اتحسب انّك جرم صغير و فيكَ انْطَوي العالمُ الاكبَرُ
فاذا عرفت ان الانسان الصغير فيه جميع ما هناك و انه الدليل الشاهد علي كل غاۤئب كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما نقل عنه الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غاۤئب و هي الحجة علي كلّ جاحدٍ و هي الصراط المستقيم الي كلّ خير و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار ه ، و عرفتَ انّ جسمك الأن هو جسم الدنيا و هو جسم البرزخ و هو جسم الاخرة بعينه و انّما ينقل من دارٍ دانية الي دار عاليةٍ لانه نزل من العالية الي [ص 227] الدانية و يرجع الي محلّ بدئه عرفتَ اَنَّ ما في الجنّة و اوضاعها و سمواتها و اَرَضيها و جميع ما فيها من الاجسام فهو ممّا كان في الدّنيا علي نحو جسدك هذا في الاخرة و قال تعالي و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاۤء و قال تعالي خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك و من هذا جنة الدنيا هي جنّة الاخرة قال تعالي لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا تلك الجنّة الّتي نورث من عبادِنا فبكرةً و عشيّا في جنّة الدنيا و قال تلك التي في الدنيا هي التي نورث في الاخرة من عبادنا مَن كان تقيا و نار الدنيا هي نار الاخرة قال تعالي و حاق بٰال فرعونَ سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّا و عشيا يعني في الدنيا و يوم تقوم الساعة يعني في الاخرة و امّا كون ما في الدنيا فانياً و ما في الاخرة باقيا لاينافي ما قلنا لانّ ما في الدنيا مخلوط بالاعراض الغريبة الموجبة للتفكيك و التهافت لحكمة الابتلاۤء و الاختبار في التكليف و لُطفاً بالمكلّفين ليتبين لهم انها دار فناۤء فلايركنون اليها و ما في الاخرة قد صُفِّي من الغراۤئب لئلّايجري عليها التغيير و حكم الدارين واحد في احتياج كل ما فيهما في البقاۤء الي المدد الّا ان ما في الدنيا مدده بالمخلوط بالغراۤئب و مدد ما في الاخرة بما صُفّي من المنافيات اذ مدد البقاۤء من نوع مدد الابتداۤء و الاخرة خير و ابقي في الافئدة و العقول و الارواح و النفوس و الطباۤئع و الاشباح و الاجسام و الاعراض و الشهوات من المطاعم و المشارب و المناكح و الملابس و اشدّ تحققا في الظاهر اشدّ ظهوراً و بطونا و في الباطن اشدّ بطوناً و ظهوراً و الاخرة كالدنيا و للٰاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا الّا انها صورة للاخرة كل ما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اُتوا به متشابها .
و قوله « فليس لاحد ان يسئل عن مكانها و وضعها و جهتها ، الي اخره » بلي [ص 228] للعارفين ان يسئلوا و لهم اَن يُجابوا امّا مكانها الصوري فهي ثمان جنان بعدد ابواب الانسان الصغير الي الخيرات و هي جسمه و حياته و فكره و خياله و وهمه و علمه و نفسه ( و هي الباب الاعظم الجامع لجميع ما سبق . المراد بهذه النفس فلك زحل فانه حكاية اعلي مراتب النفس ) فانّ هذه السبعة تصلح للخيرات ● و تصلح للشرور فاذا استعملت للخيرات كانت ابوابا للجنان السبع كل جنّة فوق محدّب سماۤء من السموات السبع و الثامنة جنّة عدنٍ فوق محدب الكرسي ( و ذلك ان فوق محدب الكرسي من تفاصيل العقل و شؤنه ) اعني فلك البروج و باب هذه الجنّة عقله و لايصلح هذا الباب لاستعمال الشرور فلذا كانت الجنان ثماني و اذا استعملت السبعة للشرور كانت ابوابا للنيران السبع كل نارٍ تحت ارض من الارضين السبع و الدار الاخرة هي الحيوان فكل ما فيها حيّ حيوة حيوانية و حيوة تحقق و تأكّد و ثبات و حيوة معرفة و حيوة علم و حيوة بقاۤء و حيوة ملكٍ و سلطنة و حيوة شهوة لاتنقضي و حيوة جدّةٍ لاتخلق و حيوة شباب يتجدّد و هكذا و تنعّم الجنّة للمؤمن في فؤاده بانوار معرفة لاتتناهي و لا كيف لها و في قلبه بانوار اليقين المتجدّد كل حين و في صَدْره بانْوار العلم و في لمسه و شمه و ذوقه و سمعه و بصره بانوار ادراكات لا غاية لها في الشدّة و الكثرة حتي يدرك الغيب بشهادته و بغيبه و بشهادته و غيبه و يدرك الشهادة بغيبه و بشهادته و بغيبه و شهادته و اهل النار في الفقدان كاهل الجنة في الوجدانِ فمكان الجنّة الصوريّة ما سمعت و الجنّة المعنويّة مكانها مكان المدارك المعنويّة و ليس علي الاختصاص بل كل نور يدرك ساۤئرها بمعني ان نعيمها تدركه المدارك المعنوية و الحسّيّة و امّا وضعها فعلي ترتيب وجوه ولاية الولي صلوات اللّه عليه علي وضعٍ لايمليه لسان القلم الّا بالتلويح و اما جهتها فالجهة العليا ظاهراً و هو معلوم و باطنا و هو البطون الغير المتناهي في الامكان في جهتي الخفاۤء و الظهور [ص 229] و الحاصل جهتها وجه اللّهِ عز و جل و امّا انها هل هي في داخل هذا العالم او خارجه فلانّ الجنّة انما يصل اليها اهلها يوم القيمة و الأن ساۤئرون اليها بل ابتداۤء سيرهم اليها منذ كانوا في بطون امّهاتهم عَلقاً فكما لايصلون الي اجسادهم بمعني انّهم لايشاهدون حقيقتها كما تظهر لهم الأن بشريّتها الّا يوم القيمة فكذلك لايصلون الي الجنّةِ بالعَيانِ و ٱلحِسّ الّا يوم القيمة و ذلك لانّها في صقعٍ فيه اجسادُهُم الّتي يحشرون فيها و هي الأن فيهم في اجسادِهم الظّاهرة في غيبها بالفعل لا بالقوّة و كذلك الجنّة فانّها موجودة في مكانها بالفعلِ الأن في صقع المجرّدات عن المواۤدّ العنصريّة و لكن وجودها بالنسبة اليك في هذه الدنيا كوجود الصين بالنسبة الي اهل الشام فانّهم يتصوّرون الصين في اذهانهم بصورة ظلّيةٍ مع ان الصين موجودة معهم في عالم واحد فاذا سافروا اليها و وصلوا اليها عرفوا ان هذه هي التي كنا نتصوّرها فتنطبق الصورة الذّهنية علي الصورة الحسّية فهي في حال غيبتهم عنها من عالم الغيب بالنسبة الي ما في اذهانهم من صورتها و الّا فمن حيث الكون هي معهم في عالم الشهادة فكذلك الجنّة هي موجودة بالوجود الخارجي معنا لانّا نزلنا منها انشاۤء الله تعالي و لو لمتكن موجودة في الخارج لماوُجدنا منها في الخارج و نحن ساۤئرون اليها انشاۤء الله تعالي فاذا وصلناها انشاۤء الله تعالي رأيناها اذ كل غاۤئب عنك فهو بالنسبة الي صورته في ذهنك في عالم الغيب لان صورتك في عالم الغيب و ذو الصورة معك في كونك في عالم الشهادة فالجنّة موجودة الأن فوق محدّبات اجرام السموات و جرم فلك الثوابت المستورة باجرامها الظاهرة كجسمك الاخروي الذي تدخلها به الموجود الأن في المستور بجسدك الظاهري وَ نريد بجسدك الظّاهري