة بيضةٍ تنشق منها تسع و تسعون بيضةً عن سلاحِفَ كامّها و بيضة منها تنشقّ عن حيّة صفراۤء قصيرة و من طبعها انها تغيب في الارض في كل اسبوع ستّةَ ايّام و تخرج علي وجه الارض في اليوم السابع فمن لدغته لا علاج له عن الموت الّا اَن يبادر و يقطع العضو الذي لدَغتْه فيه و الّا هلك [ص 282] فهو يبادر الي قطع يده مثلا و يطلبه و يلتذّ بالم القطع طلباً للحيوة و آلام التكليف و الموت و البعث و اهوال يوم القيمة من هذا القبيل اكثرها و اما ان تكون تلك الالام كفّارة لذنوب المكلّف الموجبة لدخول النّار في العذاب الداۤئم لانه لازم من لوازم الذنوب و امّا لرفع درجة المتألم فان عند الله درجات من النعيم يوم القيمة لاتنال الّا بالمكاره وَ ان لم‌تكن عن ذنوب و انّما تكون لشدّة التخليص و تطهير الطاهر زيادة لبياضه و نضارته و كل هذا لاحق بالاوّل و امّا بمقتضي العدلِ فانه تعالي خلقهم للسعادة التي هي مقتضي الفضل اذا سلك طريق السعادة و اَتيها من بابها و هو ما امر به الشارع عليه السلام و دلّ عليه و من لم‌يسلك الطريق كما هُدِيَ اليه وقع في المهلكة التي هي مقتضي العدل و لم‌يخلقهم لذلك اوّلاً و بالذات و انما خلقهم كما خلقهم للسعادة اوّلا و بالذات و انما خلقهم للشقاوة ثانيا و بالعرض و مثال الحالين مثال رجل اعمي اخذ بيده لهدايته رجل مبصر و الاعمي يعلم علي جهة القطع ان المبصر صادق امين ناصح لايغش و لايجهل و لايغفل كل ذلك علمه الاعمي علي جهة القطع و اليقين بتفهيم المبصر و تعليمه فاخذ بيد الاعمي يسير به في الطريق فمرّا علي بئر عميقٍ في الطريق و كانَا بمرءيً من قومٍ عند البئر فلما قربا من البئر جذبه المبصر عن البئر و قال امَامك بئر عميق مَن وقع فيه هلك فمِل معي لئلّاتقع في البئر فتهلك فلمّا احسّ الاعمي بالحاضرين عند البئر و انهم سمعوا كلامَ المبصر له اَنِفَتْ نفسه ان يكون تابعاً لغيره فاخذ يده من يد المبصر فوقع في البئر فهلك فاَيُّ تقصيرٍ من المبصر و ايّ عذرٍ للاعمي ليقال انّه كان سبباً لانفة نفس الاعمي لان الاعمي طلب من المبصر الناصح الامين العالم بمنافع الاعمي و مَضاۤرّه و قد تيقن الاعمي بذلك كله فلذلك طلب من المبصر ان يدلّه علي اهله و يوصله اليهم لينقلب الي اهله [ص 283] مسروراً كما اوصل شخصاً اخر الي اهله مسروراً فاعتبروا يا اولي الابصار .

و قولهم « فاللذات سيّما الحسّيّات انما هي دفع آلامٍ » غلط منهم فان العلماۤء و الاطبّاۤء انّما نبّهوا علي لذات الدنيا انّها دفع الٰام و لانها منقطعة مع انّ فيه كلاماً فان الالام المشار اليها بانّ لذّات الدُّنيا دفع لها لم‌تحصل للانسان الّا لفقد اللذات لانّها سابقة فاذا فقد اللّذة التي انما خلق عليها و بها تألّم فتجدّد العطيّة الذاهبة باعادتها فيندفع الالم فاللّذّة سابقة و الالم طارٍ لفقدانها و انما لم‌تجعل اللّذات في الدنيا قاۤرةً لانها اي الدنيا ليست دار قرار و لو قرّت لذّاتها لرَكَنتِ النفوس اليها فاعانهم علي ما فيه نجاتهم و ايصالهم الي اللذّات التي لاتحيط الاوهام بجلالتها و شرفها بكون لذّات الدنيا غير باقية لاهلها و ليست هي دفعاً لٰالامٍ سابقة عليها .

و قولهم « فهل يليق هذا بالحكيم مثل من يقطع عضواً ثم يضع عليه المراهم ليلتذّ » ليس بصحيح لان تمثيلهم غير مطابق و انما المثال المطابق كما مثّلنا ان بنت‌طَبَقٍ اذا لدغَتْه في ذلك العضو فان الحكيم الماهر الطالب لسلامة الملدوغ يليق به اَن يقطع العضو ثم يضع عليه المراهم ليلتذّ بالسلامة و يرد علي جواب القوم المجيبين بانه تعالي لايسئل عما يفعل و لكنه انما لايسئل عما يفعل لانه تعالي عليم لايجهل و حكيم لايلهو و ذاكر لايسهو و نحن لانسئله عن فعله و لكنه اجري حكمته في جميع افعاله انه يبيّن لهم حكم الصنع و اتْقانِهٖ ليعرفوه باثار صنعه المحكم المتقن فنحنُ لانسئله لم فعلتَ كذا و لكن بعضنا يسئل بعضاً عن سرّ مصنوعاته الّتي تعرّف لنا بها و نسأله ان يفتح لنا باب الفهم و يفجّر لنا ينبوع الحكمة و العلم كما سئل نبينا محمد صلي الله عليه و اله ربّه فقال اللّهم اَرِني الاشياۤء كما هي و قال ربّ زدني علما و قال (ص) اللهم زدني فيك تحيّراً و كما سئل ابراهيم الخليل علي محمد و اله [ص 284] و عليه الصلوة و السلام ربّه فقال ربّ ارني كيف تحيي الموتي و لنا بهم عليهم السلام اسوة و ليس تفهّمنا لما اراد منا فهمه من اياته و اسرار صناۤئعه اعتراضاً عليه فجوابهم ليس في محله و لكن الواجب علي مَن جهل اَن يسئل و لايستنكف مِن السؤال مَن يطلب العلم و هو يسمع قول الله تعالي و مااوتيتم من العلم الّا قليلا و قال تعالي فسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون .

