و قوله « و الي هذا المعني اشار ابويزيد ، الخ » هذا ابويزيد البسطامي من الصوفيّة و هذه من شَطْحِهم ● في عِباراتهم و هو مما اشرنا اليه فانه يزعم انّ الصور الّتي في خياله هي حقيقة الاشياۤء و اذا تصوّر شيئا ممّا فهم من معني العرش علي حسب معرفتِهٖ ظنّ انه احاط به حتي لو تصوّر انّه دكّان فيه اسباب بقّالٍ حكم بانّ العرش الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته حقيقته ما تصوّر منه و لا شكّ انّ خياله يسع اشياۤء غيره كتَصوّر الاكل و الشّرب و الهند و الصين و السماۤء و الارض و غير ذلك فيقول ان قلبه لايحسّ بالعرش و لو علم ان جميع ما في وجدانه هو و ساۤئر الصوفية و وجوداتهم جهة حقيرة من جهات العرش بحيث لو نسبوا باجمعهم و ما وجدوا الي احد اركان العرش لكان كنسبة حبة رمل الي ما لايتناهي فيا لهم الويلات اماعلموا انّ الوجود من كل ما سوي اللّه يدور علي اربعة اشياۤء الخلق و الرزق و الحيوة و الموت و كلّها و جميع ما فيها من المعاني و الاعيان و الجواهر و الاعراض المجردات و المادّيات الكلّيّات و الجزئِيات ممّا حوته الاذهان و مما في خارجها و مما في نفس الامر من الامور المحقّقة و من الامور الاعتبارية علي زعمهم كلها قد حوته اركان العرش لميخرج [ص 251] منه شيء الّا الذات البحت عز و جل الذي لايحيط به شيء و هو بكل شيء محيط فان فيه خزاۤئن كل شيء التي اشار اليها سبحانه بقوله و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و المصنف قد قبِلَ ذلك منه و اعتقده لانه احَدُ ائمتِهٖ فاذا كان كل شيء في زاوية من زوايا قلبه لايحسّ به فما الذي يحسّ به فماادري هل علم المصنف ما رَمزه البسطامي ام لا يريد انّ قلبه هو الذي وَسِعَ الحقّ عز و جل لانه سمع الحديث القدسي قوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن فعني بالمؤمن نفسَهُ فجري فيه ما قيل من المثل ان الخنفس رأت الخيل يحذونها فمَدَّتْ يَدَها ، فلاتَلُمْها و لُمْ زَنٖيماً يزعُم انّ ابنَها اِمَامُ .
قال : و منها ان اجساد الاخرة و عظامها من الجنّات و الانهار و الغرفات و البيوت و القصور و الازواج المطهّرة و الحور و كل ما لاهل الجنة من الخدم و الحشم و العبيد و الغلمان و غيرها موجودة بوجود واحدٍ هو وجود انسانٍ واحدٍ من اهل السعادة لانه محيط بها تأييداً من اللّهِ و نزلاً من غفور رحيم و ليس كذلك حال الشقيّ الجهنميّ بالنسبة الي ما يصل اليه من النيرانِ و الاغلال و السلاسل و الحيات و غيرها لانه مُحٰاط بها كما قال تعالي احاط بهم سرادقها و قوله و ان جهنم لمحيطة بالكافرين انّ في هذا لبلاغا لقومٍ عابدين .
اقول من الفروق التي ذكرها بين اجساد الدنيا و اجساد الاخرة ان اجساد الاخرة و حطامها و ما فيها لاهل السعادة من الجنات و الانهار و الغرفات و البيوت و القصور و الازواج المطهرة الحور العين و الخيرات الحسان و كل ما لاهل الجنّة من الخدم و الحشم و هم العيال و القرابة و العبيد و الغلمان و غيرها موجودة عند المصنف و مَن قال بمقالته بوجود واحدٍ هو وجودُ [ص 252] انسان واحدٍ لانّ كل ما ذكر و امثاله عنده صور خياليّة له قويَتْ بتبعيّة قوة المتخيّل التي ترقي الي اعلي درجاتها بحركته الجوهريّة الذّاتيّة فترقّي بهذه الامور المذكورة لانّها شؤنه و انت قد سمعتَ ما ذكرناه من كون هذه الاشياۤء و امثالها موجودة بوجود خارجيّ مغاير للانسان المنسوبة اليه و انما اختصاصها به من جهة انّ مواۤدّها الّتي هي وجوداتها و صورها النوعية التي هي ماهياتها صيغت بصور اعماله اي اُلْبِسَت صور اعماله كما ذكرنا في مثال الفاكهة التي في السوق فانّها متحققة الوجود و الماهية قبل اَنْ يملكها المشتري فاذا دفع الثمن اُلْبِسَتْ صورة تملّكه بحيث يكون اولي بها من غيره و لوْ انّ الغير اشتراها كانَ اَوْلَي بهَا و ليس المراد انّ هذه الاشياۤء من الانسان كالورق من الشجرة كما توهمه علي ان الورق ليس وجود الشجرة وجودَهُ و ليست هي و ورقها موجودين بوجودٍ وَاحدٍ و لا كالشعاع من الشمس كما يتوهّمه و ليس وجود الشعاع وجود الشمس لانّ الشجرة وجدت من وجودٍ لمتوجد الورق منه و انما وجد من فاضل وجود الشجرة بايجادٍ ثانٍ غير ايجاد الشجرة و كذلك الشمس اوجدت بايجادٍ من وجود لميوجد الشعاع منه و انما اُوجِدَ مِنْ فاضل وجود الشمس بايجادٍ ثان و ان كان مترتبا علي الاول كما نطقت به الاخْبار عن الائمة الاطهار صلي الله عليهم لاولي الابصار و كيف يفرق بين اهل الجنّة و اهل النار كما ذكره في اخر كلامه و الصانع سبحانه واحد و الصنع واحد و المصنوع واحد لان الايجاد جارٍ علي وتيرة واحدة و كيف يفرق بين اهل الدنيا و ما فيها و اهل الاخرة و ما فيها و انّ ما في الاخرة هو بعينه ما في الدنيا و انما الفرق ان ما في الدنيا صيغ صيغةً مناسبة للتكليف و الاختبار و الابتلاۤء ليهلك من هلك عن بينة و يحيي مَن حيّ عن بينة و ليست الدار دار خلودٍ و مَقَرٍّ و انما هي دار متاعٍ و مَمرٍّ و الاخرة دار الجزاۤء و القرار و الخلود فصيغت الدنيا [ص 253] و ما فيها صيغةً متغيّرة متبدّلة و الاخرة صيغت صيغة الثبات لانها دار الخلود علي انّ الدنيا مزرعة الاخرة و قد قال الرّضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الّا بما هيهنا ه ، و قال الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة الحديث ، و قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق فمن قَبِل عن الله عز و جل و عن اولياۤئه عليهم السلام لايقول بقول المصنّف الذي منه ان زوجة المؤمن في الجنّة التي ينكحها و حشمه الّذين هم عياله و قرابته صورُهُ الخياليّة و كذا قوله لانه محيط بها تأييداً من اللّه و نُزلاً من غفورٍ رحيم فانه اذا كانت فيه لميدخل الجنّة و لميكن فيها و هذا خلاف المنقول و المعقول لانه خلق من الجنّة و اليها يعود فاهل الجنة كاهل النار في كون كلٍّ في الدار التي خلق منها و اليها يعود فان كان المصنف سمع قوله و انّ جهنم لمحيطة بالكافرين فهَلَّاسمِع قوله تعالي يدخلون الجنة و هم فيها خالدون حتي اذا جاۤؤها و فتحت ابوابها و امثال ذلك من الايات مما هو صريح في مساواتهم لاهل النار في كونهم في الجنة محيطة بهم و هذا انشاۤء الله تعالي ظاهر ليس عليه غبار انّ في هذا لبلاغاً لقوم عابدٖين .