السّاتر لجسمك الذي تحشر فيه خصوص الاعراض الغريبة و مثاله خاتمك قد صغته من مثقال [ص 230] فضةٍ فهذه الصيغة و الصورة هي الجسد الاول الساتر لجسم الخاتم الباقي كما اذا كسرته بعينه و صغت فضته التي وزنها مثقال خاتما كصورته الاولي فان صورة خاتمك الاولي في فضّته هي جسده العرضي الفاني الساتر لجسمه الباقي اعني الذي صغته ثانيا مع ان المادة واحدة لمتزد و لمْتنقص فهذه الاعراض الفانية الدنياويّة هي الجسد الفاني الساتر للجسم الباقي و بهذه النسبة غيبوبة الجنّة عن البشر في هذه الدنيا بالاعراض الدنيوية و من هنا قال تعالي لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحٖيم علي تأويل الاية كما روي عن سيد الساجدين عليه السلام فالجنة في اماكنها المذكورة موجودة بالفعل لا بالقوّة كما ان جسمك الاخروي موجود في جسدك هذا لكنها مستورة بالاعراض الدنيوية كما ستر جسمك بالاعراض الدنيوية فان قلتَ كيف تسمي الجسد الساتر عرضاً فانه ان كان عرضا ليس جسداً قلت اريد بالعرض ما هو اعم من العرض و الجسد العارض لانّي اريد به ما ليس منك اذ كل ما تعلق بك و هو اجنبي فتعلّقه عرض مثل ثوبك الابيض اذا لحقه وسخ غيّر بياضه فانك اذا غسلته زال عنه الوسخ و رجع الي اصله لميذهب منه شيء و انما ذهب منه العارض الاجنبي .
و قوله « لما علمت انّها نشأة اخري » اخذه من قوله تعالي و انّ عليه النشأة الاخري الّا ان مراده غير المراد من الاية لان المراد من الاية بعث الاموات و اعادة ما فات من الاعظم الرفات و المصنف يريد انّ ايجاد الجنّة طور اخر مغاير للصنع الاول و يردّه قوله تعالي كما بدءكم تعودون و قوله تعالي و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فانه تعالي لامَهُمْ علي عدم التذكر بالنشأة الاولي للنشأة الاولي و ليس ذلك الّا لاتّحاد هيئة النشأتين و امّا عدم النسبة بينهما في الوضع فليس في الحقيقة بشيء لان الظاهر اما تنزل الباطن او صفته او معلوله و لا بدّ في اعتبار كل [ص 231] واحدٍ من الثلاثة من اعتبار الوضع لانّ وجه المظهر و الصفة و المعلول اذا لميكن الي جهة التنزل في المظهر و جهة الاتّصاف في الصفة و جهة الوجه في المعلول لميتحقّق ذلك من كلٍّ منها و هو ظاهر كما هو مبرهن عليه في محلِّه و امّا النسبة في المقدار فلاتعتبر بين ما هو من الغيب و بين ما هو من عالم الشهادة اذ لا تزاحم بينها سواۤء كان ما هو من عالم الغيب في داخل ما هو من عالم الشهادة ام في خارجه فليس عدم النسبة بينهما في المقْدار من جهة الجهل به بل لعدم التزاحم بين ما اتّصف بصفات التجرّد و بين ما اتّصف بصفات الماۤدّيات .
قال : و ما ورد في الحديث ان اَرْض الجنة الكرسي و سقفها عرش الرحمن ليس المراد الفضاۤء المكاني الذي لجهات هذا العالم بين ذلك و فلك الثوابت بل المراد ما هو بحسب مرتبة باطنهما و غيبهما فان الجنّة من داخل غيب السماۤء و كذا ما ورد من انّ الجنّة في السماۤء السّابعة و النار في الارض السفلي ليس المراد الّا ما هو داخل حجب هذا العالم و انّ الدار الاخرة مخلّدة و نعيمها غير زاۤئلة و فواكهها غير مقطوعة و لا ممنوعة بحكم الاصل الخامس .
اقول يريد ان المراد من الحديث الوارد انّ ارض الجنة الكرسي الذي هو فلك الثوابت و سقفها عرش الرحمن الذي هو الفلك الاطلس هو انّ الجنّة رتبتها في اللطافة و التخلص من المواۤدّ المتغيرة المتبدلة و الاعراض المغيّرة و البقاۤء و الشرف و الحيوة و التأثير متوسطة بين غيب الكرسي و باطنِه الذي هو النفس الكلّية و اللوح المحفوظ و بين باطن عرش الرحمن و غيبه الذي هُوَ عقْلُ الكلّ و ٱلقلم و يريد اوّلا انّه ليس المراد به الفضاۤء المكاني الذي تشغله الاجسام بالحصول فيه و هو الذي لجهات هذا العالم الجسماني بل الجنّة من داخل غيب السماۤء فامّا الارادة الاولي اعني بيان رتبتها فهو صحيح في الظاهر بمعني ان هذا وجه من ذلك صحيح و له وجه اخر هو ان الجنّة و ما فيها [ص 232] بين الظاهر المعبر عنه بالكرسي بمعني ان اسفل صفاتها المعبر عنه بالارض انّ فيها طعاماً مأكولاً و بيتا مسكوناً و حوريّة منكوحة و ذلك من ارضها و كونها فوق الكرسي انّها علوم كما قال عليه السلام اسفله طعام وَ اَعْلَاه علم و بين الباطن ٱلمعبر عنه بعرش الرَّحْمٰنِ بمعني انّ اعلي صفاتها المعبّر عنه بٱلسَّقْفِ انّ فيها معارف لمّيّة و مدارك قدسية و افاعيل جبروتيّة سرمديّة و اقتدارات مليكية و هي الاستواۤء علي العرش المضاف الي الرحمن للاشارة الي القيام بامدادات من ينسب اليه بما به قوامهم و ابلاغهم اعالي مقاماتهم من الولدان و الحور و الجنات و القصور و المطاعم و المشارب و ما تشتهيه الانفس و تلذ الاعين و ممن الحق بهم من ذرّياتهم و اتباعهم و اخوانهم فان الله عز و جل يكسوهم بكسوة ربوبيّته و يحلّيهم بحلية طاعته كما اشار تعالي اليه بقوله يا عَبدي انا اقول للشيء كن فيكون اطعني اَجْعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون الحديث ، لان الاستواۤء بالرحمانية علي العرش اعطاۤء كل حقٍّ حقّه و السَّوق الي كل مخلوقٍ رزقه و امّا ارادة انه ليس المراد به الفضاۤء المكاني فليس بصحيح لانه كما ان المكانة و الشرف و الرفعة و الاحاطة بالظاهر و الباطن و التسلط علي غاية المراد و التجرد في المتجرد و المتجسّم و التجسّم في المتجسّم و المتجرد و غير ذلك مما اشرنا اليه مرادة من نسبة بينيّة الكرسي و العرش من حيث المعني و الغيب و البطون كذلك الفضاۤء المكاني مراد ايضاً كما سمعتَ من معراج النبي صلي الله عليه و اله في السماۤء مع ان المقصود سبحانه ليس في خصوص السموات لان رفعة المكان الحسّي من مقتضيات طبيعة الشرف و التشريف و لاجل هذا كانت الجنان السبع كل واحدة فوق سماۤء من السموات السّبع و الثامن جنّة عدن فوق الكرسي [ص 233] و هي التي يسكنها محمد و اله و النبيون و شيعتهم صلي الله علي محمد و اله و علي النبيين و علي شيعتهم فان قلتَ ان السموات و الارضين يكشط و تفني فكيف تكون الجنان فوقها و الارضين تكون النيران تحتها قلت انها تبدّل كما قال تعالي يوم تبدّل الارض غير الارض و السموات يعني تبدل السموات غير السموات و المراد بالتبدّل هنا هو الكسر و التصفية و الصوغ علي حدّ ما قرّرنا في جسمك في فناۤئه و اعادته بعين مادته و صورة قالَب تصويره و تسويته و تعديله و ليطابق الباطن الظاهر و الظاهر الباطن كما هو حكم الايجاد الطبيعي التعريفي يعني ليبيّن لكم .