قال : و تحقيق الجواب علي وجه الحَلِّ انه قد ثبت في مباحث الغايات انّ لكلّ فعلٍ و حركةٍ غاية ذاتيّةٌ و ان لكلّ عملٍ جزاۤءً لازِماً و لكلّ امْرِءٍ ما نوي جزاۤء بما كانوا يكسبون و الٰهُ الدنيا و الاخرة واحد لا شريك له و لن‌تجد لسنّة الله تبديلاً و ليس فعله الخاۤص الّا الرحمة و العناية و ايصال كلِّ حقٍّ الي مستحقّه و انما المثوبات و العقوبات نتائج و ثمرات لفعل الحسنات و السيّئات و لذات الاخرة سواۤء كانت عقلية او حسّيّة ليست كلذّات الدنيا اموراً باطلةً كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظّمـٔان ماۤءً بل لذّاتٌ حقيقيّة واصلة الي جوهر النفس كما علمتَ .

اقول قوله علي وجه الحَلِّ يعني حلّ الاشكال و هو كما قال عند القاۤئلين بقوله من انه تعالي فاعل بالعِنَاية و هو الّذي يتبع فعلُه علمَهُ بوجه الخير فيه لا نفس الامر و يكون علمه بوجهِ الخير كافياً لصدوره عنه من غير قصدٍ زاۤئدٍ علي العلم او انه فاعل بالرضي و هو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سبباً لوجود الاشياۤء و نفس معلوميّة الاشياۤء له نفس وجودها عنه بلا اختلافٍ و اضافة عالميّته بالاشياۤء هي بعينهٖ اضافة فاعليّته لها بِلا تفاوت مبدءٍ و معادٍ ه‍ ، فالعناية علي تفسيرهم يكون فعله تابعاً لعلمه بوجه الخير في الفعل و ان كان لٰا خير فيه في نفس الامر و ذلك العلم كافٍ في صدور الفعلِ من غير قصد زاۤئد علي العلم و يكون الفعل بالطّبيعة او بالقسرِ [ص 285] و الايجاب من غير اختيارٍ لان الفعل اذا كان تابعاً للعلم بوجه الخير في الفعل لا نفس الامر قد يكون لمصلحة الفاعل و ان كان فيه فساد المفعول او بالعكس لعدم اشتراط الخير في نفس الامر و بالايجاب من غير اختيار لعدم القصد الزاۤئد علي العلم و الفعل بالرضي ما يكون علم الفاعل بذاته الذي هو عين ذاته سبباً لوجود مفعوله و يلزم علي هذا انّ العلم سبب تاۤمّ لوجود الاشياۤء و احاطته بها علي السّواۤء فلايكون معلوم ليس بموجود فالّذي اثبته المصنّف في مباحث الغايات مبني علي كون الفاعل فاعلاً بالعناية او بالرضي و انّ الاشياۤء تجري الي غاياتها بمقتضي ذواتها و كذلك الحركات و الافعال لا اَنّ لها مُغَايياً يوصل كل منها الي غايته و انه جعل لكلّ شيء حدّاً محدوداً و امداً ممدوداً و اللازم مما ذكره المصنّف انه تعالي لم‌يحشر الخلق للجزاۤء و انّما الاشياۤء تسير الي ما اقتضته ذواتها من الغايات و ليس ذلك بصنعِ صانع و لا بتقديرِ مقدّر و حينئذٍ يكون جوابه مقرّراً لنوع الاشكال لا انّه راۤدّ له اذ معني كلام المعترض ان اعادة الاجساد عبث لعدم الفائدة و كلام المصنّف معناه انّ للاشياۤء غايات ذاتيّة فكل شيء يطلب غايته فيكون جوابه و ان كان وقع شيء ينافي الحكمة من الفاعل الّا انّ الاشياۤء تسير بطباۤئعها الي غاياتها من الثواب و العقاب و الطبيعة لاتغلط فاذا سلّم المعترض سير الاشياۤء بطباۤئعها الي غاياتها لايلزم ان يكون ذلك بفعل فاعلٍ و لا ان ذلك اعادة لانّها اذا ذهبت لو كانت ساۤئرة بطباۤئِعها لم‌ترجع الي عودٍ لان رجوعها الي عود خلاف ذهابها بطباۤئعها و فناۤؤها في الدنيا ان كان بطبيعتها فهو سَيْر الي غايتها و ان كان عَنْ قسرٍ علي خلاف طبيعتها فما المانع منه في العود ان يكون كذلك فكلّ هذه الفروض و ما اشبهَهَا تنافي الصُّنْع بالعناية كما سمعتَ من معني فعل الفاعل بالعناية .

[ص 286] و قوله : و ان لكل عمل جزاۤء لازِماً ان اريد به انّ الجزاۤء لازم لانّه غاية ذاتيّة للعمل كان من الاوّل اعني سير الاشياۤء بطباۤئعها الي غاياتِها و ان اُرِيْدَ انّه لازم في الحكمة علي الفاعل المعيد فحقّ و لكنه ينافي كون الصنع بالعناية و قوله صلّي الله عليه و اله و لكل امرئٍ ما نوي و قوله تعالي جزاۤء بما كانوا يعملون منافٍ لكون الصنع بالعناية و كل هذا غير مطابق لحلّ الاشكال و اين هذه المعاني من مُراد المعترض بل ربّما تكون مقرِّرةً للاعتراض كما مر لان المعترض يقرّر انّ العود منافٍ لفعل الحكيم و المصنف يقرّر انه يفعل بالعناية بان يكون فعله تابعاً لعلمه بوجه الخير في الفعل لا في نفس الامر حتّي لو كان الخير في الفعل بان يتشفّي المالك من عبده و انْ كان فيه هلاك عبده فكيف يكون هذا جواباً لمن يقول ان هذا الفعل من المالك اذا لم‌يكن فيه نفع العبد ماحسن من المالك لانه عبث او نقص او كيف يكون جوابه انّ فعل المالك له غاية ذاتية يعني طبيعة يستقرّ عليها و يؤل اليها .