قال : قاعدة في دفع شُبَهِ الجاحدين للمعاد و المنكرين لحشر الاجسادِ و هي اشكالات احدها طلب المكان و الجهة و للجنّة و النار بان الاخرة في اي جهة من العالم و مكانهما اين هو منه حتّي يلزم امّا التداخل او الخلاۤء و هو منفسخ الاصل كما اشرنا اليه لان عالم الاخرة عالم تامّ في نفسه كما ان السُّؤال باين عن مجموع هذا العالم باطل لانه ليس فوق فوقه شيء و لا تحْتَ تحتِه شيء و المجموع لا فوق له و لا تحت و انما يطلب المكان لاجزاۤء عالمٍ واحدٍ لا لمجموعه .
[ص 254] اقول اورد هنا اشكالاتٍ لمنكري حشر الاجساد احدها قالوا ان كان العالم منتظماً بعضه ملتصق ببعضٍ فاين توجد الجنّة و النّار لانهما اذا وجدا لزم تداخل الاجسام و كون الجسمين في محلٍّ واحدٍ و ذلك محال كما برهن عليه و ان كان غير ملتصقٍ بعضه ببعض فقبل ايجادهما يلزم الخلاۤء و هو ايضا محال و اجاب المصنف بان العالم اصله واسع مشتمل علي عوالم متعدّدة و هذا العالم واحد منها و عالم الاخرة عالم اخر تام في نفسه و لايلزم التداخل الّا فيما كان في عالمٍ واحدٍ و كذلك الخلاۤء انّما يلزم بين الاجسام في محل واحد فالسؤال عن مكان الجنّة و النار و جهتهما باطل اذا اريد بهما من هذا العالم كما ان السؤال باين عن مجموع هذا العالم باطل لانه ليس فوق فوقه شيء اي ليس وراۤء فوقيّته او محدّب اعلاه شيء و لا تحتَ تحته شيء اي ليس وراۤء تحته شيء اقول امّا اوّل جوابه و هو ان الاخرة عالم تام فصحيح و امّا انه لايسئل عنه باين فليس بصحيح اوْ انّه بٰاۤئن من هذا العالم بينونة عزلةٍ فكذلك اي باطل لان عالم الاخرة موجود في غيب عالم الدنيا كما انّ جسدك الذي هو من عالم الاخرة و يبعث من قبرك و تدخله روحك و يدخل الجنّة هو في جسدك هذا المرئي فكذلك الجنّة في الاخرة و في الدّنيا امّا في الدنيا فهي في هذه السموات كل جنةٍ فوق سماۤء و جنّة عدن فوْق الكرسي و قد قال تعالي خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الّا ما شاۤء ربّك و قال تعالي و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعدَهُ و اورثنا الارض نتبوّءُا من الجنّة حيث نشاۤء فخاطب العباد بما يعرفون و بما هو الواقع كما روي عنه عليه السلام انما خلقتم للبقاۤء و في روايةٍ اما انّ ابدانكم خُلِقَتْ للجنّة فلاتبيعوها الّا بالجنّة و هو يعني هذه ابدان الدنيا فمن عرف ما اشرنا اليه و مثّلنا به من انّ هذه [ص 255] الابدان التي هي في الدنيا بعينها هي ابدان الاخرة و ان الاقرار بحشر الابدان لايصح و لايثبت الّا باعتقادِ انّ هذه الابدان هي بعينها ابدان الاخرة و استند في معرفته هذه الي قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم و الي قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الا بما هيهنا ه ، لئلّايدخله الريب عرف ان الاخرة الان و ما فيها موجودة في غيب الدنيا و انّه يصحّ ان يقال هذه الابدان هي ابدان الاخرة و هذه السموات هي سموات الاخرة و هذه الارض هي ارض الاخرة و ان كانت تكسر و تُصَفّي و تصاغ في قالبها الاول و انّ المراد من تبديل الارض غير الارض و السموات محض الكسر و التصفية و الاعادة كما قال تعالي كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها لا كما توهّمه المصنّف من انّ المعاد هو النفس و الصورة و امّا الماۤدّة فانّها تفني و تضمحلّ و لاتعود الماۤدّة التي في الدنيا كما تقدّم بل المعاد يوم القيمة من ابدان الحيوانات و من الاوقات و الامكنة و الارض و السموات و الاشجار و النباتات و المعادن هو الموجود منها في الدّنيا بعين ماۤدّته في الدنيا الّا ان تركيبه في الدنيا من هيئات الدنيا لايَصْلح للبقاۤء فكسر ليُصفّي من اسباب التغيير و صٖيغَ الصيغة الّتي لاتحتمل الفساد فمن فهم ما ذكرنا صحّ عنده السؤال عن الجنّة و النار الٰان باين و صحّ منه الجواب بمعني ما ذكرنا و امّا السؤال عن مجموع العالم فهو باطل و ليس السؤال عن بعضه كما نحن بصدَدِهٖ كالسؤال عن مجموع العالم .
و قوله « لانه ليس فوقَ فوقِه شيء و لا تحتَ تحتِهٖ شيء » هو صحيح المعني دون اللفظ لان معني لفظه ان لفوقِه فوقاً لكنه خالٍ و لتحته تحت الّا انه خالٍ و هو لايريد هذا المعني و انّما يريد ان فوقه ليس له فوق و تحته ليس له تحت و اعلم ان مجموع العالم فوقه الظاهري الجسمي محدّد الجهات [ص 256] و الباطني التقييدي عقل الكل و الاطلاقي الحقيقة المحمدية صلي اللّه عليْه و اله و تحته الظاهري الارض السابعة السفلي و الغيبي ما تحت الثري ففَوقُه اعلي جزءٍ منه و تحته اسْفل جزء منه و لا بد ان يحمل قوله شيء علي الممكن لان القديم لاينتفي بهذه العبارة و لايثبت و انما انتفي بنفي الشيء الشيء الممكن سواۤء كان صفة او موصوفاً اي محلّا ام حاۤلّا .
قال : و قد قلنا عالم الاخرة عالم تاۤمّ بل كلٌّ من الجنّة و النار عالم تام برأسه بل لكل انسانٍ سعيد عالم تام كما اومأنا اليه كيف و لو لمتكن الدنيا و الاخرة عالمين تامّين فليس لله سبحانه عالمانِ و ايضا فان الاخرة نشأة باقية لا موت فيها و لا دثور و لا فناۤء و هي دار قربٍ من الله و الانسان متكلّم فيها مع اللّه و الوجوه الناظرة ناظرةٌ اليه فيْها و الدنيا بائرَة فانيةٌ مطرودة من جهةِ القدس ورد في الحديث انَّ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها و اختلاف اللوازم دالّ علي اختلاف الملزومات قال تعالي و ننشئكم فيما لاتعلمون .