و قوله « و كذا ما ورد من ان الجنة في السماۤء السابعة و النار في الارض السفلي » فان الحقّ في المراد من الحديث خصوص الجنّة ٱلسابعة او انّ الجنّة تحصيلها من اعمال العقل الذي هو نفس فلك زحل و كذا القول في النار لان الارض السابعة نفسها ارض الشقاوة اذ كل نار في ارضٍ فالجحيم تحت الارض الدنيا و لظي تحت الارض الثانية ارض العادات و سقر تحت الارض الثالثة ارض الطبع و الحطمة تحت الارض الرابعة ارض الشهوة و الهاوية تحت الارض الخامسة ارض الطغيان و السعير تحت الارض السادسة ارض الالحاد و جهنم تحت الارض السابعة ارض الشقاوة .
و قوله « ليس المراد الّا ما هو داخل حجب هذا العالم » معناه في نفس الامر ما ذكرنا لك .
و قوله « و ان الدار الاخرة داۤئمة مخلّدة و نعيمها غير زاۤئل و فواكهها غير مقطوعةٍ و لا ممنوعة بحكم الاصل الخامس » يعني بالاصل الخامس ما مر من قوله : ان القوّة الخياليّة من الانسان اعني نفسه الخياليّة جوهر منفصل الوجود ذاتاً و فعلا عن هذا البدن المحسوس و الهيكل الملموس كما مر ذكره فهي عند تلاشي هذا القالب باقية لايتطرّق الدثور و الخلل الي ذاتها [ص 234] و ادراكاتها انتهي ، و قد تقدّم الكلام عليه بانّه يري ان الجنّة و ما فيها عبارة عن الصور الخياليّة و انها عقلية باقية غير متغيرة بالمدد و الزيادة و انّما هي ثابتة قاۤرّة مستغنية في بقاۤئها عن ٱلمدد و انها ليست بجسمانيّة و بيّنّا بطلان هذه كلّها و بني هنا حكم بقاۤئها و ان نعيمها غير زاۤئل و انّ فواكهها غير مقطوعة و لا ممنوعة علي هذا الاصل و هو بناۤء علي اَساسٍ لا ثباتَ له بل علي شفا جُرفٍ هارٍ بل الجنّة و ما فيها عبارة عما في الدنيا و ما فيها من الاجسام و المطاعم و المشارب و الفواكه و الشهوات و المناكح و غير ذلك بعد تصفيته و تقويته و امداده و تشديده و ظهوره و احساسه و ادراكه و غير ذلك بحيث تكون كلّ شيء في الدنيا اذا كان في الجنّة او المكاره كلها اذا كانت في النار تتضاعف قوته و بقاۤؤه و حسن ما كان في الجنّة و قبح ما كان في النار و دوام لذّات الجنة و نعيمها و مكاره النار و اَليمها اربعةٰالافِ ضعفٍ و تسعمائة ضعفٍ و كل ذلك ممّا لولا المدد لتلاشي و اضمحلّ كما كان في الدنيا و لكنه هنا لقربه من المبدءِ الفيّاض الداۤئم الامداد كلّما اُخِذ شيء او اُكِل وجد بدله مكانه باحسن من الاول و ابقي نعيما و شهوة و لذّة من غير فصلٍ بين ما اُخِذَ و بدلِهٖ لعموم العلة المفيضة و اقربيّة البدل من المبدء و لهذا قال تعالي لا مقطوعة يعني انّها لولا دوام الامداد و اتّصاله لقبلت القطع و قال تعالي كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها و قال تعالي زدناهم عذاباً فوق العذاب ، فبقاؤها في الاخرة بعين ما به بقاۤؤها في الدنيا لاشتراك جميع الممكنات في الاحتياج في البقاۤء الي المدد اذ مدد كل شيءٍ لابقاۤئه ممّا منه ابتداۤؤه و كلّ ما له ابتداۤء فمحتاج في تكوّنه الي الماۤدّة و كل محتاج في تكوّنه الي الماۤدة مفتقر في بقاۤئه الي ما هو من نوعها و المصنف يلزمه من كلامه انه غير قاۤئل بالمعاد الجسماني و ان قال به لفظاً و انّه غير قاۤئل بجنّة المسلمين الّتي اثبتها صاحب [ص 235] شريعتهم و انه قاۤئل بما يُشْبِهُ قول الصَّابئة الاولي القاۤئلين باتّباع غاديمون و هرمس دون ساۤئر الانبياۤء عليهم السلام في بعض قولهما عليهما السلام و هو اثبات الامور الباطنة دون الظاهرة و الحاصل ليس علّة الخلود الغير المتناهي ما توهّمه من كون المجرّدات القادسة باقيةً ببقاۤءِ اللّه لا بابقاۤئه و هنا شبهة ذكرناها في شرح المشاعر و اشرنا اليها فيما سبق من هذا الشرح و اجبنا عنها و هي اَنَّ الحكماۤء بل جميع العقلاۤء من اهل العلم اتفقوا علي صحة قاعدتين احدهما ان كلّ ما له اوّل له اخر و الثانية ان كل ما سبقه العدم لحقه العَدم و مقتضي هاتين القاعدتين عدم خلود الجنّة و النار و ما فيهما و هو خلاف ما عليه المسلمون من جميع الملل و نطقت به شراۤئعهم و اخبرت به انبياۤؤهم عليهم السلام و اكثر العلماۤء يحكمون بسبق العدم علي الجنة و النّار و ما فيهما و القاۤئل منهم بفناۤئهما و لحوق العدم لهما بعد تطاول الدهور من القاۤئلين بوجودهما قليل بل ربّما انقرضوا و الاكثر قاۤئلون بالخلود غير المنقطع و هؤلاۤء منهم مَن اطلق الانقطاع في الاول و عدم الانقطاع في الاخر تسليما للشراۤئع و منهم من جعل القاعدتين في المعقول و هذه المسئلة لا دخل للعقول فيها و انّما هي قضيّة نقلية شرعيّة و منهم من جعلهما هما و ما فيهما من الملكوت الذي من شأنه انْ يترقّي من رتبة الفناۤء الي حضرة البقاۤء و اثبت الحركة الجوهرية كالمصنف و من هؤلاۤء من جعل اصلها غير مجعول و انما المجعول تنزّلها فترجع بالحركة الجوهريّة الي ما منه تنزّلت و هو علة بقاۤئها و بعض الحكماۤء قال بقدمها في البدء فيخرجها من القاعدتين و غير ذلك من الاقوال