و قوله « وَ اِلهُ الدنيا و الاخرة واحد لا شريك له و لن‌تجد لسنة اللّه تبديلاً » يشير به الي ان فعله تعالي علي نمطٍ واحد لايختلف في الدنيا و الاخرة و يستشهد به علي ما ذكر سابقاً و يذكر و لو اراد انّ لكلّ شيءٍ غايةً ذاتيّةً و انّ اللّه تعالي يجري فعله في الاشياۤء علي قوابلها لانه هو اعطاۤءُ كلِّ ذي حقٍّ حَقّه لكان صحيحاً و ان لم‌يكن جواباً للاعتراضِ و امّا الاستشهاد بالاية و الحديث فهو موقوف علي تسليم الخصم لخصمه حكم احدي النشأتين ليسوّي بينهما بدليل الاية و نحن لانسلم للمصنف ان الفاعل فاعل بالعناية لما سمعتَ مما يلزم من ذلك من المفاسد و المصنف لايسلّم لنا ان الفاعل فاعل بالقصد لظنِّهٖ انا نريد به التفات الفاعل و توجهه الي المفعول لايجاده فيلزم تغيّر احوال القديم الموجبة للحدوث لان من اختلفت احواله حادث و هو الذي فهم مِن قصْدِ [ص 287] الحقِ تعالي و هو كما قال في حق القاۤئلين بانّه فاعل بالقصد لانهم لايفهمون مِن معناه الّا تَوجّه الفاعل الي ايجاد المفعول و التفاته اليه و لا شكّ انه علي المعني يلزم منه كلّ قالَهُ المصنّف و زيادة و لكنّا نقول انه تعالي فاعل بالقصد و لانريد بالقصد الّا المشيّة و الارادة و لانريد بالمشية و الارادة الّا الفعل و الايجاد لا غير ذلك لانا نعتقد انه ليس للّه مشيّة و ارادة الّا الفعل لا غير ذٰلِك كما هو دين موالينا محمد و اهل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليه و عليهم اجمعين روي الصدوق في كتابه التوحيد بسنده الي الرضا عليه السلام قال المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان اللّه لم‌يزل مريداً شاۤئياً فليس بموحّدٍ ه‍ ، و قد اجمعوا عليهم السلام انه ليس للّه مشيّة و لا ارادة الّا فعله و ان العلم غير الارادة تقول افعل ذلك ان شاۤء الله و لاتقول ان علم اللّه و يكون مرادنا انه تعالي فاعل بالقصد انّه يشاۤء الشيء اي يفعله لانّ الشيء لم‌يكن مذكورا بالايجاد قبل المشية و ان كان مذكوراً في العلم و لذلك قال الرضا عليه السلام ليونس بن عبدالرحمن تعلم ما المشية قال لا قال المشية هي الذكر الاول تعلم ما الارادة قال لا قال العزيمة علي ما يشاۤء الحديث ، و لانريد بالقصد انه تعالي اذا اراد فعل شيء توجّه اليه و التفت نحوه كما هو حال الحوادث في مقاصدهم لانه عز و جل لايعزب عنه شيء و لايتجدّد عنده حال لم‌يكن له باحداث ما احدث و لا غاب شيء عن مكانه و وقته عنده فاذا اراد احداثه عند نفس الشيء و عند غيره اوجده في وقت وجوده و مكان حدوده و هذه الارادة هي احداثه من غير تصوّر مغايرة بين الارادة و الاحداث لا في الوجود و لا في المفهوم و الارادَة التي مفهومها و معناها غير الفعل و الاحداث فالله سبحانه بريۤء منها و منزّهٌ عنها في مرتبة الذات و في مرتبة الصفات و في مرتبة الاسماۤء و في مرتبة الافعال و نريد باذَا في قولنا اذا اراد [ص 288] امراً ان يقول له كن فيكون وقت تعلّق الفعل بالمفعول و هو وقت ايجاد المفعول و تكوينه و قوله له كن هو عين فعله و صنعه له فظهر وجوده اي مادته بكن و ماهيته اي صورته بيكون لان يكون صورة القبول و هو سبحانه لم‌يكُنْ فاقداً قبل الخلق لشيءٍ و لا وَاجداً لشيء بعْدَ الخلقِ لم‌يكن واجداً له قبل الخلق بل حاله في كلّ شيء حالٌ واحد لايحتمل الزيادة و النقصان و علمه تعالي بالاشياۤء علي اقسام اعلاه علمه بها عين ايجاده لها و له تعالي علم بوجوداتها هو نفس تلك الوجودات و له علم بماهيّاتها هو نفس تلك الماهيات و له علم باحوالها هو نفس تلك الاحوال و له علم بوجوهها و وجوه صفاتها هو نفس تلك الوجوه و هي العلل القاۤئمة في الكتب الالهية و له علم باشباحها و اشباح اشباحها و هي العلوم الانطباعيّة و هي نفس تلك الاشباح فلايعزب عنه علم شيء و هو بكل شيء عليم فذاته تعالي علم بحت و لا معلوم فكان في الازل عالما بها في الحدث في اماكنها و اوقاتها و ايّاك اَن تقول انه تعالي عالم بها في الازل لانها ليست في الازل و انما هو تعالي عالم في الازل بها في الامكان في اماكنها و اوقاتها فلايفقد شيئا منها في ملكه و لايجد شيئا منها في ذاته و كما لم‌يفقد شيئا منها في ملكه لايفقد شيئا ممّا يُناط بها في ملكه من علم او ذكر او نسبة او امكانٍ و كما لايجد شيئا منها في ذاته لايجد في ذاته شيئا مما يُنَاط بها من علم او ذكر او نسبة او امكانٍ لان ذاته المقدّسةَ تقدسَتْ عن الحوادث و عما ينسب الي الحوادث و علمه بها اشراقي لايعزب عنه شيء في الارض و لا في السماۤء و كيف لايعلم كل شيء منها و كل شيء انّما هو شيء بفِعلِهٖ الايعلم من خلق و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته يوم الغدير و الجمعة كما رواه الشيخ في مصباح المتهجّد و هو قوله عليه السلام : و هو منشئ الشيء حين لا شيء اذ كان [ص 289] الشيء من مشيّته ه‍ ، و انما ذكرتُ هذا الكلام استطراداً للمعني المراد الحقّ من العناية لا لمراد المصنف من العناية حيث فسّرها هو و اتباعه بكون الفعل تابعاً للعلم بوجه الخير لا نفس الامر و ذلك العلم بوجه الخير كافٍ لصدور الشيء عنه من غير قصدٍ زاۤئدٍ علي العلم فانه يعني بهذا العلم الازليّ و انه هو المتعلق بالاشياۤء و ان اختلفوا في مَعْني التعلّق .