اقول يريد من كلامه هذا ان الاخرة عالم تام مسْتقل برأسه لميكن جزءاً من عالم اخر فلايلزم الخلاۤء و لا التداخل بل الجنة و النار كل واحدٍ عالم مستقل برأسه و ان كانا معاً من عالم الاخرة لانّهما متناقِضان بل لكل انسانٍ سعيدٍ عالم تام مستقل غير الانسانِ السعيد الٰاخر لما تقدم في قوله من كلّ ما لانسانٍ سعيد من الجنان و ما فيها من انواع النّعيم و الحور و الخدم و الحشم و الولدان كل ذلك موجود بوجود الانسان المنسوبة اليه لانها منه كالنيات و الاعتقادات منه بل هي من باب الاعتقادات و النيات و قد تقدّم علي قوله هناك ما به كفاية و ذكر هنا كما ذكر هناك فاما عالم الاخرة فهو عالم مستقل كما مر .
و امّا ان الجنّة وَ النّار متغايرانِ كلّ واحدٍ مستقلّ بنفسه فلاجل كونهما متناقضَيْنِ و الّا فهما من عالم واحدٍ بل ربّما لقاۤئل يقول انهما ليس كل واحدٍ منهُمٰا مستقلّاً لانهما من الفعل كالنور [ص 257] الذي اشرق علي وجه الجدار من الشمس و الظلّ الذي ظهر خلف الجدار بالشمس كما لوّحنا اليه في رَساۤئِلنا الموضوعة في بيان القدر و القضاۤء في افعال العباد .
و اما انّ كل انسانٍ سعيدٍ فله عالم برأسه تام ، فقد تقدّم الكلام فيه و انّ هذا العالم عالم صوري خياليّ ظلي و ليس هو مٰا يتمتع به المؤمن في الجنّة و ان كان منه ما يحدث اللّه بصورة ما اشتهاه المؤمن من تلك الصور ما اشتهاه من الخير .
و امّا انّ كل انسان فله عالم تام اذا كان سعيداً ، فليس للتقييد وجه اذ لا فرق بين السعيد و الشقي في حصول عالم تاۤمٍّ له خيالي و انه يخلق علي صورة ما فيه مما تقتضيه الحكمة و العدل له ما تصوره من خير او شرّ فتخصيصه بالسعيد غير سديدٍ .
و قوله « و لمتكن الدنيا و الاخرة عالمَين تاۤمّين فليس لله سبحانه عالمانِ » لاتنهض به حجّة عقليّة و اثبات الشيء لاينفي ما عداه .
و قوله « و ايضا فان الاخرة نشأَة باقية لا موت فيها و لا دثور و لا فناۤء » مصادرة فان منكر الحشر منكر هذا و منكر خصوص حشر الاجساد يثبت ذلك للارواح .
و قوله « و هي دار قربٍ من اللهِ و الانسان متكلم فيها مع اللّه و الوجوه الناضرة ناظرة اليه » فكونها دار قرب كالاول و كذا باقي كلامه و امّا كلام الانسان مع الله فمن نوع كلامه معه تعالي في الدنيا فان اراد غير هذا باعتبار الشدة و الضعف فلا بأس و الّا فبٰاطل و كذا نظر الوجوه الناضرة اليه .
و قوله « و الدنيا بائرة فانية مطرودة من جهة القدس ، الخ » قياس مع الفارق و حكم بغير دليل لان الباۤئرة الفانية هي ما لاينزل الي الدنيا من اعراضها اللاحقة للمحل و الوقت و الابدان نازلة اليها من الخزاۤئن كما مر فتعود بعينها الي ما منه بدئت و الملعونة هي حالة النشأة الاولي التي يراد بها نفس النشأة الاولي مما نهي الشارع عنه و كذا ما فيها من الملعون و ليس كل ما فيها ملعوناً فان فيها العبادات و الاعمال الصالحات و الكتب الالهيّة و القوّام بها عليهم السلام بل [ص 258] فيها من لولاه لماخلق اللّه الجنّة و النار و اختلاف اللوازم يدل علي اختلاف الملزومات ليس في كل شيء فانّ مختلفي اللوازم كلها موجودة و الجنّة و النار مختلفا اللوازم و لميختلفا في البقاۤء فالدنيا و الاخرة و ان اختلفا في انفسهما لميختلف ما فيهما كيف و الدنيا مزرعة الاخرة و آية الاخرة و طريق الاخرة لان من في الدنيا ساۤئرون الي الاخرة فاذا كان ما فيها لايعود فاين البعث المأمور باعتقاده فان لميعد ما فني في الدنيا لميكن في الاخرة معاد بل يكون ما فيها بَدْءٌ جديد لا عود .
و امّا الاية « و ننشئكم فيما لاتعلمون » فداۤلّةٌ علي اعادة المخاطبين في الدنيا اذا اعادهم في نشأةٍ لايعلمون كيفيتها .
قال : و عن ابنعبّاسٍ ان الدنيا و الاخرة مختلفتان في جوهر الوجود و لو كانت الاخرة من جوهر الدنيا لميصحّ ان الدنيا تخرب البتّةَ و تضمحل و لكان القول بالاخرة قولاً بالتناسخ و لكان المعاد عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها و الاتفاق من جميع الملل علي ان الدنيا تضمحلّ و تفني ثم لاتعمر ابداً .
اقول ما نقله عن ابنعباس علي فرض صحته ليس فيه ما ينافي ما نقوله امّا ان الدنيا و الاخرة في انفسهما مختلفتان فالقرءان و الاخبار ناطقان به و امّا انّ اختلافهما في جوهر الوجود فعلي الظاهر ظاهر بل هو المراد من كلام ابنعباس لان المعني انهما مختلفتان في التركيب و الاعراض مثل كثافة الاجسام و عدم احكام ما في الدنيا في الصنعة و التّأليف لا انّهما مختلفَتانِ بالنسبة الي ما فيهما في الماۤدة لان ذلك موجب لانكار المعاد المتفق علي ان انكاره كفر في جميع الملل .
و قوله « و لو كانت الاخرة من جوهر الدنيا لميصح انّ الدنيا تخرب البتّة » يدلّ علي ما قلنا لانه لميقل ما في الدنيا لانّ الكلام فيه لا في نفس الدّنيا كما هو ظاهر كلام ابنعبّاس فانها هي الّتي [ص 259] تضمحلّ لا ما فيها .
و قوله « و لكان القول بالاخرة قولا بالتناسخ » فيه انه لو كانت الاجسام التي في الاخرة غير الاجسام التي في الدنيا لكان القول بالاخرة اي بان تعود النفوس الي اجسامٍ غير اجسامها قولاً بالتناسخ المتفق علي بطلانه و علي كفر القاۤئل به و امّا اذا قلنا بان اجساد الاخرة هي اجساد الدنيا و ان الارواح تعود الي اجسادها التي خرجت منها في الدنيا فهو قول المسلمين و هو الدين القويم .