الخارجة عن الاستقامة المنحرفة عن الطريق القويم و انهم عن الصراط لناكبون و قدْ بَيَّنَّا انّ تلك الامور ٱلمشار اليها حادثة مسبوقة بالعدم بمعني انّها لمتكن موجودة في رتبة ما فوقها و حادثة ايضا بمعني انّها مسبوقة بٱلغير [ص 236] وَ اَنّ لَها اوّلاً و مقتضي القَاعدَيْنِ صحيح الّا انّ علة بقاۤئها تجدّد المَدد بنَحوين احدهما ظاهر و ثانيهما باطن فالنحو الاول انه سبحانه يُبْقيها بالمدَدِ بمعني انّ كلّ مَا فني منها اعادَهُ وعداً عليه انّه كان فاعلاً و هو علي كلّ شيء قدير فقال تعالي و فاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة و قال عطاۤءً غير مجذوذٍ و قال تعالي كلما نَضجت جلودهم بَدّلنٰهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب و هذا ظاهر و النّحو الثاني و هو ما اشرتُ اليه في شرح المشاعر و هو انه قد ثبت بدليل الحكمة ان كل شيء لايتجاوز مبدئَهُ فما مِن الاجسام لايدرك المثال و ما من المثال لايدرك الطبايع و ما من الطباۤئع لايدرك النفوس و ما من النفوس لايدرك العقول و هكذا فما بقي من مبدئه الي غاية نزوله مثلاً عشر سنين لايصعد من غاية نزوله الي جهة مبدئه اكثر من عشر سنين بيوم واحدٍ فلاتبقي الاشياۤء في عودها اطول من وقت بدئها الي اخر نزولها لان القوس النزولي قدر القوس الصعودي و هذا مفاد القاعدتين و الجواب انّه كلّما صَعِدَ رتبة من قوسه الصعودي المساوي لقوسه النزولي و اتاه المدد من المبدءِ الفيّاض الدّاۤئم الفيض و ذلك المدد ممّا لميَصل اليه لانه قبل مبدئه رتبةً نزل علي مبدئه لان المدد من القوس النزولي فاذا اتّصل بمبدئه كُسِرَ الشيءُ و صٖيْغَ بالمَدد من مبدءِ المدد فكان حينئذٍ مبدؤه قبل مبدئه الاوّل فيكون عودُه بقدرِ مبدئه الثاني و هكذا كلّما جاۤء مَدَدٌ من اعلي صٖيغَ الشيء من رتبته فيطول بقاۤء عوده و مثاله اذا كان في كيسك عشرة دراهم كانت نفقةً لك لعشرة ايام لاتزيد لكنّك بعد ان انفقتَ منها خمسةً في خمسة ايّام وضعتَ في الكيس عشرة دراهم فيكون ما في الكيس نفقة خمسةعشر يوماً لانّ ما في الكيس خمسةعشر درهما لا عشرة فلمّا انفقتَ خمسة في خمسة ايام زدتَ علي ما في الكيس عشرين كان ما في الكٖيْسِ ثلاثون لا عشرة فتكون نفقةً لثلاثين يوماً و هكذا [ص 237] كل ما زدتَ الدراهم حصل عدد اكثر من الاول و اعلي رتبةً فيطول بقاۤؤها و تكثر ايام اِنفاقها فكذلك ما نحن فيه من الجنّة و ما فيها و النّار و ما فيها فبكلِّ مددٍ متجدّد يعلو المبدأ و يترقّي و يطول العَود بنسبته و هذا التّرقي بالحركة الجوهرية علي ما ذكرنا لا كما ذكره المصنف من ثبوت حركة الجوهر بنفسه فانّه غلط فيكون الدوام و الخلود للدار الاخرة و ما فيها بالمدد علي طبق مقتضي القاعدتين بالنحو الظاهر و الباطن لا بحكم اصله الخامس كما نبّهناك عليه .
قال : و ان كان ما يشتاق اليه الانسان و يشتهيه يحضر عنده دفعة بل نفس تصوّره نفس حضور ذلك و انّما اللّذات و التنعمات بقدر الشهوات و هذا بحكم الاصل السادس .
اقول يريد ان كلّ ما يشتهيه الانسان حين تميل اليه نفسه يحضر عنده بنسبة ذكره و ميله بشهوته و محبّة حصوله فلو ذكر اشياۤء متعدّدة بميلٍ و شهوة متعدّدة حضرت مترتّبة بنسبة ذكرها و لو فرض ذكرها دفعة حضرت دفعة لانّ ميله لها علّة حصولها له بل نفس تصوره و ذكره لها نفس حضورها عنده لانّه بني حكمه هذا علي قاعدة اصْله السادس و هو ان جميع ما يتصوّرُهُ الانسان بالحقيقة و يدركه بادراك كان عقليّاً او حِسِّيّا في الدنيا او في الاخرة ليست بامورٍ منفَصِلةٍ عن ذاته مباينة لهويّته بل المدرك بالذات له انما هو موجود في ذاته لا في غيره انتهي ، لانّ الاشياۤء عنده في الاخرة لايُدْرِكُ منها الانسان الّا صوراً اخترعتها نفسه مماثلةً لَهُ و قد ذكرنا ما يلزمه هناك من عدم الاقرار بالجنّة الظّاهرة و ما فيها من الحور و القصور و انّ الامور الظاهرة معدّة مهيئة لذلك بل الحقّ ان تصوّره و ميله لذلك و شهوته له موجب لحضوره الذي هو كونه في المكان الذي يريده فيه لا حضوره الخاص الّذي [ص 238] هو وجوده فان ذلك انما يكون بفعل اللّه سبحانه لانه عز و جل خلق الاشياۤء للمؤمن و اخذ عليها الميثاق بالطاعة فاذا اراد كانت له كما اراد باذن اللّه تعالي فلايكون نفس تصوره نفسَ حضوره الّا اذا كانت حقيقته نفس ذلك التّصور و هذا هو معني كون الجنّة و ما فيها عقليّةً و المصنف يلتزم بذلك كله و لهذا قال و انما اللذات و التنعمات بقدر الشهوات و انت اذا تفهّمتَ قوله تعالي فلاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعين و فهمتَ المراد منها عرفت ان الامر علي عكس ما ذهب اليه المصنف في اصله و فرعه بل الاشياۤء المدركة و المتنعّم بها في الدنيا و الاخرة مباينة لذات الانسان و ليست الحوريّة صورة خياله لانّه لاينكح الّا المباين لنفسه و لاينكح صورة خياله و لايأكلها و لايشربها .