و قوله « و ايصال كلّ حقٍ الي مستحقّه » يريد به كون الشيء مستحقّاً لما علمه بالعلم الذي هو ذاته تعالي انّه حقّ لذلك الشيء و هذا المعني هو ما فهموه من معني العناية و هو المطابق لافهامهم و امّا المطابق لما في نفس الامر هو انّ الاستحقاق بمقتضي قابليّة الشيء لفعل الفاعل الذي هو علم اللّه الاشراقي بايجاد الشيء و بما يقتضيه بقابليته للايجاد لكن المصنف لايقول بهذا .

و قوله « و انما المثوبات و العقوبات نتائج و ثمرات لفعل الحسنات و السيئات » اذا اريد من كونها نتاۤئج ان الاعمال صور المثوبات و العقوبات علي نحو ما اشرنا اليه سابقا لا انّها صور خياليّة للعاملين كما هو رأي المصنّف تبعاً لمَنْ قولهم قول منكري ٱلمَعاد ٱلجسْمَاني وَ قَدْ تواتَر من الخاۤصّة و العاۤمة معني انّ رسول اللّه صلّي اللّٰه عليه و اله لَيْلةَ ٱلمِعْرَاج دَخَلَ الجنّة و ٱلنّار فَرأي ما فيهما منْ انْواع النّعيم وَ انواع العذابِ الاليم و اخبر بذلِك و هو الصّٰادق النّاطق عن اللّه تعالي فكونها نتاۤئج و ثمرات للاعمال انما هو علي نحو ما مثّلنا من الفواكه في السوق كما تقدّم فانها تصوّر بصورة العمل كما تصوّر ٱلفاكهة التي في السّوق بصورةِ مُلكيّتك اذا ادّيْتَ ثمنَها .

و قوله « وَ لذّاتُ الاخرة سواۤء كَانَتْ عقليّةً او حسّيّةً ليْسَت كَلَذّاتِ ٱلدّنيا » اُموراً باطلةً كسَرابٍ بقيعة يحسبه ٱلظَّمْآنُ ماۤءً » ليس بمستقيمٍ عَلَي ما ينبغي و انْ كَانَ مُلَايِماً في الظاهر لانّ قوله انّ لَذات الدّنيا امورٌ باطِلةٌ ليس بصحيح [ص 290] لانّ لذّاتِ الدنيا امور صحيحة و نعم جليلة متّع اللّه بها عبادَهُ في ٱلدنيا ليشكروا نعمه و لتكون دليلاً علي لذّات الاخرة و ليختبرَ بها المكلّفين و اسباباً لدوام النظام كما في لذّة النكاحِ و الطعام و الشراب و هي من نعم اللّه الجليلة و الٰاۤئه الجميلة نعم هي بالنسبة الي لذات الاخرة حقيرة قليلة لانها متقضّيَة و ضعيفة فان نسبتها الي لذاتِ الاخرة جزء من اربعة‌الٰافِ جزءٍ و تسعمائة جزءٍ لان نسبتها الي لذات البرزخ نسبة الواحد الي السبعين و نسبة لذات البرزخ الي لذات الاخرة نسبة الواحد الي السّبعين و الحاصل هو نسبة لذات الدنيا الي لذات الاخرة و كون لذات الدنيا كالسراب انما هو باعتبار تَقَضّٖيها و قلّتها لا انها باطلة كما توهّم مَن قال انها دفع آلٰامٍ .

و قوله « بل لذّات حقيقيّة واصلة الي جوهرِ النفس كما علمت » صحيح انها لذّات حقيقيّة و لكنها لايَصل الي جوهر النفس منها الّا اللّذّات النفسانية خاۤصة اذ العقليّة تصل الي العقل و الجسمانية تصل الي الجسم .

قال : و خامسها انه اذا صار انسان معيَّن غذاۤء بتمامه لانسانٍ آخر فالمحشور لايكون الّا احدهما ثم لو فرض الٰاكلُ كافراً و المأكول مؤمنا يلزم امّا تعذيب المؤمن او تنعيم الكافر او كون الٰاكلِ كافرا معذّباً و المأكول مؤمنا منعّما مع كونهما جسما واحداً و الجواب الحق يعلم بسند ما اسلفناه و لبعض الناس كلمات عجيبة في هذا المقام حرام علي كل عاقل طالبٍ الاشتغالُ بامثالها بعد عدم الاستبصار بانوار الايمان عن مجرد التقليد لصاحب الشريعة و الاكتفاۤء بدين العجائز الذي فيه ضرب من النجاة .