و قوله « و لكان المعاد عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها و الاتّفاق من جميع الملل علي ان الدنيا تضمحلّ و تفني ثم لاتعمر ابداً » يدلّ علي انّ المراد بالدّنيا هنا الحالة التي قبل الموت لا اهلها و ما فيها لان هذه الحالة هي المتفق علي فناۤئها و عدم عودها بالنّسبة لا ارض الدنيا و سماۤؤها فانهما انما يفنيانِ بالنسبة الي سكّانهما لا في انفسهما فانهما لايفنيان في انفسهما لانهما الأن في ملكِ اللّهِ فاين يذهبان ايخرجانِ عن ملك اللّٰهِ تعالي اللّه عن ذلك كيف و روي الصدوق في اخر الخصال بسنده عن جابر بن يزيد قال سألتُ اباجعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل افعَيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد فقال يا جابر تأويل ذلك ان الله عز و جل اذا افني هذا الخلق و هذا العالم و اسكن اهل الجنّةِ الجنّة و اهل النار النار جدّد الله عز و جل عالما من غير فحولةٍ و لا اناثٍ يعبدونه و يوحّدونه و خلق لهم ارضاً غير هذه الارض تحملهم و سماۤء غير هذه السّماۤء تظلّهم لعلّك تري انّ اللّه عز و جل انما خلق هذا العالم الواحد و تري ان اللّه عز و جل لميخلق بشراً غيركم بل واللّهِ لقد خلق اللّه تبارك و تعالي الفَالفِ عالمٍ و الفَالفِ آدم انت في اخر تلك العوالم و اولٰۤئك الٰادميّين ه ، فان قلتَ هذا الحديث داۤلّ علي فناۤءِ الارضِ و ايجاد غيرها لهذا الخلق الجديد بخلاف ما اشرتَ اليه قلتُ قد تقدّم ان الغير يراد منه تغيير الصورة كما تقدّم في قوله بدّلناهم جلودا غيرها [ص 260] و ارضنا هذه ظاهر و باطن فاذا نفخ في الصور نفخة النشور ميّز ظاهرها من باطنها فباطنها ارض القيامة و ظاهرها ارض الخلق الجديد علي ما افهم و الله سبحانه اعلم لما دلّ الدليل العقلي القطعي عليه من انّ ما دخل في ملك اللهِ لايخرج عنه و من ان الاشياۤء تتنقّل في اطوار اكوان الممكنات لانّها مشابهة للانسان و الانسان لاتحصي اطوار تنزّلاته و لا اطوار ترقِّياته و قد قال الله تعالي سنريهم اياتنا في الافاقِ و في انفسهم حتّي يتبين لهم انه الحقّ و في ما نسب الي علي عليه السلام :
اتحسب انّك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
فهذه الالفالف عالم و الالفالف ادم هل مررتَ عليها الي ان وصلتَ الي هنا ام لا بلي قد مررتَ عليها في تنزّلاتِك من خزاۤئنِك كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته اقسم بربّ العرش العظيم لو شئتُ لاخبرتكم بابٰاۤئكم و اَسلافكم اين كانوا و ممّن كانوا و اين هم الأن و ما صاروا اليه فكم من آكلٍ لحم اخيه و شاربٍ برأس اَبيه و هو يشتاقه و يرتجيه هيهات اذا كشِف المستور و حصِّل ما في الصدور و علم واردات الضمير و ايم اللهِ لقد كوِّرتم كَوراتٍ و كُرِرتم كرّاتٍ و كم بين كرّة و كرّةٍ من آيةٍ و آياتٍ الخ ، ه ، و اعلم اني ربّما ذكرتُ الحديث او بعض الالفاظ مستشهداً بها و اعرض عن بيانها و عن وجه الاستشهاد خوفا من التّطويل و كثرة القال و القٖيل علي انّ مَن وُفّق له يفهمه بتوفيق الله سبحانه و من لميكتب من اهله لايفهمه و اِنْ بَيّنتُه و اللّه سبحانه وليّ التوفيق .
قال : و ثانيها ان الاعادة لو كانت حقّة يلزم التناسخ و اجيب في المشهور بان هذا القسم من التناسخ مما جوّزه الشرع و يسمي بالحشر و لميتأملوا في اَنَّ طبيعة المحال لايصير فردٌ منها ممكنا بتجوّز الشارع [ص 261] و تبديل الاسم و محاليّة التناسخ امر مبرهن عليه .
اقول الثاني من الاشكالات و الاعتراضات الّتي اوردها القاۤئلون بعدم حشر الاجساد هو انّ الاعادة لو كانت حقّةً يلزم القول بالتناسخ قال المصنف بان المشهور اجابوا عن هذا الاشكال بانّ هذا القسم من التناسخ ممّا جوّزه الشارع فلايكون ممتنعاً و لا القول به كفراً و الشارع سمّاه حشراً لا تناسخاً و اعترض ٱلمصنّف علي المشهور بانّهم لميتأملوا في معني جوابهم لان حقيقة التناسخ محال فتكون جميع اَفْرادِهَا محالاً فلايصحّ انْ يكون حشر الاجساد فرداً من تلك الحقيقة الممتنعة ممكناً بمجرّد كون الشارع جوّزه لان الشارع لايجوّز الامر المحال و التناسخ امر مبرهن علي محاليّته بجميع افراده اقول و الاقوال الثلاثة كلها باطلة قول المعترض و قول المشهور في جوابهم و اعتراض المصنف علي جواب المشهور امّا قول المعترض فباطل بنحو ما ذكرنا قبل هذا من انّ التناسخ انما يلزم لو كانت النفوس انتقلت يوم القيمة الي ابدانٍ غير الابدان التي خرجَتْ منها في الدنيا كما يذهب اليه المصنف و اتباعه فانّه لازم علي مذهبه كما بيَّنّاه فيما تقدّم مكرّرا و امّا نحن فنقول بانّ الابدان الّتي تنتقل اليها النفوس يوم القيمة هي بعينها ابدانها التي خرجت منها في الدّنيا فلايلزمنا القول بالتناسخ لان التناسخ عند القاۤئلين به هو انه اذا خرجت نفس زيد من بدنه بالموت دخلَتْ في بدَنِ عمروٍ فلو فرض عندهم انها دخلت فيما خرجت منه لميسموه تناسخاً و انما يكون حيوة ثانية و لا عيب فيه عند الكلّ و امّا قول المشهور في جوابهم فبٰاطل لجعلهم المعاد فرداً من افراد التناسخ و انما صح اعتقاده لان الشارع جوّزه و هذا باطل لانه لو كان من جملة التناسخ لماجوَّزه الشارع وَ لَوْ جوّزَهُ لَجوّزَ التّناسخ بل و التّماسخ و التراسخ و التفاسخ اذ لا فرق بينها و لكن الشارع منع منه لا لاسمه حتّي يمنع ممّا يسمي [ص 262] تناسخاً و يجوّز ما يسمّي حشراً و انّما منع منه لانّ الشيء شيء بظاهره و باطنه معاً فلو قيل بالتناسخ لكان شيئاً بباطنه دون ظاهره او بالعكس فلايكون الشيء بما هو شيء شيئاً و هذه البِماهيّة هي علّة البقاۤء فاذا تبعّضتِ البماهيّة بطل البقاۤء المتّفق عليه من اهل الملَل و امّا قول المصنّف فباطل حيث جعل الممكن محالاً لان التناسخ ليس محالاً عقلِيّاً و انما امتنع من جهة الحكمة فهو في نفسه ممكن فلو جوّز الشارع فرداً منه لميكن محالاً و جاز وقوعه علي ان المصنف فيما سبق جوّزه و حكم به و ان لميشعر بذلك لانّه حكم فيما قبل بان النفس في القيمة تكون في جسدٍ غير جَسدِها في الدّنيا لانّ جسد الدنيا قد فني و اضمحلّ فيلزمه التناسخ في احدي الدارَيْن و امّا ان محاليّة التناسخ مبرهن عليها فالمحاليّة في الحكمة لما اشرنا اليه من البماهيّة لانّ البقاۤء علي مقتضي الحكمة لايكون بدون البِماهية اي بقاۤء الشيء بما هو به شيء و هو خصوص نفسه و بدنه لانهما شيء واحد ممتدّ للاحاطة بالغيب و الشهادة فجمد ما بعد منه عن المبدءِ و هو طرفه الاسفل المسمي بالبدن و بقي الطرف الاعلي علي حالة ظهوره من مبدئه و هي الذّوَبٰان و ذلك هو النفس و اما محالية التناسخ في الظرف العقلي بان لايكون ممكنا فامر باطل لايقوم عليه برهان عقلي و لا نقلي .