قال : و انّ مَنْشَأ ما يصل الي الانسان و يجازي به الانْسٰان في الاخرة من خير او شرّ او جنّة او نارٍ انما يكون في ذاته من باب النيات و القابلات و الاعتقادات و الاخلاق و ليست مبادي تلك الامور باشياۤء مباينة الوجود و الوضع له بحكم الاصل السّابع .
اقول يريد انّ مبدأ ما يصل الي الانسان في الاخرة من الجنان و الحور و الولدان و جميع انواع النّعيم و من النيران و انواع العذاب الاليم و منشأَهَا من احوال ذاته و شؤنها و صفاتها و افعالها و الحاصل جميع ما يجازي به في الاخرة من خير او شرّ او جنة او نار اصله في ذاته من شؤنه و صفاته من باب النّيات فانّها افعال القلوب و القابلات فانها افعال الوجودات و الاعتقادات فانها صفات القلوب و الاخلاق فانّها صفات النّفوس و الطباۤئع و ليست مبادي هذه الاشياۤء المذكورة من انواع النعيم و العذاب الاليم مباينة الوجود بان تكون وجوداتها مغايرة لوجود الانسان لان وجود الذات عنده هو وجود الصفات [ص 239] و الاحوال و لا مباينة الوضع له بان يكون النعيم نعيماً و العذاب عذاباً بغير بكونه صِفةً لذلك المستحقّ و اثراً لافعال و انما كان كذلك بكونه منسوباً الي صفاته و افعاله و اخلاقه و اقول قد بيّنّا فيما سبق ان هذه الامور في انفسها حقاۤئق مباينة للانسان و انما تنسب اليه و يستحقها لانّها قد صوّرت تلك المواۤدّ بصور اعماله الصورة الخاۤصّة اي المتميزة بها تصح نسبته الي غيره كما مثّلنا بالفواكه المجلوبة في السّوق فانّها متميّزة في انفُسِها الّا انّها صالحة لكلِّ من اشتراهَا و ادّي ثمنَها فاذا ادّي زيد ثمنها كانَتْ له قد صوِّرت بصورة ملكه بحيث صارت من جملة اَمْوَاله فهي في نفس الامر من عمله و منسوبة اليه لانها كسبه و عمله و يصدق ان تقول يا زيد ليس لك الّا مالك و لاتأكل الّا من مالك الّذي كسبته بيدك فاذا اكلتَ تلكَ الفاكهة لمتكن كذَّبْتَ مَن حكم عليك بانّك لاتأكل الّا ما كان من مالك فافهم المثل فانه كما قلنا انّ ثوابك و عقابك صورته صورة عملك يعني انّ عملك هو صورة ثوابك و عقابك و ذلك انّ الامر ٱلتكليفي ماۤدة نوعيّة و عمل المكلّف به صورة نوعيّة و المصنوع منهما صورة الثواب و العقاب صورته المصنوع من عمل المكلّف بخلاف الامر و هذه الصُّورة الثانية للثّواب اَوْ للعِقاب يصاغ عليها و هي كالثمن للفاكهة الّتي في السوق كما في المثل المشار اليه اذ بها الاختصاص بالعامل و اتّصافه بذلك الثواب او العقاب و ما ورد ممّا معناه انه اذا دخل اهل الجنّة الجنّةَ و اهلُ النارِ النار كشف للمؤمن مقعد من مقاعدِ اهلِ النار و يقال له هذا مقعدك لو انّك عصيتَ اللّهَ و كشف للكافر مسكن من مساكن اهل الجنّة و يقال هذا مسكنك لو انّكَ اطعتَ اللّه و هذا لايكون علي ما ذهب اليه المصنّف من ان جميع انواع النعيم و جميع انواع العذاب الاليم من باب النيّات و الاعتقادات فافهم و تنبّه فان الاخبار التي بعضها ما نقلناه بالمعني [ص 240] صريحة في ان تلك مباينة للانسان في الوجود الاصلي و في الصفتي الّا ما ذكرنا و اشرنا اليه من التصوير له بصورة عمله اذ صورة عمله هي صورة اكتسابه و انتسابها اليه و كذا في الوضع فانها قاۤئمة قياماً ركنيّا بنور الولي و هيئات اعماله و احواله فيكون وجهها الي مباديها منه عليه السلام نعم لها وضع له في جهة الاتصافِ و الاختصاص لا غير و اراد المصنف بالاصل السابع ما قرره من ان التّصورات و الاخلاق و الملكات النفسانية ممّا تستتبع آثاراً خارجيّة و قد تقدم عليه الكلام فراجعه ان احتجتَ الي ذلك .
قال : و ان بعض افراد البشر في كمال ذاته بحيث يصير من الملاۤئكة المقرّبين الذين لايلتفتون الي ما سواه و الي شيء من لذّاتِ الجنّة و طبقات نعيمها و ذلك بحكم الاصل الثالث .
اقول يريد بكلامِه انّ بعض افراد البشر في الاخرة يترقّي بذاته عن مراتب ابناۤء نوعه فتكون نفسه بحركتها الجوهريّة مثل نفوس الملاۤئكة غذاۤؤهم التسبيح و الذكر و الفكر و نعيمهم و لذتهم مناجاته و سماع كلامه و لايلتفتون الي شيء سوي اللّه تعالي و لا الي الجنّة و لذاتها و شهوات ما فيها من المناكح و المطاعم و المشارب و الملابس فجنّتُهمْ و جميع شهواتهم و لَذّاتِهم مقصورة علي معرفة الله و مناجاته و استماع كلامه كما قال عز و جل في الحديث القدسي حديث الاسرار في حق اصحاب الجوع و الصمت في هذه الدنيا و اذا تَلذّذ اهل الجنّة بمأٰكِلِهم و مشاربهم تلذّذوا بكلامي و بمناجاتي ه ، و يريد انّهم يترقّون عن درجات ابناۤء نوعهم بذواتهم لا باعمالهم و لا بالامدادات الالهيّة بل بحركات ذواتهم الجوهريّة و هو قوله و ذلك بحكم الاصل الثالث يعني به الاصل الثالث من الاصول السبعة الّتي جعلها قواعد لما قدّم من [ص 241] الاحكام و نحن قد تكلّمنا عليه و ابطلنا تلك الاصول السّبعة عند ذكرِها و انّ الحركة الجوهرية ثابتة بشرطين الاوّل ان يكون يتحرّك الجوهر هذه الحركة بشرطِ حُصُولِ ٱلمَدَدِ و صحّة القبول لا انّه يتحرّك الجوهر بنفسه لان الشيء لذاته لايصح ان يتجاوزَ مبدءَهُ كما ذكرناه في الفواۤئد و شرحها و فيما تقدم ايضا و ذلك من قوله تعالي و ما منّا الّا له مقام معلوم ، و الثاني ان يكون ترقّيه في مراتب افراد نوعه و لايتعدّي جميع مراتب افراد النوع و ان جاز ان يكون في اعلاها ما دام بتلك الحقيقة فلايكون احد من المؤمنين نبيّا بعمله و تعلّمه اِلّا اِذَا اَرَادَ القادر سبحانه ان يجعله نبيّا بان يقلب حقيقته فانه علي كل شيء قدير كما قال تعالي وَ لَو نشاۤء لجعلنا منكم ملاۤئكة في الارض يخلُفُونَ ، و نقول ايضاً ان هذه الحال الّتي اَشَار اليهَا مشكِّكةٌ بعض مراتبها ينالها بعض المؤمنين و لو في بعض احواله في الجنّة و بعض مراتبها لايصل اليها الّا اصحاب النفوس المعصومة و علي كل حال فلايكون الّا بالشرطين و امّا احتمال الوصول بمجردِ الحركةِ الجوهريّة فلا لعدم تحقّقها بدون الشرطَين المذكورين فافهم .