اقول خامس الاعتراضات انّه لو اكل شخص شخصاً حتّي كان المأكول غذاۤء للٰاكل و جزءاً من بدنه فالمحشور لايكون الّا احدهما و الجواب علي قولهم انّهما يحشرانِ معاً و الجزء الذي كان غذاۤءً هو اَصْليّ من المأكول [ص 291] و فاضل من الٰاكل فردّه الي المأكول لانه اصله اولي من ردّه الي الٰاكِل لانه فاضل فيه لان الٰاكِلَ كان شخصا تاۤمّا قبل الاكْل فيعاد باصله من دون ما عرض له فيُعادَا معاً و علي قولِنا كما مرّ ان الشخص بحقيقته و طينته الاصلية نزل بتمامه من عالم هُورقليا و هو عالم البرزخ الذي فيه جنان الدنيا و نيران الدنيا و فيه جنّة ابينا ادم عليه السلام و جميع من كان من ذرّيّة ادم عليه السلام فجسده خلق من عناصر هذا العالم اعني عالم هورقليا و عالم البرزخ فلما نزل الي هذه الدنيا لحِقَتْه اعراض عَرضَتْ له من دار الدنيا و بها كانت الاجساد كثيفة و ثقيلةً و محجوبة فاذا اكله شخص اخر اغتذي الٰاكِلُ بتلك العوارض لانّ الاجزاۤء الاصليّة هي الشخص المأكول و هذه العوارض في الاصلية كالوسخ في الثوب فان الثوب اذا لحقه الوسخ و غسل رجع الي اصله من غير ان يذهب منه شيء و انما ذهبَ الوسخ العارض و الاجزاۤء الاصلية لاتتسلّط عليها المعدة و لاتهضمها القوة الهاضمة بل لو حرقَ في نار هذه الدنيا الف مرّة لم‌تحترق منها ذرّة و لم‌تتسلّط عليها النار فلم‌يكن شيء من المأكول جزءاً من الٰاكِلِ فهما يعادانِ معاً و قول المعترض ثم لو فرض الٰاكِل كافرا و المأكول مؤمنا يلزم امّا تعذيب المؤمن او تنعيم الكافر جوابه لو لم‌نقل بما سمعتَ لانا اذا قلنا به بطل اصل كلامه فيبطل تفريعه عليه نقول انّ الله سبحانه اشار الي هذا و نحوه بقوله يخرج الحيّ من الميت و يخرج الميتَ من الحيّ فيخرج كلّ ما للمؤمن من الكافر و يحشرهما اليه جميعاً و مثله اشار بل صرّح في كتابه في الردّ علي من انكر الحشر متمسّكا بانهم يكونون ترابا من جملة الارض فقالوا اءذا كنا ترابا ذلك رجع بعيد فقال في جوابهم و ردّ كلامهم قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فيعذّب الكافِرَ و ينعّم المؤمن لانه يفرّق بينهما فلايلحق المؤمن شيء من [ص 292] التعذيب اذ لم‌يبق في الكافر المعذّب منه شيء و لايلحق الكافر شيء من التنعيم كذلك لانهما لم‌يكونا جسما واحداً بل جسمين .

و قول المصنّف و الحقّ يعلم ، الخ » يشير به الي ما تقدّم من ان كل شيء يسير الي غايَتِهٖ .

و قوله « و الاكتفاۤء بدين العجاۤئز الذي فيه ضرب من النجاة » صحيح في حقّ دين العجايز و يا ليته دان بدينهِنّ و لم‌يكن قال بان المعاد انما هو الشخص بصورته لا بمادته و ان كلماتِ البعض التي عجب منها و ان كانت قشريّة و هم اصحاب الكلام احسن استقامةً من كلماته لانهم قلّدوا صاحب الشريعة عليه السلام و هو قلّد الحكماۤء لا حول و لا قوّة الّا بالله العلي العظيم .

قال : و سادسها ان جرم الارض مقدار ممسوح بالفراسخ و الاميال و عدد النفوس غير متناهٍ فلايفي جرمها بحصول الابدان الغير المتناهية و الجواب كما علمتَ من الاصول ثم بعد تسليم ما ذكره ان الهيولي قوّة قابلةٌ لا مقدارَ لها في ذاتها و يمكن لها مقادير و انقسامات غير متناهية و اعدادٌ كذلك و لو متعاقبةٌ و زمان الاخرة ليس كزمان الدّنيا فانّ يوماً واحداً منها كخمسين‌الف سنة من ايّام الدنيا و انّ هذه الارض ليست محشورة علي هذه الصفة و انما المحشورة صورة هذه الارض اذا مدّت و القت ما فيها و تخلّت و اذنت لربّها و حقّت و هي تسَعُ الابدان كلّها كما دلّ عليه قوله تعالي قل انّ الاولين و الاخرين لمجموعون الي ميقات يوم معلوم في جواب من قال ائنّا لمبعوثون اوَ آباۤؤنا الاوّلون .

اقول هذا الاعتراض السّادس لمنكري حشر الاجساد و هو انّ جرم الارض و هو مجموع كرتها مقدار محصور ممسوح بالفراسخ و الاميال و لا شكّ في كونها محصورةً و عدد النفوس غير متناهٍ و هي و ان كانت لا تزاحم بينها الّا انّ لكلِ نفسٍ بَدناً فتكون الابدان غير متناهية فلايفي جرمها [ص 293] المتناهي بالابدان الغير المتناهية و جواب اعتراضهم هذا انّ النفوس المحشورة متناهية ذوات الاَبْدان متناهية و الارض اعظم منها و اوسع و انما يحشرون في صعيدٍ واحدٍ منها كيف و قد اخبر الله سبحانه في كتابه في قوله لخلق السموات و الارض اكبر من خلق الناس و ليس المراد بذلك المجموع بل كلّ واحدٍ اكبر من خلق الناس علي انّ احوال الاخرة ليست كاحوال الدنيا لان الابدان في الدنيا منعَتْها الاعراض و كثّفَتْها الغراۤئب فعظم بينها التزاحم بخلاف الاخرة فان الابدان بعد تَصْفيتِها و مفارقتها للاعراض و الغراۤئب كانت كالمجرّدات مع ما هي عليه من الثقل و الصحّة و الثخن خفيفة لطيفة جامعة لصفتي الماۤدّي و المجرّد فلا تزاحم بينها كما كان بينها في الدنيا اذ الموجب للتزاحم بينها الذنوب التي هي الغراۤئب و قد قدّمنا بعض الاشارة الي ذلك و نحن لانريد بهذا انّها ليست باجسام ماۤدّية بل هي اجسام ماۤدّية مؤلفة مركّبة من الطباۤئع الاربع و العناصر الاربعة الّا انها من طبائع و عناصر غير هذه الطبايع و العناصر الدنيويّة و هي الأن في الدنيا كذلك الّا انّها مزجتها عناصر هذه الدنيا و طبائعها فلمّا تخلّصَتْ منها في القبور خرجت صافيةً نقيّةً فهي مع جِسْمِيّتِها لا تزاحم فيها بمعني انّ الجسم الواحد منها اذا شاۤء ملأ البيت و اذا شاۤء مرّ من سمّ الخياط فهي كاجسام الملاۤئكة حال تجسُّدِها .