قال : و لبعض الاعلام رسالة في المعاد اجابَ عن هذا الاشكال بان للنفسِ الناطقة ضربَيْنِ من التعلّق بهذا البدن اوّلهما اوَّليٌّ و هو تعلقها بالروح الحيواني الساري في الشرايين و اخرهما ثانويّ بالاعضاۤء الكثيفة فاذا فسد مزاج الروح و كاد ان يخرج عن صلاحيّة تعلّق النفس اشتدّ التعلّق الثانوي من النفس بالاعضاء و بهذا التعيّن يتعيّن الاجزاۤء تعيّناً ما ثمّ عند الحشر اذا جمعت و تمّت هيئة البدن ثانياً و حصل الروح البخاري مرّة اخري عاد [ص 263] تعلّق النفس بها كالمرّة الاولي فذلك التعلق الثانوي يمنع من حدوث نفسٍ اخري علي مزاج الاجزاۤء فالمُعٰاد هي النفس الباقية لنيل الجزاۤء انتهي ما ذكره .
اقول صاحب الرسالة اجاب عن شبهة التناسخ بان للنفس الناطقة ضربين من التعلّق بهذا البدن الدنيوي اوّليّ و ثانوي في الدنيا و في الاخرة ايضا فالتعلق الاوّلي في الدنيا انها تعلّقت بالروح الحيواني و الظاهر من كلامه هذا ان المراد بالحيواني النفس الحسّيّة الفلكيّة لانها هي الحيَوانيّة و الظاهر من قوله الساري في الشرايين اي العروق و من قوله بعد و حصل الروح البخاري ان المراد بها النفس النباتيّة و قد قدّمنا ان الناطقة لاتتعلق بالنباتية الّا بواسطة الطبيعية و الهباۤئية و المثاليّة و الفلكية و انّ النباتية لاتسمّي بالحيوانية الّا مجازاً و لكن لعلّه لمّا كان بصدد تعلّق النفس بالبدن و البدن اعلي مراتبه النفس النباتية ذكرها و لميذكر الوساۤئط و علي هذا الاحتمال لا عيبَ في كلامه هذا و التعلق الثانوي الذي في الدنيا تعلقها اي الناطقة بالاعضاۤء الكثيفة و ظاهر كلامه حيث جعل تعلّقها بالاعضاۤء قسيماً لتعلقها بالروح البخاري انه بدون توسّط تعلقها بالروح البخاري و هو غلط و الّا لزم الطفرَة في الوجود و يظهر من كلامه ايضا ان تعلّقها بالبخاري قَوِيٌّ و بالاعضاۤء ضعيف فاذا فسد مزاج الروح و لميصلح لتعلّق النفس به قوِيَ تعلّقها الثانوي الدنيوي و هذا لايصحّ لانه اذا فسد المزاج البُخاري و لميصلح لتعلّق النفس به بطل تعلّقها بالاعضاۤء اصلا اذ لاتتعلّق بالاعضاۤء الّا بواسطة المزاج البخاري فلايكون للاجزاۤء بدون البخاري اتّصال بالنفس منها و الصواب ان يقول ان النفس تعلقت بالبخاري في الدنيا و بالاعضاۤء بواسطة البخاري فعند الحشر اذا جمعت و تمّت هيئة البدن ثانيا و حصل الروح البخاري مرّة اخري [ص 264] كالاولي عاد تعلّق النفس بالبدن لما بينهما من المشاكلة الطبيعية و الرابطة الذاتيّة لا كما توهمه من ان ذلك التّعلق الثانوي يمنع من حدوث نفسٍ اخري علي مزاج الاجزاۤء لان حصول مانع لحدوث نفسٍ اخري يدفع التناسخ فان الدافع للتناسخ هو انّ النفس لمتتعلّق ببدنٍ غير بدنها الذي خرجَتْ منه و ليس المانع من تعلّق نفسٍ اخري شغل البدن بنفسه و الّا لاَتَتْه نفس تتعلّق به لان ذلك لو صحّ جاز التناسخ و انما المانع من ذلك ان النفس لاتتعلق الّا ببدنٍ هي به هي لا غيرها فان نفس زيدٍ انّما كانت نفس زيد لا عمروٍ لارتباطها ببدن زيد لا بدن عمرو كما انّ بدن زيد انما هو بدن زيد لا عمروٍ بارتباطِ نفس زيد به لا نفس عمرو و سرّ ما اشرنا اليه مبرهنٌ عليه في علم الصناعة المكتومة المسمّي بمرءاة الحكماۤء لانّهم يرون المعقولات فيه محسوسات و الغاۤئبات مشاهدات علي وجهٍ لايصحّ الّا اذا انطبق علي الواقع في نفس الامر و ما ذكره المصنف في اعتراضه عليه يأتي الكلام عليه و هو هذا .
قال : و هو من سخيفِ القول و اسقط من الجواب الاول لاشتماله علي وجوهٍ من الخلل منها ان معني التعلق الثانوي في هذا المقام ان يكون بالعرض بمعني ان يكون هناك تعلّق واحد نسبته الي الارواح بالذات و الي الاعضاۤء بالتبع .
اقول ليس هذا الظاهر من كلام صاحب الرسالة لان الظاهر من كلامه ان يكون التعلق اثنين الّا ان التعلق الثانويّ مترتب علي التعلق الاوّليّ بمعني ان يكون التعلق الاولي اقوي من الثانوي لقربه من النفس بدليل انه اذا فسد الاولي قوي الثانوي و لو كان الثانوي تبعا للاوّليّ لكان اذا فسد الاولي فسد الثانوي و لكنه عنده اقوي لقربه و هذا القرب هو معني كونه مترتبا عليه [ص 265] حتي يكادَ يكون حاجباً لَهُ عن التّعلق به لا ان التعلّق به حاصِلٌ بالتّبع كما ظَنّه المصنف فاذا كانَ لها تعلّقٌ بالبخاري و بالاَعْضاۤء فاذا فسد البخاري تمحّضَ التّعلق بالاعضاۤء فقَوِيَ التعلق بالاعضاۤء و هذا الكلام و ان كان غير مراد و لا جارياً علي نمطٍ يفيد الجواب عن اشكال التناسخ لانّ ظاهر مفهومه انّه لولا التّعلّق الثانوي لااقتضي مزاج الاعضاۤء تعلّق نفسٍ اخري يلزم من هذا التعلّق المفروض ثبوت التناسخ و هو ليس جارياً مجري الجواب الّا ان اعتراض المصنف عليه اسخف منه و اَسْقَط و اي خللٍ في كون تعلّقها واحد تتعلّق بالذات و بالبخاري و بالعرض بالاعضاۤء مع انّه اثبت نظيره في شأن الحق سبحانه مع انه لايجوز هناك و يجوّز كما قال فيما تقدّم و في غير هذا في مسألة اتحاد المعقول بالعاقل انه تعالي يعقل المجردات و يدركها و هي صور ادراكيّة فتتّحِدُ به و لاتتّحد الماديات به لان وجوداتها ليست ادراكيّة فقيل عليه انه اذَنْ لايعلمها فاجاب عن هذا الاعتراض المفروض انّه يعلمها بالتبع مع انّه علمه تعالي واحِد احديّ التعلق بالمعلوم و تعلّقه بالمجردات ذاتيّ بحيث كانت متّحدة به و تعلّقه بالماديات بالتّبع فجوّز هذا مع عدم صحته في حقّ الواجب تعالي لان نسبة ذاته المقدسة و علمه خصوصا العلم القديم الذي هو ذاته الي جميع الاشياۤء علي السّواۤء و لميجوّزه في تعلّق النفس مع كونه هو الواقع و ليس الردّ علي صاحب الرسالة الّا فيما سمعتَ .