قال : قاعدة في وجوه الفرق بين الاجساد و الابدان الدنياويّة و الاخروية في نحو الوجود الجسماني و هي كثيرة منها ان كل جسد في الاخرة ذو روح بل حيّ بالذات و لايتصوّر هناك بدن لا حيوة له بخلاف الدنيا فانها يوجد فيها اجسام غير ذوات حيوة و شعور و الذي فيه الحيوة فان حياته عارضة له زاۤئِدة عليه .
اقول قوله « في وجوه الفرق بين الاجساد و الابدان الدّنياويّة » يصح علي الظاهر و جري لذلك قوله عزّ و جل و ان الدار الاخرة لهي الحيوان ، و امّا في الحقيقة فليس شيء في الموجودات ليس فيه حيوة بل جميع الاشياۤء من الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و الاعراض و النفوس و العقول [ص 242] من الوجود و كلها وجود و الوجود حيوة لا موت في شيء منه بل الموت حيّ و لهذا ورد انه يؤتي به في صورة كبش املح فيذبح بين الجنّة و النّار و يُنادٖي منادٍ يا اهل الجنة خلود و لا موت يا اهل النار خلود و لا موت و هنا كلام يطول ذكره ليس هذا محلّه و الحاصل ان كلّ شيء فهو مكلّف و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و كل مكلّفٍ فانه مكلّف في حياته بل كل شيء له شعور و اختيار و قد تقدم بعض البيان لذلك و هذا انشاۤء اللّه تعالي ظاهر لان كونها حيّة مختارة تسبّح بحمد اللّه سبحانه في دار الدنيا قد نطق به الكتاب و السنة و العقل و قد ذكر ذلك المصنف في مواضع من كتبه منها ما ذكره في شرح الايات من اوّل سورة الحديد فيحتمل انّ قوله هنا بخلاف الدنيا فانها توجد فيها اجسام غير ذوات حيوة و شعور جارٍ علي الظاهر او انّه اراد بالحيوة الّتي في اجسام الاخرة الحيوة الحيوانيّة الظاهرة بان يتحرك الجماد في الاخرة الحركة الاراديّة الظاهرة المحسوسة .
و قوله « بل حيٌّ بالذات » يريد به انّ ما في الاخرة من الاجساد حيّ بحيوة هي ذاته لانّ ما هناك ليس الّا صور علم الله تعالي و هي حيّة بحياته لانها شؤنه و ليْسَتْ هي الّا عبارة عن شؤن حياته و شؤن حياته من لوازم حياته الّتي غير متصوّرة الانفكاك عنْهٰا فهي باقية ببقاۤئها لا باِبقاۤئها كما ذكره في كثير من كتبه خصوصاً الكِتاب الكبير اذ معني قوله حيّ بالذات مع قوله بعد في الحي من الاجساد في الدنيا فانّ حياته عارضة له زاۤئدة عليه ان حيوة الاجساد الاخرويّة هي ذاتها ليست غيرها و لا من غيرها و لايمكن معقولية هذا الكلام الّا بجعلِ الاجسادِ قديمةً و لاتكون عنده قديمة الّا اذا ارادَ منها انها صور علمية او معانٍ عقلية فانّها حينئذٍ تصح علي مذهبه او يريد منها عين الوجودات فانّها من حيث ذاتها غير حادثة و لا مجعولة و اِنْ لَحِقَها [ص 243] شيء من النقاۤئص فانّما ذلِك بتبعية مراتب تنزّلاتها فهي عارضة من المراتب و الوجودات بريۤئة في ذواتها عَنْ نقاۤئص الحدوث و لوازمها و بالجملة طريق الرجل في جميع اعتقاداته معلوم و اما طريقنا في هذه و امثالها قد سمعته و هنا هو ان الاخرة و ما فيها حيّة كما في الدنيا الّا انّ ما في الاخرة من الجمادات و الاجساد باقية بابقاۤء الله سبحانه بما يفيض عليها من الامدادات و باِعَادةِ ما تهافتَ بلا مهلة و لا فصل بين الذاهب و اعادته اَوْ بدله بحيث لايحصل فقدانٌ بحالٍ من الاحوال و ان حيوة جماداتها و اشجارها و ان كانت كحيوة جمادات الدنيا و اشجارها الّا انها لطهارتها و شدّة صفاۤئها و تخليصها من الاعراض الغريبة و تحلية المؤمن بحلية الولاية و الملك الكبير و الربوبيّة اذا شاۤء المؤمن ظهور حياتها بحيوة الحيوان بل بحيوة الانسان ظهرت و كالمته باللسان العربي المبين امّا بان يشاۤء ذلك او يقتضي النعيم و الملك الكبير ذلك و ذلك لشدّة صفاۤئها و خلوصها و كثرة فاضل انوار المؤمن المتمّمة لكل نقص و انّما قلتُ و لا فصل بين الذاهب و اعادته او بدله لاني اريد اَنّ ما اكله المؤمن او اخذه من ثمرة الشجرة مثلا ان كان اكله اُعٖيدَ و ان اخذه قبل الاكل وُجدَ مَكانه مثله كلّما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابهاً و اعلم انّ كل شيء في الدنيا و الاخرة من الجمادات و النباتات و المعادن و ٱلحيَوانات ففيه حيوة بنسبة رتبته من الوجود الكوني و هي في كلّ حيّ علي نمطٍ واحدٍ ليس في الموجودات الامكانيّة شيء حياته ذاتيّة و شيء حَياته عرضيّة بل كلّها بنمطٍ وَاحدٍ في كلِّ الاشياۤء في الدّنيا و الاخرة الّا انّ بعضها اقوي من بعضٍ حيوة و اظهر و ما كان في الاخرة اشدّ و اَتمّ و كلّ ذلك لقربه من المبدء الفيّاض لانّ الاخرة اقرب من الدّنيا اليه .
[ص 244] قال : و منها ان اجسام هذا العالم قابلة لنفوسها علي سبيل الاستعداد و نفوس الاخرة فاعلة لابدانها علي وجه الايجاب فهيهنا ترتقي الابدان و المواۤدّ بحسب استعداداتها و استحالاتها الي ان تبلغ الي حدود النفوس و في الاخرة بين الامر من النفوس الي الابدان .