و قول المصنّف « و الجواب كما علمتَ من الاصول » يشير به الي ما ذكره في الاصول السبعة المتقدّمة من ان اجساد الاخرة نورانية ليست هي التي في الدّنيا و انّما هي من باب النيّات و الاعتقادات لانها في الاصل صور خياليّة اشتدّت و قويت و ترقّت بالحركة الجوهرية حتّي كانت ملكاتٍ نفسانيّة و النفوس علي مقتضي معني كلامه و ان كانَتْ غير متناهيةٍ الّا انها لكونها منخلعةً عن الصّفات الجسمانيّة لايقع فيها تزاحم اذ التزاحم من صفات [ص 294] الاجسام الماۤدّية و لوازمها اقول و قد تقدّم علي نقض كلامه كلّه و ان الجنّة و ما فيها من القصور و الحور و الولدان ليست اموراً عقليّة كما يشير اليه كلامه بل هي جسميّة حسّيّة في عالم الزمان و المكان و الاجسام لا دهريّة محضة بدليل بقاۤئها فانها جسمانية زمانية نعم لمّا كان تركيب تلك الاجسام بعد كمال تخليصها و صفاۤئها عن العوارض و الغراۤئب تركيبَ بقاۤءٍ و دوامٍ اتّحدت مجرّداتها بماۤدياتها و دهرها بزمانها كما هو مقتضي ما يستحقّ البقاۤء باتّحادِهٖ فلكونِ اجزاۤئه المتباينة في الصورة متّحدة في الكنه ظهرت فيها طبيعة الوحدة الحقيقيّة بامداد الوحدة الحقّيّة سبحان المنعم المتفضّل .

و قوله « ثم بعد تسليم ما ذكره ان الهيولي قوّة قابلةٌ لا مقدار لها في ذاتها و يمكن لها مقادير و انقساماتٌ غير متناهيةٍ و اعداد كذلك و لو متعاقبة يشير به الي انه كما ان النفوس غير متناهية و ابدانها تبعاً لها كذلك اي غير متناهية كذلك الهيولي يعني بها اصل الاجسام قبل تعلّق الصور بها فانها قوّة قابلة و يعني بهذا ان اصل الاجسام قوّة نفسانية بناۤء علي اصوله لا مقدار لها في ذاتها لانها كالماۤء الذاۤئب الّا انّها يمكن لها مقادير و انقساماتٌ غيرُ متناهية لانها تقبل كل صورةٍ و لهذا يعبّر عنها بالماۤء و لها ايضا اعداد غيرُ متناهيةٍ باعتبارِ ما يمكن لها من الصور و لو متعاقبة يريد ان الارض باعتبار كونها هيولي تكون لذاتها غير متناهية فبهذا اللحاظ تسعُ الابدان كلها و فيه علي ما يفهم من اشارته انّ هيولي الارضِ تحشر يوم القيمة ليصحّ انها تكون غير متناهية فيكون نقضا للاعتراض مع انّه لايري اعادة المواۤد و انما تعاد الصور لكنه لو قرّر هنا اعادة الارض بخصوص الصورة لكان المعترض يغلب عليه و يقول ان الصورة متناهية فلايسع المتناهي غير المتناهي فذكر الهيولي اما لخوف الالزام في الحجة او مجاراة للمعترض لان المعترض انما يعترض [ص 295] بالاجسام الماۤديّة و لايثبت النورانية المجردة كما يقول المصنف لانه لاينكر ما يذهب اليه المصنف اذ هو قاۤئل باعادة النفوس فان الفلاسفة و جمعاً من المسلمين و النصاري قاۤئلون ان المعاد ليس الّا للنفس الناطقة نقله في المفصل شرح المحصل لفخرالدين الرازي و هذه الاعتراضات من هؤلاۤء و فحوي كلام المصنف و صريحه ان المعاد هو النفس و الصّورة و امّا المواۤد فانها فانية باۤئرة لاتعود و انما الانسٰان بصورته و نفسه لا بماۤدته و بعد هذا بلا فصلٍ حكم بان المحشورة صورة الارض و الصورة متناهية و لكن لايسعه الردّ للمعارض الّا بالهيولي و الهيولي هي المواۤدّ قبل تعلّق الصور بها .

و قوله « و زمان الاخرة ليس كزمان الدنيا » انما قال و زمان الاخرة مع ان كلّ ما فيها من عالم الملكوت عنده و ليس فيْها شيء من عالم الملك و عالم الملكوت وقته الدهر لا الزمان لانه يري انّ كل ما سوي الله سبحانه من جميع الخلق في الزمان لم‌يتقدّم علي الزمٰان الا الله عز و جل و ينبغي علي قوله تَسَاوِي وقت النشأتين لان الزمان المعروف ظرف عنده لجميع عالم الغيب و الشهادة .