قال : و منها ان تعلّق النفس بالبدن ليس بقصد وَ اختيار حتّي اذا استشعرَتْ بفساد مزاج الروح انعطف تعلّقه منه الي الاعضاۤء .
اقول يريد ان من الخلل الحاصل في عبارة صاحب الرسالة ان تعلّق النفس وقع منها علي البدن من دون قصدٍ و اختيار و لو كان باختيارٍ صحّ انها اذا اشعرت بفساد مزاج الروح انعطف تعلّقه من الروح البخاري الي [ص 266] الاعضاۤء و بحث المصنف راجع الي لفظ عبارة صاحب الرسالة يقول ان كلامه يدلّ علي اَنَّ تعلّقها بالبخاري و الاَعْضاۤء عن شعورٍ و لهذا اذا فسد مزاج البخاري و اشعرَتْ به انْعطَفَ تعلّقها بالاعضاۤءِ و الامرُ علي خلافِ ذلك و انّما تعلّقُها طَبيعيّ و اقول لا فاۤئدة في البحث و المبحوث عليه فيما نحنُ بصَددِهٖ .
قال : و منها ان هذا القاۤئل لميتفطّن بانّه اذا فسد البدن لمتبق الاعضاۤءُ علي مزاجها و اعتدالها و تتشبّث النفس بذيل التعلّق بها و مدار الرابطة بين النفسِ و البدن بواسطة جهة الوحدة و الاعتدال و هي انما تكون في الالطف فالالطف الي ان تنتهي الي الاكثف فالاكثف و لميتأمل قليلاً في انه اي مقصودٍ يحصل للنفس من التعلّق بمواۤدٍّ فاسدة المزاج و التعلق الطبيعي و كل فعل طبيعي لايكون الّا لغايةٍ ذاتيّة طبيعيةٍ .
اقول اعتراض المصنف علي كلام صاحب الرسالة بان ما جعله مقدّمة لجوابه او بياناً له ليس بصحيح لان قوله اذا فسد مزاج الروح و كاد ان يخرج عن صلاحيّة تعلّق النفس اشتدّ التعلق الثانوي من النفسِ بالاعضاۤءِ يدلّ علي انه اذا فسد مزاج الروح قوي التعلّق بالاعضاۤء و المعلوم انه اذا فسد مزاج الروح بطل تعلقها بالبدن كله لفساد الاعضاۤء و غيرها لفساد الواسطة اقول و بحث المصنف عليه وارد في محله .
و قوله « و مدار الرابطة بين النفس ، الخ » صحيح كما ذكره من تدرّج التعلق من الالطف الي ما دونه و هكذا الي الكثيف فالاكثف الّا ان عبارته ليست فصيحة لان قوله في الالطف فالالطف انما تكون هذه العبارة في الترقي لا في التنزّل و كذا قوله « في اي مقصودٍ يحصل للنّفسِ من التعلق ، الي اخرِه » فانّه ايضاً صحيح واردٌ علي ذلك القاۤئل .
قال : و منها انّ الارواح و الاعضاۤء البسيطة و المركّبة كلّها فاۤئضة من [ص 267] جهة النّفس حدوثا و بقاۤءً علي التركيب الاشرف فالاشرف فاذا فسد الروح السّاري في العضو لميبق العضو عضواً و ايضا ليست الاعضاۤء مما يعيّن وجود النفس حتي انها اذا بَطل مزاج البدن و اضمحلّ تركيبه و انقطع تعلّق النفس الهاربة عن البدن لفساده مرّة اُخري بواسطة اجتماع تلك الاجزاۤء المبثوثة علي التشكل .
اقول فيضان تلك الارواح و الاعضاۤء و القوي كلّها بفعل اللّه عز و جل من جهة النفس في حدوث تلك الامور من تنزلاتها و بقاۤئها بمددٍ هو فاضل مدد النّفس جارياً علي النّظم المتقن الذي لَايكون اكمل منه بتلك الاجزاۤء فاذا فسد الروح الساري في ايّ عضوٍ او قوّة ممّا تحت رتبته التي تكون رتبة الروح اقرب الي النفس من رتبته فسد ذلك العضو و القوّة لفساد الواسطة في حدوثه و بقاۤئه و ايراد هذا ايضا وارد علي عبارة ذلك القائل حيث جعل شدّة تعلّق النفس بالعضو تكون اذا فسد الروح البخاري الذي هو الواسطة في حدوثه و بقاۤئه .
و قوله « و ايضا ليست الاعضاۤء مما يعيّن ، الي اخره » يريد ان القاۤئل اراد بقوله و بهذا التعين تتعيّن الاجزاۤء تعيّناً ما ان مطلق تألّف الاجزاۤء و اجتماعها ثانيا ممّا يُعيّن وجود النفس لها اي للاجزاۤء بحيث يكون مانعا من تعلّقِ نفسٍ اخري فلايتحقّق التناسخ و ردّه المصنف بان اجتماع الاعضاۤء لايستلزم عود النفس الي البدن التي هربت منه لفساده و في كلام المصنف شيء يرد عليه فيه شيئان احدهما ان ظاهر عبارة القاۤئل انّ النفس في تعلّقها الثانوي الاخروي بسببه تتعين الاجزاۤء و تتشخص تعيّناً ما تتأهّل به لتعلّق الرّوح بها و ثانيهما لو اريد من عبارته ما اشار اليه المصنف من ان المراد من عبارة القاۤئل ان الاجزاۤء اذا تألّفت و انتظمت علي نظم النشأة الاولي تكون معيّنة لكون النفس توجد لها دون غيرها من الاجزاۤء المألّفة [ص 268] و ذلك ليس بصحيح لان النفس انما هربَتْ عن ٱلبدن لفساده مرة اخري بفساد الاعضاۤء بعد فساد الروح و اقول ان اراد القاۤئل بكلامه في قوله و بهذا التعيّن ما ذكره المصنف فهو صحيح مطابق للواقع لان الاعضاۤء اذا انتظمت و اجتمعت علي النظم المتقن الموافق للنشأة الاولي كانت مقتضيةً لتعيّن النفس و تعلقها بها ثانيا كما تعلّقت به اوّلا عند الولادة الجسمانية الّا انّ القاۤئل لميقل و بهذا التعين تكون معيّنة بل قال و بهذا التعين تتعين الاجزاۤء و هو تعيّن عاۤئد الي نفسها لا انه تعيّن يرجع الي النفس .