اقول من جملة الفروق التي ذكرها بين اجساد الدنيا و اجساد الٰاخرة انّ اجسام الدنيا قابلة لنفوسها يعني ان الاجسام تترقي بحسب استعداداتها بحركتها الجوهريّة حتّي تكون صالحة لقبول نفوسها يريد انها تكون مبدءاً للنفوس بان تتلطّف حتّي تكون رُوحاً بُخَاريّاً ثم تكون نفساً انسانيّاً ثمّ تكون عقلاً فالاجسام تكون قابلةً لِاَنْ تكون نفوساً و في الاخرة يلزمها احداث اَبدانِها اي المنسوبة اليها من جميع الجنّة و ما فيها لان ذلك بمنزلة الخواطر و النيات منها و اقول كلامه متفرّع علي ما تقدم و قد ذكرنا انّه لا فرق بين اجسام الدنيا و اجسام الاخرة في شيء و لا بين النفوس في الدارين الّا بالشدة و الضّعف و الصفاۤء و الكثافة و قوّة القبول و ضعفه و قوّة التأثير و ضعفه و امثال ذلك و ليس ذلك علي شيء مما ذكر و انّما هي كَاَشِعَّة السراج كلّ ما قرب من السراج اشتدّت قوته في تلك الاثار و الامور المذكورة و كل ما بعد ضعفت قوته .
قال : و منها ان القوّة هيهنا مقدّمة علي الفعل زمانا و الفعل مقدّم عليه ذاتاً و هناك القوّة متقدّمة علي الفعل ذاتاً و وجوداً .
اقول امّا ان القوّة في الدنيا مقدّمة علي الفعل زماناً و الفعل مقدم عليها ذاتاً فظاهر صحيح لان الافاعيل و الاثار نزلت في هذا العالم بِواسطَةِ اَسْبَابها فبطنت مباديها في امكان الفاعلين فكانت بالفعل قبل البطون من مباديها الاصليّة فكان الفعل سابقا في الذات و في الدهر لان وجودها و ظهورها من [ص 245] الخزاۤئن بالفعْل من المبدء الفياض فلمّا كمنَتْ اسبابها و دواعيها في قوي ٱلفاعِلينَ و امكاناتهم كانَتْ بالقوة موجودة في الدار الاولي فيهم قبل ظهور اثارها بالفعل زمانا فاذا فعلوا بما امكن فيهم من الاستطاعة الامكانية شيئاً بالاستطاعة الفعليّة كانت تلك الافعال و ما ترتّب عليها من الاثار بالفعل فيكون الفعل متأخّرا عن القوّة زماناً و ذلك كالحبّة حين زرعتها فانّها حين كونها عوداً اخضر حبّة بالقوة قبل كونها في السنبلة حبّةً بالفعْل زمانا و بعد كونها حبّة بالفعل ذاتاً فما بالقوّة سابق علي ما بالفعل في الزمان و هذا في القوس الصعودي ظاهر لتفرّعه في الظهور علي القوس النزولي في البطون و امّا انّ القوة في الاخرة مقدّمة علي الفِعْل ذاتاً و وجوداً فمبنيّ علي حصر النّظر علي خصُوص الكون في عالم الشهادة في الدّنيا فان القوّة فيهما اي في عالم الشهادة في الدنيا و في الاخرة متقدّمة علي الفعل كما قال الّا في شيء و هو قوله و الفعل مقدّم عليه ذاتا فان الفعل متأخر عنها ايضا كما في الاخرة لانّه ان لميرد بالفعل ما في الشهادة لمتكن القوة متقدّمة عليه الّا بلحاظ الامكان لا الاكوان و انه من القوة لا من الفعل و الّا فان اوّل صادر من مَراتب الشيء في الاكوان الفعل فلمّا بعد عن المبدء و انْتقل الَي نشأةٍ اخري كان ما بالفعل بالقوة و في هذه النشأة الاخري تكون القوة متقدّمة علي الفعل زماناً اذا كان تحت الفلك و الفعل مقدّم عليها ذاتاً بلحاظ ما قبل هذه النشأة و في الاخرة ايضا تكون القوّة متقدّمة علي الفعل ذاتا و وجودا بلحاظ القوس الصعودي بخلاف لحاظ القوس النزولي و لو في النزولي الاخروي فافهم .
قال : و منها ان الفعل هيهنا اشرف من القوة لانّه غاية لها و هنالك القوة اشرف من الفعل لانها فاعلة له .
اقول القوة فاعلة له في الدارين في لحاظ القوس الصعودي و هو [ص 246] فاعل لها في الدارين في القوْس النزولي لان القوة في اصل الكون فعل قد كمن في نزوله في القوي المتّصفة به ثم يخرج بعد الكمون باثاره كما تري حبّة الحنطة فانها حبّة بالفعل فاذا زرعتها و كانت عُوداً اخضر كانت حبّة بالقوّة فاذا بلغت السنبلة و صحت كانت حبة بالفعل هذا في القَوس النزولي فان المتقدم الفاعل هو الفعل سواۤء كان في الدنيا ام في الاخرة في القوس النزولي في الامدادات و امّا في القوس الصّعودي فالمتقدّم الفاعل في الدارين هو القوّة و امّا في الشرف فالفعل اشرف من القوة لانه في حال تأخره غاية لها و في حال تقدمه فاعل لها اذ هي عبارة عن الفعل الكامن الغاۤئب فهي امّا حال له او اثر له فهو اشرف في الدارين .
قال : و منها ان ابدان الاخرة و اجرامها غير متناهيةٍ علي حسب اعدادِ تصورات النفوس و ادراكاتها لان براهين تناهي الابعاد غير جارية فيها بل في جهاتٍ و احيازٍ ماديّتين و ليس ايضا فيها تزاحم و تضايق و لا بعضها من بعض في جهة خارجة و لا داخلةٍ و لكل انسانٍ من سعيد او شقيٍ عالَمٌ برأسه اعظم من هذا العالم لاينتظم مع عالم اخر في سلك واحدٍ و لكلٍ من اهل السعادة ما يريده من الملك باي فسحةٍ يريدها و الي هذا المعني اشار ابويزيد بقوله لو ان العرش و مَا حواه دخل في زاويةٍ من زوايا قلب ابييزيد لَمااحَسَّ به .