و قوله « فانّ يوماً واحداً منها كخمسين‌الف سنة » يعني من ايام الاخرة فاذا كان زمانها في هذا المقدار تكون ارضها بنسبة زمانها فتسع جميع الابدان و اعلم ان الروايات مختلفة في مقدار اوقات الاخرة ففي الكتاب المجيد و ان يوما عند ربّك كالف سنة مما تعدون و فيه في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنة فاصبر صبراً جميلا و ورد عنهم عليهم السلام الجمع بين الايتين ان في القيمة او علي الصراط خمسين موقفا يقف الناس في كل موقف الف سنة و في بعض الروايات لم‌اقف علي سندها من طرقنا ان السنة من سني الاخرة ثمانون شهراً كل شهر ثمانون جمعةً كل جمعةٍ ثمانون يوما كل يوم [ص 296] ثمانون ساعةً كل ساعةٍ كالف سنة ممّا تعدّون و عن النبي صلّي اللّه عليه و اله لايخرج احد من النار حتّي يمكث فيها احقابا و الحقب بضع و ستون سنة و السنة ثلثمائة و ستون يوماً كل يوم كالف سنة مما تعدّون فلايتّكِلنّ احد علي ان يخْرج من النار ه‍ ، و يريد المصنّف انه كما انّ زمان الاخرة واسِعٌ طويلٌ ليس كزمان الدنيا في القِصَر و الضيق كذلك مكان الاخرة يكون واسعاً طويلا عريضاً ليس كمكان الدنيا .

و قوله « و انّ هذه الارض ليست محشورةً علي هذه الصفة و انما المحشورة صورة هذه الارض اذا مُدَّت و القت ما فيها و تخلّت و اذنَتْ لربّها و حقّت » صرّح فيه بمذهبه و هو انّ الماۤدة الدنيوية مضمحلّة و المعاد انّما هو صورة الشخص لا ماۤدّته و الصورة لاتمدّ و انّما تمدّ الماۤدّة و حيث انه يري انّ الماۤدّة الدنيويّة اضمحلّت حكم بان الصورة المعادة تكون في ماۤدّة نورانيّة من نوع الاخرة تصلح للبقاۤءِ لانّها مجرّدة بخلاف الماۤدة الدّنيويّة و انتَ خبيرٌ بما فيه ممّا ذكرنا سَابقاً .

و قوله « و هي تسَعُ الابدان كلّها كما دلّ عليه قوله تعالي قل انّ الاوّلين و الاخرين لمجموعون ، الي اخره » و هذا ظاهر لا اشكالَ فيه .

قال : السَّابعة ان المعلوم من الكتاب و السنة انّ الجنّة و النّار مخلوقتان اليوم فلمّا كانتا جسمانيّتين يلزم من ذلك امّا تداخل الاجسام او عدم كون محدّد الجهات محدِّداً لها و الجواب قد مرّ مستقصيً من انّهما في داخل حجب السَّموات و الارض و امّا الّذين لايأتون البيوت من ابوابها فيجيبون عن الاشكال تارة بنفي كون الجنّة و النار مخلوقتين بعدُ و تارة بتجويز الخلاۤء و تارة بِاِنْفاق ● السموات بقدر ما يسعها و تارة بتجويز التّداخل [ص 297] بين الاجسام و ليتهم اعترفوا بالعجز و اكتفوا بالتقليد و قالوا لاندري اللّه و رسوله اعلم .

اقول هذا الاعتراض السابع لمنكري حشر الاجساد و تقريره انّ المعلوم من الكتاب و السّنة انّ الجنّة و النار مخلوقتان اليوم فلمّا كانتا جسمانيّتين يلزم من ذلك امّا تداخل الاجسام لانهما اذا كانتا في السَّموات و هي اجسام لزم تداخل الاجسام كأنْ يكون جسمانِ في مكانٍ واحد لايسع الّا احدهما و ذلك محال كما هو مقرّر في مَحلّه و اقول قد ذكرنا مراراً كثيرة انّ اللّه سبحانه قال سنريهم آياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، و قال الصّادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبية فما فُقِد في العبوديّة وُجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اُصيب في العبوديّة الحديث ، و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الّا بما هيهنا و فيما نسب الي اميرالمؤمنين عليه السلام :