قال : و ايضا من الذي جمع الاجزاۤء التي لا جامع لها الّا صور طبيعيّة او قوّة نفسانيّة تعلّقت بماۤدة طبيعيّة هي كالاصل ثم تضيف الاجزاۤء الغذاۤئيّة اليها بل التحقيق ان الحافظ للاجزاۤء و الجامع لاجزاۤء الغذاۤء للشخص انّما يكون نفس المواۤدّ علي حسب درجاتها و مقاماتها السابقة علي صيرورتها نفساً كاملةً و بالجملة النفس ابداً تعيّن البدن و اجزاۤءه لا البدن يعيّن النفس في شيء من المراتب فما اشدّ سخافة قولِ مَن جعل المواۤدّ الاخيرة و القشور الكثيفة الخارجة عن جهة الوحدة الاعتداليّة مما يدعو النفس الي التعلق بالبدن بالطبع .
اقول الجامع للاجزاۤء بعد تفرّقها هي صور طبيعيّة اذا تفكّكت الاجزاۤء من الاعراض الحابسة لاجزاۤء الاجساد في اماكن التفريق و تخلّصَتْ من الموانع اجتمعت في قبره مستديرةً و بيان هذا بالعبارة الظاهرة ان الاجساد الثانية اعْني الّتي خلقت من عناصر هُورقليا هي الباقية و هي التي تعاد يوم القيمة و هي هذه الاجساد المحسوسة ٱلمرئيّة و هي ليس شيء منها من هذه العناصر و انّما هي لمّا نزلَتْ من ٱلخزاۤئِن الي هذه الدار لحقتها اعراض و كثافات عارضة من هذه العناصر و ليست بجزءٍ من هذا الجسد و ان لحِقَتْه [ص 269] منها كدورة و هذه الاعراض الكدرة الاجنبيّة هي المانعة للاجساد من التشبّه بالمجردات فانّ اجساد اهل العصمة عليهم السلام لمّا طهرت من هذه الاعراض الكثيفة كانت مشابهة للنفوس فيصل احدهم اذا شاۤء من المشرق الي المغرب في لحظة و ما بين المشرق و المغرب خطوة مؤمنٍ فاذا مات الرجل من ساۤئر الناس و تفرقت اعضاۤؤه او اكلته الوحوش او حيتان البحر كان جسده الاصلي متفرِّقاً في بطون الحيوانات ما دامت اجزاۤؤه ممازجة للاعراض الاجنبيّة لانّها تحْبسها عن التشبه بالمجردات و الحيوانات تغتذي بتلك الاعراض و لاتغتذي بشيء من الاجساد الاصلية فاذا اضمحلّت جميع الاجزاۤء العرضيّة و تخلّصَتْ الاصليّة من الاعراض اجتمعتْ في قبره اي في الموضع الذي اخذت منه التربة التي مَاثَها الملَك في نُطفتَيْ ابويه و تكون فيه بعد ما كانت متفرّقةً مستديرةً اي منتظمة علي نظم صورته الطَّبيعيّة التي ظهر بها في الوجود بان تجتمع اجزاۤء الرّأس مترتبة كما هي في الانسان و تحتها اجزاۤء الرقبة و تحتها اجزاۤء الصدر و تحتها اجزاۤء البطن و تحتها اجزاۤء الرجلين و انتظامها علي الترتيب الطبيعي لعدم المانع و الحاجب كما اري الله تعالي نبيّه ابراهٖيم عليه السلام كيفية اِحْياۤءِ الموتي و تلك الصور الطبيعيّة الجامعة لتلك الاجزاۤء المتفرقة هي مجاورة بعضها لبعضٍ في امكنة مبادي اكوانها و اوقاتها و مشاكلة بعضها لبعضٍ بامتزاجِ طبيعةٍ واحدة في كلّ متجاوِرَيْنِ بها تتعاطف و يَأتلف بعضها ببعضٍ و هذه الطّبيعة الواحدة الجامعة لكل متجاوريْنِ قوّة نفسانيّة ففي الاجزاۤء الجماديّة قوّة من نفس الجماد و في الاجزاۤء المعدنيّة قوّة من نفس المعدن و في الاجزاۤء النباتيّة قوّة من نفس النبات و في الاجزاۤء الطّبيعية قوّة من نفس الفلك و في اجزاۤء الصور كابعاض الخطوط و المقادير قوة من نفس المثال و في ذرات الهباۤء قوة من نفس الهباۤء و في قَطْر الطّبيعة [ص 270] قوة منْ نفس الطبيعة النورانية و في الجواهر النفسانيّة قوة من ذات النفس و في الرّقاۤئق الرّوحانية قوّة من ذات الروح و في المعاني العقليّة قوة من ذات ٱلعقل فكلّ ممكن له نفس و نفسه هي وجهه من علّته .
و قول المصنّف « او قوّة نفسانيّة تعلّقت بمادة طبيعية » يصحّ في بعض الاجزاۤء المجتمعة يريد به قوّة من النفس النّاطقة و هذه تجمع الجواهر النفسانية لا غير لان المراد بالقوّة الجامعة طبيعة المجتمع و هي قوّة وصفيّة بها يتحقّق كونه مثل ثقل الحجر فانّه ينزل به الي جهة السّفل و خفّة النّار تصعَد بها الي جهة العُلوّ و ليس المنزل للحجر و الصاعد بالنار قوّة من النّفس و بَيانُ ما ذكرنا ان اجزاۤء البدن تجتمع في القبر بطبيعتها القريبة و ينبت لحمُه بالقوّة النباتيّة حتّي يكون كيوم ماتَ في الدنيا و كل ذلك قبل اَن تلجه الروح و قبل ان تتّصل به قوّة نفسانية و بعد تمامه ينفخ اسرافيل في الصور و تلجه النفس و لميكن في البدن شيء من قواها قبل ان تلجه .
و قوله « ثم تضيف الاجزاۤء الغذاۤئية اليها » يعني ان القوّة النفسانيّة الجامعة تضيف الاجزاۤء الغذاۤئيّة الي الماۤدة الطبيعية التي تعلّقت بها تلك القوة و التحقيق ما قدمنا لك .
و قوله « بل التحقيق ان الحافظ للاجزاۤء و الجامع لاجزاۤء الغِذَاء للشخص انما يكون نفس المواۤدّ علي حسب درجاتها و مقاماتها السابقة علي صيرورتها نفساً كاملة » صحيح الي قوله و مقاماتها و امّا قوله « السابقة علي صيرورتها نفساً كاملة » فليس بصحيح و قد قدّمنا انّ الاجزاۤء العنصريّة لاتكون بنفسها نفسا ناطقة و ان الحركة الجوهريّة هنا باطلة فانها لاتكون بنفس الجوهر من غير صورته و لا بالصورة من غير مددٍ جديدٍ و اذا حَصَل له المدَدُ و قَبِلَهُ ترقّي بالحركة الجوهريّة في اعلي مراتب نوعه بنسبة قابليته للْمَدد و الاجزاۤء [ص 271] العنصريّة لاتكون جواهر ملكوتيّة و امّا اضافة الاجزاۤء الغذاۤئيّة فمن النفس النباتيّة لا غير فافهم .