اقول يريد ان ابدان الدنيا متناهية كما هو مبرهن عليه في علم الحكمة و علم الكلام و امّا ابدان الاخرة فانّها غير متناهية لانها جارية علي حسب اَعْداد تصوّرات النفوس لانها هي مصادرها و التصورات غير متناهية و قد قدّم انّ تلك الادراكات و التّصورات النفسانيّة هي منشأ هذه الصور الباقية و هي لاتدخلها الابعاد و انما حكم علي ابدان الدنيا بالتناهي لانّها محيطة [ص 247] بها و هي متناهية كما ذكر في برهان التّرسي و السلّمي و غيرهما و الترسي انه اذا فُرِض شيء مستدير كالترسِ و الداۤئرة و قسمت داۤئرته باقسام ستة متساوية بان تتقاطع علي نقطة قطبها ثلاثة اقطارٍ فانه يحدث فيها ستّ قطع ما بين كل نصفي قطرٍ قطعة يحيطانِ بها فاذا جمع بين طرفيهما بخطّ مستقيم حدث منها مثلّث متساوي الاضلاع فاذا كان كلّ من نصْفي القطرين ذراعا كان ما بين طرفيهما ذراعا فاذا ذهبا الي غير النهاية كان بُعد ما بين طرفيهما بقدر كل منهما و هو متناهٍ لوقوعه بين حاصرين فيكون ما لايتناهي بقدر ما يتناهي فيكون متناهِياً و شرطه اَن يكون بعد ما بين الساقَيْنِ بقدر كلٍّ منهما في كلّ امتدادٍ فهذا هو البرهان الترسي و امّا البرهان السُّلَّمٖي فهو ان يفرض خطان اجتمع طرفان منهما و انفرج الاخران و تنحفظ فيهما نسبة الانفراج بان يكونا مستقيمين لان المستقيمين لاتختلف بينهما نسبة الانفراج و هي مثلا اذا ذهبا ذراعا كان بينهما ذراع و اذا ذهبا ذراعين كان بينهما ذراعانِ كما في الترسي و هكذا او اذا ذهبا عشرة كان بينهما ذراع فاذا ذهَبا عشرين ذراعا كان بينهما ذراعين فاذا ذهبا ثلاثين ذراعا كان بينهما ثلاثة اذرُع فتراعي بينهمَا النسبة فهذا شرطه و ان كانت لاتفقد في المستقيمَيْنِ فاذا ذَهَبا الي غير النهاية كان الانْفراج الي غير النهاية بالنسبة المعلومة فيكون الانفراج متناهياً لوقوعه بين حَاصِرَيْنِ و يكون امتدادهما متناهياً لكونه معلوماً بنسبةِ المتناهي و هو ما بينهما و هذانِ و امثالهما مما يدلّ علي تناهي الابعاد يدلّ علي تناهي ابدان الدنيا لتناهيها بالابعاد و امّا اجسام الٰاخرة فلمّا كان يذهب الي انها صور خياليّة من عالم المجردات الملكوتيات قال بعدم تناهيها و لِذَا علّلها بان براهين تناهي الابعاد غير جارية فيها اي في ابدان الاخرة بل في جهاتٍ و احيازٍ ماۤدّيّتين كابدان [ص 248] الدنيا و ايضا ليس في اجساد الاخرة تزاحم و لا تضاۤئق و ليس بين بعضها و بعض نسبة جهة خارجةٍ او داخلة بان يكون هذا الي جهة يمين ذاك دون شماله او فوقه دون تحته لانها بساۤئط مجردة عنده و المجرّدة لا تحاجُبَ فيها و لا تمانع و اقول امّا اجسام الاخرة فلها كثير من احوال المجردات بمعني انّها تدرك الاجسام المعاني و الصور كالعقول و النفوس و كذلك عقولهم تدرك المحسوسات كالاجسام فاجساد اهل الجنة لطُهرِهَا و صفاۤئها و انقياد كل شيء لما تشتهيه هي و نفوسها كانت تحيط بما تحيط به العقول و لقد روي عن النبي صلي الله عليه و اله ما معناه انّ المؤمن اذا ادّي زكوة ماله في الدنيا تكون في الاخرة له جواداً كاحسن جوادٍ يكون في الدنيا فيقال له اركب و اركض في ارض الجنّةِ سنة و ما بلغ جوادُك فهو لك و انه ليقطع في كل طرفة عينٍ بقدر الدنيا سبع مرات ه ، و هذا لايكاد يعقل في الاجساد ما دامت في ثقلها و كثافتها فاذا طهرت خفّت و ان الدنيا كلها خطوة مؤمن و لقد روي صفوان بن مهران الجمال قال امرني سيدي ابوعبدالله عليه السلام يوماً ان اقدّم ناقته الي باب الدار فجئتُ بها فخرج ابوالحسن موسي عليه السلام مسرعا و هو ابن ستّ سنين فاستوي علي ظهر الناقة و اثارها و غاب عن بصري قال فقلتُ اِنّا لِلّهِ و ما اقول لمولاي اذا خرج يريد ناقته قال فلما مضي من النهار ساعة اذا الناقة قد انقضّت كأنها شهاب و هو ترفضّ عرقا فنزل عنها و دخل الدار فخرج الخادم و قال اَعدِ الناقة مكانها و اَجِب مولاكَ قال ففعلتُ ما امرني به و دخلتُ عليه فقال يا صفوان انما امرتُك باحضار الناقة ليركبها موسي فقلتَ في نفسك كذا و كذا فهل علمتَ يا صفوان اين بلغ عليها في هذه الساعة انه بلغ ما بلغه ذوالقرنين و جاوزه اضعافاً مضاعفة و ابلغ سلامي كل مؤمن و مؤمنة ه ، فانظر الي فعله عليه السلام [ص 249] لطهارة جسده الشريف و اجساد المؤمنين في الجنّة من شعاع هذا الجسد الطاهر عليه السلام الّا ان اجسادهم مع هذا و اعظم منه متناهية الاتسمع الي قوله صلي الله عليه و اله و اركض في ارض الجنّة سنة و قوله عليه السلام في كل طرفة عين بقدر الدنيا سبع مرات فان ذلك كله حدود التناهي ان كنت تفهم بل العقول و النفوس في الجنّة متناهية بل كل مخلوق متناهٍ بنسبَتِه مستندٍ في بقاۤئه الي تلقّي المدد الذي به بقاۤؤهُ الي علّته .
و قوله « و لكل انسانٍ من سعيد او شقي عالم برأسه » صحيح بمعني حصوله له في الدنيا في مرءاة خياله من صور معلوماته المنتزعة من الخارجيّة فهي متعدّدة كتعدّد الصور في المرايَا المتعددة من مقابلة شخص واحدٍ و هي صور ظلّيّة و اشباح مثاليّة خياليّة فاذا دخل صاحب تلك الصور الجنّة ثبت له منها كلّ ما هو حقّ و اثرٌ مِن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام فيحدث الله سبحانه من المُثُل التي في خزاۤئن غيبه الامكاني و الكوني التي انتزع خياله منها الصور له ما شاۤء مثاله اذا تصوّر الف رجل كل منهم مركوباً له جناح من ذهب و جناح من فضّة يطير عليه الي ما شاۤء و اتّفقت تصوراتهم بشكل واحد من غير اختلاف فانهم كلهم انتزعوا تلك الالف الصورة من مثالٍ واحدٍ من الخزاۤئن الامكانية او الكونية و ذلك المثال اصل لها كان قد احدثه الله سبحانه اصلاً كلّيّا لاينتهي ما امكن فيه ابداً فاذا اشتهوا ذلك خلق اللّٰه من ذلك المثال لكل واحدٍ منهم مركوبا كما تصوّره لان ذلك المثال قالب للمدد الذي يحدثه بفعله فالمدد مواۤدّ لتلك المركوبات و قالب صورها هيئة ذلك المثال و هكذا في كل شيء و ليس كما توهمه المصنف من ان تلك الصور الخياليّة هي بنفسها تقوي و تشتد حتّي تكون جواهر لا من مدد جديدٍ بل لانها صور النفوس المتحركة بنفسها بالحركة الجوهريّة حتي تقوي بل [ص 250] بالمدد الجديد الذي اشار اليه سبحانه بقوله عطاۤء غير مجذوذ و قال كلّما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اُتوا به متشابها و قال كلّا نمد هؤلاۤء و هؤلاۤء من عطاۤء ربّك و ماكان عطاۤء ربّك محظوراً و قال ان المتقين في جناتٍ و عيونٍ آخِذٖين ما آتيٰهم ربُّهم و قال في اهل النار زدناهم عذابا فوق العذاب .