اتحسب انّك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر

فاذا ثبت بالكتاب و السّنّة انّ الانسان الصغير طبق الانسان الكبير و انّ جميع ما يراد منك معرفته و الاستدلال عليه فقد اثبته تعالي بصنعه المتقن فيك حيث جعلك المستدلّ و العارف الزَمك دليلك حتي لاتحتاج في تحصيل دليل ما يراد منك الي طلبٍ فَفٖيك السموات السبع سماۤء الحيوة فلك القمر و سماۤء الفكر فلك عطارد الكاتب و سماۤء الخيال فلك الزهرة و سماۤء الوجود الثاني فلك الشمس و سماۤء الوهم فلك المريخ و سماۤء العلم فلك المشتري و سماۤء التعقل فلك زحل و عظام جسدك هي الجبال فان كنت تظنّ بالسموات ما نقل عن بليناس من ان الافلاك في صلابة الياقوت فاين نظيرها فيك اذا كان اصلب ما فيك عظامك فاين سمواتك التي هي علي ظنك اصلب من الجبال [ص 298] و مع هذا انت تقرء قوله تعالي ثم استوي الي السماۤء و هي دخان فان اعتقدت ان السموات دخان كما قال خالقها العالم بما خلق امكنك المطابقة بينك و بين العالم فان افلاك تلك الكواكب التي فيك ابخرة كالدخان تعلّقت بها نجومها كالحيوة و الفكر و الخيال و غيرها و ان توهّمت دعوي بليناس الحكيم مع اعتقادك انك نسخة من العالم الكبير و انموذج منه فاين افلاكك و امامُكَ الرضا عليه السلام يقول قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الّا بما هيهنا فعلي هذا و امثاله من الاَدلّةِ تكون الجنان في السّموات كما تكون انت في الهواۤء الذي هو اكثف من السماۤء في هذه الدّنيا و ايضا بمقتضي الادلّة القطعيّة من الكتاب و السّنة و العقول ان اهل الجنّة اجسام مركّبة لانّهم هم الذين في الدنيٰا الأن المشاهَدون المحسوسون الذين يأكلون و يشربون و ينكحون و تركيبهم في هذه الدنيا انّهم اجساد فيها ارواح و بعين هذا التركيب يكونون في الجنّة و من ذلك انّهم يتنفّسون كما في هذه الدنيا و لايكون ذلك الّا في فضاۤء فيه هواۤء يصلح للتنفّس فيه و اذا كان هذا الهواۤء في الدنيا صالحاً للتنفّس و هو اكثف من السموات الأن لانّها ابخرة لطيفة كان فيها بعد تصفيتها بالطريق الاَولي و هذا لمن وفّق له اظهر من الشمس في رابعة النهٰار و انما يتوحّش منه مَن امتلأ قلبه من الكلام الذي ليس له مستند الّا الاوهام فاين تداخل الاجسام فان الجنّة و النار مخلوقتان الأن و ما في الجنّة من القصور و الولدان و الحور و كل ما فيها من الذوات و الصفات و الهيئات مثله ما في الدنيا و كذا الكلام في النار بل لايكاد يوجد شيء هناك لايكون نوعه او جنسه هنا و ان تفاوتا في الفضل كما قال تعالي انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعض و للٰاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا ، فان اشتبه عليك ان الجنّة و ما فيها اذا كانت اجساماً فكيف يحصل لها و لمن فيها [ص 299] قرار اذا كانت في السموات و الكرسي و السموات و الكرسي ابخرة دخانيّة فانظر الي الملائكة و النفوس فانها اجسام و هي في السموات و الجن و الشياطين اجسام و هي في خلال الارضين و ما بينها و الحوت في البحار و هي اجسام و سكّان النار و الهواۤء اولم‌يروا الي الطير مسخّرات في جوّ السماۤء مايمسكهنّ الا اللّٰه و الحاصل الم‌تعلم انّ اللّه علي كل شيء قدير ثم علي كلّ حال ما معني المنع من تداخل الاجسام و المنع من الخرق و الالتيام و الملاۤئكة و الشياطين تخترق السموات و سيدنا رسول الله صلي اللّه عليه و اله صعِد الي السماۤء بجسمه الشريف بثيابه و عمامته و نعليه و ادريس عليه السلام رفعه اللّه بجسمه الي السماۤء و عيسي عليه السلام رفعه الله اليه بجسمه و عصيّ السحرة و حبالهم قدر سبعين حِمْلَ بغلٍ او اكثر تلقفَتْها عصي موسي عليه السلام و اخذها فكانت علي هيئتها لم‌تعظم قدر ذرّة و صورتا السَّبُعَيْن اللتان في مسند المأمون لما امرهما الرضا عليه السلام قاما سَبُعَيْن فافْترَسا خادم المأمون لعنهما الله لمّا شتم الرضا عليه السلام ثم امر الاسدَيْنِ فرجعا صورتين في مسند المأمون كما كانا اوّلاً و صورة السبع التي كانت في مسند المتوكل لمّا امرها الهادي عليه السلام قامت سَبُعاً فافترست الهندي الساحر فامرها عليه السلام فرجعت صورة كما كانت من غير زيادة في مسند المتوكّل فقال له المتوكل لو رجعته من الصورة فقال عليه السلام لو رجعت عصيّ السحرة من عصي موسي عليه السلام لرجع و الشمس ردّت ليوشع بن نون في قتاله الجبّارين بعد غروبها و ردّت لعلي بن ابي‌طالب عليه السلام في مرض رسول الله صلّي اللّه عليه و اله بعد الغروب و ردّتْ له ايضا عند الحلّة و الأن مكانه عليه السلام حين ردّت له قد بُنيت فيه منارة و هو معروف و انشق القمر لرسول الله صلي اللّه عليه و اله فاين امتناع تداخل الاجسام [ص 300] و اين امتناع الخرق و الالتئام و قول المعترض او عدم كون محدّد الجهات محدِّداً لها فيه انّ الجهات محدثة و المحدّد لها حادث ايضاً و لم‌يخلق الله تعالي شيئا خارج المحدّد و انّما خلق ما خلق في جوفه و من ذلك الجهات فانها في جوفه و الذي شقّ العمق الذي اوجد فيه المحدّد و ما في جوفه قادر علي ان يخلق مثله و ليس حيث لم‌يخلقه لايكون ممتنعاً لانه تعالي لم‌يخلق كل ممكن و انما خلق من الممكنات ما اقتضته الحكمة لصلاح النظام و من قال بانّه لولا ذلك لم‌يكن المحدّد محدّداً لها فانه لم‌يتدبّر كلامه لانا اذا قلنا بوجود الجنّة الجسمانية لانريد بانها خارجة عن المحدّد علي انّ المحدِّد انما يحدّد ما في جوفه و لو قيل مثلا بانّ الجنّة خارج المحدِّد لم‌يلزمه امتناع و انما انه شيء ماكان لا انه يمتنع من قدرة القادر تعالي لان هذا شيء يمكن تصوّره و الممتنع لايمكن تصوّره كما ذكرنا مرارا في شرحنا هذا و غيره و برهنّا عليه و الذي يزعم انه يتصوّر شريك البارئ تعالي فتصوّره حقّ لانه تصوّر ممكنا و هو هُبَل و اللات و العزّي و قد تقدّم حديث علل الشراۤئع عن الرضا عليه السلام انه لاتقع صورة شيء في وهم احد من الخلق الّا و هو موجود في خلق اللّهِ و بالجملة انت اذا رأيتَ ان وجود محدّد اخر غير هذا الموجود ممتنع فانما هو ممتنع بحكم عقلك و عقلك ممكن لايصحّ ان تقدِّر بالممكن قدرة القديم عزّ و جلّ فان كفاك كلامي هذا و الّا فاسئل الله تعالي و تضرّع اليه ان يصلح وجدانك و السلام .