و قوله « و بالجملة النفس ابداً تعيّن البدن و اجزاۤءه لا البدن يعيّن النفس في شيء من المراتب » ليس بشيء بل قد اشرنا الي بعض الكلمات سابقا تدلّ الفاهم علي شيء من احوال النشأة الاولي و بها تعرف النشأة الاخري كما لوّح سبحانه الي هذا في قوله و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون ، و معني ما ذكرنا انّ في الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام قال انّ في الجنّة لشجرة تسمّي المزن فاذا اراد الله ان يخلق مؤمناً اقطر منها قطرة فلاتصيب بقلةً و لا تمرة اكل منها مؤمن او كافر الّا اخرج اللّه تعالي من صلبه مؤمناً ه ، اقول و هذه القطرة هي النطفة و هي النفس الانسانية الناطقة فاذا اكل الرجل البقلة او التمرة التي في غيبها تلك النطفة من المزن تكوّنت من تلك التمرة نطفة المني و نطفة المزن في غيبها فاذا نزلت نطفة المني في الرحم و التقت بها نطفة المرأة كان من نطفة الرجل جزء ناري و جزء هواۤئي و كان من نطفة المرأة جزءانِ مائيّان و وضع الملك بين ما من الرجل و بين ما من المرأة جزءاً من ترابٍ من الموضع الذي يدفن فيه اذا مات اجراه باذن الله في حيضها الذي يكون به غذاۤء النطفتين فتكمّلت خمسة اجزاۤء طبخيّة ناري و هواۤئي و ترابي و مائيّان هي اربعة اجزاۤء طبيعيّة فحُمَّتِ المرأة لزيادة الحرارة لاجل تعفين النطفتَيْن فبِكَرِّ الافلاك بكواكبها و طرح اشعّتها و بحرارة الرحم من الحمّي و من الحرارة الغريزيّة طبخت تلك الاجزاۤء و تعفّنت و نعمت و تلطّفت فنشأت النفس النباتيّة الموصلة للاجزاۤء الغذاۤئيّة الي المواۤدّ الطبيعيّة العنصريّة هذا و النفس الانسانيّة في ملابسها الاربعة كما تقدّم في غيب النطفتين في النباتيّة فاذا تمت الاربعة الاشهر و تمت خلقة الجسم كانت الولادة [ص 272] الجسمانية و ظهر لباس النفس الرابع اعني النّفس الحسّيّة الحيوانية الفلكيّة من غيب المواۤدّ الجسمانيّة لان تمام آلٰاتها مقتضٍ لتنزّلها كما ان الجدار اذا بنيتَهُ من الحجارة و الطين الكثيفين كانت كثافته مقتضيةً لظهور اشراق نور الشمس عليه اذ لو كان الجدار لطيفاً كالهواۤء لماظهر اشراق نور الشمس عليه فاذا تمّت التسعة الاشهر كانت الولادة الدنياوية و ظهرت النفس الانسانية بملابسها لان بلوغ الٰالات و قوّة نضجها مقتضٍ لظهور اشراق انوار الملكوت عليها فالنفس متعيّنة بقوابل طبيعتها و البدن ببلوغه نحو ما سمعت مُعَيِّن لتعلّق النفس الانسانيّة به و ظهورها فيه بتوسّط ظهور ملابسها كما عيّن الجدار بواسطة كثافته تعلق نور الشمس به و ظهوره علي وجهه و ليس الامر كما توهمه المصنّف و لا علي نحو ما اراده ذلك القاۤئل .
و قول المصنّف « فما اشدّ سخافةَ قولِ منْ جَعلَ المواۤدّ الاخيرة و القشور الكثيفة الخارجة عن جهة الاعتِداليّة مما يدعو النفس الي التعلق بالبدن بالطبع » اقول عليه و كذا سخافة قول مَن انكر ذلك التعلق و هو يري انّ الداعي الي تعلّق نور الشمس بالجدار هو كثافته و لو كان لطيفاً كالهواۤء لَماتعلّق به الاشراق و السّر في تعلّقها بالطبع هو انّها جوهر مقداريّ يدرك ما في صقعه من الملكوت بنفسه فاذا اراد ادراك ما هو خارج عن صقعه منحطّ عن الملكوت الذي هو مقامه لايجده الّا في الاجسام لانها هي الجامعة للذوات ذوات الحدود و المقادير التي هي علي هيئة مقاديرها فجذبتها نسبة المشاكلة بواسطة الملابس الاربعة الطبيعة النورانية و الهباۤئية الجوهريّة و الصور المثاليّة الشبَحيّة و الحسيّة الحيوانية الفلكيّة فكما لمتكن الشمس داعية للجدار علي قبوله اشراقها وَ تعيّنه لها بل الجدار هو الداعي بكثافته لقبول اشراقها و المعيّن له كذلك لمتكن النفس داعيةً الي تأليفِ كثيفٍ لتتعلق به [ص 273] بل لمّا تألّف الكثيف علي هيئة و استعدادٍ بطبيعته التي خلق عليها كانت تلك الهيئة و الاستعداد الطبيعيّانِ مقتضيَيْن لتعين النفس له و تعلّقها به فافهم و تدبّر لتظهر لك سخافة القول في جانب مَن تكون .
قال : و هذا القاۤئل و امثاله من فضلاۤء الاعصار لفي غفلةٍ عريضةٍ عن احوال النفس و مقامٰاتها و درجاتها و كيفيّة انبعاث البدن عنها في العالمَيْنِ و الفرق بين الانبعاثينِ و مَن احكم هذه المتقدّمة و علم تقدّم النفس علي البدن يعلم ان هذا القاۤئل و امثاله عن تحقيق علم المعاد بُعَداۤءُ بمراحل و لعلّ هذا القاۤئل توهم ان البدن عند الموت بمنزلةِ خرابةٍ عاش فيها رجل ايّاماً كانت معمورة فهاجر عنها مدّة ثم اتفق له الرجوع اليها فاشتدّ اشتياقه اليها لتذكّر احواله السابقة و لذّاتها الماضية فيها فجعل يعتكف فيها ابدا مقصوراً عليها عن البلاد المعمورة و المساكن البهجة المتنزّهة و من ذاق المشرب الحكمي يعلم انّ هذه الهوسات و الخرافات لايمكن في الامور الطبيعية .
اقول كيفيّة انبعاث البدن عنها مثل كيفيّة انبعاث العود الاخضر عن حبّة الحنطة و ظهورها من البدن كظهور حبّة الحنطة من العود الاخضر في السنبلة فان العود الاخضر و ان كان اصله الحبّة الّا انّه قشرها و طبيعة الحبّة و حقيقتها كامنة في غيب العود الي ان تكمل آلات الحبّة فاذا كملت الٰالٰات و تمّ الاستعداد ظهر ما كان منها بالقوّة بالفعل و ليس انّ العود تتكون منه الحبّة او من لطيف العود بالحركة الجوهريّة و انّما تتكون الحبّة من طبيعة الحبّة الاصلية التي كانت سارية في العَوْد فالعود لَيْسَت حقيقته من نفس الحبّة فكما انّ نور الشمس الواقع علي الجدار ليس من جرم الشمس و انما هو ظهورها الذي هو صفة فعليّة كذلك العود الاخضر ليس نفس [ص 274] الحبّة و انّما هو قشر الحبّة و ظاهرها و حامل طبيعتها و انْبِعَاث البدن من النفس كانبعاث العود الاخْضر من الحبّة و ظهور النفس من البدن بعد كمونِها فيه كظهور ٱلحبّة بعد كمونها من العود .